نصوص مترجمة


  • إرنستو كاركوفا (1866-1927) رسّام ارجنتيني اكتسب خبرة واسعة من تجارب دراسته في روما وباريس وبوينس آيرس. كان منفتحا على العالم ومتفاعلا معه.
    في أشهر لوحاته بعنوان "لا عمل.. لا خبز"، يجلس رجل وامرأة في غرفة متواضعة تتوسّطها طاولة خشنة، يستقرّ فوقها فأس. الرجل يبدو أكبر من عمره الحقيقي، بسبب المعاناة وعناء العمل اليومي الشاق. وهو ينحني فوق الطاولة لينظر خارج النافذة. المرأة تربط شعرها بمنديل، تظهر من تحته بعض خصلات شعرها الأسود. ملامح وجهها واضحة: أنف بارز قليلا وعينان واسعتان، مع نظرة حادّة.
    الرجل والمرأة ليسا شابّين، لكنهما ليسا كهلين أيضا. ومن الواضح أن الإهمال وسوء التغذية تركا أثرا على جسديهما، رغم وجود الكثير من الحبّ بينهما على ما يبدو. ورغم أنهما يبدوان نحيلين وشاحبين، إلا أن جسديهما لا يزالان يختزنان طاقة كامنة.
    تغلب على اللوحة الألوان الرمادية الباهتة والتي ترمز للفقر. وهناك أيضا اللون الأسود بمختلف ظلاله: الأسود العميق والأسود القاتم والأسود الناتج عن الإهمال والأسود الذي يعكس البِلى والإنهاك.
    والاستثناءات اللونية الوحيدة في هذا المشهد الكئيب هي قميص الرجل الأزرق وغطاء الرضيع الأبيض وبقعة صغيرة من البرتقالي تظهر في الخارج.
    بين الرجل وزوجته يدور حوار حول الحياة والبؤس والماضي والمستقبل وسطوة الحياة نفسها. قبضة الرجل اليسرى مغلقة، وهي إشارة تعبّر عن الغضب وخيبة الأمل والقدرة على التحمّل.
    وخلفه تظهر درجات لونية رمادية باهتة. أما خلف المرأة فيطغى اللون الأسود الذي يشكّل خلفية اللوحة بأكملها من طرف إلى طرف. وفي هذا السواد، تتوارى الأرجل والأقدام وتختفي الأشياء والرغبات. إنه فضاء تذوب فيه الألوان وتتلاشى الفوارق.
    ويبدو أن الطاولة العارية استُخدمت لأغراض شتّى، فقد كانت تصلح لتكون مائدة للطعام، لكنها اليوم، ومنذ زمن طويل، خالية من الفاكهة ومن الخبز وأدوات المائدة. ولا توجد أدوات في المشهد، باستثناء جزء من مقبض فأس ومسمار أو مسمارين ربّما كانا جزءا من فأس يدوية أو مطرقة. وهذه الأشياء هي ما تبقّى من ممتلكات هذا الزوجين ممّا كان يُستخدم في الحياة اليومية.
    في الخارج، تمتدّ الحياة العامّة الى حيث يسود الغموض واللامبالاة. فلا شيء هناك يوحي بوجود حياة، بل مجرّد هياكل صمّاء. أما في الغرفة، فتتشبّث الحياة بالشقوق والزوايا، مثلما تنمو زهرة وسط الإسمنت وهي تتحدّى المستحيل.
    تجسّد اللوحة الصمود الإنساني وإرادة البقاء التي تغذّي الحياة، في مواجهة عالم مجهول وبارد يتمثّل في المدينة ومبانيها. وقد لا تحتاج الصورة إلى اسم، وإن كان العنوان بحدّ ذاته "لا عمل.. لا خبز" يمثّل صفعة للمشاعر المرهفة. هنا يصبح العنوان واللوحة شيئا واحدا لا يتجزّأ. ويقول بعض النقّاد إن هذه اللوحة تجسّد نموذجا يتقاطع فيه علم نفس الفنّ وعلم اجتماع الفن وعلم الجمال ونظرية الفن.
    هناك لحظات في الحياة تبدو وكأنها أبدية، نترقّب فيها المجهول آملين أن يحمل معه وعدا أو حلما قابلا للتحقّق. وفي ظل ظروف كهذه، حين يأتي الحلم، فإنه يظهر مثل لحظة ممتدّة لا تنتهي. أن تستيقظ لتدرك أنك لا تملك شيئا وأن الحياة ليست سوى عبء، بينما يستحقّ الطفل أفضل ما في هذه الحياة.
    هنا تتجلّى السعادة كمزيج من الأمل والتفاؤل بحذر. إنها نظرة رجل وامرأة يلتقيان ليملآ فضاءً كان سيظلّ فارغا لولاهما. السعادة هي الأمل ذاته الذي يمنح الزوجين القدرة على مواجهة قسوة الحياة بشجاعة وصلابة.
    لكن لا أثر للانكسار أو الاستسلام في هذا المشهد. ما نلمسه هو الغضب والعزيمة والإصرار. يد الرجل اليسرى، التي تبدو كما لو أنها منحوتة، يد خشنة تملؤها الندوب، وهي منقبضة بقوّة لتعلن أنه لا مجال للهزيمة أبدا. "لا خبز ولا عمل". لكن لا انكسار ولا استسلام.
    والنظر خارج النافذة، بمثل ما يفعل الرجل، قد يعني رؤية هذه المساحات بالقلب أو بالروح وتجاوز الأشياء والموجودات، مع الاحتفاظ بالرغبة ذاتها في الحياة.
    يُعدّ إرنستو كاركوفا مثالا بارزا على إنسانية الفنّ، وفي قدرته على مقاومة ثقل الواقع. ورغم قسوة الظروف، يمكن العثور على خيط رفيع وخفيّ يمنح الأشياء معناها ويجعلنا نتشبّث بالوجود ونستمدّ القوّة على التحدّي والمقاومة. وهذا هو الحدّ الأدنى لما يعنيه أن تكون إنسانا.
    كان كاركوفا أكثر من مجرّد فنّان، فقد ضحّى بمسيرته الفنّية الشخصية لصالح المساهمة في خلق مناخ أكثر ملاءمة لرعاية المواهب الفنّية في بلاده. ويرتبط اسمه بتأسيس وتنظيم وإدارة مؤسّسات بارزة، مثل الأكاديمية الوطنية والمتحف الوطني وكلّية الفنون الجميلة ومتحف النحت، فضلا عن دوره في تشجيع العمارة المتميّزة واقتناء الأعمال الفنّية لتجميل المدينة.
    المعروف أن الفنّان رسم هذه الصورة في أعقاب الأزمة الاقتصادية التي ضربت الأرجنتين عام 1890، وكانت واحدة من أهمّ أزمات القرن التاسع عشر. ف. امبروزيو
  • ❉ ❉ ❉



