:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Thursday, May 04, 2017

روبنسون كروزو


أتذكّر أن أوّل رواية قرأتها كانت "روبنسون كروزو" للكاتب دانيال ديفو. وقد ظلّت تفاصيل تلك الرواية ماثلة في ذهني إلى اليوم. وكلّما شاهدت فيلما أو قرأت أو سمعت قصّة تتحدّث عن مفارقات ومصاعب العيش في جزيرة نائية، تذكّرت مغامرات روبنسون كروزو على ارض جزيرته المنعزلة والبعيدة.
أحداث الرواية نفسها مثيرة ومشوّقة. والناس عادة تفتنهم مثل هذه النوعية من القصص التي تحكي عن أشخاص انقطعت بهم السبل وأخذتهم الأقدار في النهاية إلى ارض مجهولة وبعيدة.
وتجربة كروزو الغريبة تتضمّن جميع عناصر الإثارة والتشويق التي يتطلّع إليها أيّ قارئ: سفن مبحرة أو غارقة وبحار عاصفة وأمطار جارفة وجزيرة خالية من البشر وبنادق وذخيرة وأكلة للحوم البشر الخ، أي كلّ ما يمكن أن يتوقّع الإنسان وجوده في جزيرة غرائبية ومهجورة.
تبدأ الرواية بحديث بطلها روبنسون كروزو عن نفسه. ومن كلامه نفهم انه شابّ انجليزيّ ينزل إلى البحر لأوّل مرّة ويستقلّ سفينة باحثا عن المغامرة ومتجاهلا نصيحة والده.
لكن السفينة تغرق في عرض البحر ويموت كلّ من كان على متنها باستثناء كروزو الذي ينتهي به المطاف على شاطئ جزيرة نائية. وهناك يعيش لوحده أكثر من ثمانية وعشرين عاما.
في البداية، يحاول كروزو استكشاف مداخل الجزيرة ومخارجها. ثم يذهب إلى السفينة المحطّمة ويحضر منها بعض الأشياء التي قد تفيده من ذخيرة وملابس وسلاح وبذور وخلافه.
ويكتشف أن التربة في احد أطراف الجزيرة أكثر خصوبة، فيقرّر أن يبني له كوخا في تلك الناحية كي يحمي نفسه من خطر الحيوانات المفترسة. ثم يجهّز خططا للحصول على الطعام فيزرع بعض بذور الخضروات والبقول ويربّي بعض الماشية.
ولأن الجزيرة تخلو من البشر، يقرّر البطل أن يبدأ اتصاله مع الله ويحرص على أن يدوّن كلّ ما يراه في دفتر مذكّرات. ثم يتأمّل في حياته الماضية، ويتساءل إن كان عقوق والده هو السبب في عزلته على تلك الجزيرة. ومع الأيّام تزداد مهارته ومقدرته على أن يفعل المزيد من الأشياء النافعة.
وبعد خمسة عشر عاما من العيش في الجزيرة، يجد روبنسون كروزو لأوّل مرّة آثار أقدام غريبة لبشر فتتملّكه المخاوف، ما يدفعه للبقاء يقظا طوال الليل. ثم يفكّر في احتمالات شتّى، وفي نفس الوقت يتّخذ بعض الإجراءات والاحتياطات لمواجهة أيّة أخطار محتملة.
وفي صباح احد الأيّام، يصيبه الرعب عندما يجد جماجم بشرية وبقايا عظام متناثرة حول الشاطئ. ويدرك أنها آثار وليمة من الليلة السابقة.
وفي الأيّام التالية يقوم بمراقبة الشاطئ ويرصد وصول قوارب ينزل منها بشر بدائيّون يقتادون أشخاصا مكبّلي الأيدي ويتّجهون بهم إلى احد أطراف الجزيرة، فيمشي في إثرهم ويراقبهم وهم جلوس حول النار.
وصْف كروزو لآثار الأقدام على الجزيرة والخوف الذي يعتريه جرّاء ذلك يعتبره بعض النقّاد من أفضل ما كُتب في هذا الباب في الروايات الأوربّية.
ثم يدرك بطل الرواية أن هؤلاء المتوحّشين يزورون الجزيرة من وقت لآخر ويحضرون معهم بعض أسراهم ليقتلوهم ويأكلوا لحمهم.
في البداية، يفكّر بمفاجأتهم وقتلهم بالذخيرة التي معه، لكنه يعدل عن تلك الفكرة على اعتبار أن البدائيين لا يعرفون أنهم يرتكبون جرما لأن أكل لحوم البشر جزء متأصّل من ثقافتهم.
غير انه مع ذلك يحتفظ بإيمانه الأخلاقيّ الذي يدفعه لإنكار تلك الجريمة والاشمئزاز منها.
لكن عندما يهرب احد الأسرى، وهو طفل، من المصير البائس الذي ينتظره، يبادر كروزو إلى إنقاذه وقتل اثنين من مطارديه. ثم يتخذ منه مرافقا ويطلق عليه اسم "فرايدي" لأنه أنقذه في يوم جمعة، وبعد ذلك يعلّمه الانجليزية ويحوّله إلى المسيحية.


