المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف نيتشه

خواطر في الأدب والفن

صورة
كان الرسّام سلفادور دالي مولعا بتناول الطعام الفاخر في مجموعات كبيرة، وعلى موائد طويلة، مع نبيذ فاخر، في أفضل مطاعم باريس ونيويورك. وكان يصرّ دائما على دفع الفاتورة بنفسه. وعندما يحين وقت الدفع، كان يوقّع الشيك بهدوء وثِقة. وقبل أن يسلّمه للنادل، كان يقلِب الورقة ويرسم على ظهرها رسما تخطيطيا سريعا: أفيال، خيول، أشكال سريالية. ثم يوقّع أسفل الرسم ويسلّم الشيك للمطعم. كان الرسّام يعلم تماما ما سيحدث بعد ذلك. لن يبادر صاحب المطعم لصرف الشيك. بل سيضعه في إطار ويعلّقه على الحائط في أفضل مكان في قاعة الطعام. لوحة أصلية ومؤطّرة لدالي تفوق قيمتها سعر أيّ وجبة. وقد احتفظت مطاعم عديدة بالشيكات التي تحمل رسومات دالي وتواقيعه كتذكارات لا تقدَّر بثمن. ويقال إن هذا تكرّر مرّات عديدة على مرّ السنين، في باريس ونيويورك. في إحدى الليالي، في مطعم باريسي، طلب دالي من النادل ورقة، ثم رسم عليها فيلا رافعاً خرطومه، ووقّع أسفل الرسم، ثم سلّمها له. وربح اسم المطعم كثيرا من هذه الصفقة. لم يكن ما فعله دالي مجرّد غرابة أطوار، بل كان إدراكا منه بأن قيمة حضوره وتوقيعه قد تجاوزت بالفعل سعر أيّ قائ...

خواطر في الأدب والفن

صورة
هل يمكن أن تفسّر ستّ لوحات مرسومة في القرن السابع عشر طبيعة السياق الاقتصادي والعلاقات الثقافية والتجارية التي كانت تربط اوربّا بالعالم في ذلك الوقت؟ في كتابه "قبّعة فيرمير: القرن السابع عشر وفجر العالم"، يستكشف المؤرّخ الكندي تيموثي بروك جذور التجارة العالمية في القرن السابع عشر من خلال ستّ لوحات لرسّام العصر الذهبي الهولندي يوهانس فيرمير. ويركّز الكتاب بشكل خاص على العلاقات المتنامية بين أوروبّا وبقية العالم وتأثير الصين، خلال ما يصفه بروك بـ "عصر الابتكار والارتجال". ويزعم المؤلّف أن العولمة، التي غالبا ما تُعتبر ظاهرة حديثة من أواخر القرن العشرين وبداية الحادي والعشرين، تمتدّ جذورها في الواقع الى القرن السابع عشر. ومن خلال دراسة وتحليل لوحات يوهانس فيرمير، بدءا من منظره الطبيعي لمدينة دلفت (1660)، وفحص الوثائق النادرة التي تتناول بعض تفاصيل حياته، يبني المؤلّف صورة للعالم الذي عاش فيه فيرمير، ويستخلص منها أدلّة على الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والعولمة. وفي حالة ميناء دلفت في هولندا، مثلا، يجد بروك دليلا على عمليات شركة الهند الشرقية الهولندية ا...

