خواطر في الأدب والفن


  • قال الرسّام الفرنسي جان فرانسوا ميليه مرّة: كم أتمنّى لو أستطيع أن أجعل من ينظرون الى أعمالي يشعرون بروعة الليل ورهبته. إن على الفنّان أن يكون قادراً على جعل الناس يسمعون الأغاني والصمت وهمسات النسيم وأن يشعروا باللانهائية".
    من أشهر صور ميليه التي تتميّز بحساسية نادرة وتنقل السكينة الشعرية التي تسود ليالي الريف لوحته فوق بعنوان "حظيرة الأغنام في ضوء القمر". وفيها يظهر قطيع من الأغنام عند حلول الظلام في حظيرة بسيطة محاطة بسور من الخشب. القمر المنخفض الساطع يظهر عبر طبقة من الغيوم، ناشرا وهجا خلّابا يضيء المكان.
    والى اليسار، يقف الراعي في صورة ظلّية داكنة، متّكئا على عصا بينما يراقب القطيع. والى أقصى اليسار، يظهر كلبه الحارس واقفا على حافّة الحظيرة، وهناك أيضا كوخ خشبيّ صغير الى اليمين.
    هذه اللوحة الليلية تشهد على احترام ميليه العميق لدورات الطبيعة، وعلى الراحة التي تستحقّها الحيوانات بعد عناء يوم. براعة الرسّام تتجلّى بوضوح في المزج الدقيق بين التباين الضوئي والظلال الزرقاء أحادية اللون. وبفضل لمسته التصويرية البارعة، استطاع أن يجعل نضارة الليل وكثافة صوف القطيع ملموسة.
    ومثل هذه الأعمال التي تتميّز بإضاءة غامضة، أصبحت لاحقاً مصدر إلهام كبير للعديد من الرسّامين. وقد أنجز ميليه ما لا يقلّ عن خمس نسخ من هذه اللوحة باستخدام تقنيات متنوّعة، كالرسم الزيتي والباستيل والفحم.
    ولد ميليه لعائلة من الفلّاحين من منطقة النورماندي في شمال فرنسا. واستلهم أعماله من هذه الخلفية، حيث تخصّص في تصوير مشاهد من حياة سكّان الأرياف. وقد اشتهر بموضوعاته الواقعية، إذ دفعته رؤيته للظلم الاجتماعي إلى رسم الفلاحين والعمّال، وتصوير فقر الحياة الريفية في فرنسا ونبلها في آن.
    في إحدى أشهر لوحاته الأخرى من عام 1857، تظهر نساء وأطفال يغمرهم ضوء ذهبيّ ناعم، مُظهرا قدسية علاقتهم بالأرض، بينما يجمعون ما تبقّى من الحبوب في الحقول بعد انتهاء موسم الحصاد.
    لوحات ميليه قد تبدو بسيطة وتقليدية بمعايير هذه الأيّام، لكنها في عصرها كانت تتحدّى جذريّا المفاهيم السائدة حول ما يمكن اعتباره "جميلاً". فقد قدّمت أعماله حجّة قويّة ومقنعة تدعو العالم لإعادة النظر في طبيعة المواضيع الجديرة بأن تكون فنّاً. وأغفل الرسّام المواضيع البصرية المعتادة آنذاك كعارضات الحرير أو الملائكة الصغار الخ، ليوثّق بدلاً من ذلك الحياة اليومية في الريف الفرنسي.
    لم يكن ميليه يرى أيّ قيمة أو مبرّر في تجميل الواقع، إذ قال ذات مرّة: ليس من حقّ أحد أن يجبرني على تجميل شخصيّاتي، فأنا أفضّل ألا أرسم شيئاً على الإطلاق إن لم أتمكّن من التعبير عن أفكاري بوضوح".
  • ❉ ❉ ❉