من العبارات الجميلة التي يردّدها كروزو في الرواية واحدة تقول إن كلّ الأشياء الجيّدة في هذا العالم لا تكون جيّدة إلا بقدر ما نستطيع أن نستخدمها، وأن الظروف هي التي تحدّد ما ينبغي لنا أن نتعلّمه وننجزه".
كان عند روبنسون كروزو كيس مليء بالذهب والفضّة احضره معه من السفينة، لكن تلك الثروة لم تكن تفيده بشيء في جزيرته المعزولة. وكان على استعداد لأن يتخلّى عن كلّ ذلك الكنز مقابل فردتي حذاء.
ويتعجّب البطل كيف أن البشر يمكن أن يحبّوا اليوم شيئا كانوا يكرهونه بالأمس، وكيف أنهم يمكن أن يخافوا اليوم من شيء كانوا يرغبون فيه ويلحّون عليه بالأمس.
ويبدو انه تذكّر كيف انه عاش على أرض الجزيرة وكان يتجوّل فيها بحرّية لأكثر من خمسة عشر عاما، ظانّاً انه لوحده. كان يحنّ إلى وجود البشر ويتمنّى لو جاءه إنسان كي يشاركه العيش ويؤنس وحدته. لكن هذا الإحساس غادره فورا عندما اكتشف وجود بشر متوحّشين هناك.
وعندما يأتي المزيد من أكلة لحوم البشر إلى الجزيرة لإقامة حفل شواء بشريّ، يقرّر كروزو وفرايدي أن من الضروريّ مهاجمتهم، فيفاجآنهم ويقتلان بعضهم وينقذان أسيرين كان احدهما رجلا اسبانيّا ابيض والآخر والد فرايدي نفسه.
وفي نهاية الرواية، تمرّ بالجزيرة سفينة عابرة، فيستقلّها روبنسون كروزو، بمعيّة فرايدي، ويعود إلى أهله في انجلترا بعد أن ظنّوا انه مات. لكنّه يكتشف أن والده قد توفّي منذ زمن طويل وأنه لم يوصِ له بشيء من تركته، فيغادر هو وفرايدي إلى البرتغال.
وبعد سنوات، يعودان من هناك بعد أن جمعا بعض المال. وفي طريق عودتهما، يقومان بمغامرة أخيرة فيشتبكان مع مجموعة من الذئاب الضارية التي اعترضت طريقهما أثناء عبورهما جبال البيرينيه.
الكثير من النقّاد استقبلوا رواية روبنسون كروزو في زمانها بحماس كبير واعتبروها أوّل رواية انجليزية واقعية. وبعضهم رأوا فيها حكاية متفائلة عن إمكانيات الإنسان غير المحدودة عندما يجد نفسه في ظروف صعبة وغير مواتية.
واعتبر آخرون أن الرواية ترمز لتطوّر الحضارة وأن كروزو ليس هو البطل وإنما كلّ إنسان. فهو يبدأ كمتجوّل في البحر الذي لا يفهمه، ثم ينتهي به الأمر كحاجّ يعبر الجبل الأخير ليدخل الأرض الموعودة.
من الأشياء اللافتة في هذه الرواية أنها تتضمّن كثيرا من الرموز الدينية. وهناك من يشير إلى أن ديفو كان مسيحيّا طهرانيّا ومؤمنا بالتقاليد، وقد ألّف كتبا عن كيف يصبح الإنسان مسيحيّا صالحا.
وقيل أحيانا انه ذهب إلى الجزيرة ليتخلّص من آثام الشباب. وهناك أصبح أكثر قربا من الله، ليس بسبب الاستماع إلى الخطب في الكنيسة، وإنّما من خلال قضائه وقتا لوحده في الطبيعة.
لكن نقّادا آخرين وصفوا روبنسون كروزو بأنه نموذج للاستعمار الانجليزيّ وتعبير عن رغبات المستعمر الأوربّي.
فالبطل يسمّي نفسه بالسيّد وأحيانا بالملك، بينما يشير إلى الجزيرة بالمستعمرة. كما رأى البعض في علاقة السيّد بالخادم التي ربطته بفرايدي نوعا من الامبريالية الثقافية.
وكروزو في الرواية إنسان مستنير ومتحضّر، بينما فرايدي همجيّ ولا يمكن تخليصه من بربريّته إلا بإدماجه في ثقافة سيّده.
رواية روبنسون كروزو هي عن المصير وعن ظروف واختيارات الحياة المختلفة. ويقال أن الكاتب استوحى أحداث الرواية من قصّة حقيقية لبحّار اسكتلندي يُدعى الكسندر سيلكيرك، كانت سفينته قد غرقت في المحيط الهادي ثم عاش خمس سنوات لوحده على ارض جزيرة مجهولة.

