:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Friday, April 13, 2012

موسيقى بهويّات متعدّدة

في هذا الكونشيرتو بعنوان "عائلة بورجيا: الكنيسة والدولة في عصر النهضة"، يختار المؤلّف الموسيقي الاسباني جوردي سافال مجموعة رائعة من الأشعار والمقطوعات الموسيقية التي تعود إلى بدايات عصر النهضة، وبالتحديد إلى زمن أسرة بورجيا ذات الأصول الاسبانية والايطالية.
بعض الموسيقى جميلة ومحزنة. وقد حافظت على سحرها الخاص لمئات السنين. والكونشيرتو يتضمّن أساليب موسيقية إسلامية ومسيحية ويهودية ووثنية تعكس ثقافة اسبانيا آنذاك التي كانت تتسم بالتنوّع والتعدّدية.
سافال وظّف في عمله عددا من الآلات الموسيقية التي كانت شائعة في ذلك الوقت. كما استعان بعدد من أشهر العازفين والمؤدّين، منهم زوجة سافال السوبرانو والعازفة الاسبانية مونتسيرات فيغيراس، وعازف العود المغربي ادريس المالومي، وعازف الناي الروسي نيديالكوف، بالإضافة إلى سافال نفسه وآخرين.
كان صعود أسرة بورجيا إلى السلطة ومن ثمّ هيمنتها لاحقا على الفاتيكان نقطة تحوّل مهمّة في تاريخ أوربّا. كان ذلك العصر عصر دافنشي وميكيل أنجيلو والإنجازات الفكرية والفنّية الكثيرة. ولكنّه كان أيضا عصر مكيافيللي والحروب المستمرّة والفساد الذي لا يوصف.
رودريغو بورجيا كان الرجل الذي سعى وراء السلطة ونال في نهاية المطاف الجائزة الكبرى، وهي الجلوس على الكرسيّ الرسولي في روما. وقد أصبح اسمه مرادفا للقسوة، وعهده كـ بابا يمثّل احد أسوأ الفصول سوءا في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية. كان لـ رودريغو أربعة أبناء: خوان الكسول والمغترّ بنفسه والمتهتّك. وسيزار "أو تشيزاري"، الشابّ الممزّق بين إيمانه المدّعى وطبيعته العنيفة والمظلمة. ولوكريتسيا، الابنة التي تكتشف القوّة السرّية لجنسانية المرأة. وغوفريدو، الطفل الذي ينشأ وسط عائلة تعصف بها المؤامرات والصراعات.
رودريغو، على الرغم من تديّنه، كان عبدا لملذّات الجسد. ولم يكن يتعيّن عليه فقط أن يتعامل مع المؤامرات التي كان يحيكها ضدّه زملاؤه الكرادلة وممثّلو القوى العظمى في ذلك الحين، بل أن يعمل أيضا على احتواء المنافسات المريرة بين أبنائه والتي كانت تهدّد بتمزيق عائلته. كان عصر أسرة بورجيا الذي استمرّ لحوالي المائة عام مليئا بالدسائس والعنف والقتل والشهوة والسياسة والإيمان وزنا المحارم والخيانة.
لكن في خضمّ كلّ ذلك الفساد والاضطراب، كان ما يزال هناك العديد من الأشياء الجميلة. وسافال في هذا الكونشيرتو يجلب أفضل وأشهر ما أنتجه ذلك العصر من شعر وموسيقى وغناء.

❉ ❉ ❉

سمعت صوتا هاتفا في السحر، نادى من الغيب غُفاة البشر. هبّوا املئوا كأس المنى، قبل أن تملأ كأس العمر كفّ القدر.
كان من عادة الشاعر عمر الخيّام أن يودِع أشعاره التي يتحدّث فيها عن القدر والخمر والحبّ والموت عند بعض أقاربه وأصدقائه خوفا من أن يطّلع عليها بعض معاصريه الذين كانوا يعتبرونها ضربا من الزندقة.
ولزمن طويل، ظلّ الموسيقيّون يتجنّبون غناء شعر الخيّام لأنهم كانوا يعتبرونه شعرا مقدّسا.
لكن كان هناك سبب آخر. فعلى عكس شعراء الفارسية الآخرين، مثل جلال الدين الرومي وحافظ الشيرازي، فإن شعر الخيّام يفتقر إلى الموسيقى ويتطلّب قدرا من الإبداع لترجمته موسيقيّا.
في هذا الحوار الفريد بين الموسيقى العربية والفارسية، يؤدّي المغنّي الإيراني علي رضا قرباني والمغنّية التونسية دُرصاف الحمداني مقاطع مختارة من شعر الخيّام بمصاحبة عدد من الموسيقيين والعازفين.

