:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, April 05, 2008

خواطر في الأدب والفن

الاغتراب حالة ذهنية


لم يعد الوطن مفهوما تؤطّره حدود الجغرافيا أو السياسة. ربّما لهذا السبب اكتشف صاحبي أن ثمّة خيطا خفيّا يشدّه بطريقة غامضة لزيارة ذلك البلد الأوربّي كلّما سنحت له الفرصة. وما أن يعود منه حتى يداهمه الحنين للعودة إليه من جديد. وكان كثيرا ما يقول: أشعر بالغربة الخانقة في هذا المكان. وأريد العيش في مجتمع يُشعرني بإنسانيّتي ويحترم حرّيتي ولا يتدخّل في أدقّ خصوصياتي".
وكثيرا ما كان يبادره بعض معارفه عند كلّ عودة له من ذلك البلد بالسؤال: إلى ماذا توصّلت، هنا أحسن أم هناك"؟ ولا يتأخّر في القول: ليس هناك مقارنة على الإطلاق".
سألني رأيي في فكرة الهجرة الدائمة فقلت: هذا قرار مصيريّ، وأخذه يتطلّب الكثير من التفكير والتأنّي والموازنة بين الحسنات والسلبيات".
وأضفت: اعلم انك مقتدر ماليّا. وربّما أن المال لا يمثّل لك مشكلة. ثم انك ما زلت دون الثلاثين. أي أن الحياة ما تزال أمامك. ومع ذلك فأنا اعرف حالات لأفراد اختاروا الرحيل بعيدا ثم عادوا أدراجهم بعد أن صدمهم الواقع هناك و ووجهوا بالكثير من المشاكل والمعوّقات".
ثم ختمت كلامي بعبارة حاولت من خلالها ألا أبدو بهيئة من يشجّعه أو يحاول ثنيه عن قرار كان واضحا انه يقلّبه على نار هادئة. قلت: الوطن يمكن للإنسان أن يعوّضه بوطن آخر متى أراد. والإنسان لا يعيش سوى مرّة واحدة على هذه الأرض. وأنا ممّن يرون أن الحرّية مطلب غال ويستحقّ التضحية. ومن الخير للإنسان أن يلتمس سعادته في أيّ بقعة يرى أنها يمكن أن تحقّق له قدرا من السعادة وراحة البال. لكن أتمنّى أن تضع في ذهنك جملة من الخيارات والبدائل. ولا تنسَ أن تترك الباب مواربا خلفك، كي تتيح لنفسك فرصة التعديل والمراجعة حتى لا تفاجأ بأمور قد لا تقوى على تحمّلها في ما بعد".
كان كلامي معه واقعيا ومباشرا. ولو أردت أن أبدو عاطفيا ومثاليا وحماسيا لكنت أسمعته كلمات كبيرة من نوع "ابق هنا، وإذا هاجرت فمن الذي سيبني الوطن ويغيّر واقعه إلى الأفضل.. إلى آخره.
ذهب ذلك الصديق في حال سبيله وانقطعت أخباره ولم اعد اسمع عنه شيئا.
ومنذ أيّام تذكّرته وأنا أقرأ هذه الكلمات العميقة المغزى لأحد الكتّاب: الاغتراب حالة ذهنية. قد يشعر الإنسان بالغربة وهو في وطنه وبين أهله وأفراد مجتمعه. وإذا نظرنا إلى الاغتراب على أنه توحّش الإنسان مما يجري حوله ممّا لا يتّسق مع موازينه ولا يجري على نسق العالم الذي يصنعه في مخيّلته ليعيش فيه، فإن هذا من نوع الاغتراب الذي يصنع المعاناة. الظلم بكافّة أشكاله شيء موحش يقود إلى اغتراب وينتج معاناة".

