المشاركات

الصّديقان

صورة
سمعت هذه القصّة أكثر من مرّة فأعجبتني، وأظنّ أنها ستعجب القارئ، ليس بسبب ما تتضمّنه من دراما وإثارة فحسب، وإنّما أيضا للدروس والعبَر التي تقدّمها. حدثت القصّة في بدايات القرن الماضي، وبطلاها شابّان كانت تربطهما صداقة حميمة. لكن ظروف الحياة وصعوبة العيش فرضت عليهما أن يفترقا. فذهب الأوّل إلى منطقة الزبير في العراق طلبا للرزق. كان العراق وقتها مقصدا للكثير من أبناء الجزيرة العربية بسبب سهولة الحياة فيه ووفرة الموارد وازدهار التجارة. أما الثاني فقد قرّر أن يبقى في نجد برغم ضنك المعيشة وندرة الأمطار وشحّ الموارد. وصل الأوّل إلى الزبير بعد مسيرة شهر برفقة إحدى القوافل. وبعد أن تعرّف على المدينة وخالط أهلها وأَلِفوه وأَلِفهم، تيسّرت أموره ثم اشترى مزرعة وصار يعتاش على ما تنتجه من غلال وثمار. ثم امتلك بيتا وأصبح له اسم ومكانة بين أعيان المدينة. وبعد سنوات، قرّر أن يتزوّج، فطلب يد ابنة احد كبراء الزبير، فوافق. وفي تلك الأثناء، تذكّر صديقه النجديّ القديم فبعث إليه برسالة مع إحدى القوافل يطلب منه فيها أن يحضر زواجه. كانت القافلة تستغرق في رحلتها إلى أيّ من الوجهتين ثلاثة أشهر: شهرا ذ...

بورتريه لتشايكوفسكي

صورة
روسيا بلد مترامي الأطراف. مساحتها تُقدّر بأكثر من سبعة عشر ألف كيلو متر مربع، أي أنها اكبر بلد في العالم من حيث المساحة. وأراضيها الشاسعة والباردة تضمّ احد عشر نطاقا زمنيّا، مع أماكن مجهولة لم يرَها ولم يسمع بها معظم الناس تقريبا. وقد شُغل الروس ولقرون بهذا السؤال: هل روسيا أوربّية أم آسيوية، أم أنها تملك مجالها الخاصّ؟ غربة روسيا عن وسط القارة الأوربّية، وما الذي يعنيه هذا لشعبها، هي أيضا فكرة يتردّد صداها كثيرا في الثقافة الروسية، بدءا من شخصيات تورغينيف التي تتطلّع إلى الهروب من عزلة الريف، إلى اعتزاز ريمسكي كورساكوف بالتقاليد الموسيقية للشعوب الأصلية والقوميات المحلية. الرسّام نيكولاي كوزنيتسوف والمؤلّف الموسيقيّ بيتر تشايكوفسكي ولدا في مكانين مختلفين في روسيا تفصل بينهما مئات الأميال . كوزنيتسوف ولد عام 1850 في ستيبانوفكا، وتشايكوفسكي ولد عام 1840 في فوتكينسك التي تبعد عن سانت بطرسبورغ بحوالي ألفي كيلومتر. في يناير من عام 1893، قابل كوزنيتسوف تشايكوفسكي في اوديسا الواقعة على البحر الأسود. كان تشايكوفسكي وقتها في الثالثة والخمسين من عمره، وكان قد أصبح موسيقيّا مشهورا...