Wednesday, April 11, 2012

رحيل رسّام الضوء

كان توماس كينكيد يمثّل ظاهرة فريدة في الفنّ الأمريكي. الرواج الكبير للوحاته في أوساط الناس العاديّين جعل منه اكبر رسّام تجاريّ في الولايات المتحدة. وقد بلغ من شعبيّة هذا الرسّام أن واحدا من بين كلّ عشرين منزلا في الولايات المتحدة يضمّ نسخة من إحدى لوحاته.
كان كينكيد مشهورا بمناظره التي تصوّر طبيعة مثالية تظهر فيها أكواخ حجرية، وحدائق وارفة الخضرة، ومنارات ترتفع فوق صخور عالية، وبيوت يتسلّل منها الضوء في برد الشتاء.
وعندما انتشر خبر وفاة كينكيد المفاجئة يوم الجمعة الماضي عن أربعة وخمسين عاما، تدفّق الناس بالآلاف على الغاليريهات والمعارض والمتاجر لشراء نسخ من لوحاته.
لكن برغم كل هذه الشعبية التي كان يحظى بها الفنّان في أوساط الجمهور، كانت المؤسّسة الفنّية تتجاهله والنقاّد يرفضونه ويعتبرونه رسّاما تقليديا وغير جدير بالدراسة. احد النقّاد تساءل ذات مرّة بسخرية واضحة ملمّحا إلى لوحات كينكيد: هل يمكن للشخص أن يصبح مريضا بالسكّر إذا نظر إلى لوحات تحتوي على كمّيات كبيرة من السكّر؟! المتاحف الكبيرة أيضا لم تكن تحرص على شراء لوحاته بحجّة أن فنّه يفتقر للابتكار وعلى أساس انه لم يحقّق شيئا جديدا للفنّ.
مناظر كينكيد المشبعة بألوان الباستيل تخلو من أيّ اثر للحزن أو التوتّر. ربّما كان هذا هو احد أسباب افتتان الناس بها. فهو ينقل الناظر إلى أماكن مثالية تشبه الجنّة. كما انه يثير في نفس من يرى هذه المناظر حلم العودة إلى هذه الأماكن برغم أنها قد لا توجد إلا في الخيال. ومن الواضح أنه يشيّد عوالمه الفانتازية من آثار الماضي ومن مفاهيم الأدب القديم والحكايات الخيالية.
الانتقادات الموجهة إلى كينكيد وفنّه كثيرة. بعض منتقديه، مثلا، يعيبون عليه مقاومته للتغيير، وتحويله الفنّ إلى سلعة، وخلوّ أعماله من أيّ لمحة ساخرة أو تأمّل ذاتي.
والبعض الآخر يذهب إلى أن لوحاته غضّة ووجدانية أكثر مما ينبغي، وأنها لا تكشف عن العالم بقدر ما أنها تحتفي بعوالم لا وجود لها على ارض الواقع. لذا فهي تصلح للنظر إليها والتأمّل فيها، وليس أكثر.
حنين الناس إلى الأمكنة القديمة والطبيعة النقيّة يمكن أن يفسّر سرّ جاذبية لوحات الرسّام والاستجابة العاطفية التي تحظى بها لدى العامّة.
علماء الاجتماع يعتبرون مشاعر الشوق والحنين استجابة لإحساس الإنسان بالغربة وانفصاله عن الجذور. وبعض علماء النفس يربطون هذه المشاعر بالرغبة غير الواعية للعودة إلى الرحم الأوّل. وصور كينكيد، بأضوائها الناعمة وطرقاتها المبلّلة بالمطر، من الواضح أنها تتحدّث إلى هذين الدافعين.