    ❉ ❉ ❉

  • بعض المعتقدات المنافية للعقل يمكن أن تتسبّب في الكثير من البؤس والمعاناة لبعض المجتمعات. في دلتا أشجار المانغروف بين الهند وبنغلاديش، يدخل الرجال الغابة غالبا للصيد وجمع العسل والحطب، أو صيد الأسماك الصغيرة. وهو عمل خطير، لكنه بالنسبة للعديد من العائلات سبيل للبقاء.
    غابة سونداربانس مشهورة بجمالها، لكنها ليست وديعة أو مضيافة. فجداولها وأشجارها الكثيفة موطن لنمور البنغال التي تستطيع السباحة والتسلّل إلى القوارب وقتل ضحاياها ثم الاختفاء في الغابة.
    وعندما يُقتل رجل من قبل نمر، لا تنتهي المأساة بالهجوم، بل تعامَل أرملة القتيل باعتبارها منبوذة وملعونة.
    ويطلَق مصطلح "أرامل النمور" على النساء اللاتي قُتل أزواجهن على يد النمور. وتواجه هؤلاء النساء، البالغ عددهن الآلاف، صعوبات اجتماعية واقتصادية، منها العزلة الاجتماعية، إذ يُنظر إليهنّ على أنهنّ نذير شؤم أو "آكلات أزواج"، ويجبرن أحيانا على العيش في تجمّعات معزولة. وعادة ما تُمنع الأرامل من ممارسة المهن المجتمعية التقليدية، ويكافحن لإيجاد مصادر دخل بديلة.
    السكّان المحليّون والمسئولون الحكوميون في مناطق الغابات يتخذون احتياطات معيّنة لمنع هجمات النمور. ويصلّي صيادو الأسماك الهندوس البنغاليون من الطبقة الدنيا ويؤدّون طقوسا لإلهة الغابة قبل انطلاق رحلاتهم. كما يعتبر السكان المحليون التوسّل إلى إله النمور ضرورة لضمان المرور الآمن عبر المنطقة.
    أما المسلمون البنغاليون من الطبقة الدنيا الذين يعيشون في الجانب البنغلاديشي، فيلتمسون شفاعة "الوليّ غازي بير" لصدّ هجمات النمور. وعادة ما يصنع الصيّادون وسكّان الأدغال أقنعة تشبه الوجوه ليضعوها على مؤخّرة رؤوسهم، لأن النمور تهاجم دائما من الخلف. وقد نجحت هذه الحيلة لفترة، لكن سرعان ما اكتشفت النمور الحيلة واستمرّت الهجمات.
    في غابات سونداربانس، قُتل أزواج أكثر من ثلاثة آلاف امرأة على يد النمور. وتواجه هؤلاء الأرامل وصمة العار الاجتماعية والتحديات القانونية والصعوبات المالية.
    والاعتقاد بأن أرامل النمور مصدر للشؤم مستمدّ من النصوص الدينية التي يعتبرها كلّ من الهندوس والمسلمين مقدّسة. وإذا قُتل رجل من قبل نمر فإنه يُنظر إليه على أنه عقاب إلهي لخطايا الزوجة. ويعتقد البعض أن الأرامل هنّ في الواقع شياطين أو ساحرات. ويحظر رجال الدين على أرامل النمور ممارسة الأنشطة الروحية، بما في ذلك جنازات أزواجهن.
    ومن الشائع أن تُطرد أرملة قتل نمر زوجها من المنزل من قبل أهلها الذين لديهم سلطة الاحتفاظ بأيّ من أطفالها الذكور. وفي النهاية تشعر معظم الأرامل بأن ليس أمامهنّ من خيار سوى صيد الأسماك في مياه الغابات نفسها التي قتل فيها أزواجهن. ج. برينغل

  • Credits
    archive.org

    المشاركات الشائعة من هذه المدونة

    نصوص مترجمة

    نصوص مترجمة

    سيمفونية الحياة