خواطر في الأدب والفن


  • توفّي سيغموند فرويد عام 1939، عن عمر يناهز الثالثة والثمانين، بسبب إصابته بسرطان الفم. وقد اتّسمت السنوات الخمس عشرة الأخيرة من حياته بسلسلة من المتاعب: الأعراض الانسحابية لترك النيكوتين وخفقان القلب وعمليات جراحية مؤلمة وخطيرة واستبدال جزء كبير من فكّه بأطراف صناعية غير فعّالة. ومع ذلك، ظلّ يدخّن حتى النهاية.
    وكان عالم النفس النمساوي يظهر في معظم صوره وهو يحمل سيغارا في يده، ولم يكن هذا أمرا مثيرا للدهشة، إذ كان يدخّن حوالي عشرين سيغاراً في اليوم.
    يذكر ت. بيرغلايتر أن فرويد بدأ يعاني من آلام في الصدر وضيق في التنفّس في أواخر الثلاثينات من عمره. وقد حثّه طبيبه على التوقّف عن تدخين السيغار. ورغم أن نصيحة الطبيب أثارت قلق فرويد، إلا أنه استمرّ في التدخين بنفس معدّله المعتاد طوال اليوم، إذ كان واضحا أنه لم يكن مقتنعا بأن السيغار هو سبب مشاكله القلبية. وكتب الى طبيبه يقول: لا يمكن للمرء أن يتخلّى عن شيء إلا إذا كان مقتنعا تماما بأنه هو السبب في مرضه".
    وفي عام 1923، وكان فرويد في السابعة والستّين من عمره، ظهر لديه ورم في فمه، تبيّن لاحقا أنه سرطان في الفكّ الرخو. كان فرويد نفسه طبيبا، وكذلك كان كثير من أصدقائه المقرّبين. غير أنه انتظر سنوات قبل أن يكشف لأحد عن ذلك الورم في فمه، إذ كان يخشى أن يُلقى باللوم على عادته في تدخين السيغار.
    وفي نهاية المطاف، خضع لعملية جراحية، كانت الأولى في سلسلة من ثلاث وثلاثين عملية أُجريت له لعلاج سرطان الفكّ وتجويف الفم خلال السنوات الستّ عشرة الأخيرة من حياته. وفي المراحل المتقدّمة من مرضه الطويل، اضطرّ إلى استخدام جهاز تعويضي خاص لتغطية الخلل في حنكه.
    وفي سنّ الثالثة والسبعين، طُلب من فرويد الانتقال إلى مصحّة علاجية بسبب حالة قلبه. وبالفعل، توقّف عن التدخين لثلاثة وعشرين يوما فقط. ثم عاد ليدخّن سيغارا واحدا يوميّا، ثم سيغارين، وسرعان ما عاد الى عادته بنفس الزخم السابق.
    وكتب أحد الأطبّاء: من الواضح أن الحالة تفاقمت بسبب النيكوتين، إذ كانت الأعراض تزول بمجرّد توقّفه عن التدخين". وفي ذلك الوقت، كان فكّ فرويد قد أُزيل بالكامل واستُبدل بعدّة أجزاء اصطناعية. وكان يعاني من ألم شبه مستمر وغالبا ما كان يعجز عن الكلام. وأحيانا كان يجد صعوبة بالغة في المضغ أو البلع. ومع ذلك، وفي سنّ الحادية والثمانين، كان فرويد ما يزال يدخّن كلّ يوم.
    وقد استمرّ في العمل والتدخين حتى اللحظات الأخيرة من حياته، وهو في الثالثة والثمانين من عمره. ويظهر في إحدى آخر الصور التي التُقطت له قبل وفاته بعام، وهو جالس يدخّن في مكتبه في لندن التي انتقل اليها بعد فراره من النمسا إبّان الاحتلال النازي عام 1938. وكان يرتدي بدلة كاملة مع ربطة عنق ويحمل سيغارا في يده.
    لكن لماذا واصل فرويد التدخين، رغم خطورة حالته ووجود أدلّة مؤكّدة تربط بين تدخينه للسيغار وتدهور صحّته؟
    يشير بيرغلايتر الى أنه في إحدى الفترات التي امتنع فيها فرويد عن التدخين بناءً على نصيحة طبيبه، كتب رسالة الى الطبيب يقول فيها: لم أدخّن منذ أسابيع، أي منذ أصدرت إليّ أمرك بالتوقّف. في البداية، شعرت بتعب شديد، إذ عانيت من أعراض قلبية واكتئاب خفيف، فضلا عن المعاناة المريعة الناتجة عن الانسحاب. وقد تلاشت تلك الأعراض، لكنها تركتني إنسانا مهزوما وعاجزا تماما عن العمل. وبعد مرور أسابيع، عدت إلى التدخين، وعلى الفور استعدت قدرتي على العمل وتحكّمت في مزاجي. لكن قبل ذلك، كانت الحياة لا تُطاق".
    كلّ الأشخاص الذين حاولوا الإقلاع عن التدخين وفشلوا في ذلك يدركون منطق فرويد. والغريب أن طبيبه لم يكن يعلم عن الأثر الإيجابي للسيغار على مزاجه. لكن أكثر ما يثير الاهتمام في القصّة هو أن فرويد كان رائدا في فهم كيفية استخدام البشر لآليات الدفاع النفسي عند مواجهة أفكار ومشاعر لا يمكن تحمّلها. واتّضح أنه هو نفسه كان بارعا في استخدام تلك الآليات.
  • ❉ ❉ ❉



