:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, September 04, 2010

بالتوس: حكاية القطّ الغامض


"انه موجود". كان هذا هو أوّل إخبار عنه. ومن كتبه كان الشاعر الألماني راينر ماريا ريلكا. كتب ريلكا هذا كما لو أن هناك مجالا للشكّ حول حقيقة وجوده، أو كما لو أن على المرء أن يتخذ كافّة الاحتياطات اللازمة كي يتجنّب الاشتباه بأنه قد يكون مجرّد شخصية وهمية.
بطريقة ما، كان إنسانا محترسا. ظهوره كان محسوبا ومنظّما وفي مناطق مبهمة. ريلكا قال عن هذا الصبيّ أنه سيصبح فنّانا موهوبا وربّما عبقريا، وأنه سيعمد إلى إحاطة نفسه بظلال من الغموض.
ولد بالتوس في العام 1908 في وسط أوروبّا القديمة وأصبح واحدا من مخلوقاتها الأكثر تميّزا. ومات كما يليق بوضعه الاجتماعي: في منزل ارستقراطي على جانب أحد المنحدرات القريبة من جبال الألب السويسرية عام 2001م.
كان بالتوس يستمتع بترويج الشكوك والأساطير عن شخصه. كان يفضّل أن يصف نفسه على انه قط متوحّش يعدو على الحدود بين العوالم المظلمة ثم يتحوّل في الليل إلى حيوان مفترس في قلعة.
وكان قد نصّب نفسه "ملكا للقطط"، وهو أيضا اسم البورتريه الوحيد الذي رسمه لنفسه. وفيه يظهر على هيئة مخلوق مدلّل ومتجبّر من الطبقة الأرستقراطية القديمة التي لا تقاوم.
القطّ ، بطبيعة الحال، كان دائما حيوانا تاريخيا بالنسبة لهذا الأمير. إنها حكاية القطّ الغامض والمغري الذي يظهر من المجهول ويختفي في العدم. وهو مخلوق يمكن للمرء أن يتذكّره كشبح يظهر في حلم حسّي بعد ظهيرة يوم أحد.
كان بالتوس كثيرا ما يُنتقد لكونه رسّاما للمراهقات. وكثيرا ما يظهرن في رسوماته وهن يحلمن أحلام يقظة أو في أوضاع عرضة للشبهة. وكان يدافع عن مواضيع لوحاته بالقول أنها تعبير عن النقاء وليس الجنس.
في لوحته الأيّام الذهبيّة، يرسم فتاة ممدّدة على أريكة وتمسك بيدها مرآة. وفي طرف الغرفة مدفأة بها نار مشتعلة. وأمام المدفأة يظهر رجل بلا قميص وهو يعالج النار . ترى ما الذي يمكن أن يخطر بذهن الناظر وهو يشاهد مثل هذه الصورة؟!
هذه اللوحة قد تكون ترجمة بالتوس للوحتي تيشيان فينوس مع مرآة وفينوس اوربينو. ومن الواضح أنه تأثّر بالرسّامين الأوائل. وهذه اللوحة هي تمثيل حديث لموضوع قديم في الرسم، هو شكل الأنثى. وقد رسم بالتوس موديله وهي ترتدي ملابس لإدراكه أن تفاصيل اللوحة بهذا الشكل تحمل من الإيحاءات والتهويمات ما يكفي وما يغني عن العري.
طبعا كان لـ بالتوس وجود. كان سيّد عدد من القلاع في فرنسا وسويسرا. وكان يزعم انه يمتلك لقبا ارستقراطيا أوربّيا قديما: الكونت بالتاسار كلوزوفسكي دي رولا، وأن لديه أقارب في المرتفعات الاسكتلندية، وانه يرتبط بعلاقة قربى ودم مع اللورد بايرون ذي الجمال البطولي.
