زيارة إلى زانادو


في قاموس ميريام وبستر، تعني كلمة "زانادوXanadu " المكان المثاليّ والغريب والفخم. واسم زانادو ينافس أتلانتس عندما يتعلّق الأمر بالمدن الغريبة والغامضة. وقد شكّلت هذه المدينة لقرون تصوّرات الغربيين عن سحر وغرائبية الشرق. وتُسمّى المدينة اليوم "شانغدو Shangdu" التي تعني في اللغة الصينية "العاصمة العليا". وتقع شمال سور الصين العظيم في سهول منغوليا الداخلية، وعلى بعد حوالي 350 كيلومترا شمال بيجين.
بين عامي 1256 و1368، كانت زانادو تمثّل قلب الإمبراطورية الهائلة التي كانت تمتدّ على أراضي آسيا والشرق الأوسط. وقد بدأ بناؤها عام 1256 تحت رعاية مونكو خان حفيد جنكيز خان. كان الخان الجديد يريد أن يبني لنفسه قصرا خاصّا ينافس القصور التي رآها في تلك الأرض القديمة.
وعندما توفّي مونكو عام 1259، تولّى خليفته قوبلاي خان مهمّة توسيع المدينة والقصر. وفي هذا المكان أسّس قوبلاي أسرة يوان من اندماج شعوب الهان الصينية الزراعية مع المجتمعات المنغولية البدوية. وحكمَ الخان الصين لمدّة تقرب من ثلاثة وعشرين عاما.
لعبت زانادو دورا مهمّا في التاريخ الصيني والدبلوماسية والتجارة الدولية. كانت مزدهرة في عهد أسرة يوان، حيث كان التجّار من جميع أنحاء الصين وآسيا والشرق الأوسط وأوروبا يأتون لإبرام الصفقات على أنواع مختلفة من السلع، مثل الأواني المعدنية والفخّار والكماليات.
وكان ماركو بولو، الرحّالة والتاجر الإيطالي، من أهم من قدّموا البضائع والثقافة الصينية إلى بقيّة العالم. ويتناول كتابه "رحلات ماركو بولو" السنوات السبع عشرة التي قضاها في الصين، بما في ذلك تجربته الخاصّة في زانادو.
كانت العديد من المباني الرائعة في زانادو قد احترقت أثناء الحروب التي اندلعت في نهاية عهد أسرة يوان. ومع ذلك، لا تزال أمجاد العصور الماضية ماثلة للعيان.
أسوار المدينة في حالة سيّئة اليوم، لكن أكوام الطوب الأسود لا تزال تبدو صلبة الى حدّ ما وملتصقة ببعضها البعض بمزيج متماسك من الأرز اللزج والليمون. ويكافح فرع من شجرة دردار ضخمة لينمو من شقّ في الجدار. ويقال إن هذه الشجرة ظلّت واقفة هناك لمدّة 500 عام. وقد تبرّع العديد من السكّان المحليين من المجموعة العرقية المنغولية بقطعة من الحرير الطويل طُوِّقت بها الشجرة، كنوع من التماس البركة منها بعد أن عاصرت اجيالا عديدة ممّن ولدوا وعاشوا وماتوا في هذه المدينة. ولا تزال بقايا أبراج المنارات قائمة على الجبال بجوار المدينة.
زار ماركو بولو زانادو حوالي عام 1275، بعد رحلة استغرقت ثلاثة أيّام من بيجين الحديثة، التي كانت تسمَّى آنذاك دادو، أي العاصمة الكبرى. وكتب ماركو بولو أن راعيه قوبلاي خان سافر إلى زانادو لقضاء الصيف في قصره هناك.
وفي حوالي عام 1298، أملى ماركو بولو رواية عما رآه في زانادو، قال فيها: عندما تقطع مسافة ثلاثة أيّام بين الشمال والشمال الشرقي، ستصل إلى مدينة تُسمّى زانادو، بناها الخان الذي يحكم الآن. ويوجد في هذا المكان قصر رخامي جميل للغاية، جميع غرفه مطليّة بالذهب ومزيّنة بصور لبشر وحيوانات وطيور، وبه مجموعة متنوّعة من الأشجار والزهور، وكلّها منفّذة بفنّ رائع ومدهش.
ويضيف: حول هذا القصر بُني سور يحيط بدائرة طولها ستّة عشر ميلا. وداخل الحديقة نوافير وأنهار وجداول ومروج جميلة، مع جميع أنواع الحيوانات البرّية التي حصل عليها الإمبراطور ووضعها هناك. وفي مكان آخر من الحديقة، توجد غابة ساحرة، بها قصر آخر قائم على أعمدة يقف على كلّ منها تنّين مرصّع بالذهب".
في عام 1797، ألهمت الروايات التاريخية عن المدينة الشاعر الرومانسي الإنغليزي سامويل تيلر كولريدج كتابة قصيدته الشهيرة "كوبلا خان" . وبفضل هذا الشاعر وقصيدته، أصبح يُنظر إلى زانادو باعتبارها قصر المتعة المطلق في الخيال الغربي. وإذا كان هذا هو الحال عندما زارها ماركو بولو، فمن المؤكّد أنه ليس كذلك اليوم.
في نهاية القرن التاسع عشر، ذكر سيّاح بريطانيون زاروا أطلال المدينة أنه كان لا يزال من الممكن رؤية بقايا المعابد. وبعد ذلك بفترة، أزال سكّان بلدة مجاورة الحجارة المزخرفة من الموقع لاستخدامها في بناء منازلهم. وبحلول نهاية القرن العشرين، عندما بدأت أولى عمليات الحفر في الموقع، كانت الجدران والمعابد قد تحوّلت إلى تلال عشبية.
الموقع الأثري لزانادو افتُتح رسميّا في يوليو 2011. ورغم زحف المراعي المنغولية على الآثار، إلا أنها لا تزال مكانا مثيرا للاهتمام ويستحقّ الزيارة. وقد ثُبّتت الأجزاء المحفوظة من الجدران المحيطة، ورُكّبت ممرّات خشبية في بعض المباني المحفورة لتمكين الجمهور من الوصول إليها.
متحف زانادو يضمّ أكثر من ستّين ألف قطعة أثرية، استُرِدّ العديد منها أثناء أعمال التنقيب، وتكشف عن روعة إمبراطورية يوان القديمة. وتشمل هذه المجموعة الرائعة من القطع الأثرية الخزف والأواني البرونزية والمنحوتات المصنوعة من اليشم والأسلحة الخشبية والعملات القديمة، وتغطّي الجوانب المختلفة لحياة وطقوس صينيي الهان والشعوب المنغولية المترحّلة.

