المشاركات

محطّات

صورة
ذات مرّة غرقت سفينة ومات معظم ركّابها ولم ينجُ سوى بضعة افراد تشبّثوا بقارب نجاة في الليل. ولم تكن هناك رياح عاصفة، بل كان البحر قد هدأ نسبيّا. وربّما بسبب صدمة تحطّم سفينتهم، لم يتمكّن أحد من الناجين من تذكّر أيّ شيء من حياته قبل ذلك ولا حتى كيف وصل إلى قارب النجاة. ومرّ الوقت بطيئاً، ثم قال أحدهم أنه شعر بنسيم خفيف يلامس وجهه. وحاول الجميع أن يتأكّدوا ما إذا كان هذا صحيحا أم أنه مجرّد تفكير بالتمنّي. ثم شعر به شخص آخر أيضا، ثم آخر، وسرعان ما هبّ نسيم لا لبس فيه وأخذ يحرّك الهواء من حولهم. ولم يكن هناك صوت، لكن شخصا آخر ظنّ أنه سمع تلاطم أمواج من بعيد. وأرهف الجميع أسماعهم وسرعان ما سمعوا صوت الأمواج المتكسّرة على الشاطئ. ونُقل القارب في الظلام إلى الشاطئ القريب. ثم سأل أحدهم: هل نحن قريبون من الفجر؟ وبعد قليل لم تلبث ألوان الفجر أن بدأت بالظهور فوق أفق البحر. وهكذا بدأت هذه المجموعة الصغيرة من البشر في اختراع أو خلق عالم من العدم: جزيرة بها غابات وأشجار وحياة برّيّة وطيور صغيرة من النوع الذي قد يتخيّله أيّ إنسان. في البداية كان لدينا العالم بكلّ أمجاده، مضاءً بنور الف...

محطّات

صورة
هذا العالم، الذي أنت على وشك الدخول إليه والتواجد فيه، لا يتمتّع بسمعة طيّبة. لقد ظلّ جغرافيّاً أفضل منه تاريخيّاً؛ ولا يزال جذّاباً بصريّا أكثر منه اجتماعيّا. إنه ليس مكانا لطيفا، كما ستكتشف قريبا، وأشكّ في أنه سيصبح أجمل عندما تغادره. ومع ذلك، فهو العالم الوحيد المتاح. إذ لا يوجد بديل، وإذا وجد، فليس هناك ما يضمن أنه سيكون أفضل من هذا. إنه غابة وصحراء ومنحدر زلق، ومستنقع - بالمعنى الحرفيّ للكلمة. ولكن ما الذي يمكن أن يكون أسوأ من ذلك، مجازيّاً أيضا. ومع ذلك، وكما قال روبرت فروست: أفضل طريق للخروج هو دائما العبور من الوسط". لكنه قال أيضا في قصيدة مختلفة: أن تكون اجتماعيّا يعني أن تكون متسامحاً". حاول ألا تعير اهتماما كبيرا لأولئك الذين سيحاولون جعل حياتك بائسة. سيكون هناك الكثير من هؤلاء. عانِ منهم إذا لم تتمكّن من الإفلات منهم. ولكن بمجرّد الابتعاد عنهم، امنحهم أدنى قدر ممكن من الاهتمام. وقبل كلّ شيء، حاول ألا تروي القصص عن معاملتهم الظالمة لك. تجنّب ذلك بقدر الامكان. الحكايات من هذا النوع تزيد من وجود خصومك. على الأرجح سيعتمدون على كونك تحبّ الكلام والتحدّث...