كان يعرف كيف يمرّر نفسه وكأنه من عالم آخر. وقد صنع أوّل ظهور له مثل هيثكليف الخليع في مرتفعات ويذرنغ ومثل أيّ ساموراي ياباني.
ومن مكان إقامته في القلعة الجبلية، كان يقدّم نفسه للزائر المندهش مثل ديناصور من العوالم المفقودة.
لوحته "الأيّام الذهبية" تسلّلت بقدرة قادر إلى الثقافة الحديثة. الكاتب كريستوفر هوب ألّف رواية استوحاها من أجواء اللوحة. وعارضة الأزياء البريطانية فيكتوريا بيكام ظهرت على غلاف مجلة Allure في وضع مستفزّ مأخوذ مباشرة من هذه اللوحة.

Friday, September 03, 2010

الجِندر في فنّ عصر النهضة

خلال عصر النهضة الإيطالي، كان على المرأة التي تريد أن تصبح مبدعة أن تكون مولودة لعائلة غنيّة. والكثير من نساء ذلك العصر كنّ أمّيات أو لم يتح لهنّ سوى قدر يسير من التعليم. وبناءً عليه، كان الزواج وتأسيس عائلة هو الخيار الوحيد المتاح. وهذا كلّه يبدو متناقضا تماما مع الأسلوب التي تُصوّر به الحياة في عصر النهضة الذي اتّسم بتطوّر الفنون وكثرة الاكتشافات والانجازات التي أعقبت عصور الظلام.
القصّة الحقيقية هي أن الرجال وحدهم هم الذين كانوا يحتكرون الإبداع ويستمتعون بأوقاتهم بأساليب مبتكرة، في حين تُركت النساء في البيوت ليقمن بما يسمّى بالأعمال الوضيعة.
صِيغ مصطلح "رجل النهضة" خلال عصر النهضة الذي امتدّ ما بين عامي 1300 و1500 م. وما يزال هذا المصطلح، أي رجل النهضة، مستخدما إلى اليوم، حيث يُطلق على الشخص المبدع سواءً كان فنّانا أو موسيقيا أو أديبا.
لكن من المهمّ أن نلاحظ أن رجال النهضة، وليس نساء النهضة، هم الذين اعتُبروا فنّانين عظاما وعباقرة مبدعين. وقد قيل إن كبار شخصيات عصر النهضة مثل ليوناردو دافنشي ومايكل انجيلو وكارافاجيو جعلوا من الصعب على نساء ذلك العصر أن يظهرن أو يلمعن. ويبدو انه لم يكن هناك سوى عدد محدود من النساء اللاتي عُرفن جيّدا واشتُهرن في ذلك العصر.
الفنّانات النادرات في ذلك الوقت رسمن نساء عصر النهضة بأسلوب واقعي ومجامل واعتمدن في تصويرهنّ على شخصيّات نسائية قويّة من التاريخ.
لكن نظرة الفنّانين الرجال للنساء في ذلك العصر كانت مختلفة بعض الشيء. كان دور النساء أن يربّين الأطفال ويحافظن على البيوت ويخدمن كزوجات صالحات. كانت العائلة وحدة مهمّة في المجتمع الايطالي وكان نظام الطبقات العائلي صارما ومطبّقا بحذافيره.
وكان فنّانو عصر النهضة يصوّرون دور النساء بطريقة غريبة ومثيرة للاهتمام في لوحاتهم. ورغم انه كان يُنظر إلى النساء كربّات بيوت في المقام الأوّل، إلا انه كان من النادر أن يُرسمن في بيئات منزلية. في الغالب كنّ يُرسمن كشخصيات دينية في بورتريهات الطبقة الرفيعة، وكنساء عاريات وعلى شيء من الحسّية بالنسبة لعامّة الناس. هذه الصور كانت تقريبا النقيض الكامل لدورهنّ في الحياة اليومية. وهذه الجزئية يمكن أن تقول لنا شيئا عن سيكولوجيا فنّاني عصر النهضة من الرجال. ويُحتمل أن تمثيل النساء بتلك الطريقة كان إسقاطا لما كان الرجال يريدون عليه نساء النهضة. كما يمكن أن يكون ذلك تمرّدا غير واع ضدّ طبيعة المجتمع آنذاك.
