المشاركات

تكبيليك: سُلطان القلوب

صورة
من الأشياء الجميلة التي اكتشفتها في أوّل عهدي بالانترنت موسيقى الفنّان التركيّ عمر فاروق تكبيليك. عذوبة ألحانه وأناقة توزيعه الموسيقيّ ومزجه الرائع بين الموسيقى العربية والتركية والفارسية واليونانية والاسبانية، بل وحتى موسيقى الجاز الأمريكيّ، هي من أهمّ سمات موسيقاه. في تلك الفترة، لم يكن تكبيليك قد اصدر سوى ألبوم أو اثنين، وأتذكّر أن عنوان أحدهما "ألِف"، وهو عنوان جميل وذو دلالة خاصّة، فالألِف هو أوّل حروف الأبجدية العربية، كما انه أوّل أحرف لفظ الجلالة "الله". وفي السنوات التالية وحتى الآن، أصدر العديد من المجموعات الموسيقية التي يربو عددها اليوم على السبع. في معظم صوره على الانترنت، يظهر تكبيليك وهو يعزف على الناي. وهو يتعامل مع هذه الآلة بطريقة ناعمة وحالمة. وقد تعلّم عزف الناي وهو في سنّ الثامنة، وفي الثانية عشرة أصبح يعزفه بحرفيّة. كما تلقّى دروسا على يد أشهر الموسيقيين الأتراك، مثل عصمت سيرال وأورهان كنج بيه وهو عازف وتريات وأحد ابرز ممثّلي الموسيقى المسمّاة بالأرابيسك. وما من شكّ في أن تكبيليك هو احد الموسيقيين الروّاد الذين أسهموا في نشر موسي...

الرومانسيّة في العالم المعاصر

صورة
إذا كنت تعتقد أن الرومانسيّة هي قصائد الحبّ وباقات الورد وشموع الليل المعطّرة، فعليك أن تعيد النظر في فهمك. فالرومانسيّة، في واقع الأمر، اكبر وأشمل من هذه الأشياء والارتباطات البسيطة. بدأت الرومانسيّة كحركة فنّية وفكرية وأدبية في ألمانيا وفرنسا في منتصف القرن الثامن عشر. وكانت روحها المحرّكة هي الثورة ضدّ المؤسّسة وضدّ القواعد والقوانين والأفكار والصيغ الجاهزة التي طبعت الكلاسيكية. كان الرومانسيّون يفضّلون الخيال على العقل، والمشاعر على المنطق. وكانوا يرون أن التعويل يجب أن يكون على المشاعر والفطرة كمرشد أساسيّ في الحياة بدلا من العقل والتحليل. كما كانوا يُعلون من شأن التعبير عن الذات والفردانية ويؤمنون بأن الناس يجب أن يخضعوا لما تمليه عليهم مشاعرهم التلقائية، بدلا من الاحتكام للقواعد والطقوس الباردة التي رسمها المجتمع البورجوازيّ. وكانوا أيضا ضدّ الآداب والتقاليد الاجتماعية، مفضّلين الصراحة والحديث المباشر. وكانوا يفترضون أن الأطفال أنقياء وطيّبون وأن المجتمع هو الذي يفسدهم. ومن سمات الرومانسيّة الأخرى أنها تكره المؤسّسات وتمجّد الأفراد الشجعان من خارج المؤسّسة الذين...