Credits
gutenberg.org

Monday, May 01, 2017

جيش التماثيل

في العام 221 قبل الميلاد، وحّد تشين جن هوان الصين لأوّل مرّة تحت سلطة مركزية واحدة. ثمّ نصّب نفسه كأوّل إمبراطور للبلاد بعد أن أطلق عليها اسمه.
وقد حكم تشين امبراطوريّته الواسعة بيد من حديد، مطبّقا فلسفة تقول إن البشر بطبيعتهم سيّئون وبحاجة لأن ينصاعوا لقوّة القانون، في تباين واضح مع ما كانت تقول به الكونفوشية التي كان تشين يعتبرها تهديدا لسلطته.
ثم لم يلبث أن أمر بإحراق جميع الكتب التي لا تتحدّث عن حكمه أو عن الزراعة والطبّ وقراءة الحظ. وبعدها باشر بإحراق خمسمائة عالم كونفوشي وهم أحياء، بينما أمر برجم سبعمائة آخرين حتى الموت.
ومع ازدياد طغيان الإمبراطور واستبداده، جرت عدّة محاولات لاغتياله، لكنه نجا منها جميعا.
وبرغم سلطته وهيبته الطاغية، إلا انه كان خائفا من الموت وأصبح هاجسه الأكبر البحث عن ترياق للحياة الأبدية.
لذا استدعى كافّة الخيميائيين والسحرة المشهورين إلى بلاطه كي يحضّروا له الوصفة المناسبة التي تضمن له الخلود.
وقد اخبره بعض مستشاريه عن وجود جزيرة جبليّة في احد البحار البعيدة يعيش عليها مجموعة قليلة من البشر حياة دائمة دون أن يتهدّدهم موت أو مرض.
لذا أمرهم بالذهاب إلى هناك كي يستقصوا الأمر ويجلبوا له معهم سرّ الحياة السرمدية. وبعد سنوات من الترحال، عادوا دون أن يجدوا شيئا.
ثم أقنعه بعضهم بأن يعيش داخل قصره في عزلة من الناس إلا من مستشاريه المقرّبين، على أمل أن يحصل أثناء ذلك على نبتة الخلود التي ينتظرها.
كان تشين يتطلّع إلى مكانة "الإنسان الحقيقيّ"، وهي مكانة لا يبلغها، حسب الأساطير الصينية القديمة، سوى بضعة أفراد هم من يُكتب لهم الخلود في هذه الحياة.
وكان يعتبر نفسه أوّل إمبراطور في صفّ طويل من أباطرة سلالته الذين سيدوم حكمهم آلاف السنين. لذا اجتهد في إقامة القرابين على قمم الجبال معتقدا انه بهذا يوحّد مملكته مع عالم الأرواح.
وطبقا للمفاهيم الصينية، فإن الموتى والأرواح لا ينفصلون عن عالم الأحياء، وأن ما بعد هذه الحياة يمكن أن يكون أكثر خطرا من الوجود الأرضيّ.
وكان لدى تشين سبب خاصّ يدفعه للخوف من الموت، فقد كان يخشى انتقاما أخرويّا من جيوش الولايات الستّ التي لم يكتفِ بهزمها قبل توحيد الإمبراطورية، بل ذبح أهلها ونكّل بهم أشدّ تنكيل.
ولأن الإمبراطور لم يكن قادرا على التغلّب على خوفه من الفناء ولا بتحقيق حلمه في حكم العالم في هذه الحياة، فقد قرّر أن يؤسّس له سلطة بعد موته.
المؤرّخ الصينيّ المشهور سوما تشان الذي عاش في تلك الفترة يذكر أن تشين بنى لنفسه ضريحا تحت الأرض يحرسه جيش من ثمانية آلاف جنديّ نُحتت شخوصهم من الطين مع عرباتهم وخيولهم وأسلحتهم.
كان الضريح عبارة عن قصر فخم مصنوع من الطين والخشب والبرونز، مع نماذج للجنّة الموعودة وخارطة ضخمة للإمبراطورية.
الكنوز التي دُفنت في الضريح كانت تحرسها أدوات لرمي السهام. أما العمّال الذين شيّدوا الضريح والقصر فقد دُفنوا أحياء كي تبقى أسرار المكان خفيّة إلى الأبد.
المفارقة أن إصرار الإمبراطور على تحدّي الموت هو الذي عجّل في هلاكه. فقد كان تشين يعتبر الزئبق مادّة سحرية تطيل العمر وتحمي من الحسد والأمراض. ويبدو أن بعض حاشيته وصفوه له كجزء من إكسير الحياة. وكان هو نفسه قد سمع قصصا غريبة عن ملوك وحكماء عاشوا لعشرة آلاف عام وأكثر بسبب تناولهم للزئبق الممزوج بالنبيذ المحلّى بالعسل.
لكن في عام 210 قبل الميلاد، سقط تشين مريضا بسبب إفراطه في تناول الزئبق السامّ، ثم لم يلبث أن توفّي وهو في سنّ التاسعة والأربعين. وعند وفاته كان بالكاد قد أكمل بناء قبره الضخم تحت الأرض.
بعد موت الإمبراطور، عمّت الفوضى الصين. وبعد ثلاث سنوات أقدم ابنه الذي خلَفه فوق العرش على الانتحار أثناء انتفاضة اندلعت ضدّه. وبانتحاره انتهى حكم سلالة تشين إلى الأبد.
لكن الإمبراطور المؤسّس للصين استمرّ "يعيش" داخل قصره الغريب تحت الأرض والذي ظلّ مكانه مجهولا لأكثر من ألفي عام.


