:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Thursday, May 25, 2006

إبرامان

لم أكن أعرف إبرامان شخصيّا ولم اسعَ يوما للتعرّف عليه أو الالتقاء به، لكنّي – كحال الكثيرين – كنت أتواصل معه فكريا وأقرأ له وأتفاعل مع ما يكتبه.
كان كلّ موضوع مذيّل باسم إبرامان يجتذب أعدادا كبيرة من القرّاء ويثير عواصف لا تنتهي من الجدل والصخب والاحتجاج.
وفي كثير من الأحيان كنت اشعر بأن ما يكتبه إبرامان من نقد عنيف لبعض الظواهر والسلوكيات الاجتماعية كان تعبيرا صادقا عن قناعات الكثيرين منا. لقد كان يمثّل – بالنسبة لي على الأقلّ – "الضمير" الذي يرفض أن يظلّ مستترا، والفارق المهم بين إبرامان وغيره هو أن إبرامان كانت لديه الجرأة والروح القتالية لان يجاهر بآرائه مهما بدت قاسية ومستفزّة ومهما كانت الظروف وأياً تكن النتائج.
كان إبرامان لا يملّ من الحديث عن آفة الهوس الديني وعن النوازع العدوانية والتشوّهات المدمّرة التي جلبها التطرّف على المجتمع.
وهو في نقده لم يكن يوفّر أحدا. هاجم الوهابية وتحدّاها وسخر منها وأغضب الكثير من رموزها وأتباعها. وهاجم الشيعة بطريقة لا تقلّ عنفا فاتّهمهم بالعيش في الماضي وتقديس الرموز وعبادة الأشخاص.
سخر إبرامان كثيرا من المجتمع واتّهمه بالماضوية والتشبّث بالأعراف البالية والانقياد لرجال الدين الذين حوّلوا المجتمع بفتاويهم وأوامرهم وزواجرهم الكثيرة إلى قطيع لا همّ له سوى التطلّع للآخرة واحتقار الدنيا برغم ما تزخر به من معارف مفيدة وأفكار عظيمة ومتع رائعة وبريئة.
ولم يكن مستغربا أن تثير أفكار إبرامان عليه ثائرة المتديّنين والمحافظين. وكم توالت عليه النعوت القاسية والأوصاف المسيئة ردّا على ما كان يكتبه.
في بعض الأوقات اتّهم بالردّة وإثارة البلبلة الفكرية وأحيانا بالحمق والجنون. وأتذكّر أن أحدهم كتب يعقّب على أحد مواضيعه بأن أمنيته الوحيدة هي أن يجلس مع إبرامان لمدة خمس دقائق فقط، دون أن يفصح عن غايته من وراء تلك الأمنية الغريبة.
وإبرامان لم يكن يهتمّ كثيرا بتنميق مواضيعه ولم يكن يعير كبير اهتمام للأساليب التعبيرية والبلاغية. كلّ ما كان يعنيه هو المضمون فحسب.
ومن هذه الناحية كان متفوّقا وبارعا. كانت مواضيعه غاية في الإيجاز والتكثيف والمباشرة وكان يبرز ذلك كله في قالب من الصدامية المغلفة بالسخرية الشديدة واللاذعة.
ودائما لم يكن لديّ شكّ في أن إبرامان كاتب متميّز ومختلف. ومع الأيام تكوّن عندي انطباع بأنه شخص حادّ المزاج، صريح جدّا ومغمور بالأسى والتشاؤم.
ولامر ما، اختار إبرامان أن يضع تحت معرّفه صورة جورج أورويل الذي اشتهر بتنبؤاته الكابوسية ورؤاه المتشائمة. بل إن أورويل نفسه حاضر بقوّة في الكثير مما كتبه إبرامان خاصة عندما تحدّث عن "هياكل الإقطاع ومراكز القوى وتراتبية الولاءات والحضور المكثّف للأخ الأكبر".
