رحلة الى الصين ومنغوليا


إليزابيث كيندال مؤرّخة ورحّالة أمريكية، بدأت عام ١٩١١ رحلة عبر غرب الصين ومنغوليا تنقّلت خلالها على محفّة وعلى ظهر حصان وعلى الأقدام. وقد مرّت عبر التبت وأبحرت في نهر اليانغتسي ووصلت إلى هانكو بالقطار، ثم عبرت إلى صحراء غوبي. وألّفت كيندال كتابا عن رحلتها تلك ضمّنته بعض مشاهداتها وانطباعاتها.

❉ ❉ ❉

منذ آلاف السنين، قال كونفوشيوس: ليست كلّ الكلمات في الكتب، ولا كلّ الأفكار في الكلمات". وقد تركت تقاليد عبادة الطبيعة والطاوية والبوذية، وحتى تقاليد كونفوشيوس نفسه، بصمتها على الصينيين، سواءً أكانوا من الشمال أم الجنوب. وسيجد المسافر الكثير الترحال، أينما حلّ في هذه الأرض، نفسه بين أناس لهم نفس الالتزامات ونفس المخاوف.
كان انطباعي الأوّل عن الصينيين هو مدى شبههم بنا. وقد قيل لي إن الاقتراب من الصين من الشرق خطأ، فأنت بذلك تلامس اثني عشر بلدا دفعةً واحدة. ولن تجد في أيّ مكان آخر بلدا وشعبا بهذه الغرابة والاختلاف عما تخيّلته من قبل. بل ينبغي الاقتراب من الصين من الغرب، فحينها ستنفتح أمامك عوالم أغرب، مع كلّ مرحلة تسافر فيها شرقا.
وهذا ما فعلته. وقد حدث ذلك ببساطة.
كان الطقس رائعا، مهما كان ما يخبّئه لي القدر. فجر مدهش، لا حرارة شديدة إلا لفترة قصيرة في منتصف النهار. والشفق القصير ينتهي بليالٍ باردة مرصّعة بالنجوم. يا لروعة ليالي منغوليا! كانت خيمتي دائما منصوبة بعيدا قليلا عن صخب المخيّم، وكنت أستلقي ملفوفةً بالبطانيات في سريري الضيّق قبل أن تفتح الأبواب على نسيم الليل، فأغفو في سكون اتساع الصحراء اللامتناهي، ولا أستيقظ إلا مع أفول النجوم في السماء.
في البداية كنّا لا نزال في المروج الواسعة. كانت الأرض مغطّاة ببساط كثيف من العشب تتخلّله أزهار زاهية، وتنتشر فيها الخيام والرجال والقطعان.
وسنحت لنا فرصة للحصول على خروف، وهو أمر ليس ممكنا دائما حتى مع وجود الآلاف التي ترعى في البراري، لأن المغولي لا يبيع إلا عندما يكون بحاجة ماسّة للمال. وبمجرّد إتمام الصفقة، لم يستغرق الأمر سوى وقت قصير لإتمام الباقي، الذبح والتقطيع والغلي في قدر كبير أُحضر لهذا الغرض، ثم الأكل.
للصيني حديقته كما للإنغليزي، إلا أنه يكرّس طاقته لزراعة ما يأكله. تنتشر محطّات التلغراف على مسافات متباعدة، تصل إلى مائتي ميل، وصولا إلى "أورغا". ودائما ما تكون تحت إدارة صينيين أكفاء وغرباء. لا بدّ أن تكون حياتهم كئيبة في هذه الصحراء، إذ لا جيران أو زوّار سوى التجّار المتجوّلين.
