:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Monday, May 22, 2006

ليس بالوعظ وحده

طوى صاحبي الجريدة ودفعها أمامه على الطاولة ثمّ قال وهو يشعل سيجارته بعصبيّة:
كلّما قرأت حديثا لاحد المشايخة هذه الأيام كلّما ترسّخت في ذهني صورة الإله كما تعكسها الآداب والفنون القديمة: شيخ ضخم بلحية طويلة وعينين ينبعث منهما الشّرر وليس له من همّ أو شغل سوى إرسال الصواعق والفيضانات والكوارث إلى بني البشر عقاباً لهم على خطاياهم وذنوبهم وآثامهم.
قلت: خيراً إن شاء الله.
قال: في هذه الجريدة حديث لأحد المشايخ عن كارثة سوق الأسهم. وقد ذكر أن شخصاً أتاه يشكو له سوء حاله وتردّي أوضاعه المالية بعد أن فقد كل ما يملك في سوق البورصة. وقال الشيخ انه سأل الرجل: يا فلان، هلا سألت نفسك ما إذا كنت قد ظلمت أحدا من الناس فانتقم الله منك بأن جعلك تخسر أموالك في السوق. وعلى ذمة الشيخ، ما هي إلا لحظات حتى خرّ الرجل أمامه وأجهش بالبكاء وهو يقول: أي والله. قد ظلمت أختي واستوليت على مالها دون وجه حقّ. فردّ عليه الشيخ: إذن هذه بتلك، فاستغفر لربّك الآن وبادر بالتوبة وانتهِ عن الظلم!
قلت: ربّما كان ما رواه الشيخ صحيحاً.
قال: لكنّه يقول ضمناً إن ملايين الناس الذين خسروا أموالهم في السوق هم أناس ظلمة وأن ما أصابهم هو عقاب من الله.
قلت: قد يكون ما حدث هو عقاب من الله فعلا. من يدري!
قال: لكن ما ذنب الفقراء والمساكين الذين أصابتهم خسارة مضاعفة جرّاء ما حصل. ثم لماذا يسكت هؤلاء المشايخة عن لوم من تسبّبوا حقّاً في انهيار السوق ولا يتحدّثوا عن ظلمهم وجشعهم وموت ضمائرهم؟
قلت: ربّما يرون أن تلك هي مهمّة المحلّلين وخبراء الاقتصاد الذين ينظرون إلى الأمور من منظور علمي وشامل. ولا تنس أن أحاديث الوعظ والإرشاد موجهّة بالأساس إلى جموع البسطاء والعوامّ لامتصاص غضبهم وتخفيف نقمتهم، وهؤلاء يجدون في مثل هذا الكلام ما يعزّيهم في خسارتهم من خلال استدعاء فكرة التطهّر من الذنوب وثنائية الثواب والعقاب والتذكير بأن الدنيا دار الفناء والآخرة دار البقاء "وللآخرة خير وأبقى".
قال: لكن هذا النوع من الوعظ يبرّئ الجناة ويدمغ الضحايا المساكين بالظلم. وأغرب من هذا كله الإيحاء بأن من خسروا في السوق كانوا كلهم ُظلاماً. وهذا لا يستقيم مع العقل والمنطق كما أن فيه تشكيكاً بمدى إحساس الخالق بالعدالة، وكأن الله يجري انتقامه على الظالم والبريء معاً.
قلت: على كلّ، ما حدث قد حدث فعلا ولا رادّ لقضاء الله. ودور المشايخ في هذه الحالة هو تهدئة الناس وضبط تصرّفاتهم الانعكاسية من خلال دغدغة مشاعرهم الدينية، وبذا تتمّ السيطرة عليهم وكبح ردود أفعالهم. وأنا لا أقول إن هذا أمر سيئ. فلولا هذا الأسلوب لرأينا الكثير من مظاهر العنف والاضطراب التي عمّت بلدانا كثيرة عقب أحداث مشابهة فنشرت الفوضى وأشاعت الخراب.
قال: لكن ليس هناك من ضمانة على أن هذا الأسلوب يجدي دائماً.
قلت: هذا صحيح. فالأثر التراكمي للشعور بالإحباط واليأس وخيبة الأمل قد يدفع بالناس خارج دائرة ضبط النفس ويفقدهم السيطرة على انفعالاتهم مهما حاول الوعّاظ عكس ذلك. والأفضل أن ُيسمح للناس بالتنفيس عن غضبهم واستيائهم بأساليب سلمية وحضارية. وهذا لا يتحقّق سوى بتفعيل مؤسّسات المجتمع المدني وإيجاد المزيد من قنوات الرأي والتعبير، وفوق هذا وذاك بالمساءلة والمحاسبة وسنّ القوانين التي تساوي بين الناس وتوقف المتنفّذين والجشعين عند حدّهم وتضمن تكافؤ الفرص وتكفل لكل ذي حقّ حقّه.