وأيّا يكن السبب، فإن الرسومات التي تصوّر نساءً في عصر النهضة مهمّة لدراسة المرأة في الفنّ. فهي تكشف عن أسلوب حياة الناس في ذلك العصر وكيف كان يُنظر إلى النساء وقتها.
عندما كتب البيرتي احد رجالات عصر النهضة الأوائل عن الفنّ في عصر النهضة الايطالية، تحدّث عن الرسم بوصفه شكلا مثاليا. كان الرسم طريقة ثانية للنظر إلى العالم. وبالتالي فإننا كمتلقّين نرى العالم من خلال عين الرسّام. كانت لوحات عصر النهضة تركّز على الأشخاص. لذا فإن علينا الآن أن نرى كيف كان الرسّامون من الرجال ينظرون إلى المجتمع، وبطريقة أكثر تحديدا إلى النساء. وفي هذا الإطار، يحسن أن ننظر إلى ماريّات ومادونات دافنشي وعاريات تيشيان المسترخيات. هذان الاثنان كانا أشهر رسّامي عصر النهضة. وقد رسما المرأة بشكل متناقض. ولوحاتهما تشي بطبيعة نظرة كلّ منهما إلى النساء في عصرهما.
لوحات دافنشي هي عبارة عن سلسلة من البورتريهات والمشاهد الدينية. ورسوماته عن النساء مثيرة ومتفرّدة جدّا. في كرّاس ملاحظاته المشهور، بوسع الناظر أن يتخيّل التمارين المضنية والجهد الجبّار الذي كان يبذله دافنشي لإتقان رسم وجوه النساء ورؤوسهنّ وشعورهنّ. شخصيّات ليوناردو الدينية أنثوية جدّا وجميلة كثيرا، بينما لوحاته عن النساء الموسرات صلبة ومتكلّفة.
في لوحته البشارة يرسم ليوناردو العذراء بشعر طويل وأصابع رفيعة وصدر ضخم ووجه مغرٍ وجذّاب. ملابسها منسدلة بطريقة جميلة وملامحها بديعة وتروق للعين.
في لوحته الأخرى وجه العذراء "فوق"، نرى امرأة شابّة وجميلة بملامح ناعمة وشعر مجعّد وطويل وربطة رأس مزخرفة. عينا المرأة في اللوحة مسبلتان ورأسها محنيّ إلى أسفل. هذه لوحة رائعة ولا شكّ، كما أنها إحدى اللوحات التي تريد كثير من النساء أن يظهرن على منوالها. مادونات ليوناردو هنّ دائما بريئات، وجوههنّ تشبه وجوه الأطفال، وملامحهنّ بالغة الهشاشة والدقّة، وهنّ ولا شكّ يجذبن الناظر ببراءتهنّ وجمالهنّ.

غير أن بورتريهات دافنشي التي رسمها لنساء "دنيويات" تقول لنا شيئا مختلفا. هناك مثلا اثنان من أشهر بورتريهاته: الأوّل بورتريه جينيفرا دي بينشي والثاني بورتريه سيسيليا غاليراني. عند مقارنة المرأتين في هذين البورتريهين بالنساء في لوحاته الدينية، فإنهما تبدوان صارمتين ولا يتوفّران سوى على القليل من الملامح الأنثوية. ومن الواضح أن ملامحهما أكثر صرامة وقسوة، ونظراتهما متجهّمة إلى حدّ ما، وصدراهما منحنيان لأسفل، وشعرهما مربوط للوراء بطريقة غريبة وغير طبيعية.