محطّات

صورة
بينما كانت أحزانه تتعمّق وأفكاره الانتحارية تزداد سوءاً، رسم فنسنت فان غوخ شجرة السرو هذه قبل أشهر من انتحاره. وفي ما بين عامي 1888 و 1890، أي خلال الفترة الأخيرة من حياته، ركّز على رسم هذه الأشجار التي يُنظر اليها كرمز للموت، ولطالما ارتبطت منذ القدم بالمقابر وبرهبة ما بعد الحياة ووفّرت موضوعا خصبا للفنّانين والشعراء. واعترافا بأشجار السرو التي رسمها فان جوخ واعتبارها رموزا مهمّة في الأعمال الفنّية، قام شاعر القرن التاسع عشر الفرنسي غابرييل أورييه بوضعها في سياق الدافع المجازيّ للرسم الرمزيّ. وصاغ أورييه ردّا وصفيّا بديعا على صور فان غوخ يقول فيه: هذه الأشجار ملتوية مثل عمالقة في معركة، كما أن ارتفاعها مأساوي وقوّتها لا تُقهر وتتحدّى الأعاصير والبرق والطبيعة الخبيثة الى الأبد." كان أورييه قريبا من فان غوخ، وقد ساعده على إدراك الرمزية المحتجبة والمروّعة لهذه الأشجار. والعديد من اللوحات التي تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر تقدّم شجر السرو كرمز للمرض والموت. الأشجار التي رسمها أرنولد بوكلين في لوحته المشهورة "جزيرة الموتى"، على سبيل المثال، لا تترك سوى القلي...

خواطر في الأدب والفن

صورة
لدى بعض الأشخاص شغفُ بالأماكن القديمة والرثّة، حيث الرائحة المتربة لمرور الزمن ما تزال عالقة في الهواء، مع كلّ الأشياء الأخرى المهجورة والمنسوجة بالقصص والأسرار. المنازل والقصور والقلاع المهجورة تتمتّع بجمال حزين وشاعري. وحالتها المنعزلة والصامتة والمتحلّلة بشكل خفيف تجعلها أكثر جاذبية للعين، لأن كلّ نافذة مكسورة، وكلّ صدع أو شرخ في حائط، وكلّ واجهة متشقّقة ومغطّاة بالأعشاب وربّما حتى بالورود، وكلّ ورقة حائط ممزّقة، وكلّ كوب خزفيّ، وكلّ ساعة أو سرير متروك في المكان يحكي قصّة حياة كانت مزدهرة ذات يوم بين جدران أربعة. الغموض والرومانسية يكتنفان كلّ ما قد يبدو عاديّا في الأماكن المهجورة، دفتر ملاحظات، تذكرة قطار، حذاء قديم الخ. كلّ شيء يبدو ثمينا وغامضا. وربّما لهذا السبب قال أحد الكتّاب إن الناس يحبّون الأماكن والاشياء القديمة لأنها عادةً تتضمّن بداخلها قصصاً وحكايات. ❉ ❉ ❉ "فنّ الاستطالة Elongation art" يُقصد به اللوحات التي تحتوي على شخصيات مرسومة بأشكال ممدودة أكثر بكثير ممّا هي عليه في الواقع. والاستطالة شكل من أشكال الفنّ التجريدي الذ...

دروس من الحياة

صورة
الكثير من الحكايات والقصص الرمزية تُستخدم لإثارة التأمّل والتعمّق في طبيعة الواقع وفي ذات الانسان. وكلّ قصّة لها تفسيرات مختلفة، ويمكن أن تثير رؤى شخصية وتنقل حقائق أعمق وتتحدّى مفاهيمنا وتصوّراتنا المسبقة عن الواقع، وتشجّعنا على التركيز على اللحظة الراهنة والانتباه للعلاقة بين الأشياء. في الأسطر التالية اخترتُ بعض تلك القصص.. بينما كان رجل يجدّف بقاربه بسلام في البحيرة اصطدم به قارب آخر. غضب الرجل وأخذ يصرخ ويسبّ. لكن عندما أدرك أن القارب الآخر فارغ، هدأ غضبه. وقال له معلّم: أنت مثل ذلك القارب الفارغ. الفراغ هو التحرّر من الأهواء." هذه القصّة تسلّط الضوء على مفهوم الفراغ وعدم التعلّق. وهي تذكّرنا بأن الحرّية والسلام الحقيقيين يأتيان من التخلّي عن ارتباطاتنا ورغباتنا. الفراغ لا يعني العدم، بل حالة من الانفتاح والتحرّر من المفاهيم الثابتة. سأل معلّم تلميذه: كيف يمكنك وصف عقلك؟ فأجاب الطالب: كالحجر، لا يتحرّك ولا يتأثّر بشيء. فقال المعلّم: عقلك مثل الحجر، ولكن هل هو أيضا مثل الماء؟ عندما يكون الماء ساكنا، فإنه يعكس القمر. وعندما يكون عقلك ساكنا، فإن بإمكانه أن يعك...

