كنوز الرحّالة


عبر مساحات وسط آسيا الشاسعة، ملأت قبائل عديدة، في مواكب لا تنقطع، أراضي منغوليا وألتاي، تذكّروا نداء الجبال البعيدة الأخرى وواصَلوا المسير، غير مكترثين بالأيّام أو السنين أو القرون التي قضوها في الترحال. وفي تلك الأرض، نثر العديد من الرحّالة القدماء كنوزهم.
وتحفظ ذاكرة الناس قصصا عن آثار أولئك الرحّالة العظماء، تزيّنها الخيالات بأبهى الزخارف. تُتداول المخطوطات بكثرة بين أيدي الناس. ويحمل المغنّون الجوّالون والشعراء والرهبان والمتسوّلون حكايات رائعة عن تلك الكنوز، منقوشة بلغات سرّية وغامضة.
أحيانا يمكنك رؤية هذه الكتابات الغريبة على أوراق صفراء، وقد تآكلت زواياها من كثرة الاستخدام. جابت هذه المخطوطات العديد من القرى والبلدات والمخيّمات. وكُتبت بخط قديم، يشبه أحيانا كتب الصلوات القديمة، بزخارف وتفاصيل مبهمة.
وليس من السهل فكّ رموز هذه العلامات البدائية. صحيح أن بعض الأماكن مُشار إليها بشكل صحيح، وبعض التفاصيل المميّزة مدوّنة. لكن من غير المعروف ما إذا كانت الكنوز قد عُثر عليها في هذه الأماكن تحديدا. إمّا أن الإشارة الدقيقة كانت مخفيّة، أو أن المكتشفين المحظوظين كان لديهم سبب للتكتّم.
منذ أقدم العصور، نُهبت القبور والتلال القديمة. ويبدو أن من عاشوا هناك بعد فترة وجيزة من بنائها استمرّوا في التعدّي عليها، وكانوا على دراية تامّة بجميع المداخل والممرّات المؤدّية إلى أماكن الدفن. كان للعادة القديمة بقتل كلّ من يقوم بالدفن سببها الخاص.
ذات مرّة، لاحظ راعي غنم صغير في السهوب بريقا ذهبيا على سفح تلّ. وكانت مكافأته مُجزية. فقد وجد مائتي رطل من الذهب مخبّأةً في أوانٍ قديمة.
وكانت كتب الباحثين عن الكنوز تشير الى أماكن وجودها بصيغ مثيرة وتفاصيل دقيقة.
أحد تلك الكتب يقول: إنطلق من الحقل الأحمر باتجاه شروق شمس الشتاء. اتبع هذا الدرب حتى ترى تلّة قبر. إصعد هذه التلّة ثم انعطف يسارا وتابع سيرك نحو الجدول الضحل. ثم اصعد مع الجدول حتى ترى حجرا رماديّا ضخما. ستجد على هذا الحجر أثر حافر حصان. اترك الحجر خلفك وتابع سيرك من أثر الحافر حتى تصل إلى مستنقع صغير. إعلم أن أناسا غرباء مجهولين دَفنوا هناك خمس قطع ضخمة من الذهب.
ويذكر آخر: في غابة الأيائل، على الممرّ المتقاطع، توجد شجرة صنوبر ضخمة. لم تُترك هذه الشجرة هنا عبثا. من يبحث سيجد بعض العلامات المنقوشة عليها. قف وظهرك لهذه العلامات، وامشِ مباشرة منها عبر مستنقع الطحالب. ستجد مكانا صخريّا، ثم حجرين أكبر من غيرهما. قف بينهما في المنتصف وعُدّ أربعين خطوة باتجاه غروب الشمس. هناك برميل كبير من الذهب مدفون في ذلك المكان منذ عهد القيصر إيفان الرهيب.