وقد يظنّ البعض أن هذين البورتريهين رُسما بهذه الطريقة بناءً على رغبة من كلّفاه برسمهما. غير أنهما، بطريقة ما، يوفّران دليلا على الكيفية التي كان يُنظر بها إلى نساء الطبقات الاجتماعية الرفيعة. فهنّ غالبا صارمات وغير ودودات ويفتقرن لروح المرح.
المثال الأخير عن بورتريهات دافنشي هو تحفته الموناليزا. هذه المرأة تظهر في اللوحة وهي تحدّق إلى الناظر بينما ترتسم على وجهها تلك الابتسامة المشهورة والمحيّرة. هي أيضا تبدو صارمة، وإن بطريقة مختلفة. عيناها تدعوان الناظر للدخول إلى عالمها. ربّما تقدّم الموناليزا مثالا أكثر دقّة عن أسلوب تمثيل المرأة في عصر النهضة.
وبالنظر إلى أننا نعرف أن هؤلاء النساء كنّ موجودات وحقيقيات، فإن مقارنتهنّ بأسلوب رسم ليوناردو للعذراء تبدو مسألة مثيرة للاهتمام. إذ تظلّ الأخيرة شخصيّة لا يمكن لإنسان أن يزعم انه رآها في الواقع.
رسومات ليوناردو المختلفة والمتباينة للنساء توفّر صورة مشوّشة ومربكة عن طبيعة نظرة المجتمع للنساء في عصر النهضة. لكنّ تلك الرسومات تقدّم بعض الأدلة والاستنتاجات.
يقول ديفيد براون في مقال له بعنوان "الفضيلة والجمال: بورتريهات النساء في عصر النهضة": إن تلك اللوحات هي في الغالب انعكاس للمكانة الاجتماعية للمرأة ولطبيعة الأدوار المناطة بها كأمّ وزوجة. إن الكثير من فنّاني ذلك العصر رسموا النساء كفكرة اجتماعية عن المرأة المثالية. وكان من المهم إظهار المرأة بشخصية طيّبة وبما ينسجم مع الطبقة التي تنتمي إليها.
كان رجل النهضة سفيرا للجمال. وليس من المفاجئ أن هذا تحقّق من خلال رسم النساء، بصرف النظر عن درجة الواقع في ذلك.
وهذا يقودنا إلى الحديث عن لوحات تيشيان العارية والنقيضة للوحات ليوناردو.
في محاولته لتصوير نساء النهضة، ذهب تيشيان في طريق مختلف وركّز على المرأة كجسد عار. تقول رينا غوفين في مقال لها بعنوان "أحلام عصر النهضة" أن تيشيان كان يعرف قوّة الجنس والمرأة العارية. وقد استخدم هذه المعرفة لإغراء طبقة النبلاء التي كان أفرادها يستمتعون بالنظر إلى العاريات كي يكلّفوه برسم لوحات مماثلة. وكان يتمنّى أن ينظر المتفرّج إلى لوحاته كمناظر ايروتيكية. وهذا ليس بالأمر المفاجئ في ذلك العصر. ورغم ذلك فإن من الصعب تجاهل تأثير رسومات تيشيان.
في إحدى لوحاته الأخرى بعنوان داناي، يرسم تيشيان امرأة عارية ومستلقية بينما تكشف عن صدرها بالكامل. وهي لا تنظر إلى المتفرّج بل يظهر رأسها مرفوعا لأعلى وهي تحدّق بطريقة حالمة في الغيوم التي تراها من شرفة غرفتها. هذا مثال آخر للكيفية التي كان يرسم بها تيشيان النساء. كان بارعا في تصوير الجسد الأنثوي ولم يكن عنده تحفّظات ليرسمهنّ بالطريقة التي يريدها. هذا على الرغم من انه يصعب التأكّد ممّا إذا كانت تلك هي الطريقة التي كانت نساء النهضة يردن الظهور بها أمام الرجال.