في البيوت التي يرسمها توماس كينكيد، لا نرى أشخاصا أو أشياءً في الداخل. فقط الضوء الذي يأتي من النوافذ، وأحيانا دخان المداخن الذي يرمز إلى الدفء الإنساني. وهناك احتمال أن الأشخاص الذين يهوون اقتناء هذه المناظر يتماهون مع أجوائها لا شعوريا ويتخيّلون أنهم هم من يسكن هذه البيوت ويتمتّعون بالدفء والحميمية اللذين تشيعهما.
لوحات كينكيد تكثر فيها الرموز والمعاني. فوجود النسر، مثلا، يرمز إلى الحرّية والانعتاق. والضوء يُفترض انه نور الله. كما أن بعض لوحاته تثير أفكارا وذكريات عن الأحبّة الذين رحلوا. المسيحيّون الذين ينظرون إلى لوحات الرسّام يمكن أن يروا فيها ايقونات دينية. وغير المسيحيين قد يرون فيها جانبا ما روحيا.
وهناك من النقّاد من يرى بأن كينكيد يصلح كحالة دراسية عن عالم الأعمال أكثر من عالم الفنّ، لأنه لم يكن قادرا على أن يضيف أيّ قيمة جمالية جديدة. كان كينكيد، بحسب هؤلاء، تاجرا استغلّ ميل الناس للهروب من قبح العالم وتوقهم لحياة أكثر أمانا وسعادة، ووفّر لهم منافذ تشبع حنينهم إلى ماضٍ متخيّل وتفتح على خزائن امبراطوريته المالية. وبعض خصومه عاب عليه ثقته المفرطة بالنفس عندما أطلق على شخصه لقب "رسّام الضوء".
كان توماس كينكيد يطمح لأن يرى أثناء حياته تقييما أكثر ايجابية لفنّه من قبل النقّاد. ولكنّه كان يشكّ في أن هذا سيحدث. النقّاد يفترضون أن على الفنّان أن يعاني الفقر والتشرّد. ومثال كينكيد هو على النقيض تماما، لأنه لا يجسّد الصورة الرومانسية عن الفنّان المكافح والجائع. فقد كان ناجحا في الترويج لفنّه. واستطاع طوال سنوات أن يراكم ثروة تقدّر بمئات ملايين الدولارات من بيع أعماله. "هناك من يقدّر قيمة مبيعاته السنوية من نسخ لوحاته بحوالي مائة مليون دولار".
لوحات كينكيد بسيطة ومباشرة، تريح الأعصاب وتثير الحنين. وهذه الخصائص ليست ممّا ألفه الناس في الكثير من الأعمال الفنّية التي تزدحم بها قاعات المتاحف والمعارض ويحتفي بها النقّاد عادة. لكن تاريخيا، هناك الكثير من الفنّ الذي اُنتج لغاية واحدة، هي أن يكون جميلا ومريحا ويمنح الناس البهجة والمتعة. وفنّ كينكيد هو بالتأكيد من هذه النوعية.
في السنوات الأخيرة، لم يكن توماس كينكيد سعيدا. ولم يستطع أن يهرب من العالم القبيح الذي كان يتجنّبه في لوحاته. فقد أفلست شركته على خلفية اتهامات شركائه له بالتزوير. كما انفصلت عنه زوجته التي كان ينقش الحرفين الأوّلين من اسمها واسمه على لوحاته. وجاء موته المفاجئ والغامض متناقضا مع العالم الخالي من الصراع الذي كان يرسمه في لوحاته.
توماس كينكيد يظلّ أيقونة ثقافية، على الرغم من كلّ ما قيل ويقال عنه وعن فنّه. في الأيّام القليلة التي تلت وفاته، تقاطر المعجبون بفنّه على المتاجر والمعارض الفنّية وعلى موقعه الالكتروني للبحث عن لوحاته واقتنائها.