❉ ❉ ❉

❉ ❉ ❉

الطريق المؤدّي إلى موقع زانادو وعر للغاية بحيث لا يمكن الاستمتاع بالمراعي خارج النافذة. ومع ذلك، فإن السياقة غير الممتعة على الطريق الصعبة تطغى عليها الإثارة التي تنتابك عند الاقتراب من هذا الموقع التاريخي المهم، وهو الوحيد المدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو في منغوليا الداخلية.
أثناء التنقيب اكتشف علماء الآثار كنائس مسيحية ومساجد إسلامية ومعابد بوذية تحت المراعي. كما اكتُشفت مقابر لأوروبيّين في مقاطعة دولون. وقال مؤرّخ: كان لزانادو تأثير عميق وطويل الأمد على العلاقات بين الشرق والغرب، وتركت الأعمال الأدبية وغيرها من فنون الإبداع أثرا لا يُمحى على مرّ القرون".
وقال علماء الآثار إنهم عثروا أيضا على بلاط وحجارة مزخرفة باللونين الأزرق والأصفر على شكل تنانين أو طيور. وفي حين تُعدّ رؤوس التنّين من بين أكثر الاكتشافات لفتا للانتباه في القصر، اكتشف علماء الآثار أيضا نوعا من الطرق المنحدرة يُسمّى "مانداو"، والذي يعني بالصينية "مسار الخيول"، ووظيفته السماح للخيول والمركبات بالوصول إلى القصر. ويبدو أن هذه المنحدرات كانت مرتبطة بشكل وثيق بأسلوب الحياة الرعوية للمغول.
كانت المنحدرات مهمّة، لأن الخيول والحيوانات الرعوية كانت جزءا أساسيا من حياة منغوليا. وتشير الأبحاث الحديثة إلى أن المناخ الرطب في هذا البلد سهّل لهذه الحيوانات التكاثر في عهد جنكيز خان، ما ساعده هو وخلفاءه على غزو مساحات شاسعة من الأراضي.
وما يلفت الاهتمام أثناء التجوال في أرجاء القصر وجود كمّيات هائلة من الفخّار المكسور، وشظايا الزجاج الملوّن الرائع المتناثر على الأرض. وعند عبور بقايا الخندق والمشي إلى الدائرة الداخلية، التي كانت في السابق مدينة زانادو المحرّمة، يزداد عدد الشظايا، ما يشير إلى ثراء المباني التي كانت قائمة هنا قبل النهب والتدمير، أوّلا على يد قطّاع الطرق ذوي العمائم الحمراء في عام 1358، ثم على يد قوّات الإمبراطور الأوّل من أسرة مينغ في عام 1369. وكانت تلك نهاية زانادو كقصر مهم.
المعروف أن قوبلاي خان وصل إلى السلطة بقوّة السلاح، لكن حكمه تميّز بالتقدّم في التنظيم السياسي، وكذلك الفنون والعلوم. لم يكن معه سوى عشرات الآلاف من المغول، وكان عليهم أن يحكموا ملايين الصينيين. كما وظّف أعدادا كبيرة من المسئولين والمستشارين الصينيين.
وقد ازدهرت أساليب فنّية جديدة مع رعاية الخان لدمج البوذية الصينية والتبتية. كما أصدر عملة ورقية تبودلت في جميع أنحاء الصين وكانت مدعومة باحتياطيات من الذهب. كما رعى الإمبراطور علماء الفلك وصنّاع الساعات، واستأجر راهبا لإنشاء لغة مكتوبة لبعض اللغات في غرب الصين.
من منظور غربي، كانت الزيارة الطويلة التي قام بها ماركو بولو برفقة والده وعمّه من أهم الأحداث التي شهدها عهد قوبلاي خان. ولكن بالنسبة للمغول، لم تكن هذه الزيارة أكثر من إضافة مسلّية للحاشية.