    ❉ ❉ ❉

  • أسلوب الرسم في الهواء الطلق en plein air هو مصطلح يُستخدم لوصف الأعمال الفنّية التي تُنجز خارج الاستوديو، أي في الطبيعة مباشرة. ومن أشهر نماذج هذا النوع من الرسم لوحة "رسّامان في الهواء الطلق" لجون سينغر سارجنت. واللوحة تجسّد نموذجاً مثاليّاً للمشهد الانطباعي وتصوّر ويلفريد دي غلين وزوجته جين وهما يرسمان في طبيعة مفتوحة في سبتمبر 1913، بالقرب من بحيرة غاردا في سان فيجيليو بإيطاليا.
    وتعكس اللوحة نمط حياة راقياً كان مقدّراً له أن يتغيّر إلى الأبد بفعل التحوّلات الاجتماعية والسياسية التي أحدثتها الحرب العالمية الأولى. وفي تصوير سارجنت لسان فيجيليو الغارقة في ضوء الشمس، لا نجد ما يوحي بالحرب الوشيكة، ولا بالتغيّرات الجذرية في عالم الفن التي بدأت آنذاك تتحدّى الأساليب التقليدية في رسم القصص الأمريكية.
    رسم سارجنت هذه الصورة بعد خمسة وثلاثين عاماً من تبنّيه للمدرسة الانطباعية، وهي تبرهن على استمرارية أساليب وتقنيات السرد التي سادت في القرن التاسع عشر. ويعود انجذاب الفنّان إلى إيطاليا كموضوعٍ لأعماله إلى بداياته الأولى كرسّام. وقد استمرّ معه حتى سنوات حياته الأخيرة. كانت هذه الأعمال مرتبطة بتقليد طويل من الفنّانين الأمريكيين الذين سافروا إلى إيطاليا ليستلهموا رسوماتهم من تاريخها العريق.
  • ❉ ❉ ❉

  • يشير مصطلح الظواهر غير الطبيعية Paranormal إلى أحداث تقع بالفعل، لكننا نعجز عن تفسيرها في الوقت الراهن، رغم أننا قد نتمكّن من فهمها في المستقبل. وتعني الكلمة في الأساس شيئا يوجد خارج نطاق ما نعتبره طبيعيا. وهناك الكثير من الأمور التي كانت تُصنّف يوما ما كظواهر غير طبيعية، لكن العلم استطاع تفسيرها في ما بعد.
    فمثلا، كان اختفاء الطيور الغامض في فصل الشتاء وظهورها من جديد في الصيف أمرا مستغربا لمن يجهلون حقيقة أنها تهاجر جنوبا خلال أشهر الشتاء. كما كانت الصخور التي تتساقط من السماء تُعدّ في الماضي ظاهرة غير طبيعية، لكننا نعلم اليوم أنها نيازك ونعرف تماما مصدرها.
    أما ظواهر ما فوق الطبيعة Supernatural فهي أمور لا يمكن تفسيرها بأيّ حال علميّا، إذ تخضع لقواعد تختلف كليّا عن القوانين التي تحكم عالمنا. وهي بطبيعتها عصيّة على التفسير. كما أنه لا يمكن توثيقها باستخدام مناهجنا العلمية وتخالف كلّ القواعد الطبيعية المعروفة ولا تستند إلى أيّ أساس منطقي.
    وتشمل الظواهر غير الطبيعية أمورا قد نتمكّن يوما ما من فهمها، مثل العلاج بالإيمان والتخاطر والتحريك الذهني للأشياء والاستبصار وما الى ذلك. أما ظواهر ما فوق الطبيعة فتظلّ عصيّة على التوثيق العلمي. فلا توجد طريقة لرصد ملاك أو روح ما بطريقة علمية. كما يستحيل إعادة إنتاج "معجزة" داخل مختبر علمي. أي أن كلّ ما هو "فوق طبيعي" يعتبر خارج نطاق قدرتنا على الفهم، لأنه ينتمي إلى عوالم أخرى غير عالمنا.
    استُخدمت كلمة Supernatural لأوّل مرّة في القرن الخامس عشر، بينما يُعتبر مصطلح Paranormal أحدث بكثير، إذ لم يظهر إلا في عشرينات القرن الماضي.
  • ❉ ❉ ❉