Tuesday, April 10, 2012

موت إيفان إيليتش

في عام 1869، وبعد أن انتهى من كتابة روايته "الحرب والسلام"، مرّ ليو تولستوي بأزمة روحية عميقة نتيجة حادثة حصلت له أثناء رحلة عبر مدينة أرزاماس التي تقع على نهر تايوشا وتبعد حوالي 250 ميلا إلى الشرق من موسكو. تولستوي وصف تلك التجربة في قصّته "مذكّرات رجل مجنون". وقد اختار لها هذا العنوان لأنه كان مقتنعا بأن القرّاء سيجدون القصّة غير قابلة للتصديق.
بعد ساعات قليلة من منتصف إحدى الليالي استيقظ تولستوي من نومه وقد استولى عليه اليأس والرعب كما لم يحدث له من قبل. وبعد أن سأل نفسه عن سبب خوفه وحيرته، جاءته الإجابة سريعا: أنا هنا". ولم يكن المتحدّث سوى الموت. تولستوي كان يواجه حتمية موته ويشعر بالرعب والهلع من سلطة الموت.
ظلّت ذكرى تلك الليلة المؤرّقة تلازم تولستوي بقيّة حياته، وأصبح مشغولا بشكل دائم بفكرة الفناء. وعندما كتب اعترافاته بعد ذلك بعشر سنوات تساءل: هل يبقى لحياتي أيّ معنى في ظلّ حتمية اقتراب الموت؟". وانهمك في تأمّلات طويلة وشاقّة. زوجته سونيا التي عانت معه طويلا تصف ما حدث بقولها: كثيرا ما كان يقول إن دماغه يؤلمه. كانت هناك عملية مؤلمة تجري في داخله، كان كلّ شيء بالنسبة له قد انتهى، وحان الوقت لكي يموت".
رعب تولستوي في أرزاماس، كما اسماه صديقه الكاتب الروسي مكسيم غوركي، كان هو الأساس الذي بنى عليه تولستوي روايته القصيرة والبارعة "موت إيفان إيليتش". ومنذ ظهور هذه الرواية عام 1886، والنقّاد والقرّاء يشيدون بها باعتبارها تحفة أدبيّة. وقد اكتسبت الرواية سمعتها بسبب مقاربتها المعاصرة والثوريّة لفكرة الموت.
إيفان إيليتش، المحميّ بأمان في عالم من الامتيازات والرفاهية، يعمل قاضيا في المحكمة العليا في سانت بطرسبرغ القيصرية. وهو لم يفكّر ذات يوم في الموت. ثمّ، في احد الأيام، وبينما كان يحاول مساعدة نجّار في تعليق ستارة في إحدى غرف منزله، يقع إيفان عن السلّم. في البداية يهنّئ نفسه على أنه نجا من الحادث، باستثناء إصابة بسيطة في فخذه. لكن مع مرور الوقت، يكبر الألم ويصبح إيفان منهكا ومكتئبا وغير قادر على استجماع ما يكفي من طاقته للتحرّك بعيدا عن الأريكة.