قد يكون إبرامان شخصا متشائما لكن هذا لا يعني بالضرورة انه عدائي، بل قد يكون على درجة عالية من التهذيب. وممّا يدعم هذه الفرضية طبيعة ردوده حتى على أكثر مهاجميه شراسةً وبعداً عن اللياقة، وهي ردود كانت تتراوح ما بين تجاهل تام وإشارات سريعة ومقتضبة، لكنها تخلو من أي تجريح أو كلمات خارجة.
في الأسابيع الأخيرة كتب إبرامان العديد من المواضيع التي يحيل مضامينها إلى أحاديث سمعها أو إلى قصاصات ورقية عثر عليها هنا أو هناك، الأمر الذي يشي بأنه اصبح اكثر حذرا وأقلّ مباشرةً في التعبير عن آرائه ومواقفه.
الآن اتّضح أن شكوك إبرامان وهواجسه كانت في محلّها بعدما تردّد من انه اسُتدعي للتحقيق معه وُطلب منه التوقيع على تعهّد بالامتناع عن الكتابة نهائيا في الإنترنت بعد أن تسبّبت مواضيعه في إغضاب بعض الجهات الدينية.
حدث هذا مع أن إبرامان كان يجيد لعبة مراعاة التوازنات بمهارة لافتة.
فانتقاداته العنيفة كانت موجّهة في الغالب لرجال الدين وللمجتمع بشكل عام، لكنه في القضايا التي تمسّ أمور السياسة يلتزم الحذر تجنّبا للمشاكل وإيثارا للسلامة على ما يبدو.
من الواضح أن إبرامان كان قد تأمّل كثيرا حال بيئته الصغيرة ومحيطه الأوسع، لكنه لم يستطع أن يفي بشروط تلك البيئة فضلا عن أن ينتصر لنماذجها أو يتمثّل تلك النماذج، لأنه باختصار كان يفكّر خارج الصندوق.
لقد كتب كثيرا عن مجتمع يحرّم الحبّ ويتنكّر للكثير من القيم والأشياء الجميلة في هذه الحياة، ولم يكن غافلا عن طبيعة البشر من حيث كونهم مخلوقات محكومة بالفناء في النهاية.
وكتب عن المرأة وعن الأنوثة في مجتمع يقمع المشاعر الإنسانية ويهمّش النّساء.
وكتب عن الفرح الذي يغمر البشر والشجر والحجر في بيئة مشوّشة تفرض على الجميع شروطها القاسية وقيودها الكثيرة.
وربّما كان إبرامان يدرك في قرارة نفسه أن التغيير الذي كان يحلم به بعيد المنال، فاتّخذ من الكتابة بذلك الأسلوب المتمرّد والجامح لعبة تعويضية أراد أن يحقّق من خلالها ما استعصى عليه تحقيقه على ارض الواقع الذي يعيش فيه.
وهو يذكّرني بحال بعض النباتات التي تنمو في تربة ضعيفة وتفتقر إلى العناصر الغذائية اللازمة لنموّها من أملاح ونيترات وأكسجين وخلافه. بعض تلك النباتات يتأخّر نموّها وتفشل في إكمال دورة حياتها، والبعض الآخر - وهو قليل ونادر - يجاهد من اجل البقاء لكنّه مع مرور الزمن يفقد طبيعته المسالمة والوادعة ويكتسب شيئا من قسوة الطبيعة المحيطة وشراستها.
وإبرامان بهذا المعنى "نبتة" وحشية تنتمي إلى الصنف الثاني.
وهو في النهاية تجسيد لانتصار الإقدام والتمرّد على الانصياع والخوف.
إن ما حصل لابرامان مؤشّر آخر على تعاظم دور الإنترنت في حياتنا وتأثّر المجتمع بما يكتب فيها. وبغياب إبرامان الذي أتمنّى ألا يطول، سنفتقد إضاءاته الذكية وإشاراته العميقة وصوره البليغة الناقدة لأحوال المجتمع والناس في بلدنا.