وأخيرا لنلقِ نظرة على الفنّانات من النساء في ذلك العصر. أشهر هؤلاء هي الرسّامة سوفونيزبا ويسولا. كانت إحدى الرسّامات القليلات اللاتي كان آباؤهن يعتقدون بأن النساء ينبغي أن يتعلّمن. بل يقال انه أرسل إحدى لوحاتها إلى مايكل انجيلو. كانت معروفة ببورتريهاتها التي رسمتها لنفسها. وقد نجحت في ذلك لأنها كانت واعية بصورتها كنموذج لانجازات النساء.
في إحدى لوحاتها ترسم الفنّانة نفسها وهي تُرسم على يد رجل هو الرسّام برناردينو كامبي. كانت تلك فكرة غريبة لم تحدث من قبل. ويسولا أكثر حيوية وواقعية من كامبي الذي كان مدرّسها في الرسم. وهي أوّل رسّامة امرأة تتناول مسألة العلاقة بين فنّان رجل وفنّانة امرأة. وهناك بورتريه شخصي آخر لها تبدو فيه جالسة أمام ما يبدو وكأنه العذراء وابنها. ومع ذلك فـ ويسولا هي التي لا تستطيع أن تحوّل عينيك عنها. وجهها تعلوه تعابير حزينة وهي تحدّق مباشرة في الناظر، تماما مثل عاريات تيشيان. لكنها محتشمة بالكامل وكأنها تطلب من المتفرّج أن ينظر إلى العمل الفنّي الذي تنجزه وليس إلى جسدها العاري.
إن النظر إلى الطريقة التي رُسمت بها النساء في عصر النهضة يعطينا عدّة أدلّة مثيرة عن قصّة الحياة في ذلك العصر وكيف كان المجتمع ينظر إلى النساء وقتها. وسواءً كنّ ربّات بيوت أو شخصيات دينية أو نساءً عاريات، فإن كلّ تصوير يوفر أدلّة عن طبيعة الحياة آنذاك.
عصر النهضة شهد ظهور أشهر الرسّامين وأعظم التحف الفنّية التي لا نظير لها في جميع العصور. لذا فإن صور النساء في تلك الأعمال يمكن اعتبارها جزءاً لا يتجزّأ من تاريخ النساء إجمالا. "مترجم"



Tuesday, August 31, 2010

الحوار المذهبي

المستقلّة قناة لا مثيل لها بين القنوات الفضائية. على هذه القناة فقط، يمكنك أن ترى بعض المتحاورين وهم يتصلون بجوّالاتهم ويتلقّون اتصالات ورسائل من معارفهم وأصدقائهم على الهواء مباشرة. وأحيانا يبلغ التبسّط والعفوية مداهما عندما يخبر احد ضيوف القناة زملاءه الآخرين، وهو يبتسم، عن تفاصيل المكالمة أو الرسالة التي تلقاها للتوّ.
وعلى هذه القناة فقط، يمكنك أن ترى المذيع وهو يترك كرسيّه فجأة ويتّجه نحو الزاوية البعيدة عن الكاميرا كي يتحدّث إلى المخرج أو يطلب من المصوّر وقف التصوير. وعلى المستقلة فقط، تتحوّل الحوارات إلى اتهامات وصياح وصخب وشوشرة وأشياء لا يمكن أن تخطر على البال. وعلى هذه القناة فقط، يمكنك أن ترى المتحاورين في أوقات صفوهم وهدوئهم وهم يتناولون العنب والفاكهة بينما يناقشون الأمور الدينية والمذهبية.
المستقلّة قناة فريدة بين القنوات من حيث أنها لا تهتمّ كثيرا بالقواعد المهنية التي تلتزم بها غيرها من القنوات الفضائية. فكلّ شيء وارد وممكن "والبساط أحمدي" كما يقال، والحوارات تأتي من القلب لتدخل القلب على حدّ تعبير صاحبها الدكتور محمد الهاشمي الحامدي.