خواطر في الأدب والفن

صورة
في كتابه بعنوان "نيتشه: حياة حرجة"، يتناول رونالد هايمان حلما رآه الفيلسوف الألماني في منامه في وقت مبكّر من حياته. وينقل عن نيتشه قوله: سمعت موسيقى الكنيسة تعزف في جنازة. وعندما نظرت لأتحقّق مما يحدث، رأيت قبرا ينفتح فجأة ويخرج منه والدي المتوفّى ملفوفاً في كفن. ثم سارع أبي إلى الكنيسة وعاد ومعه طفل صغير يُمسك به من ذراعه. رأى نيتشه ذلك الحلم في الخامسة من عمره، في نهاية يناير عام 1850، بعد ستّة أشهر من وفاة والده، القسّ اللوثري، من مرض لِين الدماغ المزمن والمؤلم. ويستمرّ نيتشه في وصف ما حدث: في الصباح أخبرت امّي عن الحلم. وبعد فترة وجيزة، مرض شقيقي الصغير جوزيف فجأة وعانى من تشنّجات قوية ومات خلال بضع ساعات." هذا الحلم، وغيره من أحلام نيتشه التي يرويها هايمان في كتابه، سبقت ظهور فلسفة نيتشه بسنوات. وهو يعبّر عن تقدير عميق للقوّة المرعبة للا وعي والشعور المأساوي بالمصير والموت والانفتاح على رؤى من مصادر المعرفة "غير العقلانية". ويتحدّث هايمان عن كيف شكّلت تجارب نيتشه المبكّرة مع الأحلام الوقود الذي فجّر إبداعه الفلسفي فيما بعد. في عام 1870، و...

خواطر في الأدب والفن

صورة
هل كان لأفكار فريدريش نيتشه أثر في صعود هتلر والحزب النازي الى السلطة وما جرّه ذلك من كوارث ومآسي على ألمانيا والعالم؟ يجيب الكاتب ريتشارد غِيب على هذا السؤال بقوله: من الخطأ إلقاء اللوم على نيتشه أو هيغل بسبب خطايا ألمانيا في القرن العشرين، لأن في هذا تبسيطا مُخِلاّ لما حدث. فكلا الرجلين كانا من أهل الأدب، وكانا يتجنّبان العنف والقسوة المطلقين. وإذا فُهمتَ أفكارهما في سياقها التاريخي الصحيح، فستدرك أنهما كانا يسعيان إلى تحقيق ما اعتبراه خيراً أعظم. "السوبرمان أو الإنسان الخارق"النيتشوي ومفهوم هيغل عن وحدة الفكرة المطلقة كلاهما حجّة لبشرية متطوّرة ومستنيرة. لكن المشكلة تكمن في أن أفكار هذين الفيلسوفين المحنّكين قُرئت وفسّرت من قِبَل أشخاص رأوا فيها ما هو مهمّ لهم. ففي سياقها الإنساني، غالبا ما تُشوّه الأفكار وتُستخدم لأغراض أنانية. وهذه مشكلةٌ رئيسيةٌ للمثقّفين، فهم يفتقرون إلى الحسّ السليم عن العالم الخارجي، وأفكارهم تصبح هشّةٌ للغاية في سياق المال والحرب والسلطة. وعند انتزاع الفكر ومحاولة تطبيقه في عالم البشرية المعيب، فغالبا ما تُقتل روح الشيء، ما يؤدّي إلى نتائ...

حصان تُورين

صورة
إذا كان هناك نموذج لشخصية متعدّدة الوجوه في تاريخ الفكر الإنساني، فإن هذا الشخص هو فريدريش نيتشه (1844-1900). كان موسيقيا وشاعرا وفيلسوفا وعالم لغة. وقد غيّر وجه الفلسفة الغربية إلى الأبد. ومن السمات الأقل شهرة في شخصية نيتشه هي أن صلته بالحيوانات كانت خاصّة جدًا، سيّما مع حصان رآه ذات يوم في تورين بإيطاليا. كان نيتشه يشفق على الحيوانات، لأنها كما ذكر في كتابه (تأمّلات في غير وقتها) تتشبّث بالحياة بشكل أعمى وبجنون دون أي هدف آخر، مع كل الرغبات المنحرفة لشخص أحمق". وكان يعتقد أن الحيوانات تتعثّر في الحياة ولا تدرك ما تفعله أو لماذا تفعله. وهي لا تعيش مع ذكريات ولادتها ولا تعرف أنها ستموت في النهاية، فهي غافلة عن وجودها السابق وعمّا بعد وجودها. والأسوأ من ذلك اعتقاده أنها تفتقر إلى الذكاء الذي يؤهّلها لأن تجرّب المتعة والمعاناة بعمق مثلما نفعل نحن البشر". وبالنسبة لفيلسوف وجودي مثل نيتشه، كان ذلك بمثابة مأزق حقيقي. لكنه كان يحسد الحيوانات على انها لا تعرف القلق، فكتب: فكّر في الماشية، إنها ترعى وهي تمرّ بجانبك، ولا تعرف ما المقصود بالأمس أو اليوم، وتأكل وتستريح وتهضم...