Monday, May 22, 2006

ليس بالوعظ وحده

طوى صاحبي الجريدة ودفعها أمامه على الطاولة ثمّ قال وهو يشعل سيجارته بعصبيّة:
كلّما قرأت حديثا لاحد المشايخة هذه الأيام كلّما ترسّخت في ذهني صورة الإله كما تعكسها الآداب والفنون القديمة: شيخ ضخم بلحية طويلة وعينين ينبعث منهما الشّرر وليس له من همّ أو شغل سوى إرسال الصواعق والفيضانات والكوارث إلى بني البشر عقاباً لهم على خطاياهم وذنوبهم وآثامهم.
قلت: خيراً إن شاء الله.
قال: في هذه الجريدة حديث لأحد المشايخ عن كارثة سوق الأسهم. وقد ذكر أن شخصاً أتاه يشكو له سوء حاله وتردّي أوضاعه المالية بعد أن فقد كل ما يملك في سوق البورصة. وقال الشيخ انه سأل الرجل: يا فلان، هلا سألت نفسك ما إذا كنت قد ظلمت أحدا من الناس فانتقم الله منك بأن جعلك تخسر أموالك في السوق. وعلى ذمة الشيخ، ما هي إلا لحظات حتى خرّ الرجل أمامه وأجهش بالبكاء وهو يقول: أي والله. قد ظلمت أختي واستوليت على مالها دون وجه حقّ. فردّ عليه الشيخ: إذن هذه بتلك، فاستغفر لربّك الآن وبادر بالتوبة وانتهِ عن الظلم!
قلت: ربّما كان ما رواه الشيخ صحيحاً.
قال: لكنّه يقول ضمناً إن ملايين الناس الذين خسروا أموالهم في السوق هم أناس ظلمة وأن ما أصابهم هو عقاب من الله.
قلت: قد يكون ما حدث هو عقاب من الله فعلا. من يدري!
قال: لكن ما ذنب الفقراء والمساكين الذين أصابتهم خسارة مضاعفة جرّاء ما حصل. ثم لماذا يسكت هؤلاء المشايخة عن لوم من تسبّبوا حقّاً في انهيار السوق ولا يتحدّثوا عن ظلمهم وجشعهم وموت ضمائرهم؟
قلت: ربّما يرون أن تلك هي مهمّة المحلّلين وخبراء الاقتصاد الذين ينظرون إلى الأمور من منظور علمي وشامل. ولا تنس أن أحاديث الوعظ والإرشاد موجهّة بالأساس إلى جموع البسطاء والعوامّ لامتصاص غضبهم وتخفيف نقمتهم، وهؤلاء يجدون في مثل هذا الكلام ما يعزّيهم في خسارتهم من خلال استدعاء فكرة التطهّر من الذنوب وثنائية الثواب والعقاب والتذكير بأن الدنيا دار الفناء والآخرة دار البقاء "وللآخرة خير وأبقى".
قال: لكن هذا النوع من الوعظ يبرّئ الجناة ويدمغ الضحايا المساكين بالظلم. وأغرب من هذا كله الإيحاء بأن من خسروا في السوق كانوا كلهم ُظلاماً. وهذا لا يستقيم مع العقل والمنطق كما أن فيه تشكيكاً بمدى إحساس الخالق بالعدالة، وكأن الله يجري انتقامه على الظالم والبريء معاً.
قلت: على كلّ، ما حدث قد حدث فعلا ولا رادّ لقضاء الله. ودور المشايخ في هذه الحالة هو تهدئة الناس وضبط تصرّفاتهم الانعكاسية من خلال دغدغة مشاعرهم الدينية، وبذا تتمّ السيطرة عليهم وكبح ردود أفعالهم. وأنا لا أقول إن هذا أمر سيئ. فلولا هذا الأسلوب لرأينا الكثير من مظاهر العنف والاضطراب التي عمّت بلدانا كثيرة عقب أحداث مشابهة فنشرت الفوضى وأشاعت الخراب.
قال: لكن ليس هناك من ضمانة على أن هذا الأسلوب يجدي دائماً.
قلت: هذا صحيح. فالأثر التراكمي للشعور بالإحباط واليأس وخيبة الأمل قد يدفع بالناس خارج دائرة ضبط النفس ويفقدهم السيطرة على انفعالاتهم مهما حاول الوعّاظ عكس ذلك. والأفضل أن ُيسمح للناس بالتنفيس عن غضبهم واستيائهم بأساليب سلمية وحضارية. وهذا لا يتحقّق سوى بتفعيل مؤسّسات المجتمع المدني وإيجاد المزيد من قنوات الرأي والتعبير، وفوق هذا وذاك بالمساءلة والمحاسبة وسنّ القوانين التي تساوي بين الناس وتوقف المتنفّذين والجشعين عند حدّهم وتضمن تكافؤ الفرص وتكفل لكل ذي حقّ حقّه.