وقد وجدت نفسي مرغما على متابعة جانب من الحوارات المذهبية التي تبثّها المستقلة هذه الأيّام. ومن خلال ما شاهدته تأكّد لي مرّة أخرى عبثية مثل هذه النقاشات ولا جدواها. فكلّ فريق يدّعي أن الحقّ معه وحده وانه أكثر اعتدالا من الآخرين. بينما الجميع، بمن فيهم مقدّم البرنامج نفسه، متعصّبون ولا يهمّهم إلا أن تزداد حظوتهم ومكانتهم في أوساط طوائفهم ورعاتهم وداعميهم.
الشخص الوحيد الذي يمكن وصفه بالاعتدال والعقلانية في حوارات المستقلّة هذا العام هو السيّد علي الأمين. وممّا يُحسب له انه أظهر جرأة منقطعة النظير عندما جاهر بأفكاره التي خالف فيها قناعات الوسط الشيعي الذي ينتمي إليه. وقد فعل هذا وهو يعلم مسبقا أن مواقفه يمكن أن تكلّفه الكثير وتفقده بعضا من مكانته داخل طائفته.
غير أن المشكلة هي أن تسامح هذا الرجل وواقعيته واعتداله استُغلّ استغلالا سيّئا بحيث صُوّر في البرنامج وكأنه منشقّ على جماعته. وبعض من امتدحوه على الطرف الآخر إنما فعلوا ذلك لاعتقادهم انه انتقل فعلا إلى معسكرهم وأصبح محسوبا عليهم. والبعض الآخر تعاملوا مع كلامه ومواقفه على طريقة "وشهد شاهد من أهلها". وفي ابسط الأحوال، قد ينظر البعض إلى ما قاله على انه من قبيل المجاملة أو التقية.
السيّد الأمين ينطبق عليه المثل اللبناني الذي يقول "لا مع سيدي بخير ولا مع ستّي بخير". فآراؤه المعتدلة جلبت عليه غضب بعض أتباعه، وفي نفس الوقت لم تكسبه الرضا الكامل للطرف السنّي، والسلفي تحديدا. فقد سمعت اتصالا من شيخ سلفي شكر فيه السيّد الأمين على آرائه المعتدلة، لكنّه ذكّر المتحاورين بأن الأمين ما يزال رغم ما قاله متمسّكا بالمذهب الإثني عشري وأنه لهذا السبب لا يجوز وصفه بالمنقذ أو المخلّص.
هذا التعليق البليغ يلخّص نظرة المتشدّدين من كلا الفرقتين لمفهوم الحوار ووظيفته. فرضاهم عن الآخر المختلف مشروط بتخلّيه النهائي والناجز عن أفكاره وتبنّي قناعاتهم ومواقفهم بالكامل ودون قيد أو شرط.
في هذه الحوارات سمع الناس أشياءً عجيبة ومتناقضة. الشيخ البحريني حسن الحسيني، مثلا، دعا الجمهور السنّي إلى ألا يمارسوا تمييزا ضدّ إخوانهم الشيعة في الجامعات والمدارس وأماكن العمل وأن يحرصوا على أن يعاملوهم بالعدل والإنصاف. لكنه بعد لحظات من هذا الكلام العظيم استلّ من كنانته بضع صفحات من كتب قديمة وقرأ منها استشهادات وأقوالا مستفزّة منسوبة لبعض مشايخ الشيعة القدامى.
الحسيني، خرّيج جامعة الإمام، بدا موقفه غريبا ومتناقضا. فهو من ناحية يدعو إلى الأخوّة ونبذ الكراهية، لكنه في نفس الوقت لا يتردّد عن إثارة مشاعر العوامّ عندما يستشهد بكلام الكتب الصفراء التي لا تعمل إلا على تعميق الخصومة وتأجيج الأحقاد والكراهية.