يغري التاجر المتجوّل المغولي بالشراب، ثم يستغلّ غفلته ليقنعه بشراء الكثير من الأشياء عديمة الفائدة بأسعار زهيدة، دون أيّ اكتراث للدفع، إذ يمكن تسويته في أيّ وقت. وعندما يحين موعد الدفع، تتراكم الديون ككرة ثلج متدحرجة، فيضطرّ المغولي إلى التخلّي عن الخيول والماشية، تلك الثروات القليلة البائسة، ليجد نفسه في النهاية وحيدا في العراء.
كلّما توقفنا بالقرب من الخيام، كانت النساء يخرجن لرؤيتي ويقتحمن خيمتي ويتعاملن مع أغراضي. بدا أنهن يقدّرن الحرير كثيرا. كانت بلوزاتي الحريرية محطّ إعجابهن، وعندما تعمّقن في البحث واكتشفن أنني أرتدي "سراويل داخلية" من الحرير، لم يسعهنّ إلا الدهشة.
للزوجة مكانة مرموقة في منغوليا، والطلاق مكلّف. لكن الزوجة لم تبدُ لي كالجارية المقهورة التي توصف غالبا. بل على العكس، بدت كرجل تماما، كزوجها، تدخّن وتركب الجمال وتدير قوافل الجمال بمهارة تضاهي مهارته.
حتى الآن لم أرَ الكثير من الحياة البرّية. مررنا بين الحين والآخر ببعض الظباء، ورأينا ذئابا مرّتين على مقربة منّا. ذئاب منغوليا هذه كبيرة وشرسة، وكثيرا ما تهاجم القطعان، ويكفي ذئب واحد منها لإسقاط حصان أو ثور قوي. والسكّان يشنّون عليها حربا تتفاوت نتائجها بين النجاح والفشل، وينظّمون أحيانا ما يشبه المناوشات. في البداية، يتمركز الرجال المسلّحون بالحبال في مواقع استراتيجية، بينما يقوم آخرون بطرد الذئاب من أوكارها ودفعها إلى مسافة قريبة، قبل أسرها.
في الطريق رأينا وفرة من طيور الطيهوج، نصفها يركض ونصفها يطير أمامنا ونحن نتقدّم. وعندما كنّا في عمق الصحراء، رأينا النسور بأعداد كبيرة. وإلى الشمال كانت حيوانات المرموط منتشرة بكثرة، وهي تشبه في مظهرها وسلوكها كلاب البراري. وقد لفت انتباهي كثرة المهور البيضاء والرمادية هنا، وقيل لي إن الخيول تربّى أساسا لبيعها في السوق الصينية.
هناك الكثير مما يقال ضدّ غسل الوجه، على الأقل، عند عبور صحراء غوبي. فالرياح الجافّة الحارّة تحرق الجلد وتسبّب له البثور، والغسل يزيد الأمر سوءا، فضلا عن أنك قد تعاني من نقص الماء أحيانا. لذا، لمدّة أسبوعين، كان وجهي يُغسل بأمطار السماء، إن غُسل أصلا، وبدا شعري وكأنه مسرّح بالريح. فبين ركوب الخيل الوعر والرياح العاتية التي تجتاح الهضبة، كان من المستحيل الحفاظ على مظهري مرتّبا.
في إحدى المرّات، صادفنا خدمة البريد الروسية، وهي عبارة عن عربة ضخمة محمّلة بأمتعة ثقيلة يجرّها جمل ويحرسها قوزاق يمتطون الجمال، وقد بدت بزّاتهم وقبّعاتهم البيضاء الأنيقة ذات الأقنعة مضحكة على ظهور خيولهم المترنّحة.