❉ ❉ ❉

بورتريه شخصي


ما بين جهاز كمبيوتر وقلم رصاص وآلة كاتبة
اُمضي نصف يومي.
أعيش في مدن غريبة
وأتحدّث إلى الغرباء أحيانا عن مسائل تبدو لي غريبة.
أستمع إلى الموسيقى كثيرا
باخ، ماهلر، شوبان، وشوستاكوفيتش.
أرى في الموسيقى أربعة عناصر: الضعف، القوّة، والألم.
والعنصر الرابع لا اسم له.
أقرأ الشعراء، الأحياء والأموات، الذين يعلّمونني المثابرة والإيمان والاعتداد بالنفس.
أحاول أن أفهم الفلاسفة العظماء
غير أنني لا افلح سوى في التقاط النزر اليسير جدّا من أفكارهم الثمينة.
ارغب في أن امشي مسافات طويلة في شوارع باريس
وأن أراقب المخلوقات من أقراني
الذين يدفعهم الحسد والغضب والرغبة في تعقّب قطعة نقود فضّية تمضي من يد إلى يد
بينما تفقد ببطء شكلها الدائري إلى أن يُمسح عنها وجه الإمبراطور.
أتمعّن في أشجار لا تعبّر عن شيء سوى الكمال الأخضر واللامبالي.
الطيور السوداء تعبر الحقول وتنتظر بصبر مثل الأرامل الاسبانيات.
لم اعد شابّا
لكنْ هناك دائما شخص ما اكبر منّي.
أحبّ أن أنام بعمق عندما أتوارى عن الوجود
وأن أقود الدرّاجات بسرعة على الطرقات الريفية
عندما تتلاشى البيوت وأشجار الحُور مثل الغيوم الركامية في الأيّام المشمسة.
في المتاحف، تتحدّث اللوحات أحيانا إليّ وتنتهي المفارقة فجأة.
أحبّ التحديق في وجه زوجتي
ورؤية والديّ كلّ يوم احد
ومقابلة الأصدقاء كلّ أسبوعين
وهكذا اثبت إخلاصي.
- آدم زاغاييفسكي، شاعر بولندي

❉ ❉ ❉

استراحة موسيقية



❉ ❉ ❉

شاعر الألوان

في بلدة موريه سور لوي الفرنسية الصغيرة، يرتفع تمثال نصفيّ لأشهر شخصيّة في هذه البلدة.
ولم يكن هذا الشخص قائدا عسكريّا، ولا رجل أعمال موسرا، ولا ديبلوماسيا بارزا. كان رسّاما، وكان اسمه الفريد سيسلي. وقد توفّي في هذه البلدة عام 1899م فقيرا ويعاني من الروماتيزم وسرطان الحنجرة. لكنه قضى السنوات الثلاثين الأخيرة من حياته يعيش ويرسم المجتمع الصغير بحساسية فائقة أكسبته لقب شاعر الألوان.
ولد الفريد سيسلي في باريس عام 1839 لأبوين انجليزيين غنيّين. وتلقّى تعليما مختصرا في لندن عندما كان يحاول بقليل من الحظ أن يتعلّم تجارة العائلة. ولم يكن مستغربا أن يفشل في البيزنس لأنه كان يقضي معظم وقته في المتاحف يدرس طبيعة كونستابل وتيرنر.
ثم أراد أن يصبح رسّاما. وفي عام 1862، وبمباركة ودعم ماليّ من والده، عاد سيسلي إلى باريس وتلقّى دروسا في الرسم على يد الفنّان الأكاديمي شارل غلاير.
كان غلاير رسّام تاريخ وكان يعتبر رسم الطبيعة فنّا منحلا. ومع ذلك، كان من بين تلاميذه كلود مونيه واوغست رينوار وفريدريك بازيل. وقد أحبّ سيسلي هذه المجموعة من الانطباعيين المستقبليين ورافق تطوّر حركتهم الناشئة منذ بداياتها.
وخلال ستّينات القرن التاسع عشر رسم معهم في مارلو قرب غابات فونتينبلو، وعرض أعماله معهم في العديد من المعارض الانطباعية. في ذلك الوقت كان سيسلي يعيش حياة مريحة معتمدا على مال والده.
لكن خلال الحرب الفرنسية البروسية تعطّلت تجارة والده ومات بعد ذلك بفترة قصيرة مفلساً. وعاش سيسلي وعائلته في فقر مدقع طوال ما تبقّى من حياته.
والحقيقة انه نادرا ما باع لوحاته. وعندما كان يبيع بعضها، كان يكتفي بقبول اجر زهيد مقابلها. وبينما عاش مونيه فترة طويلة واكتسب كثيرا من الشهرة، فإن شيئا من هذا لم يتحقّق لـ سيسلي.
لكن التأثير الانجليزيّ لكلّ من تيرنر وكونستابل كان حاضرا وإلى الأبد في جميع لوحاته التي تمثّل مزيجا تعبيريا ونادرا من التقاليد الفرنسية والانجليزية في رسم الطبيعة.

