المشاركات

خواطر في الأدب والفن

صورة
يروي الكاتب الكولومبي الكبير غارسيا ماركيز أنه عندما كان يعمل مراسلا صحفيا، سمع ذات مرّة عن قصّة بحّار مشهور غرقت سفينته ونجا هو، فذهب للقائه. ولم تكن المقابلة على هيئة سؤال وجواب. كان البحّار يسرد على ماركيز مغامراته وهو يكتبها. وعندما نُشر هذا التحقيق على مدى اسبوعين في الجريدة كان بتوقيع البحّار نفسه ولم يذيّله الكاتب باسمه. وبعد ٢٠ عاما، اُعيد نشر التحقيق واكتشف الناس أن ماركيز هو الذي كتبه. ولم يعرف محرّرو الجريدة أن التحقيق جيّد إلا بعد أن كتب ماركيز روايته "مائة عام من العزلة". العبرة من هذه القصّة هي أن الناس غالبا ما تستهويهم الأسماء واللافتات والشهرة. ومهما كانت براعتك ككاتب، فإن الناس عادة لن يعرفوا قدرك أو مكانتك أو موهبتك إلا بعد أن يصبح لك اسم وكُتُب وتصير مشهورا وتنال جوائز وأوسمة الخ. كان بيكاسو يعيش في باريس عندما قرّر النازيون تحطيم الحفلة واحتلال العاصمة الفرنسية خلال الحرب العالمية الثانية. وإذا كنت تعتقد انهم عاملوه معاملة الملوك فأنت مخطئ. لكنهم أيضا لم يتعرّضوا له أو يؤذوه بشيء. كان بيكاسو فنّانا "منحطّا" حسب تعريفهم ...

أطفال العصر الحجري

صورة
هذا الكتاب عنوانه (الحافّة البرّية للحزن: طقوس التجدّد وآثار الحزن المقدّس)، ومهمّته، كما يقول مؤلّفه، هي إيقاظ علاقتنا الأزلية بالحيوانات والنباتات والأنهار والتلال والأشجار والغيوم. كما أنه صرخة احتجاج تدعونا للعودة إلى حياة التواصل والحميمية والشعور والدهشة. وهو أيضا دعوة لإشعال حيويتنا وإقناعنا بالعودة إلى الحياة من خلال الاهتمام بالحزن. مؤلّف الكتاب فرانسيس ويللر يقول إن كتابه يحفر في المشاعر التي يدفنها الكثيرون منّا. وهو يعتقد أن معظمنا يحمل قدرا كبيرا من الحزن، أكبر ممّا نسمح لأنفسنا بالاعتراف به. ويشير إلى أنه وضع الكتاب لعدّة أهداف، أهمّها "إعادة النفس إلى عمل الحزن وإعادة الحزن إلى عمل الروح". والمؤلّف يشعر أن الحزن "أصبح رهينة للعالَم الإكلينيكي والتشخيصات والنظم الصيدلانية". في حين أن الحزن، في معظم الأحيان، ليس مشكلة يجب حلّها أو حالة تحتاج إلى علاج، ولكنّه لقاء عميق مع تجربة أساسية تتعلّق بكوننا بشرا. ولا يصبح الحزن مشكلة إلا عندما تغيب الظروف اللازمة لمساعدتنا على التعامل معه، كأن نضطرّ إلى تحمّل حزننا في عزلة. والحزن، برأي المؤلّف، يرا...