❉ ❉ ❉



❉ ❉ ❉

بعد مسيرة أيّام في صحراء غوبي، تحوّل اللون الأخضر الزاهي للمروج إلى غطاء نباتي متناثر من الشجيرات وخصلات من الأعشاب الخشنة والحشائش الضارّة. وكانت الخيول المسكينة تعاني للحصول على كفايتها من الماء، رغم رعيها طوال الليل. أما أرض "شا هو"، الأكثر وعورة، والتي تتخلّلها الأخاديد وأنهار الرمال، فقد اكتسبت مظهرا قاسيا ومشمسا ومنفّرا، لا يضيؤه سوى شوك قرمزي وأزرق رائع.
مررنا في طريقنا بالعديد من الآبار المتباعدة، وأحيانا الجافّة. وكانت هناك ساعات عصيبة لم نكن فيها متأكّدين من توفّر الماء لأنفسنا، فضلا عن الخيول. كانت إحدى تلك الآبار مالحة نظرا لقربها من بحيرة ملحية. وتعدّ هذه البحيرة معلما بارزا في المنطقة المحيطة بأكملها. ويبدو أنها تتقلّص ببطء وتخيّم حولها العديد من القوافل لجمع الملح الذي يُنقل جنوبا.
مع مرور الوقت، تغيّر الطقس فأصبح النهار أكثر حرارة وجفافا، لكن الليالي كانت باردة ومنعشة. ولم نرَ طوال أحد عشر يوما أيّ منازل، باستثناء مرّة واحدة في الصباح الباكر عندما وصلنا فجأة إلى دير بدا وكأنه ينبثق من الأرض. فالصحراء المفتوحة تخفي كما تكشف. كان الدير عبارة عن مجموعة من المباني ذات الأسقف المسطّحة والمطلية باللون الأبيض، أحدها أكبر من البقية، وجميعها يلفّها الصمت.
لم نلاحظ أيّ أثر للحياة ونحن نمرّ، باستثناء جمل مربوط في زاوية. وبدا المكان منعزلا وموحشا، مستقرّا في وسط السهل الشاسع الخالي ذي اللون البنّي المصفر.
أحيانا كان الطريق متعرّجا ما بين الصعود والهبوط، نصعد تلّة لنرى أمامنا تلّة أخرى مماثلة وهكذا. ثم تمتدّ الأرض لأميال طويلة، مسطّحة وناعمة، بلا صخور ولا تضاريس. ونلاحق صفّا لا نهاية له من أعمدة التلغراف فوق صحراء شاسعة لا نهاية لها. وفي يوم آخر، كنّا نجتاز من الفجر حتى الغروب أرضا موحشة قاحلة ومليئة بالنتوءات الصخرية.
لم نرّ أيّ أثر للحياة، لا شيء ينمو، ولا شيء يتحرّك. لأيّام متواصلة لم نلمح أيّ خيام ولم نلتقِ بأحد. وفجأة، ظهر أمامنا على الطريق الأبيض شخص وحيد في السهل الشاسع. وعندما اقترب، سقط على وجهه في الرمال عند أقدامنا متوسّلا الطعام. كان صينيا عائدا إلى دياره من أورغا، قاطعا مئات الأميال سيرا على الأقدام عبر الصحراء إلى كالغان. ساعدناه قدر استطاعتنا.
عند عبور صحراء غوبي، يرى المرء هنا وهناك مستنقعات أو بحيرات مالحة ضحلة، شاهدةً على مناخ مختلف في زمن غابر. أما اليوم، فتعتمد القوافل العابرة على آبار متفاوتة العمق، موزّعة على مسافات غير منتظمة. يعود تاريخ هذه الآبار إلى ما قبل التاريخ البشري، ولكلّ بئر اسمها وخصائصها. في بعضها لا ينضب الماء، وفي أخرى يجفّ بسرعة.
أحيانا يكون الماء مالحا قليلا، لكنه عادةً ما يكون صافيا وباردا. ولولا هذه الآبار، لكانت صحراء غوبي الممتدّة لأكثر من 300 ميل تشكّل حاجزا شبه منيع بين شمال وجنوب منغوليا. في الواقع، تُلحق الصحراء أضرارا بالغة بالقوافل العابرة. فالعطش والجوع والحرّ والبرد تحصد أرواح الآلاف من الحيوانات التي تدلّ عظامها المبيضّة على الطريق.
ليومين أو ثلاثة، ظلّ كاهن أحمر عجوز يركب جملا بالقرب منّا، ينام ليلا مع رجالي بجانب العربة، وأحيانا يلجأ إلى خيمتي ظهرا، حيث يجلس بهدوء لساعات يدخّن سغائري. كان رجلا لطيفا ذا طباع حسنة، وكاد يختنق من فرط حماسه ليُفهمني كم أنه رائع.
هكذا مرّ الوقت. أيّام مرهقة رتيبة وليالٍ منعشة بهيّة. ثم مع اقتراب نهاية عصر طويل منهك، رأيت للحظة وبشكل خافت شيئا لاح في الأفق الشمالي. أتراه كان غيمة؟ جبلا؟ صخرة؟ بالكاد تجرّأت على تصديق عينيّ، ونظرت مرارا وتكرارا. أجل، لقد كان جبلا، جبلا من الصخور، تماما كما قيل لي، سيظهر أمامي للحظة، ثم يختفي. واختفى فعلا وفرحت، لأن الصحراء انتهت عند سفحه. وخلفه امتدّت أرض من الأعشاب والجداول.
خيّمنا في ذلك المساء على مقربة من الطريق في منخفض عشبي صغير. وفي الليل، هطل المطر برفق على جدار خيمتي. ولساعات طويلة امتزج صوت المطر المتساقط مع رنين أجراس خافت، بينما كانت قافلة طويلة من الثيران تزحف في الظلام.
في فترة ما بعد الظهيرة، اندفع نحونا موكب صغير من الرجال ذوي المظهر البرّي على الطريقة المغولية الأصيلة، وهم يجرّون أعمدة الحبال أثناء عدوهم. وبتحيّة مرحة، أداروا خيولهم وساروا معنا بينما كانوا يُشبعون فضولهم.
كانت تلك أوّل مرّة أرى فيها مغولاً من الشمال. لم يكونوا مختلفين كثيرا عن نظرائهم الجنوبيين، إلا أنهم أقلّ تأثّرا بالثقافة الصينية. أما في لباسهم، فهم أكثر جاذبية، وقبّعاتهم الطويلة المدبّبة التي يرتدونها عادة تذكّر بصور قديمة لجحافل المغول الغازية.
عاد الجبل الكبير ليظهر للعيان، جاثماً كوحش ضخم مفترس فوق السهل. وشققنا طريقنا عبر برّية ذات صخور تراكمت بشكل عشوائي، حتى وصلنا إلى نتوء صغير. هناك أمامنا تقع "تورين"، ليست مجرّد منزل بل قرية مبنية بين الصخور. كان مشهدا غريبا على حافّة هذه الصحراء غير المأهولة.

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خواطر في الأدب والفن

نصوص مترجمة

نصوص مترجمة