الأطبّاء يرفضون الاعتراف بأن إيفان إيليتش في طريقه لأن يموت. زوجته وابنته تصبحان ضجرتين من حاجته الدائمة للراحة والدعم العاطفي. الجميع تخلّوا عنه باستثناء خادمه الأمين، غيراسيم. لقد تُرك إيفان إيليتش كي يواجه الموت لوحده. وفي النهاية يموت في بيته ببطء وبكثير من الألم والوحدة.
والنتيجة هي أننا بمواجهة قصّة محزنة ومليئة بالعواطف في تفاصيلها اليومية المعتادة وفي جمال نثرها، ما يؤهّلها لأن تكون واحدة من أكثر الأعمال الأدبية إثارة للمشاعر.
الكتابة عن الموت لم تكن بالأمر الجديد. في القرن التاسع عشر، كان الموت موضوعا مفضّلا للرومانسيين وللكثير من الكتّاب الذين أتوا بعدهم. وقد ابتكر هؤلاء أبطالا من جميع الأنواع: عشّاق يموتون موتا مأساويا، وفنّانون معذّبون ووحيدون تنتهي حياتهم بطريقة جميلة ومؤلمة في الوقت نفسه، ورجال شجعان يضحّون بأنفسهم في المعارك ويواجهون الموت ببسالة.
الشيء الجديد في رواية تولستوي هو الطريقة التي واجه بها بطلها الرئيسي الموت. فعندما يقع إيفان فريسة للمرض، يكتشف انه غير قادر على أن يستمتع بشيء، وأن الأصدقاء الذين تعرّف عليهم ليسوا أصدقاء حقيقيين، وأن عائلته لا تحبّه حقّا، وأنه أصبح لوحده تماما. كما يكتشف أن أيّا من الأشياء التي قام بها في حياته لم تعد تعني له شيئا.
تبدأ الرواية في اللحظة التي يعرف زملاء إيفان إيليتش عن وفاة صديقهم. ثم، فجأة تتحوّل إلى "فلاش باك" يعرض لتفاصيل من حياة إيفان إيليتش، كالقرارات التي اتخذها، ولماذا وكيف أخذها، وكيف أثّرت تلك القرارات على حياته. لقد أصبحت حياته مادّية وتفتقر إلى أيّ نوع من العاطفة. ثم يقع حادث صغير يتسبّب في وفاته قبل الأوان. وبالقرب من نهاية حياته، يضطرّ لأن يتصالح مع حقيقة أن الموت أمر لا مفرّ منه. وعندما يتقبّل هذه الحقيقة يتبيّن له انه رغم انه عاش حياته بطريقة صحيحة اجتماعيا، إلا انه لم يعش الكثير منها على الإطلاق.
ثم يشرح تولستوي بشكل مؤلم كيف أن أحدا لا يبدو مهتمّا بـ إيفان إيليتش عندما يموت. زملاؤه عندما يسمعون عن خبر موته يقرّون بأن تلك صدمة. لكن سرعان ما يتحوّل اهتمامهم إلى الحديث عن الترقيات والفرص الوظيفية الجديدة. زوجة إيفان، براسكوفيا، لا تختلف كثيرا عن زملائه. إنها لا تأبه كثيرا بحقيقة أن زوجها مات وتبدو مهتمّة أكثر بالتفكير في حظّها العاثر.

