:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, February 25, 2012

موناليزا الأخرى

على الرغم من وفاته قبل ما يقرب من خمسمائة عام، إلا أن ليوناردو دافنشي (1452-1519) ما يزال قادرا على أن يفاجئ الناس ويدهشهم.
فبعد معرضه الأخير والمثير في الناشيونال غاليري بـ لندن، وبعد الإعلان عن لوحة أخرى له اكتُشفت حديثا هي بورتريه سلفاتور موندي أو منقذ العالم، يأتي الكشف عن نسخة أخرى من الموناليزا في مدريد ليسلّط المزيد من الضوء على الرسّام وعلى اللوحة التي تُعتبر الأكثر شهرة في العالم.
من المستحيل أن نعرف كيف كانت تبدو الموناليزا عندما أتمّ ليوناردو دافنشي رسمها في بدايات القرن السادس عشر. لكنّ نسخا متعدّدة من اللوحة، رُسمت في فترات مختلفة ما بين زمن ليوناردو وعصرنا الحاضر، تعطينا فكرة ما عن شكل اللوحة الأصلي.
وهناك الآن العشرات من النماذج المقلّدة من الموناليزا من القرنين السادس عشر والسابع عشر. في ذلك الوقت، كانت محاكاة الأعمال الفنّية المشهورة تجارة مزدهرة.
متحف برادو الاسباني في مدريد يعرض هذه الأيّام ما يعتقد الخبراء أنه نسخة من لوحة الموناليزا رسمها أحد تلاميذ دافنشي في نفس الغرفة وفي نفس الوقت الذي كان فيه المعلّم يرسم اللوحة الأصلية.
الاكتشاف الجديد اعتبره البعض معجزة وتطوّرا مهمّا في تاريخ الرسم يُنتظر أن يغيّر إلى الأبد الطريقة التي ينظر بها الناس إلى اللوحة المشهورة.
وهناك الآن نظريتان تبحثان في أسباب وظروف رسم اللوحة. النظرية الأولى تقول إن احد تلاميذ ليوناردو أراد أن يتعلّم كيف يرسم بورتريها عن طريق اختلاس النظر من فوق كتف معلّمه ومتابعة ما يفعله خطوة بخطوة. غير أن الحجّة التي تنقض هذه النظرية هي أن تلميذا لن يوظّف في اللوحة موادّ وتقنيات باهظة الثمن، مثل داعم اللوحة المصنوع من خشب الجوز والأصباغ الزرقاء واللازوردية المستخدمة في نسخة متحف برادو. الجودة العالية للمواد المستخدمة في هذه النسخة توحي بأنها قد تكون رُسمت بتكليف من شخص ما.
والنظرية الثانية تقول إن نسخة برادو مرسومة في استوديو، وأن ليوناردو كان ينوي بيعها لزبون آخر في نفس الوقت الذي كان يزمع فيه بيع اللوحة الأصل.
غير أن هناك نظرية أخرى مثيرة للاهتمام تقول إن النسخة كانت ثمرة جهد جماعي لعدد من الأشخاص وليس شخصا واحدا أو حتى اثنين.
الباحث البريطاني المشهور والمتخصّص في حياة وأعمال دافنشي مارتن كيمب يعتقد أن رسّامَين اثنين على الأقلّ هما من رسما النسخة أثناء ملاحظتهما اللصيقة لمعلّمهما. ويضيف إن تفاصيل الشعر واللباس تعتمد على الملاحظة الدقيقة لـ ليوناردو وتنمّ عن محاكاة أمينة لعمله. كما أن الطريقة التي رُسمت بها الطبيعة في الخلفية توحي بأنها من عمل رسّام آخر غير الذي رسم الوجه والرأس.
احد النقّاد تحدّث عن جزئية الحاجبين الواضحين للعيان في نسخة برادو والمفقودين في اللوحة الأصل الموجودة في متحف اللوفر، فأشار إلى أن اللوحة الأصلية هي تصوير دقيق للمرأة وأن دافنشي اغفل رسم الحاجبين لأن الحواجب المنتوفة كانت موضة سائدة في ذلك الوقت. غير أن هذا الرأي لا يدعمه الواقع. فقد اثبت فحص اجري على الموناليزا الأصلية منذ سنوات باستخدام التكنولوجيا المتطوّرة وجود آثار للحاجبين في اللوحة وأنهما اختفيا ببطء وعلى مرّ قرون بسبب التقنية الهشّة التي وظّفها دافنشي في اللوحة.


