المشاركات

روبنز: هوميروس الرَّسم

صورة
أينما نظرت في تاريخ الفنّ، لا بدّ أن ترى أثرا لبيتر بول روبنز؛ الفنّان الذي يقال انه أوّل من رسم البورتريه الفخم و أوّل من ابتكر قوس قزح في الرسم. من دون رسومات روبنز، كيف كان يمكن، مثلا، أن يتطوّر موريللو وفان دايك؟ وهل كان استشراق القرن التاسع عشر سيأخذ شكله المعروف لولا لوحات روبنز المبكّرة والمثيرة التي تصوّر مناظر صيد التماسيح والقطط الكبيرة ؟ وهل كان بيكاسو سيرسم غورنيكا لو انه لم يرَ مثال روبنز عن ويلات الحروب في لوحته عواقب الحرب ؟ يمكن اعتبار روبنز شخصا مميّزا واستثنائيّا. شخصيّته الساحرة وسلوكه المتّزن وسرعة بديهته وإتقانه للعديد من اللغات جعل منه أيضا دبلوماسيّا ومبعوثا مرموقا. حياته الخاصّة كانت متميّزة أيضا. كان وسيما، لائقا صحّيّا، وكاريزماتيّا وبعيدا عن الحسد والضغينة والتنافس. والناس اليوم يشيرون إلى روبنز على انه "الفنّان الذي رسم كلّ ذلك العدد الكبير من صور النساء ". وأثناء حياته ولثلاثة قرون بعد وفاته، كان يُنظر إليه كنموذج للانجازات الفنّية والاجتماعية. وعلى العكس من معاصره رمبراندت الذي عانى وتعثّر كثيرا في حياته وكان مثالا للرومانسيّ ...

نُور العالَم

صورة
العلم يقول لنا أشياء كثيرة عن الضوء. لكن هذه الأشياء تقود إلى تساؤلات أخرى أكثر غموضا. والعلماء ما يزالون في حيرة من أمر هذه الظاهرة التي ما تزال تخفي الكثير من أسرارها. لكن يمكننا أن نلمح شيئا من طبيعة الضوء عندما تتخلّل أشعّة الشمس غرفة مملوءة بالغبار، أو عندما يظهر قوس قزح بعد عاصفة رعدية أو بعد هطول المطر. في إحدى غرف متحف تيت البريطانيّ، توجد لوحة كثيرا ما تجتذب أعدادا كبيرة من الزوّار. عمر اللوحة مائة وثلاثون عاما، وهي مرسومة بالألوان الزيتية، وطولها حوالي سبعة أقدام. في اللوحة، تظهر فتاتان صغيرتان في بدايات المساء وهما تقفان في حديقة للزهور وتضيئان مصابيح ورقية. كان طموح الفنّان الذي رسمها، وهو جون سنغر سارجنت، أن يمسك بالوهج السريع للشفق، رغم أن المهمّة كانت على ما يبدو عصيّة ومراوغة. وقد كتب الرسّام إلى شقيقته يخبرها، بشيء من الإحباط، كيف أن التأثير الذي حاول أن ينقله إلى اللوحة لم يستمرّ سوى عشر دقائق، وهي فترة غير كافية لنقل الانطباع إلى القماش. لكن لو وقفت أمام اللوحة اليوم لتعجّبت من خاصيّة الضوء الذي يشعّ منها. فوهج الشفق يسقط على بتلات الأزهار...