تولستوي نفسه كان بعيدا جدّا عن كونه سعيدا عندما كتب هذه الرواية. قبل أن يبلغ الخمسين، كان قد كتب الحرب والسلام (1869)، وآنا كارينينا (1877)، اللتين تعتبران من بين الروايات العظيمة. ولم يكن مفاجئا أن تولستوي أصبح بعد كتابته هاتين الروايتين احد أشهر الكتّاب في العالم.
لكن برغم كلّ هذه الشهرة والانجازات الكثيرة، مرّ تولستوي بعد كتابته "آنا كارينينا" بما يُسمّى أزمة منتصف العمر. وقرّر انه لن يستطيع الاستمرار في العيش ما لم يجد للحياة معنى. ولم تنته تلك الأزمة إلا بعد أن تحوّل جذريا عن المسيحية. وهي تجربة غيّرت كلّ أفكاره تقريبا. وقد أعلن عن تحولّه ذاك عام 1881 في كتاب اسماه "اعترافات". في مقطع من يوميّاته التي كتبها آنذاك، يقول تولستوي: الموت الهادئ تحت تأثير طقوس الكنيسة هو مثل الموت تحت تأثير المورفين".
بعد ذلك توقّف تولستوي عن النظر إلى نفسه كفنّان وبدأ يكتب عن الدين والسياسة، وأصبح يدعو إلى اللاعنف والحياة البسيطة. كما أخذ أتباعه يتردّدون على ضيعته لسماع آرائه عن الحياة والوقوف على تجاربه في تطبيق أفكاره المثالية.
"موت إيفان إيليتش" كان أوّل عمل أدبيّ مهم كتبه تولستوي بعد تحوّله الديني. والرواية، بالإضافة إلى كونها مواجهة قويّة مع مشكلة الموت ومعنى الحياة، تنطوي كذلك على سخرية حادّة من أسلوب حياة أفراد الطبقة الوسطى الحديثة كما يجسّدها إيفان إيليتش. كان تولستوي يراقب موقف هؤلاء من الحياة وهو يتشكّل في أيّامه. وكان يعتقد أن الذين يتبنّون هذه النوعية من الحياة غير قادرين على مواجهة الموت لأنهم لم يفهموا الحياة.
بعض القرّاء أعجبوا بالرواية بسبب رسالتها الأخلاقية القويّة. لكن آخرين رأوا فيها بداية النهاية لـ تولستوي كفنّان، وأنه بمجرّد أن بدأ يلعب دور الواعظ الأخلاقي، فقدت كتاباته تعقيدها ووهجها وأصبحت ذات بعد واحد.
رسالة تولستوي في "موت إيفان إيليتش" تقول: من السهل أن تنسى الموت في خضمّ انشغالك بالرياضة والمدرسة والمواعيد والأعمال اليومية الروتينية. ومع ذلك فإننا جميعا في طريقنا لأن نموت في وقت ما. وحتى لو لم يقع لنا حادث سخيف يؤدّي بنا إلى مرض طويل كما حدث لـ إيفان إيليتش، فإننا ما نزال نواجه الموت. إن من السهل نسيان الموت عندما يبدو كلّ شيء على ما يرام. وهذا هو السبب في أن إيفان لم يكن يفكّر فيه. ولكن هذا لا يهمّ. فالموت زحف إليه عندما لم يكن يتوقّعه.
العمق السيكولوجي لهذه الرواية ربّما يساعدنا في أن نتفهمّ ما يمرّ به أناس كثيرون عندما يموتون. يقول إيفان لأطبّائه في احد أجزاء الرواية: إنكم تعرفون جيّدا أنكم لن تتمكّنوا من فعل أيّ شيء لمساعدتي، لذا اتركوني وشأني". فيجيب احدهم: نستطيع أن نخفّف من معاناتك. فيردّ إيفان قائلا: لا يمكنكم حتى أن تفعلوا ذلك. فقط اتركوني وشأني"!
إيفان إيليتش كان يلعب دوره المرسوم له سلفا في الحياة. كان ناجحا جدّا في عمله. لكنه، كقاض في المحكمة، لم يكن لديه سوى القليل من المشاعر. كان يجرّد الناس من إنسانيتهم وينظر إليهم على أنهم مجرّد "قضايا" وليس أكثر. الشكليات عنده كانت أكثر أهمّية من أيّ نوع من الشعور الإنساني. أطبّاؤه جلّ ما يشغلهم هو البحث في أسباب مرضه. وهم ليسوا منشغلين بما إن كان سيعيش أو يموت، تماما مثلما أن إيفان نفسه لم يكن يهتمّ أبدا بما إن كانت أحكامه القضائية منصفة أو ظالمة.