كان والد الرحّالة الإيطالي وعمّه قد زارا قوبلاي خان في عام 1271 لتسليمه رسالة من البابا وبعض زيت الزيتون من القدس كهديّة. كان عمر ماركو بولو آنذاك ستّة عشر عاما، وكان موهوبا في اللغات.
وبعد رحلة برّية دامت ثلاث سنوات ونصف، وصلوا إلى شانغدو. ومن المرجّح أن ماركو بولو عمل كموظّف في البلاط. ورغم أن الأسرة طلبت الإذن بالعودة إلى فينيسيا عدّة مرّات على مرّ السنين، الا أن قوبلاي خان رفض طلبهم.
وأخيرا، في عام 1292، سمح لهم بالعودة مع موكب زفاف أميرة منغولية أُرسلت إلى بلاد فارس للزواج من أحد الخانات. وأبحرت المجموعة عبر طرق التجارة في المحيط الهندي، واستغرقت الرحلة عامين، وعرَّفت ماركو بولو على ما يُسمّى الآن بفيتنام وماليزيا وإندونيسيا والهند.
كما ألهمت الأوصاف الحيّة التي قدّمها ماركو بولو لرحلاته الآسيوية العديد من الأوروبيّين الآخرين للسعي وراء الثروة والغرائب في الشرق الأقصى. ولكن من المهم ألا نبالغ في تقدير تأثيره، ذلك أن التجارة على طول طريق الحرير كانت في أوجها قبل فترة طويلة من نشره مذكّراته.
في عام 1281، توفّيت "تشابي" زوجة قوبلاي خان المفضّلة ورفيقة دربه. وأعقب هذا الحدث الحزين بعد أربع سنوات وفاة تشن جين، الابن الأكبر للخان ووريثه. ومع هذه الخسائر، بدأ الخان الأعظم في الانسحاب من إدارة إمبراطوريته. حاول أن يُغرق حزنه بالكحول والطعام الفاخر، فأصيب بداء السمنة وبمرض النقرس. وبعد تدهور طويل في صحّته، توفّي الخان في فبراير 1294 ودُفن في مقابر الخانات السرّية في منغوليا .
أثناء تجوالك حول أطلال زانادو، لا يمكن إلا أن تخمّن ما تمثّله الأساسات. هل كانت هذه هي البرَك التي كان يستحمّ فيها الخان الأعظم، أم بقايا قاعة العرش المغطّاة بالذهب والرخام، حيث كان الدبلوماسيون الأجانب، وربّما حتى ماركو بولو نفسه، يقدّمون فروض الاحترام والولاء للخان؟
الرومانسية والعزلة اللتان تتمتّع بهما قبّة المتعة، مع خلفيّتها الجميلة من السهوب المنغولية، هي من العناصر التي تجعل زيارة هذا المكان تستحقّ العناء. وإذا سألت معظم الناس، فسوف يرون القصر مكانا أسطوريّا، يشبه شانغريلا، الواقعة في أعماق الشرق الغامض.
ولكن على العكس من شانغريلا التي يتجادل المؤرّخون حول وجودها وتدّعيها عدّة مواقع في الصين وتايلاند، فإن زانادو موجودة بالفعل وآثارها ماثلة للعيان.
ويُعدّ موقع المدينة القديمة الآن أفضل عاصمة براري قديمة ومحميّة في العالم، ويلقَّب بـ "الخرابة القديمة التي تحتضن حضارة عظيمة". وفي كلّ عام في الصيف، تتفتّح جميع أزهار الأرض الجميلة على هذه البراري، لتجد المدينة نفسها محاطة بأكملها بسجّادة واسعة وباهرة الألوان من الزهور.

Credits
archive.org

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سيمفونية الحياة

نصوص مترجمة

كنوز الرحّالة