لا بدّ وأن ليوناردو ومساعده المجهول كانا يعملان جنبا إلى جنب في نفس المكان. ورغم أنهما بدءا العمل عام 1503، إلا أن اللوحتين لم تكتملا حتى عام 1506، وربّما بعد ذلك بسنوات. كانت التغييرات الطفيفة التي أضافها ليوناردو إلى اللوحة الأصلية هي التي حوّلتها إلى تحفة فنّية خالدة.
المنظر الطبيعي في نسخة برادو قريب جدّا من تصميم ليوناردو، على الرغم من وجود بعض الاختلافات. كما أن أبعاد لوحتي اللوفر وبرادو متشابهة إلى حدّ كبير.
نسخة متحف برادو من الموناليزا كانت ضمن مقتنيات المتحف منذ افتتاحه عام 1819م. كما أن اللوحة جزء من مجموعة الأعمال الفنّية الاسبانية منذ مئات السنين. وقد سبق لـ برادو أن عرض اللوحة من قبل، لكنها لم تثر سوى القليل من الاهتمام وقتها. ورجّح الكثيرون أن يكون سبب ذلك يعود إلى أن طبقة كثيفة من الطلاء الداكن كانت تحجب المنظر الطبيعي في خلفية اللوحة. ويقال إن الطلاء الأسود الذي يحجب المنظر الطبيعي في الخلفية أضيف للوحة في أواخر القرن الثامن عشر. وحتى وقت قريب، لم يكن لدى احد أيّ فكرة عمّا يمكن أن يكون مخبّأ تحته.
لكن في الحادي والعشرين من فبراير الماضي، أعلن برادو عن نيّته طرح اللوحة مجدّدا أمام الجمهور بعد استكمال بعض عمليات الترميم التي كانت تخضع لها من قبل خبراء ومتخصّصين في متحفي برادو واللوفر. وتمّ انجاز الشكل النهائي للوحة في الأسابيع القليلة الماضية. كما وضعت بعض اللمسات النهائية عليها، كالتعويض عن خسارة اللون في بعض المساحات الصغيرة وإعادة مزج الألوان.
وعندما انتهت عملية الترميم أصبحت اللوحة اقرب إلى الشكل الذي غادرت به محترف ليوناردو قبل أكثر من خمسة قرون. كما أنها تعطينا انطباعا أفضل عن المظهر المبكّر للوحة اللوفر الأصلية والمغطّاة بطبقات من الطلاء الداكن اللون.
يقول مسئولو متحف برادو إن اللوحة ستُنقل في منتصف مارس القادم إلى متحف اللوفر لتكون جزءا من معرض يقام هناك لتحفة ليوناردو الأخيرة القدّيسة آن. وبعد أن تعود اللوحة من باريس ستُعلّق جنبا إلى جنب مع غيرها من الأعمال الإيطالية المبكّرة التي بحوزة برادو.
المتحف الاسباني يقول إن نسخته من الموناليزا تكشف عن تفاصيل وخطوط لم تعد واضحة في اللوحة الأصل. فبعد إزالة الطلاء من الوجه، ظهر جزء من الوشاح وجدائل الشعر، ما جعل المرأة تبدو أكثر إشراقا وشبابا مقارنة بهيئتها في نسخة اللوفر المغطّاة بطلاء متشقّق ومظلم.
وفي لوحة برادو تظهر بوضوح تلك الصبغات الوردية واللؤلؤية التي تحدّث عنها مؤرّخ القرن السادس عشر جورجيو فاساري. بل ويمكن أيضا رؤية الحاجبين الدقيقين اللذين حظيا بمديح خاص من المؤرّخ الايطالي.
يشير فاساري في كتابه إلى أن ليوناردو، أثناء رسمه لـ ليزا جيرارديني، وهذا هو اسم المرأة الأصلي، كان يجلب لها باستمرار موسيقيين ومغنّين ومهرّجين ليبعد عنها الكآبة ولكي تبدو بمزاج مسترخ، ما يفسّر سرّ ابتسامتها الساحرة.
الاكتشاف الجديد من المرجّح أن يؤجّج الجدل الدائر حول ما إذا كان يجب إخضاع اللوحة الأصل في اللوفر لمزيد من عمليات الترميم والاستعادة، أو أن تترك على حالها بالنظر إلى أن هشاشة اللوحة لا تحتمل عمليات تنظيف وترميم إضافية.

Thursday, February 23, 2012

العظماء والحبّ


يحتاج الأمر إلى حبّ عظيم وعاطفة متوقّدة كي يصبح المرء كاتبا. وفنّ الكتابة كان وما يزال موجودا منذ قرون، وكذلك فنّ كتابة رسائل الحبّ.
كتابة الرسائل الحميمة كانت الطريقة الوحيدة التي كان الكتّاب والشعراء والساسة والفلاسفة في الماضي يعبّرون من خلالها عن مشاعرهم العاطفية تجاه النساء اللاتي كانوا يرتبطون معهنّ بأواصر حبّ.
في كتابها رسائل حبّ كتبها رجال عظماء تستعرض اورسولا دويل بعض رسائل الحبّ التي كتبها عدد من مشاهير الأدب والسياسة والشعر والفلسفة والفنّ من عصور وثقافات مختلفة..