  • لو أتيحت لك الفرصة بالعودة الى الوراء لتقضي يوما مع شخصية تاريخية شهيرة، فمن ستختار؟
    تقول ل. اوغاسوارا أنها بينما كانت تستعرض قائمة خياراتها الممكنة، خطر ببالها أفلاطون أو سقراط في قلب أثينا، أو ربّما نيتشه، أو رامبو في شبابه. لكنها توقّفت مليّا عند كليوباترا مؤكّدة أن "يوما واحدا لن يكفي".
    لكن الكاتبة قدّرت أن لقاءً مع بروست قد يكون تجربة ممتعة للغاية، ورؤية يوحنّا المعمدان أمرا مذهلا. غير أنها مع ذلك أدركت في النهاية أن لا شيء يضاهي جاذبية فولتير: إذا كان عليّ قضاء يوم كامل مع شخص ما، فأنا على يقين بأن فولتير هو الخيار الأمثل. ألم ينجح في إسعاد مدام دو شاتليه لعقود طويلة في قصرها الفخم"؟
    كان الاثنان يقضيان أيّامهما منهمكين في دراساتهما الخاصّة. وبينما كان كلّ منهما يعمل في طرف من أطراف القصر الفسيح، كانا يتبادلان الرسائل باستمرار حيث يتولّى الخدم إيصال رسائل الحبّ المكتوبة بخط اليد على أطباق فضّية، كلّما رغب أحدهما في قول شيء للآخر. أما في المساء، فكانا يجتمعان دائما لتناول العشاء.
    وتضيف: أحبّ فولتير. وكما ينجذب المرء إلى مشهد طبيعي جميل، أجد نفسي أعود مرارا وتكرارا إلى كتابه "كانديد". ولعلني وكثيرين غيري ممّن فكّروا في الأمر عقب الزلزال المدمّر الذي ضرب اليابان عام 2011، وجدت نفسي أستحضر الفصول الأولى من الكتاب، حين تعرّض كانديد سيّئ الحظ، بصحبة بانغلوس وبحّار كان على متن السفينة، لحادثة غرق في عرض البحر، لتصل إلى شواطئ لشبونة قبل لحظات فقط من تعرّض المدينة لذلك الزلزال الهائل الشهير عام 1755.
    ولم يكن زلزالا فقط، بل أعقبته حرائق ثم تسونامي ضخم تسبّب في التدمير الكامل لواحدة من أعظم مدن العالم في ذلك الوقت. كانت المعاناة البشرية مروّعة، لدرجة أنها أثارت نقاشات فلسفية ودينية حول طبيعة الشر، استمرّت في أرجاء أوروبّا لفترة طويلة بعد ذلك. وكانت رواية فولتير تلك من أشهر الأعمال التي تناولت هذا الموضوع.
    لطالما دار جدل حول ما قصده فولتير من عبارته الشهيرة: يجب على المرء أن يعتني بحديقته". هل كان يعني انسحاباً سلبيّاً من العالم الخارجي والتركيز كليّا على الذات، أم كان يدعو إلى الانخراط في عمل مثمر وتفاعل فعّال مع العالم لتحسينه من خلال "العناية بالحديقة" بمعناها المجازي؟
    وتختم الكاتبة كلامها مشيرةً الى هايديغر الذي رأى أن الكائن البشري "محكوم بالاهتمام بالحبّ وبالخدمة وبالتذكّر". وهذا "الاهتمام" هو جوهر وجودنا في العالم. وكما قال فولتير نفسه: الحياة حطام سفينة، لكن لا ينبغي لنا أن ننسى الغناء ونحن في قوارب النجاة".

  • Credits
    archive.org

    المشاركات الشائعة من هذه المدونة

    نصوص مترجمة

    سيمفونية الحياة

    نصوص مترجمة