Thursday, April 03, 2008

سيكولوجيا الوشم

شاهدت منذ أيّام برنامجا، أو بالأحرى تحقيقا مصوّرا، بثّته إحدى القنوات البولندية عن فنّ الجسد. ورغم أنني لم افهم شيئا مما قيل فإنني مع ذلك حرصت على متابعة الصور والمشاهد بدافع الفضول وحبّ المعرفة. وقد عرض البرنامج مناظر لرجال ونساء ملئت أجسادهم بصور لشياطين وجماجم وأفاعي وعناكب وعقارب، إلى غير ذلك من الرسومات الصادمة والغريبة.
وقد حرّضني مضمون ذلك الفيلم على أن أبحث أكثر عن نشأة وتطوّر هذا النوع من الفنّ والغايات والدوافع النفسية التي تفسّر شغف بعض الناس بوشم أجسادهم وتلطيخها بتلك الألوان الصاخبة والأشكال الشاذّة والمخيفة.
ومن المعلومات التي أثارت اهتمامي عن الموضوع أن الثيمة الرئيسية المسيطرة على الوشم وفنّ الجسد عموما هي صورة الجمجمة، بحسب ما يقوله هنري فيرغيسون ولين بروكتر مؤلفا كتاب فنّ الوشم احد أشهر الكتب عن الموضوع.
علماء النفس يعللون هذه الظاهرة بأنها انعكاس لحالة الشكّ وعدم اليقين التي تتملّك الإنسان وخوفه الغريزي من المستقبل. كما أن صور الوشم التي ترمز للموت، وتأخذ شكل جماجم مشتعلة وثعابين تزحف عبر فتحات الجماجم وشياطين وحيوانات تنّين وخيول شاحبة وجنس وألسنة لهب، يمكن اعتبارها محاولة لاستحضار القوى الخفيّة في الكون والطبيعة، التي يرى فيها البعض عناصر حماية وخلاص مما قد يتلبّس الإنسان مستقبلا من مصير مظلم وبائس.
وهناك شبه إجماع على أن أشهر فنّاني الوشم في العالم اليوم هو بول بوث الذي وشم أجساد الكثير من الشخصيات العامّة والمشهورة من الجنسين. وقد بلغ من شعبية هذا الرجل وشدّة الإقبال على "خدماته" أنه يتعيّن على الزبون أن ينتظر سنتين قبل أن يحظى بفرصة لقائه.
وغرفة بوث مليئة بجماجم بشرية حقيقية وتنتشر على الحيطان كلمات "شكرا لكم" مكتوبة بالدم، بالإضافة إلى صور لمخلوقات شيطانية وحيوانات محنّطة. وأوّل وشم رسمه كان صورة لثلاثة شياطين تبرز من رؤوسهم قرون طويلة، وقد نقشها على ظهر صديقته.
في بعض الأوقات كنت أتساءل عن المغزى من وراء ميل بعض الرسّامين إلى تضمين لوحاتهم منظرا لجمجمة عادةً ما تظهر في اللوحة جنبا إلى جنب مع كتب وفاكهة ونظّارات ومزهرية وشمعة إلى آخره. رأيت مثل هذا المنظر كثيرا في لوحات بيتر كلاس Pieter Claesz و ارنولد باكلين و جورج دي لا تور Georges de La Tour وسواهم..
وقد عرفت تالياً أنه خلال عصر النهضة الأوربّي راجت لوحات مشهورة تظهر فيها جماجم إلى جانب صور القدّيسين والباباوات والملوك والأمراء، ربّما لتذكير الناس بضرورة أن يعيشوا حياة فضيلة واستقامة وتقوى.