وحيداً في كوخ سيبيري

صورة
قبل إتمام دراسته الجامعية، طاف الفرنسي سيلفان تيسون العالم على درّاجة ناريّة لمدّة عامين مع صديق. ثم عبرا معا جبال الهمالايا على الأقدام، وقطعا مسافة خمسة آلاف كم في خمسة أشهر من بوتان إلى طاجيكستان. ثم عبَر تيسون بصحبة مصوّرة صحفية سهوب آسيا الوسطى، من كازاخستان إلى أوزبكستان، على ظهور الخيل. وقد سلكا نفس الطريق الذي سلكه من قبل سلومير راويتش في هروبه من سجن الغولاغ والذي وثّقه في كتابه "الرحلة الطويلة". وفي عام 2010، قرّر تيسون أن يذهب إلى سيبيريا ويعيش هناك في عزلة لمدّة ستّة أشهر. وقد وصل إلى وجهته في ذروة فصل الشتاء واختار لسكناه كوخا قديما يقع على ضفاف بحيرة بايكال. في الكتاب الذي ألّفه عن تجربته في العيش في سيبيريا وهو بعنوان "السُّلوان في الغابة: وحيدا في كوخ بسيبيريا"، يتحدّث تيسون عن الأسباب التي دعته للذهاب إلى هناك فيقول: في فرنسا اعتدت على أن أتحدّث كثيرا وأصبحت بحاجة للصمت". ويضيف: كنت منشغلا بأناس كثيرين، ومع الأيّام أصبحت مهام العمل عبئا كبيرا. وصرت اكره الهاتف وكثرة الحركة والضجيج. وأحيانا كنت أغار من روبنسون كروزو، ولطالما أردت ...

!اقتل البوذا

صورة
في الكثير من أرجاء العالم، ما تزال البوذيّة تتضمّن طقوسا ومعتقدات يُنظر إليها باستغراب، مثل التناسخ أو الإيمان بأن الإنسان بعد موته يظهر في شكل آخر؛ حيوان أو نبات الخ، مع الاحتفاظ بسماته الشخصية الأصلية. أيضا ممّا يعاب على البوذية استغراقها الزائد عن الحدّ في الحديث عن فكرة الموت، لدرجة أنها خصّصت له كتابا اسمه كتاب الموتى. ومن الاعتقادات الأخرى الغريبة في البوذية أنه كان هناك بوذا آخر يُدعى اميتابا، ولا احد يعرف إن كان قد عاش على الأرض أو أنه موجود في كون موازٍ، وانك إذا ردّدت اسمه دائما فإنك ستذهب إلى مكان يُدعى "الأرض الطاهرة" حيث يمكنك أن تتعلّم أشياء كثيرة من معلّمي البوذية الأقدمين. وبوذا الحقيقي الذي يعرفه الناس يظهر في الكتب على هيئة غزال أو فيل أو قرد. والحكايات الفولكلورية التي تمتلئ بها بعض تلك الكتب عن حيوانات ومخلوقات أسطورية تفكّر وتتكلّم لا تخلو قراءتها من بعض المتعة، تماما مثل أن تقرأ كتاب كليلة ودمنة أو كتاب الحيوان للجاحظ. وبعض الأفكار الأساسية التي تقول بها البوذية مثل التناسخ والارتباط والكارما كانت وما تزال محلّ انتقاد من الكثيرين. الدالا...