إيفان والعنقاء والذئب

صورة
كلّ القصص أو الأساطير التي تتضمّن عنصر عنقاء أو ذئب عادةً ما تكون ممتعة ومثيرة للاهتمام. العنقاء لأنه رمز للتجدّد واستمرارية الحياة، والذئب بسبب طبيعته الجدلية والغامضة في مختلف الثقافات. تشير الأساطير القديمة إلى أن العنقاء (أو طائر النار كما يُسمّى أحيانا) له هيئة أشبه ما تكون بالطاووس، وريشه ذو ألوان برتقالية وصفراء وحمراء لامعة. وعندما يظهر في السماء ليلا فإن نوره يضيء الأرض التي تحته. والعلامة التي تدلّ على وجود هذا الطائر في بقعة ما هي عندما يعثر شخص على ريشة منه. وبعض الأساطير تقول إن ريشه يشعّ بالضوء حتى عندما يسقط عن جسمه. وكان الملوك في الأزمنة القديمة يسعون بشتّى الطرق لامتلاك هذا الطائر الخرافيّ وأسره وهو حيّ، لأنه - كما تقول الأساطير - يعزّز المكانة ويضاعف الثروة. لكن الرحلة إليه صعبة جدّا ومحفوفة بالمخاطر. والشخص الذي يُختار لهذه المهمّة يجب أن يتحلّى بالشجاعة والنبل وبالجرأة على اقتحام المخاطر والصعاب. من جهة أخرى، يُعتبر الذئب أكثر غموضا من العنقاء، وهو حيوان مختلَف عليه كثيرا. فهو طيّب في أساطير الرومان والإغريق، لكنه مرتبط بالخطر والدمار والشيطان في...

كلام في الموسيقى

صورة
بعض محبّي الموسيقى الكلاسيكية كثيرا ما يثيرون في نقاشاتهم بعض الأسئلة والافتراضات والمقارنات التي تتناول حياة الموسيقيّين القدامى وأساليبهم وأثرهم في الأجيال التي أتت بعدهم. وأحد الأسئلة المثارة عادةً هو التالي: أيّهما أعظم، موزارت أم بيتهوفن؟ - أولا المقارنة بين الاثنين تبدو تبسيطية ومخلّة، لأنهما مختلفان تماما في أسلوبيهما. والمقارنة بينهما مثل أن تقارن بين زهرتين مختلفتين في اللون والرائحة. كما أن المسألة لها علاقة بالذوق والتفضيل الشخصيّ. لكن الإحصائيات قد توفّر أحيانا مؤشّرا عن أيّ من الاثنين يتمتّع بشعبيّة اكبر في مرحلة زمنيّة معيّنة. موسيقى موزارت فيها دفء متأصّل وشفافية وإحكام. وموسيقى بيتهوفن فيها عمق ومواجهة وتتطلّب من السامع أن يعيرها كلّ اهتمامه. ودفء موزارت واضح في العديد من مؤلّفاته الموسيقية. كما أن فيها إنسانية يمكن أن تلمسها خاصّة في أعماله الأوبرالية التي تكشف عن خبرة ومعرفة عميقة بالنفس الإنسانية. بيتهوفن أيضا جرّب كتابة الأوبرا مع انه لم يتميّز فيها، وهو كتب أوبرا واحدة فقط هي فيدليو التي لا يرى فيها الكثيرون دليلا على عظمة تأليفه للأوبرا. كم...

السجّاد الشرقيّ في الرسم الأوربّي

صورة
الشعبية الكبيرة التي اكتسبها في أوربّا السجّاد الشرقيّ المنسوج في العالم الإسلاميّ ابتداءً من القرن الرابع عشر فصاعدا تعكسها التصاوير المتكرّرة لهذا السجّاد في لوحات الرسم الأوربّي. وتُعتبر تلك اللوحات مصدرا أساسيّا للخبرة في السجّاد الشرقيّ المبكّر. وهناك مجموعات عديدة من السجاجيد الإسلامية من الشرق الأوسط تُسمّى اليوم بأسماء الرسّامين الأوربّيين الذين رسموها وضمّنوها في لوحاتهم، مثل لورنزو لوتو و هانز هولبين و دومينيكو غيرلاندايو و كارلو كريفيللي و هانز ميملينغ . وهؤلاء الرسّامون تُستخدم أسماؤهم اليوم لتصف مجموعات معيّنة من السجّاد المنسوج في تركيا العثمانية على وجه الخصوص. منذ عصور المسيحية المبكّرة أصبح امتلاك سجّاد من قماش نفيس من الشرق مرتبطا بالثروة والقداسة. وعندما رسم الفنّان الايطالي دوتشيو قصّة الأشخاص الذين فرشوا سجاجيدهم تحت أقدام المسيح، فإنه إنّما كان ببساطة يجدّد مفهوما ثقافيّا قديما. وهناك لوحة من القرن الخامس عشر رسمها جيوفاني دي باولو بعنوان المادونا والطفل مع ملاكين تصوّر سجّادا قديما ونادرا من تركيا مفروشا تحت قدمي العذراء. وتكرّرت صورة ذلك ال...