التفكير الإيجابيّ: نظرة مختلفة

صورة
مؤخّرا، قرّر زميل أن يحضر درسا من دروس تطوير الذّات. سألته عن الرسم الذي سيدفعه فقال: ألف وخمسمائة ريال، ومدّة الدرس ساعتان، وسيكون موضوعه عن التفكير الايجابيّ. قلت: هذا مبلغ كبير؛ أكبر من الفائدة المرتجاة من مثل هذه الدروس، وما سيقوله المدرّب ستجده في كتاب صغير في المكتبة لا يتجاوز سعره الثلاثين ريالا. وكنت قرأت بعض المعلومات عن التفكير الايجابيّ واقتنعت بما يقوله منتقدوه من انه قد لا يكون أكثر من مجرّد فقاعة. فمعلّمو تطوير الذّات يزعمون انه لكي تغيّر حياتك، عليك أن تغيّر أفكارك. وكلّ ما عليك فعله هو أن تضع قائمة بالأشياء التي تريد تحقيقها، ثم تجلس وتنتظر وصولها إلى عتبة دارك. والتفكير الايجابيّ يزعم انه يمنحك المفتاح لتحقيق مستقبلك المنشود، أي أن واقعك الجديد سيتحقّق من أفكارك. لكن المشكلة انه يعلّمك أن تتجاهل مشاعرك الحقيقية. التفكير الايجابيّ، كما يقول منتقدوه، يقفل على وعيك داخل فقاعة، وأنت توجد فيها لوحدك مبتسما ومملوءا بالحياة والسعادة. والعيش داخل الفقاعة قد يُشعرك بالسعادة لبعض الوقت، لكنها ستنفجر في النهاية لأنك في كلّ مرّة تجبر نفسك على أن تكون ايجابيّا، فإن ال...

صانع المطر

صورة
الصورة فوق هي إحدى الصور المألوفة والمنتشرة بكثرة في مواقع الانترنت. وهي في الوقت نفسه إحدى أكثر الأيقونات انتشارا واحتفاءً في ثقافة سكّان أمريكا الأصليين، أي الهنود الحمر. اسم هذا الشخص الصغير الظاهر في الصورة هو كوكوبيللي. كوكو تعني الخشب وبيللي تعني ذا الظهر المنحني. لكنه أصبح يُعرف عموما بعازف الناي الأحدب. وعمر الرجل يقارب الثلاثة آلاف عام، أي انه عاش حتى اليوم أكثر من مائة جيل. وقد وُجدت تصاويره الأولى منقوشة على الصخور في مناطق الجنوب الغربيّ الأمريكيّ، الذي يضمّ نيومكسيكو ويوتاه وأريزونا وكولورادو. وأصل الكوكوبيللي ما يزال غامضا. لكن العديد من أساطير البيبلو والزوني والاناسازي وغيرهم من قبائل الهنود الحمر تزعم انه كان مخلوقا مقدّسا اُرسل من السماء وأن مهمّته كانت تحريض الناس على الحبّ والتعاطف. ويقال أيضا انه كان إلها للخصوبة، ليس للبشر فقط وإنّما أيضا للنباتات والمحاصيل الزراعية التي يحتاجها سكّان أمريكا الأصليون في حياتهم ومعاشهم. وقد اعتبروا وجوده نعمة، إذ بدونه لا تحلّ بركة ولا توجد حياة. لكنه في مراحل تالية أصبح ملهما للشعر والموسيقى والحرّية والإبداع. وم...

موناليزا الثانية

صورة
مع أن لهذه اللوحة تاريخا غامضا ومثيرا للجدل، إلا أنها بيعت منذ أسابيع بمبلغ نصف بليون دولار وأصبحت بذلك أغلى لوحة في العالم. وما حصل دفع بعض خبراء الفنّ إلى طرح بعض التساؤلات مثل: هل تستحقّ لوحة "المسيح المخلّص" هذا المبلغ الكبير؟ ولماذا ما يزال الشغف بليوناردو دافنشي على أشُدّه حتى اليوم؟ ثم هناك السؤال الكبير الذي قد يحرم مشتري اللوحة لذّة النوم وهو: هل هذه اللوحة هي لدافنشي فعلا؟ هذا الموضوع المقتضب لن يخوض في السجال المتعلّق بهويّة من اشترى اللوحة ولا لماذا اشتراها وأين ذهبت، بل سيتناول تاريخ هذه اللوحة وما يقال عن حالتها الراهنة وعن وأصالتها. بدايةً لا بدّ من الإشارة إلى بعض المعطيات السريعة. "المسيح المخلّص" التي بيعت منذ أسابيع هي نسخة من سبع عشرة نسخة من نفس اللوحة. وفي خمسينات القرن الماضي بيعت نفس هذه النسخة بمبلغ خمسة وأربعين جنيها استرلينيا فقط، عندما كان يُعتقد أنها مجرّد نسخة من اللوحة الأصلية التي كان مفترضا أنها ضائعة. أي أنها الآن بيعت، بعد أن تأكّدت أصالتها ونِسبَتها إلى دافنشي، بمبلغ يساوي عشرة آلاف ضعف ذلك المبلغ الزهيد. وبذا تكون ق...