عندما ظهرت رسائل الحبّ لأوّل مرّة لم يكن هناك هواتف خليوية ولا انترنت. كانت الحياة وقتها مختلفة كثيرا عما هي عليه اليوم. كانت الحروب والمسافات الجغرافية تفصل وتباعد بين الناس. ولم يكن هناك سوى إبداع الكلمة المكتوبة وسيلة للتواصل وتأسيس علاقات إنسانية.
هنري الثامن كان شخصية بارزة في التاريخ البريطاني. وقد عُرف بانشقاقه عن الكنيسة الكاثوليكية وتأسيسه كنيسة انجلترا. وهذه الخطوة لم تكن لها دوافع سياسية بقدر ما كانت متأثرة بحبّه الكبير لـ آن بولين. وهي سيّدة شابّة قابلها عام 1526 عندما كان ما يزال مقترنا بزوجته الأولى كاثرين اوف اراغون. ولزم هنري سبع سنوات كي يلغي زواجه من كاثرين ويتوحّد مع حبّه العظيم لـ آن التي رفضت أن تصبح عشيقة وأقنعته في النهاية بالزواج منها.
بعض الرسائل العاطفية التي كتبها هنري إلى آن حُفظت واستنسخت في أكثر من كتاب. هنري، الذي كان أقوى رجل في بريطانيا في القرن السادس عشر، كان يختم رسائله إلى آن بقوله: هذا من يد خادمك وصديقك هـ. ر".
الحبّ وحده هو الذي روّض الرجل الذي سبق وأن تحدّى سلطة البابا.
جورج غوردون بايرون، المعروف باللورد بايرون، كان احد أكثر الشعراء الرومانسيين تأثيرا ونفوذا. وقد عُرف عنه عشقه للنساء بقدر ما كان يهيم بالكلمات. وبعض أشهر الرسائل الملتهبة التي كتبها نُشرت في أكثر من كتاب. وهي تعطي فكرة عن قاموس الحبّ الذي كان يستخدمه الشاعر البريطاني المشهور في مراسلاته. لم يكن بايرون غريبا على حبّ النساء. فقد تزوّج أوّلا من انابيلا ميلبانك التي هجرته بعد ولادة ابنتهما. ثمّ وقع في حبّ تيريزا غويكولي التي أصبحت رفيقته وملهمته على امتداد ستّ سنوات.
من الصعب أن يفكّر الناس في نابليون، أوّل امبراطور فرنسي، كرجل رومانسي. وقد عُرف عنه توسيعه لحدود فرنسا وتأسيس امبراطورية فرنسية قويّة في القرن التاسع عشر. ومع ذلك فإن الرسائل التي كتبها إلى زوجته الأولى جوزيفين دي بوارنيه تثبت أن هذا السياسي الطموح كان أيضا عاشقا كبيرا.
تزوّج نابليون من جوزيفين عام 1796م. ورغم انه طلقها عام 1810 بعد أن فشلت في إنجاب وريث للعرش، إلا أن الاثنين ظلّت تربطهما علاقة حبّ وثيقة. يقول في إحدى رسائله التي كتبها إليها عام 1795م: صحوت ممتلئا بالأفكار عنك. صورتك والليلة المسكرة التي قضيناها معا بالأمس تركت مشاعري في حالة اضطراب. جوزيفين الحلوة التي لا شبيه لها: أيّ تأثير غريب لك على قلبي"؟
نابليون، قاهر أوربّا، ينهي رسالته معترفا بهزيمته أمام الحبّ.
ليو تولستوي كان ولا شكّ احد أعظم الشخصيات الأدبية في القرن التاسع عشر. كانت حياة الروائي الروسي مليئة بالاضطرابات الانفعالية والإيديولوجية. وفي نهايات عمره اعتنق فلسفة متقشّفة ودعا إلى الامتناع التامّ عن متع الحياة. لكنّ من كتبوا سيرة حياة تولستوي يشيرون إلى أن سنواته المبكّرة كانت مليئة بالعواطف. وقبل زواجه من صوفيا اندرييفنا، كان تولستوي مرتبطا لفترة قصيرة بـ فاليريا ارسينيف، وهي امرأة شابّة كانت تعيش بالقرب من ضيعته. ولسنوات عديدة احتلّت فاليريا عقل تولستوي وقلبه. يقول في إحدى رسائله التي كتبها لها عام 1856م: أحبّ فيك جمالك. لكنّي بدأت للتوّ أحبّ فيك ما هو خالد وثمين، أي قلبك وروحك. لا شيء على هذه الأرض يمكن أن يُمنح دون تعب. حتى الحبّ، هذا الشعور الأكثر جمالا وعفوية".