وقد تذكّرت لا إراديا ما كتبه الدكتور فؤاد زكريا عن ظاهرة التعصّب وسمات المتعصّبين عندما قال إن التعصّب ليس موقفا تختاره بنفسك، بل موقف تجد نفسك فيه. كما أن المتعصّب لا يحسّ بنفسه إلا من حيث هو جزء من جماعته الخاصّة. ولو كان يؤكّد نفسه بوصفه فردا له شخصيّته المميّزة لما أصبح متعصّبا". وهذا الكلام طبعا ينطبق على الحسيني وعلى سواه.
المتحاورون ناقشوا أيضا قضايا أخرى مختلفة. تحدّثوا مثلا عمّا أسموه بالولاية التكوينية. وتأكّد لي انطباع قديم بأن الفقهاء شطّار في صياغة مثل هذه المصطلحات الفخمة والغريبة. العالم وصل إلى ابعد نقطة في الكون ونحن ما نزال نناقش الولاية التكوينية!
ثم انتقل السجال إلى عصمة الأئمّة وما يقال عن علمهم للغيب. ولم يخفّف من سخونة النقاش سوى بعض التخاريف الطريفة التي رواها الشيخ عبدالحميد المهاجر والتي يستعصي على العقل تصديقها أو التسليم بها.
غير أن إصرار الهاشمي الحامدي على إعادة بثّ فيديو المهاجر على جمهور المشاهدين كان تصرّفا غير مهني بل وغير مسئول. فالانترنت مليئة بمثل هذه التسجيلات الشاطحة وكلّ طرف عنده منها خير كثير.
في كلّ مرّة أشاهد مثل هذه الحوارات المضحكة أتخيّل جيوشا جرّارة ممّن يسمّون بالمشايخة و"طلبة العلم" وهم يمارسون خلف الكواليس عمليات تحشيد وتعبئة للأتباع والمؤيّدين وتوزيع للأدوار في ما بينهم. وما يحدث يشبه، بلا مبالغة، عمليات الإسناد والدعم اللوجستي التي تباشرها الجيوش في أوقات الحروب والصراعات المسلّحة. وبعض هؤلاء يعتقدون أن مهمّتهم الأسمى في هذه الحياة هي النبش في الكتب المتربة والمهترئة بحثا عن كلّ ما يمكن أن يدين الخصوم ويكبتهم ويبطل حججهم. وفي عرف هؤلاء، لا بأس أن يضحّي الإنسان بصحّته وراحته ما دام الله قد اختاره واصطفاه دونا عن العالمين لمثل هذه المهمّة السامية والجليلة!
لست ممّن يهتمّون بمتابعة السجالات المذهبية التي تعرضها هذه القناة وغيرها من الفضائيات. يخيّل إليّ أن انشغال الإنسان بمثل هذه الأمور يدلّ على ضحالة الفكر وتقاصر الهمّة. وقد تكوّنت لديّ قناعة بأن مثل هذه الحوارات لا تفيد، بل إن ضررها أحيانا أكثر من نفعها. كما أصبحت مقتنعا بأن التقريب بين هذه المذاهب المتناحرة والمتخاصمة دوما أمر لا يمكن بلوغه أو تحقيقه. بل إن التقريب في حدّ ذاته غير مطلوب وغير ضروري. وأفضل منه أن يحترم أتباع كلّ مذهب أصحاب المذاهب الأخرى وأن يقتنع الجميع بأن "كل من على دينه الله يعينه"، أي أن كلّ إنسان يتحمّل ثواب أو وزر ما يؤمن به أو ما يفعله والله في النهاية هو الذي يتولّى الناس ويحكم بينهم بالحقّ.
عندما تتوفّر هذه القناعة وتتكرّس في عقول وضمائر الناس، فإنهم يصبحون أكثر إنسانية واستنارة وتسامحا. وبالتالي تتقلّص مساحة الخلاف وينصرف الناس لحلّ مشاكل الواقع الأكثر إلحاحا وأهمّية.