مدرسة أثينا ومفهوم الجمال

صورة
تُعتبر لوحة رافائيل مدرسة أثينا (1511) أحد أفضل الأعمال الفنّية المعروفة من عصر النهضة الإيطالية. وهي واحدة من أربع لوحات جدارية موجودة في شقّة الفاتيكان المعروفة باسم غرفة سيغناتورا. وقد رُسمت هذه اللوحات بتكليف من البابا جوليوس الثاني لكي تلخّص المثل اللاهوتية والإنسانية. وتصوّر "مدرسة أثينا" أعظم فيلسوفين من العصور القديمة، أفلاطون وأرسطو، وهما يقفان وسط مساحة مقبّبة أسطوانية الشكل ومهيبة، بينما يحيط بهما فلاسفة وعلماء مشهورون آخرون مثل سقراط وفيثاغورس وبطليموس وغيرهم. ويبدو الحكماء منهمكين في نقاشات حيّة، بينما يشرف على المشهد تمثالا أبوللو ومينيرفا إلهتي الفنون والحكمة القديمة. وعلى الرغم من أنه لا يزال هناك بعض الجدل حول هويّة بعض الأشخاص الكثر الظاهرين في الصورة، إلا أنه يمكن التعرّف بسهولة على شخصيّتي أفلاطون وأرسطو. فانسجاماً مع تفكيره، يشير أفلاطون إلى السماء ليؤكّد ان الحكمة تكمن في عالم الروح، بينما يشير أرسطو باتّجاه الأرض كمصدر لملاحظاته. وأفلاطون يحمل كتابه "محاورات مع تيماوس"، الذي يصف فيه أصل وطبيعة الكون، بينما يحمل أرسطو كتابه "ال...

سيزيف العصري

صورة
ذات مرّة، انهمك مزارع مبتدئ في مشاهدة مقاطع فيديو تحفيزية. وأصبح ملمّا بأفكار مثل أهميّة الجهد وثقافة الزحام والعمل بجدّ وقت العمل واللعب بمزاج وقت اللعب. وبعد عدّة أيام، دخل إلى مزرعته متحمّسا، ومصمّما على تطبيق ما شاهده، لتحقيق نجاح أكبر في عمله. وبدأ بقلع أحد المحاصيل كوسيلة لجعله ينمو بشكل أسرع. لكن هذا لم يُجدِ نفعا. ثم بدأ في سقي النباتات مرّتين، على أمل أن تنمو بشكل أسرع. ولكنه أغرقها بدلاً من أن يجعلها تنمو أسرع. وبعد محاولات متعدّدة، أدرك المزارع أنه مهما بذل من جهد وعمل على تغيير الطبيعة فلن يؤدّي ذلك إلا إلى نتائج عكسية. على الرغم من التطوّرات التكنولوجية التي شهدتها البشرية لإحراز تقدّم أفضل وأسرع، إلا أننا لا نزال نعتمد على الطبيعة. فالجهد البشري له حدوده وهو دائما مرتبط بقوانين الطبيعة التي تحكم كلّ شيء. نحن لا نستطيع أن نزرع نباتا، مثلا، بمعزل عن قوانين النموّ الطبيعي، رغم أنه يمكننا التأثير عليه والتلاعب به أحيانا، ولكن بقدر محسوب ومحدود. يقول لاو تسو إن العالم يحكم نفسه بنفسه ولا يحتاج إلى تدخّلنا نحن البشر. ويضيف: عندما تصل إلى حالة عدم اتخاذ أيّ إج...

خواطر في الأدب والفن

صورة
من الأماكن المهمّة في حياة فنسنت فان غوخ زاوية دوّار مزدحم يُسمّى ساحة لامارتين يقع على الجانب الآخر من البوّابات الرومانية المؤدّية إلى آرل في جنوب فرنسا. وخلف ذلك المكان يجري نهر الرون، الذي رسم فان غوخ انعكاساته المتلألئة في إحدى الليالي التاريخية المرصّعة بالنجوم. وإلى الأمام شريط من المحلات التجارية المؤدّية الى حقول أزهار عبّاد الشمس الواسعة التي رسمها فان غوخ مرارا. هذا هو المكان الذي كان يقوم فيه ذات يوم البيت الأصفر لفان غوخ؛ أي المنزل البروفنسالي المشمس الذي كان موضوع لوحة زيتية له من عام 1889، حيث كان يأخذ فترة "راحة قسرية" على حدّ تعبيره. كانت تلك "غرفة نوم" ذات جدران بنفسجية شاحبة رسمها بالألوان الزيتية ثلاث مرّات في ذلك العام. المنزل الصغير كان يضمّ عددا من الأساطير، فهو المكان الذي دفع فيه أحد أشهر الفنّانين في العالم أساليب الرسم إلى ذروتها بأعماله المشهورة مثل "شرفة مقهى في الليل" و"عبّاد الشمس" وغيرهما. وكان هذا هو المكان الذي تحوّلت فيه حياة فان غوخ الشخصية إلى قصّة درامية ومأساوية. وهنا خاض فان غوخ معركة عنيفة مع ...