في احد أيّام شهر مارس من عام 1974، كان مزارع يُدعى يانغ زيفي يحفر مع إخوته الخمسة بئرا في بستان للرمّان يبعد مسافة ساعة عن مدينة شيان عاصمة إقليم شانغتسي الصينيّ.
وفجأة ارتطم معوله برأس تمثال من الطين، وعندما تفحصّه ظنّ خطئا انه تمثال لبوذا. وخلال أشهر، توافدت على المكان مجموعات من خبراء الآثار والمسئولين الحكوميين.
ثم تبيّن أن ما تعثّر به المزارعون كان واحدا من أهمّ الاكتشافات الأثرية في القرن العشرين. فقد كان مدفونا تحت ارض البستان آلاف التماثيل لجنود منحوتين من الطين يعود تاريخها إلى القرن الثالث قبل الميلاد.
كانت تلك التماثيل جزءا من الضريح المفقود للإمبراطور تشين جِن هوان. ولحسن الحظ لم يظهر هذا الاكتشاف إلا مع غروب شمس الثورة الثقافية التي قادها ماو تسي تونغ وهدفَ من ورائها إلى تدمير تاريخ وتراث الصين والقضاء على تقاليدها القديمة.
وكان الجيش الأحمر التابع لماو قد أغار في عام 1969 على قبر احد أباطرة سلالة مينغ الكائن خارج بيجين. وقام المهاجمون الغوغاء بنبش الهياكل العظمية للإمبراطور واثنتين من نسائه، ثم سحبوا رفاتهم إلى خارج القبر وأحرقوها.
كان اكتشاف جيش التماثيل حدثا كبيرا أدهش الصينيّين وفتن العالم. واتّضح أن حجم ضريح الإمبراطور تشين يعادل مساحة مدينة قديمة ضخمة. ووُجد في وسطه هرم يقال انه كان يرتفع ذات زمن إلى حوالي مائة متر.
أما بالنسبة للثمانية آلاف مقاتل الواقفين في صفوف خلف القبر، فيبدو أن مهمّتهم هي حراسة أسرار امبراطورية تشين المطمورة تحت التراب.
لكن الكثير من تلك الأسرار ستظلّ مجهولة لسنوات طوال طالما بقي القبر نفسه مغلقا. فعلماء الآثار في جميع أنحاء العالم متّفقون على أن فتح القبر سيؤدّي إلى كارثة، لأن تعريضه للهواء سيتسبّب في تلف لا يمكن إصلاحه. وأثناء عمليات الحفر المبكّرة للكشف عن التماثيل، حدث أن طبقة الورنيش التي تعلو وجوه الجنود تلاشت بعد خمس عشرة ثانية فقط.
وطبقا للمؤرّخ سوما تشان، الذي ثبت أن وصفه للضريح كان دقيقا جدّا، فإن أنهاراً من الزئبق تحيط بالغرفة التي يوجد بها المدفن. والدخول إلى هذا المكان سيكون محفوفا بالمخاطر. ثم تبيّن أن تربة المنطقة كلّها تحتوي على نسب عالية من الزئبق.
وإذا لم يكن احد راغبا في الدخول إلى حيث الضريح خوفا من إحداث ضرر بالكنوز التي بداخله، فإن هناك أسبابا أخرى تدعو للبقاء بعيدا. إذ يشير سوما تشان إلى وجود نشّابات ميكانيكية تحرس المداخل والممرّات، وقد تكون ضرباتها مميتة في حال ما إذا كانت ما تزال تعمل إلى اليوم.