إن رمزية الجمجمة واضحة في الطبيعة البشرية من حيث اقترانها بالموت، لكن هل لها رموز أخرى ابعد من فكرة حتمية الفناء وتذكير الناس بالآخرة؟ من الأشياء اللافتة التي قرأتها مؤخّرا عن هذا الموضوع أن صور الجماجم كانت رائجة كثيرا في الأدب الكلاسيكي الغربي، وهي ترمز إلى السيرورة أي مرور الزمن ومن ثم حتمية الموت في النهاية.
وفي قصص الفلكلور تتكرّر مشاهد الجماجم التي تتكلم، مذكّرة بالموت وبالتوبة والبعث والخلاص وبالمصير المترتّب على السلوك الخاطئ. ففي مسرحية هاملت لشكسبير، مثلا، يتحدّث الملك إلى جمجمة أحد أعوانه السابقين بعد أن ُعثر على جثّته في المقبرة. وفي هذه المسرحية أيضا هناك الكثير من المشاهد التي تبدو فيها الجثث والجماجم وهي تسير وتتكلم وتتفاعل مع الشخصيات الرئيسية في المسرحية.
ويحدث أحيانا أن نرى لوحات أو رسومات تصوّر حيّة أو أفعى ضخمة وهي تتجوّل بين ثقوب جمجمة. وفي هذه الجزئية، يقال إن الحيّة ترمز إلى المعرفة والخلود، فيكون المعنى المقصود أن المعرفة لا تموت بل هي باقية إلى الأبد قبل وبعد موت البشر.
وهناك من علماء النفس والاجتماع من يفسّر إقدام بعض الأشخاص على وشم أجسادهم بصورة جمجمة أو أفعى على انه أمر قد يؤشّر إلى انجذابهم للجانب المظلم من الحياة، سواءً بحكم طبيعة نمط حياتهم أو لأنهم مهتمّون بالدلالات الفلسفية والنفسية للموضوع.
وهناك من يجادل بأن صورة الجمجمة قد تصدم العين وتؤذي المشاعر، لكن رواجها وشعبيّتها في الفنّ قد يعني أن المجتمع قطع شوطا بعيدا في التصالح مع فكرة الموت باعتباره حادثة طبيعية وأمرا اعتياديا.
وقد يكون من بين أسباب شعبية الجمجمة في الفنّ، والوشم استطرادا، هو أن خطوطها ذات طبيعة دراماتيكية وانسيابية ولها القدرة على أن تفتن الفنّان وتثير مخيّلته بالقدر الذي تبعث في النفس شعورا بالخوف والهلع.
لكن ألا يمكن أن تتضمّن ظاهرة ميل بعض الأفراد إلى وشم أجسادهم بصور الشياطين والجماجم والأفاعي وغيرها من رموز الموت والظلام "عنصر تمرّد ما" قد يشير إلى ميلهم إلى الاستهانة بالحياة وتحدّي الأعراف الدينية والقيم التي اتفق المجتمع على تقديسها ووجوب احترامها والتمسّك بها؟
ومع ذلك لا يخلو الموضوع من جانب مشرق ومتفائل إلى حدّ ما. فهناك في المقابل رسّامون يستمدّون نقوش الوشم التي يحفرونها على أجساد زبائنهم من مناظر الطبيعة من أزهار ونباتات وجبال وأنهار وخلافه.
ومن أشهر فنّاني هذا النوع من الوشم الرسّام الصيني سياي ووجيان Seyi Wujian والكوري كيم جون والهندي انيل غوبتا الذي يستوحي رسوماته من لوحات كبار الفنانين القدامى والحداثيين. ثم هناك وشم الكانجي الياباني الذي يستعير مناظره من الرموز البوذية والكونفوشيّة ومن قصص الأساطير والملاحم الشعبية القديمة.