❉ ❉ ❉

❉ ❉ ❉

وهذا كتاب آخر يتحدّث عن كنز أروع: على نهر بيريسنيا، إبحث عن معبر يسمَّى معبر الأمير. ومنه امشِ مرّة أخرى باتجاه غروب الشمس الربيعي. وعندما تقطع 300 خطوة، استدر جانبا قليلا. وامشِ ثلاثين خطوة إلى اليمين. ستجد ما يشبه حفرة قديمة. خلف هذه الحفرة سترى جذع شجرة كبيرة. هناك دُفن كنز عظيم يتكوّن من عملات ذهبية كبيرة وأنواع مختلفة من الدروع الذهبية. وقد دُفن هذا الكنز أثناء الغزو المغولي.
ويتحدّث كتاب آخر عن كنز كبير آخر: على شاطئ نهر إيرتيش، ستجد موقعا أثريّا. وفي هذا الموقع كنيسة قديمة. وخلفها قد ترى مقبرة قديمة. وبين القبور، ستجد تلّا صغيرا. وتحت هذا التلّ، كما يروي كبار السنّ، ممرّ جوفيّ عميق يؤدّي إلى كهف صغير، فيه كنوز لا تُحصى. توجد كتابة قديمة عن هذا الكنز في كاتدرائية صوفيا. ويقوم المطران بنفسه مرّة في السنة بقراءة هذه الكتابة على القادمين من بعيد.
ويصف كتاب آخر مكان كنز دونه أهوال: هذا الكنز مدفون بتعويذة قاتلة. إن قرّرتَ السعي وراءه، فستُصاب بصداع وقلق شديدين. وفي منتصف الليل ستسمع أصواتا مرعبة. وسيدقّ جرس فوقك، كما لو كان يعلن عن جنازة. ولكن إن نجحتَ في التغلّب على كلّ هذه الأهوال المميتة وقرّر قلبك أن يتحدّى كلّ خوف، فسيكون الكنز لك.
ويضيف: هناك مكان جبلي يُدعى "العُرف العظيم". يتدفّق منه جدول ذهبي، وقد أغرق اللصوص في هذا الجدول كمّيات لا تُحصى من الذهب. وفوق هذا المكان، ترفرف طيور صغيرة باستمرار. ويقال إن أرواح أصحاب هذا الذهب السابقين قد تحوّلت إلى هذه الطيور. وعندما تسمع زقزقة الطيور وترى هذا المكان، أغلق أذنيك وانظر إلى الجدول.
إذا رأيت أنك لست وحدك، فلا تقلق. سترى في قاع الجدول لوحا كبيرا. وفي هذا اللوح حلقة حديدية مثبّتة. وفوقها، يتدفّق الماء من الجبال، وسيبدو لك في تموّجاته أن هذا اللوح يهتزّ والخاتم يختفي. لا تقلق من هذا أيضا، بل ابدأ بقراءة بعض الآيات والصلوات.
هنا ستعرف كيف تُظهر حظّك. إذا نجحت في تحويل مسار الماء عن الأرض واستخراج الألواح والامساك بالخاتم في الوقت المناسب، فستكون محظوظا كثيرا!"
كنوز كثيرة مدفونة في كلّ مكان في هذه الأرض، كُتب عنها الكثير. مؤخّرا قال حدّاد مسافر: في جوف سيبيريا كنوز كثيرة مدفونة". كان الرجل يتمتّع بمظهر رائع. أضاف: أعرف هذا من جدّي. لكلّ إنسان كنز مدفون، لكن عليه أن يعرف كيف يأخذه. لا يُعطى الكنز للخائن ولا للسكّير. لا تصغِ إلى الكنز بأفكار شرّيرة، فالكنز يعرف قيمته. لا تجرؤ على إيذاء الكنز، بل يجب أن تحافظ عليه".
وأضاف: سقطت كنوز كثيرة من النجوم، وتحرس الملائكة كنوزا أكثر. لا تُدفن الكنوز بكلمة حمقاء، بل بالدعاء والتعاويذ. وحيثما وُجد دم على كنز، فالأفضل ألا يُقترب منه. الشيطان نفسه ومعه جميع الشياطين يحرسون الذهب الملطّخ بالدماء."
- وأين كنزك أيها الحدّاد؟ لماذا لم تأخذ كنزك؟"
- هناك كنز مدفون في داخلي. أنا وحدي أعرف متى أسعى إليه."
ولم يتحدّث الحدّاد بعد ذلك عن الكنوز.

Credits
archive.org

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أبو بكر سالم: صورة الفنّان

الأزرق: تاريخ لون

لقاء بين امرأة وطائر 1 من 2