  • يُحكى أن رجلا كان يعيش في قرية نائية وبسيطة. ولم يكن أهل تلك القرية قد رأوا مرآة في حياتهم. وفي أحد الأيّام، سافر هذا الرجل إلى المدينة، وأثناء تجواله في السوق وجد شيئا يلمع على الأرض، فرفعه ونظر إليه.
    كان ما رآه مرآة. وعندما نظر فيها رأى وجهه. وبما أنه لم يرَ أو ينظر في مرآة من قبل، ولشدّة الشبه بينه وبين أبيه الراحل، ظنّ الرجل أن هذه صورة والده في شبابه. فأخذ يبكي تأثّرا وقال: رحمك الله يا أبي، كم كنت رجلا مهيبا وطيّبا".
    ولشدّة تعلّقه بـ "الصورة"، أو المرآة، قرّر أن يأخذها معه إلى البيت. ولكي لا يلمحها أحد، عمد إلى إخفائها بعناية تحت فراشه. وكان كلّ يوم يستغلّ غياب زوجته ليُخرج المرآة وينظر إليها ويبكي شوقا لأبيه.
    لاحظت الزوجة تصرّفات زوجها الغريبة وارتيابه الدائم عند الفراش. فانتظرته حتى خرج من المنزل، وتوجّهت فورا إلى الفراش وفتّشته، فوجدت المرآة. وعندما نظرت فيها، رأت وجهها لأوّل مرّة، فظنّت على الفور أن زوجها يخونها، وأن هذه صورة امرأة أخرى خبّأها تحت الفراش!
    غضبت الزوجة غضبا شديدا وقالت وهي تبكي: إذن، هذه هي العجوز القبيحة التي تخونني معها!". أخذت الزوجة المرآة وذهبت مسرعة إلى قاضي القرية لتشتكي زوجها وتطلب منه الطلاق، وقالت له: أيها القاضي، إن زوجي يحبّ امرأة أخرى وقد عثرت على صورتها".
    تناول القاضي المرآة ونظر فيها ليرى صورة المرأة المزعومة. وبما أن القاضي أيضا لم يكن قد رأى مرآة في حياته، فقد نظر فيها ورأى وجهه، فقال مستغربا: عجبا لكِ أيتها المرأة! تشتكين زوجك بسبب هذا الشيخ المسكين ذي اللحية البيضاء الوقورة"! وأمرها بالعودة الى بيت زوجها.
  • ❉ ❉ ❉



    ❉ ❉ ❉

  • كان سيرغي بانكيف أحد أشهر مرضى سيغموند فرويد. وقد أكسبه الحلم المروّع الذي رآه في طفولته ورواه لفرويد لقب "الرجل الذئب". في حلمه، كان بانكيف مستلقيا على سريره عندما انفتحت النافذة فجأة. نظر إلى الخارج فرأى ستّة أو سبعة ذئاب رمادية تجلس على شجرة خارج غرفة نومه، وعيونها مثبّتة عليه.
    كانت بعض ملامح الذئاب تشبه ملامح حيوانات أخرى. فذيولها، مثلا، كانت أشبه بذيول الثعالب منها بذيول الذئاب. استيقظ بانكيف مذعورا من نظراتها وهو يصرخ، خوفا من أن تقتحم عليه غرفته.
    وقد أثار هذا الحلم فضول فرويد، الذي سرعان ما اكتشف أنه يمثّل نقطة تحوّل في طفولة بانكيف. فقبل الحلم كان طيّب القلب للغاية، لكنه بعده أصبح طفلا لئيما وسيّئ المزاج. وقد خصّص فرويد جزءا كبيرا من علاجه لكشف غموض الحلم الغريب، ما معناه، ولماذا أحدث هذا التغيير في شخصية مريضه.
    وربطَ فرويد الحلم بقصّة رواها جدّ الرجل، حيث كان قطيع من الذئاب يطارد شخصا لاذَ بشجرة، فسمح أحدها للذئاب الأخرى بالصعود فوقه للوصول للرجل. وكان الرجل الذئب معجبا بوالده كقدوة للرجل النبيل. وقد جمعتهما علاقة وثيقة في صغره. إلا أن اكتئاب الأب لم يحسّن علاقتهما.
    واعتقد فرويد أن الرجل الذئب قد نما لديه خوف من والده. ونتيجة لذلك، قد يكون انشغال الرجل الذئب اللاواعي بالذئاب في الواقع رمزا للتهديد الذي يمثّله والده كما كان يتخيّل.
    وعلى الرغم من تفسير فرويد لحالة الرجل الذئب، إلا أن معاناته استمرّت، وكان يزوره، إلى جانب معالجين آخرين، بشكل متقطّع لسنوات عديدة. وقد انتحرت شقيقة الرجل بعد أن اشتكت من سوء معاملة امرأة مسنّة لها، وتوفّي والده بعد ذلك بعام.
    وعاش الرجل الذئب حتى بلغ من العمر زهاء التسعين. وكان بارعا في مجموعة متنوّعة من الاهتمامات الفنّية، حتى أنه حوّل حلمه بالذئاب الرمادية الى لوحة.
    وفي ما بعد، تحوّل "حلم الرجل الذئب" الى واحد من أشهر الأحلام في تاريخ علم النفس التحليلي وتسبّب في إثارة موجة من النقاش والجدل استمرّت طوال سنوات.
  • ❉ ❉ ❉