طبيعة فريدريش

صورة
أصبح كاسبار ديفيد فريدريش الرسّام المحبوب الأوّل في ألمانيا وبات الألمان ينظرون إليه كأيقونة ثقافية. والسبب هو أننا عندما ننظر إلى لوحاته فإننا نشمّ فيها رائحة البارود. ونعرف قبل أن يخبرنا المؤرّخون أن هتلر كان يحبّ رسوماته. الخواء والغموض في ساحات فريدريش التي لا يسكنها سوى أشباح أبطال ألمانيا جعلته المعادل البصريّ لفاغنر: بطل مخالف للعرف وذو ملامح كالحة، في قاعة عمالقة الثقافة. لكن هذا لم يؤثّر كثيرا في شعبيّته. فرسّام المناظر الطبيعية هذا، الذي كاد أن يُنسى بعد وفاته عام 1843، أعيد اكتشافه من جديد في السنوات الثلاثين الأخيرة. في سبعينات القرن العشرين، عاد الفنّانون والسينمائيون الألمان إلى الحديقة المتفحّمة لإرثهم الثقافيّ كي يتخيّلوا من جديد طبيعةً بعْثَرَتها النازية. وقد ذهبوا باحثين عن ألمانيا، وما وجدوه كان فريدريش . الرسّام الألمانيّ المعاصر انسيلم كيفر صوّر نفسه في طبيعة فريدريش، معطيا ظهره لنا مثل الأشخاص في لوحات الأخير، ومؤدّيا التحيّة النازيّة. ومنافسه الرسّام غيرهارد ريختر زار هو الآخر طبيعة فريدريش، لكنّه رسمها مغبّشة، كما لو أنه رآها من نافذة سيّارة ...

الفنّ الرؤيوي

صورة
منذ البدايات المبكّرة للفنّ والرسّامون يحاولون أن يرسموا ما لا تراه العين، لكنْ تدركه الروح والصّوت الداخليّ. ومحاولة تصوير الروحانيّ والغامض بوصفه جسرا بين العالم الأدنى والأعلى ظلّ هو الهمّ الأساس لما يُسمّى بالفنّ الرؤيوي. وهو فنّ قديم قدم الروحانية وصور الآلهة القديمة والقدّيسين الذين تعلو رؤؤسهم هالات من نور. ويمكن إيراد بعض الأمثلة عن هذا النوع من الفنّ مثل رسومات الكهوف التي تصوّر بشرا وحيوانات هجينة، ومثل الفن الشامانيّ القديم والأقنعة الطقوسية التي كانت شائعة في الثقافات البدائية. تلك الصور وأخرى غيرها كان المراد منها إنتاج رؤية أوسع عن الوعي تتضمّن الروحانيّ والخفيّ أو الغامض. وإحدى أفكار الفنّ الرؤيوي هي أن تلك الصور يمكن أن تكون رسائل أو وسائل هداية أو نبوءات أو كشوفات توهب للمبدعين بقوّة إلهية أو بفضل حالات الوعي المعدّلة. إذن من أهمّ غايات الرسم الرؤيوي الكشف عمّا يكمن وراء حدود النظر بإظهار الحالات التي تسمو على الإدراك. وهذا يعني بالنسبة للبعض أن يفقد الإنسان نفسه أثناء عملية الخلق ويرتبط بالقوانين الكونية وبقوّة الإلهام الإلهيّ، كي يتواصل مع تلك الحا...

الصيد في غابة ليليّة

صورة
كلّ تفصيل في هذه اللوحة غير العاديّة يضجّ بالحركة والنشاط. فالكلاب تجري وتتقافز في كلّ اتجاه، والجياد تعدو متحفّزة ما بين إقبال وإدبار، والبشر يتدافعون ويتصايحون في صخب وفوضى. وكلّ هذا يحدث في غابة مظلمة. الصيّادون الذين يعتلون ظهور خيولهم ويرتدون ملابس حمراء وسوداء يبدون في حالة تردّد أو تراجع، بينما يرقبون حركة الكلاب وهي تنطلق في الظلام خلف فرائسها من الغزلان إلى ابعد مسافة في أعماق غابة الليل هذه. ومصدر الضوء في المشهد غير واضح، لكن يُفترض انه نور القمر الذي لا نراه أو الشموع. والسماء التي يظهر جزء منها فوق قمم أشجار السنديان تصطبغ بزرقة داكنة. والثراء العامّ للمنظر تعزّزه الألوان الساطعة والأنيقة، خاصّة ألوان معاطف الصيّادين الحمراء والبرتقالية. هذه هي ايطاليا عصر النهضة. وهذه المجموعة من أثرياء فلورنسا يقوم على خدمتهم في هذه الغابة أشخاص مسلّحون برماح حادّة، ومهمّتهم على ما يبدو هي جمع وعزل حيوانات الغابة كي يسهل اصطيادها. هذه اللوحة تمثّل نوعية نادرة وغير مألوفة في الرسم. ومن الواضح أن ما نراه هو مشهد متخيّل. وعدم واقعية الصورة يسهم أكثر في غموضها وسحرها، بالإ...