رحلة مع اللون والنغم

صورة
العلاقة المتبادلة بين الرسم والموسيقى معروفة منذ القدم. وهناك العديد من المؤلّفات الموسيقية المشهورة المستوحاة من لوحات تشكيلية. مثلا، استلهم الموسيقي الروسيّ موديست موسورسكي مُتواليته الموسيقية بعنوان صور في معرض من عشر لوحات للرسّام الفرنسيّ فيكتور هارتمان كان قد رآها في احد المعارض الفنّية في سان بطرسبورغ عام 1874. كما استوحى سيرغي رحمانينوف موسيقاه بعنوان جزيرة الموتى من لوحة للرسّام السويسري ارنولد بوكلين بنفس الاسم . بوكلين في لوحته، ذات النسخ الخمس، يصوّر جزيرة صخرية مقفرة يحيط بها الماء من كلّ جانب. وأمام بوّابتها يتحرّك قارب صغير تقف في مقدّمته امرأة ترتدي ملابس بيضاء، وأمامها تابوت زوجها الملفوف بأردية بيضاء. وفي وسط الجزيرة تظهر مجموعة من أشجار السرو التي تذكّر عادة بطقوس الحداد وأجواء المقابر. والانطباع الذي توصله الصورة هو الخراب واليأس والترقّب. وقد نقل رحمانينوف هذه المشاعر والأجواء في موسيقاه بعد أن رأى اللوحة. وهناك أيضا الموسيقى المسمّاة ثلاثية بوتيتشيلليانو والتي ألّفها الموسيقيّ الايطاليّ اوتوريني ريسبيغي في مارس من عام 1927. وهي عبارة عن متوالية...

روبنز: هوميروس الرَّسم

صورة
أينما نظرت في تاريخ الفنّ، لا بدّ أن ترى أثرا لبيتر بول روبنز؛ الفنّان الذي يقال انه أوّل من رسم البورتريه الفخم و أوّل من ابتكر قوس قزح في الرسم. من دون رسومات روبنز، كيف كان يمكن، مثلا، أن يتطوّر موريللو وفان دايك؟ وهل كان استشراق القرن التاسع عشر سيأخذ شكله المعروف لولا لوحات روبنز المبكّرة والمثيرة التي تصوّر مناظر صيد التماسيح والقطط الكبيرة ؟ وهل كان بيكاسو سيرسم غورنيكا لو انه لم يرَ مثال روبنز عن ويلات الحروب في لوحته عواقب الحرب ؟ يمكن اعتبار روبنز شخصا مميّزا واستثنائيّا. شخصيّته الساحرة وسلوكه المتّزن وسرعة بديهته وإتقانه للعديد من اللغات جعل منه أيضا دبلوماسيّا ومبعوثا مرموقا. حياته الخاصّة كانت متميّزة أيضا. كان وسيما، لائقا صحّيّا، وكاريزماتيّا وبعيدا عن الحسد والضغينة والتنافس. والناس اليوم يشيرون إلى روبنز على انه "الفنّان الذي رسم كلّ ذلك العدد الكبير من صور النساء ". وأثناء حياته ولثلاثة قرون بعد وفاته، كان يُنظر إليه كنموذج للانجازات الفنّية والاجتماعية. وعلى العكس من معاصره رمبراندت الذي عانى وتعثّر كثيرا في حياته وكان مثالا للرومانسيّ ...