تخيّلت منزلا خشبيا منخفضا بسقف من القرميد، محكم الإغلاق ضدّ العواصف، مع موقد حطب مشتعل في الداخل وجدران مزيّنة بأفضل الكتب، مكانا للعيش فيه عندما ينفجر العالم من حولنا. صعدت درباً، ومن قمّته نظرت باتجاه مجرى النهر. رأيته يتلألأ وينساب بين المنحدرات البيضاء كالعظم، يتخلّلها شريط من الأراضي الزراعية الزمرّدية على جانبيها. وبعيدا عن المنحدرات، امتدّت الصحراء. لم يكن هناك صوت سوى صوت الريح وهي تعوي بين الأشواك وتصفر بين الأعشاب الذابلة. ولم يكن هناك أيّ أثر للحياة سوى صقر وخنفساء سوداء تتهادى على الحجارة البيضاء. في إحدى تأمّلاته الكئيبة، رأى باسكال أن جميع مصائبنا تنبع من سبب واحد: عجزنا عن البقاء هادئين في غرفة. وتساءل: لماذا ينجذب المرء الميسور الحال إلى قضاء أوقات فراغه في رحلات بحرية طويلة، أو إلى السكن في مدينة أخرى، أو إلى الحروب وسحق الجماجم؟ في ما بعد، وبعد مزيد من التأمّل، وبعد أن اكتشف سبب مصائبنا، رغب في فهم دوافعها، فوجد سببا وجيها للغاية، ألا وهو التعاسة الطبيعية لحالتنا البشرية الفانية، لدرجة أنه عندما نوليها كلّ اهتمامنا، نجد أن لا شيء يعزّينا. أفراد قبيلة ...