إيليتش يشير في الرواية إلى انه تزوّج لأن المجتمع كان يريد ذلك. وهو يقرّ بأنه لم يكن يحبّ زوجته حقّا. كان يظنّ أن الزواج أمر مناسب فحسب. حياته العائلية استمرّت في التفكّك، لكنّه كان يتجاهل هذا دائما. كما أصبح مهووسا بالأشياء المادّية. ودائما ما كان يركّز على إثارة إعجاب المجتمع به وتحقيق الراحة والمكانة الشخصية، وليس على رفاه عائلته. وفي الساعات الأخيرة من حياته، يدرك إيفان انه كان على خطأ طوال الوقت. وبدلا من الصعود في الحياة مثلما كان يظنّ، كان يتّجه إلى القاع.
في نهاية الرواية، يموت إيليتش على الرغم من جهود طبيبه الماهر والمحترم، ولكن ليس قبل أن يحقّق قدرا من الخلاص. كما انه يجد بعض العزاء في اعتقاده بأن موته من شأنه أن يخفّف من معاناة عائلته والقائمين على رعايته.
نموذج تولستوي من الوجودية يظهر في هذه الرواية في أجلى صُوَره. الفكرة الوجودية القائلة بأن "الوجود يسبق الجوهر" تعني أن وجود الإنسان لا هدف له ولا معنى محدّدا سلفا، وإنما يُخلق كلّ إنسان ومعه حرّيته في الاختيار. أي أن الوجود هو في النهاية ضرب من العدم. وإذا كنّا نبحث عن معنى خارجي، ثابت ونهائي، فإن عملية البحث هي في حدّ ذاتها عقيمة وعبثية. السبب في موت إيفان إيليتش كان سقوطه من على سلّم نقّال بينما كان يعلّق ستارة. وجزئية الستارة، كونها المتسبّب في سقوطه ومن ثمّ موته، تعكس هذا النوع من العبث الوجودي.
نظرية تولستوي الجمالية تعكس المعتقدات الدينية التي أصبح يعتنقها بعد أزمته العميقة المتعلقة بمعنى الحياة وحتمية الموت. و"موت إيفان إيليتش" كان أوّل كتاب أصدره بعد أن خرج من فترة الأزمة والتحوّل.
غيراسيم، خادم إيفان، مزارع بسيط وعلى الفطرة. وهو الشخص الوحيد الذي يشفق على إيفان إيليتش ويتلمّس احتياجاته ويلبّيها. انه يمسك بساقيه كي يخفّف ألمه، وأحيانا يظلّ على تلك الحال طوال الليل. إيليتش يشعر بتحسّن في حالته عندما يلمسه خادمه، ما يوحي بأن ليس هناك ما هو أقوى من تأثير اللمسة الإنسانية. وليس من قبيل الصدفة أن يكون غيراسيم هو الشخصية الوحيدة التي تعترف بأننا جميعا سنموت وأن الأمر في النهاية لا يمثّل مشكلة. انه يجسّد الإيمان البسيط والأخوّة الإنسانية والصدق، أي القيم التي كان تولستوي يثمّنها في الحياة وفي الفنّ ويربطها بالفلاحين.
كان تولستوي يجد معنى في الحياة البسيطة للفلاحين وفي إيمانهم البسيط بالله. وقد تخلّى عن الأشياء الدنيوية وعن الجنس والكحول. بل وذهب إلى أبعد من ذلك عندما بدأ يصنع أحذيته بنفسه.
تولستوي يشير في هذه الرواية إلى حقيقة سيكولوجية، وهي أن معظم الناس يعتقدون أنهم لن يواجهوا الموت مع انه قد يحدث لغيرهم. وهم ميّالون لأن يَظهروا أمام الآخرين بطريقة مناسبة ولائقة. لذا فإنهم يزيحون جانبا كلّ الأشياء غير المريحة من خلال تجاهلها ببساطة.
تولستوي أيضا يوضّح أن المجتمع لا يأبه كثيرا بالعواطف الإنسانية. وهذا هو السبب في أن الناس يصبحون باردين وبلا مشاعر.
الموت، حسب تولستوي، يحدث لنا جميعا، حتى لو كانت تلك حقيقة غير سارّة. وعندما يواجه الناس هذه الحقيقة فإنهم يدركون أن لا شيء يعوّض عن الترابط الإنساني والتعاطف مع الآخرين. وإذا ما فطن الناس إلى هذه الحقيقة، فإن باستطاعتهم أن يتجاوزوا عقدة الخوف من الموت وينظروا إلى ما هو ابعد منه.
بعض النقّاد يعتبرون "موت إيفان إيليتش" أشهر روايات تولستوي بعد "الحرب والسلام" لسبب وجيه. فهذه الرواية هي من أكثر الأعمال الأدبية تعذيباً وإثارة للأسئلة. إنها عبارة عن تحديق في هاوية سحيقة؛ ليست الموت فحسب، وإنما أيضا الطبيعة البشرية نفسها.
وقراءة الرواية مسألة ضرورية، ليس لأنها مَعلَم أدبيّ كبير فحسب، وإنما أيضا لأنك، إن لم تقرأها، فستفقد جزءا من صورة ما يعنيه أن تكون إنساناً. "مترجم".