عيّنات الحمض النوويّ المأخوذة من عدد من الهياكل التي وُجدت تحت التراب توحي بأن بعض أفراد جيش الإمبراطور كانوا من أصول أوربّية. ترى هل اخبر اليونانيّون القدامى الصينيين كيف ينحتون الأشخاص والخيول بشكل رائع كما فعل المثّال فيدياس عندما نحت البارثينون الأثينيّ في القرن الخامس قبل الميلاد؟
لا أحد يملك إجابة قاطعة عن هذا السؤال. وربّما كان من الأجدى الانتظار إلى أن يُكتشف المزيد من أسرار هذا المكان المدهش والغامض.
الغريب أن المزارعين الذين اكتشفوا الضريح لم يجنوا من وراء اكتشافه شيئا. فلأسباب سياحية، تمّت مصادرة أرضهم. وفي عام 1997 شنق احدهم نفسه بسبب الفقر والمرض، بينما مات آخران بسبب البطالة وظروف المعيشة الصعبة. أما الاثنان اللذان ما زالا على قيد الحياة فيقولان إن الاكتشاف لم يجلب لهم سوى اللعنة ويتمنّيان لو أن الضريح والقصر بقيا في مكانهما تحت الأرض وإلى الأبد.
ترى هل كان علينا أن نتوقّع شيئا مختلفا من تشين جن هوان، الملك الشابّ والديناميكيّ، الذي - رغم عنفه وشدّة بطشه - وحّد الصين وأسّس إمبراطورية شاسعة وفرض نظاما موحّدا للكتابة والنقد والأوزان وشيّد قنوات وطرقاً وحمى حدوده الشمالية ببناء سور الصين العظيم؟
صحيح انه لم يستطع أن يحكم إلى الأبد. لكنّه سيظلّ إمبراطورا حتى نهاية الزمان بمشاريعه وانجازاته الكثيرة وبشخصيّته الغريبة الأطوار.
جيش التماثيل الذي صنعه لوحظ انه ينظر إلى جهة الشرق، إي إلى الجهة التي يسهل على أيّ عدوّ أن ينفذ منها إلى الضريح والقصر. ومع ذلك فإن هذا الجيش لم يخض معركة، كما أن قائده لم يهزم الموت ولم ينجح في حكم العالم، بل بقي الجميع مدفونين ومنسيّين تحت الأرض لأكثر من ألفي عام.
وقصّة هذا الإمبراطور وجيشه الساكن والمتجمّد في الزمن مع خدمهم وأسلحتهم وعرباتهم هي في الواقع شهادة صامتة على محدودية قدرة الإنسان وعجزه.
لكن البحث عن سرّ الحياة الدائمة لم ينتهِ بموت تشين. فأباطرة الصين الذين أتوا بعده بدءوا عملهم من حيث انتهى.
وفي القرن التاسع الميلادي، كان رهبان صينيّون يعملون على اكتشاف وصفة ناجعة للخلود عندما اكتشفوا البارود فجأة وبالصدفة. والمفارقة هي أن "الوصفة" التي اكتشفوها ستصبح أساسا للتكنولوجيا التي ستجلب الموت الفوريّ والمفاجئ لمئات الملايين من البشر على مرّ القرون التالية.

Credits
bbc.com