التوق الى البعيد

صورة
ربّما كنتَ قد عشت طفولة مريحة وآمنة إلى حدّ معقول، ونشأتَ في قالب اجتماعيّ محدود، وتشكّلت حياتك بعد ذلك، ومثل بقيّة الناس، وفقاً لظروفك ولمعطيات وجودك الخاص. ومع اقترابك من سنّ الثلاثين، قد يكون ساورك شوق لا تدري كنهه للتحرّر من كلّ ما عرفته أو اعتقدت أنك كنت تعرفه في ما مضى من عمرك. ثم بعد ذلك، وأنت جالس في بيتك، إذ بأحلام يقظةٍ تراودك بالعيش خارج بيئتك كغريب في أرض بعيدة. وربّما يستهلكك هذا التوق الذي لا يمكن تفسيره، لأنك لم تكن تعرف ما الذي كنت تبحث عنه أو إلى أين تتوق للذهاب، لكنّك تعرف أنك يجب أن تذهب في طريقك. ثم تجد نفسك مسافرا عبر الأرض بمفردك، حاملاً القليل من متعلّقاتك في حقيبتك وتاركا ورائك حدود واقعك الضيّق والمحدود بحثاً عن شيء ما في مكان آخر. التطلّع أو الشوق الى مكان بعيد (far-sickness) هو شعور ينطوي على معاناة وألم. إنه شوق طويل لأن تكون في مكان لم تذهب إليه من قبل؛ في أرض بعيدة وغير معروفة، توق غامض لشيء ما خارج المكان. ولكن كيف نبدأ في البحث عن مكان لم نزره من قبل؟ وكيف نخفّف من شوق لا نعرف مصدره؟ والسؤال الأكثر صلةً: لماذا نتألّم إذ نشتاق الى أماكن لم نعر...

وليمة زفاف في الريف

صورة
يُعتبر بيتر بريغل الأب (1525-1569) أعظم الرسّامين الفلمنكيين في القرن السادس عشر. وقد رسم جوانب مختلفة من حياة الفلاحين في العديد من لوحاته، لدرجة أنه أطلق عليه لقب الفلاح بريغل. غير أنه كان أيضا إنسانا مثقّفا، وقد ضمّن الكثير من صوره معاني رمزية وأخلاقية. في لوحته "وليمة زفاف فلاحين"، يدعونا بريغل إلى متابعة حفل زواج بهيج، ويغرينا بألوانه الدافئة التي تتراوح ما بين الأحمر والأصفر والأخضر والبرتقالي، ويقدّم لنا صورة للطريقة التي كان الناس يحتفلون فيها بالزواج في الريف الهولندي قبل أكثر من خمسة قرون. ضيوف هذا الحفل يجلسون على مقاعد خشبية خشنة وأمام طاولات طويلة. وهناك رجلان يقدّمان المشروبات، أحدهما يرتدي ثوبا أزرق ومئزرا أبيض وقبّعة حمراء، وهو النقطة المحورية في اللوحة. وبروزه في المكان، والألوان الزاهية لملابسه، تجعله يبدو مميّزا. وفي المقدّمة اليسرى يظهر رجل يصبّ الشراب في أباريق. وفي منتصف الصورة تجلس امرأة وعلى رأسها ما يبدو وكأنه تاج صغير. من الواضح أن هذه هي العروس. وفوقها، أي في أعلى جدار الحظيرة، عُلّق كيسان من الحبوب. لكن الرسّام لم يضمّن لوحته صورة...