  • تصوّر هذه اللوحة امرأة تقف على يمين غرفة وترتّب الكتان في خزانة كبيرة من خشب السنديان. وهناك فتاة قد تكون ابنة المرأة، تساعدها وتُخرج الكتّان من سلّة كبيرة. وفي الخلف نافذة عالية وباب مفتوح يقف عنده طفل يلعب. والى يسار الغرفة، يوجد درج دائري وكرسي.
    موقع ويكيبيديا يصف اللوحة بأنها "لا تتمتّع بالتأثير المبهر والمضيء الذي يميّز أعمال بيتر دي هوغ، إلا أنها تتميّز بسحر خاص بسبب صدقها وواقعيتها والرسم والتشطيب المتقنَين فيها، ما يؤهّلها لأن تكون من ضمن أفضل أعماله".
    عاش دي هوغ في مدينة ديلفت الهولندية، وكان معاصرا ليوهانس فيرمير. وقد تناول الإثنان في لوحاتهما موضوعات متشابهة ورسما شخصيات ترتدي أزياء متماثلة وتؤدّي أنشطة يومية مألوفة. ومع ذلك، كان كلّ منهما فنّانا مختلفا تماما عن الآخر. فلوحة دي هوغ هذه، التي تعود لعام 1663، تخلو تماما من أيّ دراما أو تجلٍّ روحاني. ومع ذلك، وبحسب بعض النقّاد، تُعتبر الصورة بمثابة "صندوق ألغاز"، فهي بناء بارع يجمع بين الانفتاح والانغلاق والداخل والخارج والكشف والإخفاء.
    ففي الجدار الذي تقف أمامه المرأتان، تظهر ثلاث فتحات تمنح المشهد عمقا مفاجئا وتوسّع آفاق الرؤية. فإلى اليمين هناك سلم دائري يصعد الى فوق قبل أن يختفي عن الأنظار، والى اليسار نافذة، وفي المنتصف باباً.
    من زاوية معيّنة، تبدو اللوحة عاديّة تماما، بينما تبدو من زاوية أخرى درساً في حدود الرؤية والمعرفة. إذ نجد فيها النظام الهندسي الصارم لبلاط الأرضيات والطوب ونوافذ زجاجية صافية وأقمشة مطويّة بدقّة. وفي الوقت نفسه، هناك نوع من الفوضى المصغّرة في المسارات غير المتوقّعة لحركة الطفل والكرة.
    كانت خزانة الكتّان تحتلّ مكانة مهمّة في البيت الهولندي في القرن السابع عشر. إذ كانت سيّدة المنزل تحتفظ بمفاتيحها وتدير شؤون المنزل بنفسها. والمنظر بعمومه يمكن ان يكون رمزا للفضيلة المنزلية والنظام وسلطة المرأة في إدارة شؤون الأسرة.
  • ❉ ❉ ❉

  • يعدّ سكّان نورستان من أكثر الجماعات العرقية تميّزا ثقافيا وتاريخيا في أفغانستان. ويقطنون بشكل رئيسي في المنطقة الجبلية الوعرة شرق البلاد قرب الحدود الباكستانية. وعلى مرّ القرون، ساعدت وديانهم النائية في الحفاظ على تقاليدهم ولغاتهم وخصائصهم الجغرافية الفريدة التي ميّزتهم عن الجماعات المجاورة.
    وحتى أواخر القرن التاسع عشر، كانت المنطقة تُعرف باسم كافرستان، أي "أرض الكفّار"، لأن النورستانيين كانوا يعبدون آلهة وثنية قديمة على عكس السكّان المسلمين المحيطين بهم. وفي عام ١٨٩٦، غزا الحاكم الأفغاني عبد الرحمن خان المنطقة، ما أدّى إلى اعتناق أهلها الإسلام وتغيير اسمها إلى نورستان، أي "أرض النور".
    ولا تزال مجتمعات النورستانيين مرتبطة ارتباطا وثيقا بالزراعة وتربية الماشية وتتمتّع ببنية عشائرية وأسرية متينة. وغالبا ما يرتدي الرجال قبّعات مميّزة وملابس متعدّدة الطبقات تناسب مناخ الجبال القاسي. ولغة الأهالي تنتمي إلى فرع نادر من اللغات الهندية الإيرانية، ويتحدّث بها عدد قليل نسبيّا من السكّان، ما يجعلها ذات أهميّة لغوية بالغة للمؤرّخين وعلماء الأنثروبولوجيا.

  • Credits
    archive.org

    المشاركات الشائعة من هذه المدونة

    نصوص مترجمة

    سيمفونية الحياة

    نصوص مترجمة