رحلة في غابة العقل

صورة
من أفضل الأفلام السينمائية التي تستحقّ المشاهدة فيلم راشومون "1950" للمخرج الياباني أكيرا كوروساوا (1910-1998). كان كوروساوا أحد أكثر المخرجين تأثيرا في تاريخ السينما وقدّم مساهمات كبيرة في تطوير السينما اليابانية والعالمية. ويمكن رؤية تأثيره في أعمال مخرجين كبار مثل سكورسيزي ولوكاس وكوبولا وغيرهم. امتدّت مسيرة كوروساوا المهنية لأكثر من خمسة عقود، أخرج خلالها وشارك في كتابة العديد من الأفلام الناجحة والتي نالت استحسان النقّاد والجمهور ونال عليها العديد من الجوائز المرموقة في المهرجانات السينمائية الدولية. وكان معروفا بقدرته على مزج عناصر القصص اليابانية التقليدية مع التقنيات الغربية، ما أدّى إلى ظهور أسلوب سينمائيّ فريد وقويّ ارتبط باسمه. "راشومون" يُعتبر بإجماع النقّاد من روائع السينما اليابانية والعالمية. وكان له تأثير كبير على تقنيات السرد القصصي والبنية السردية في السينما. عنوان الفيلم "راشومون" يشير إلى بوّابة في كيوتو باليابان، حيث تجري محاكمة ويقدّم الشهود رواياتهم المختلفة عن جريمة قتل. ومن خلال البناء السرديّ المبتكر، يثير الفيل...

ماليفتش والتفوّقية

صورة
في 19 ديسمبر 1915، افتُتح معرض للأعمال الفنّية الراديكالية في سانت بطرسبرغ في روسيا. وقد تجاوزت العديد من القطع المعروضة حدود الشكل والأسلوب. لكن إحداها كانت مثيرة للجدل بشكل خاص. كانت اللوحة معلّقة في زاوية الصالة، في مساحة كانت تُخصّص عادةً للأيقونات الدينية. وكان اسمها "المربّع الأسود" لكازيمير ماليفيتش. أحد الحضور سخر من بساطة اللوحة مدّعيا أنه "حتى الطفل يمكن أن يرسم مثلها!" وذهب آخر إلى أبعد من ذلك، فكتب يقول ان "المربّع الأسود" من شأنه أن "يقودنا جميعا إلى هلاكنا!". بساطة اللوحة الظاهرية تثير الحنق والارتباك. لكن نظرة فاحصة تكشف أن عمل ماليفيتش ليس فقط أكثر تعقيدا ممّا يبدو للوهلة الأولى، بل قد لا يكون حتى لوحة لمربّع أسود على الإطلاق. وعلى الرغم من اسمها، ستجد أن الشكل المركزي للوحة ليس أسود ولا مربّعا تماما. وأضلاعه ليست متوازية أو متساوية في الطول، كما أن الشكل لا يتموضعُ تماما على القماش. وبدلاً من ذلك، وضع ماليفيتش النموذج بعيدا عن التوازن قليلا، ما يعطيه مظهرا حركيّا. كما أن اللون الأبيض المحيط به يمنحه نوعية حيّ...