أبو بكر سالم: صورة الفنّان

صورة
أمس صباحا، وبلا مقدّمات، لمعت في ذهني فجأة صورة الفنّان الكبير أبو بكر سالم الذي احتفظ له في نفسي بمكانة خاصّة. وفجأة أيضا، علمت أنه انتقل إلى رحمة الله بعد ساعات فقط من تذكّري الغريب له. كان أبو بكر سالم نسيج وحده بين فنّاني جيله. صوت متميّز وأداء حسّاس، مع ذائقة عالية للشعر والموسيقى. ومنذ أن وعيت نفسي وأنا اسمع صوته. كانت أغانيه حاضرة في كلّ مكان، لذا انطبع صوته وأسلوب أدائه المميّز في وجدان الكثيرين من أبناء جيلي. وأصبح صوته علامة فارقة لا يشبه أيّ صوت آخر وأيضا لا صوت آخر يشبهه. وأبو بكر لم يكن مجرّد مطرب، بل كان أيضا شاعرا متمكّنا وملحّنا موسيقيّا لامعا. تسمع بعض أغانيه فتدهشك قدرته الفذّة في التنقّل بسلاسة بين المقامات وابتداع جمل موسيقية في منتهى الرقّة والجمال ممّا لا يستطيع مغنٍّ آخر فعله إلا في ما ندر. كان أبو بكر من أوائل مطربي الجزيرة العربية الذين ذهبوا إلى لبنان في ستّينات القرن الماضي كي يسجّل فيها أغانيه. وكانت بيروت وقتها قبلة للفنّ والموسيقى في العالم العربيّ. وعندما تسمع بعض أغانيه من تلك الفترة ستلاحظ، بالإضافة إلى جمال الأداء، أناقة التوزيع الموسيقيّ...

العنصرية في الفلسفة

صورة
هناك رأي شائع يقول إن الفلسفة الغربية ضيّقة الأفق وتفتقر إلى الخيال وكارهة للأجانب وخائفة منهم. وإلا كيف نفسّر تجاهل كافّة أقسام الفلسفة تقريبا في أمريكا وأوربّا للتقاليد الفلسفية الثريّة للصين والهند؟! وهذه الظاهرة ليست وليدة اليوم، بل تعود إلى قرون. كان معروفا عن "ايمانويل كانت"، مثلا، احتقاره لكونفوشيوس. وقد كتب ذات مرّة يقول: لا وجود للفلسفة في سائر بلاد الشرق. وكونفوشيوس لا يعلّم في كتاباته أيّ شيء خارج العقيدة الأخلاقية المصمّمة أساسا لأمراء الصين منذ القدم. لكن أيّ مفهوم عن الفضيلة والأخلاق لم يدخل عقول الصينيين أبدا". و"كانت" الذي يُعتبر احد أربعة فلاسفة هم الأكثر نفوذا في الفكر الغربيّ ليس الوحيد الذي يعتبر أن الصينيين والهنود، والشرقيين عموما، عاجزون عن الفلسفة. بل حتى الفلاسفة الغربيون المعاصرون يرون انه لا توجد فلسفة صينية أو هندية ويعتبرون أن هذا من الأمور المسلّم بها. ويقال أحيانا، في معرض الدفاع عن وجهة النظر هذه، أن الفلسفة كلمة ذات أصل إغريقيّ، أي أنها تشير حصرا إلى التراث الذي تركه مفكّرو اليونان القديمة. لكن إذا كان منشأ العلم يحد...