في مديح الضَّياع

صورة
الحبّ والحكمة والإلهام أشياء يَجهد كلّ إنسان في العثور عليها في هذه الحياة. وهي لا تتأتّى في الغالب إلا عندما توسّع حدود ذاتك وترتاد مناطق مجهولة، وعندها فقط يمكن أن تتحوّل إلى شخص آخر. في كتابها "دليل ميدانيّ للضياع"، تذكر الكاتبة الأمريكية ريبيكا سولنيت أنها قضت حياتها كلّها ضائعة. "أن لا تضيع يعني أن لا تعيش". والمؤلّفة تعطيك خارطة ثم تطلب منك أن تتجاهلها كي تتعلّم كيف تعيش في حالات انعدام اليقين. "أن تكون ضائعا أو تشعر بالضياع أمر يدفعك لأن تخطّط مسبقا، لأن تتوقّع، وأن تسيطر على أحداث الحياة بأيّ ثمن. لكن الضياع أحيانا يمكن أن يكون الطريقة الوحيدة لتحقيق الذات والانجاز". وسولنيت تأخذ القارئ عبر طبقات متعدّدة من المعاني والاستعارات والأفكار والقصص المشوّقة التي تتلاقى وتتقاطع كالأعشاب على ضفّتي نهر. وكتابها يتناول أسئلة الهويّة والوعي، انطلاقا من الشعار القائل: كي تجد طريقك ينبغي أن تضيع أوّلا وتستسلم للصُّدف". والكاتبة في سردها تنسج قماشا متعدّد الألوان والأنماط، تستكشف من خلاله ذكريات سنواتها المبكّرة وتعلّق على الكتب واللوحات و...

الأصدقاء الثلاثة

صورة
هذه قصّة ثلاثة أصدقاء كان كلّ منهم يؤثر الآخر على شخصه ويرى فيه أكثر مما يرى في نفسه. وعندما أصبحوا أشخاصا مهمّين، تدخّلت الصراعات السياسية وتضارب المصالح لتفسد ما كان بينهم من مودّة وإيثار. وعلى مدى ألف عام، سافرت قصّتهم آلاف الأميال وتناقلها الناس جيلا بعد جيل. وفي النهاية أصبحت جزءا من كتب التاريخ. كان كلّ من نظام الملك وعمر الخيّام والحسن الصبّاح زملاء دراسة منذ الصغر. وكان كلّ واحد منهم يقدّر الآخر ويثمّن طموحه، وقد تعاهدوا وتواثقوا على انه متى أصاب أيّ منهم مغنما أو سلطة وجب عليه أن يتشاركها مع رفيقيه وألا يختصّ نفسه بشيء دونهما. نظام الملك، المولود في طوس عام 1018، كان عالما ومثقّفا. ورغم فقره المبكّر، إلا انه حقّق نجاحا معتبرا بفضل عزيمته وقوّة شخصيّته. وقد أهّلته عبقريّته وخبرته في الإدارة لأن يصبح وزيرا ومستشارا للسلطان السلجوقيّ ألب ارسلان، ثمّ وزيرا أوّل لخلفه السلطان ملكشاه. وعندما تولّى نظام الملك منصبه لم ينسَ وعده الذي قطعه لصديقيه الخيّام والصبّاح. كان الخيّام قد انتقل قبل ذلك الوقت، أي حوالي عام 1070، إلى سمرقند إحدى أقدم مدن آسيا الوسطى. وفيها كتب اح...