الفيلسوف الألماني يوهان غوته ربطته علاقة عاطفية بامرأة تُدعي شارلوت فون ستين. حدث هذا عندما كان يعيش في فيمار عام 1775م.
وقد كتب لها رسالة في يونيه من عام 1784م. في الرسالة، ليس هناك ما يشي بعلاقة عاطفية. لكن من الواضح من كلماته أنهما كانا منجذبين إلى بعضهما البعض. يقول غوته في رسالته إلى ستين: كلماتي ستُظهر لك كم أنني شخص بسيط. فأنا لا أتناول الطعام في قصر ولا أرى سوى بضعة أشخاص وأمشي لوحدي في بقعة جميلة أتمنّى لو كنت معي فيها. أدرك كم أنني قريب منك، وحضورك لا يفارقني أبدا. حبّك يجعل العالم أكثر صفاءً".
عندما كتب غوته هذه الرسالة كانت شارلوت متزوّجة من رجل آخر ولديها سبعة أطفال. وقد استمرّت علاقتهما اثني عشر عاما قبل أن ينتقل إلى ايطاليا دون أن يخبرها بذلك. كانت تلك المرأة مصدر إلهامه في كتابة اثنتين من رواياته. وبعد عدّة سنوات من ذلك، أي في العام 1808م، كتب غوته أشهر أعماله "فاوست".
وراء كلّ رسالة، هناك قصّة ارتباط إنساني تمسك بلمحات من الحياة وتخلّدها. وإذا كان تاريخ العالم مصنوعا من أحداث، فإن تاريخ الرومانسية هو خيط متّصل ومتوهّج من رسائل الحبّ.
ومن أشهر الكتّاب الذين عاشوا قصص حبّ كبيرة كلّ من سيمون دي بوفوار وبول سارتر، وخليل جبران وميري هيسكل، وهمنغواي وأغنيس فون كوروسكي، وفولتير واوليمب دونوير، ولويس كارول وغيرترود شاتاواي، وجيمس جويس ونورا بارنكل، وبرنارد شو وستيللا كامبل، ومارك توين واوليفيا لانغدون.
بلزاك، الأديب الفرنسي، ربطته علاقة حبّ بكونتيسة بولندية تُدعى ايفيلينا هانسكا. وقد كتب لها ذات مرّة يقول: أكاد اجنّ بك بقدر ما يمكن للإنسان أن يكون مجنونا. لا استطيع جمع فكرتين معا دون أن أجدك بينهما. ولم اعد استطيع التفكير في أيّ شيء آخر سواكِ. اشعر بغبائي وسعادتي معا عندما أفكّر بك، وتغمرني أحلام لذيذة أعيش في بعضها ألف عام".
هناك من الكتّاب من جرّبوا الحبّ من طرف واحد. وهؤلاء كانوا يحاولون نسيان خيباتهم العاطفية، إمّا بكتابة الشعر كما فعل بترارك الشاعر الروماني، أو بالإمعان في الشراب كما كان يفعل همنغواي
الروائي الأمريكي. ربّما هذا الإحساس بالخيبة والمعاناة هو ما جعل منهم كتّابا عظماء.
اليوم وفي عالم السرعة والتقنية المتطوّرة للقرن الحادي والعشرين، فإن كتابة رسالة حبّ أصبحت شيئا من الماضي. لقد تطوّرت التكنولوجيا كثيرا خلال السنوات الأخيرة لدرجة أن الايميل والرسائل النصّية والتغريد في تويتر حلّ بشكل كامل تقريبا محلّ الأسلوب القديم في كتابة رسائل الحبّ.
لكن هذه البدائل الاليكترونية ليس لها نفس التأثير الذي كان لرسائل الحبّ في الماضي، حيث كان بوسع الإنسان أن يحتفظ بتلك القطعة الغامضة من الورق وأن يتلمّسها وحتى أن يشمّها. وبالإضافة إلى ذلك، فإن ضغوط ومشاغل الحياة المعاصرة أصبحت كثيرة جدّا لدرجة أنه يصعب على المحبّين أن يجدوا الوقت الكافي للامساك بالكلمات التي تسعفهم في التعبير عما يكنّونه تجاه بعضهم البعض.
ترى هل هناك من لا يزال يكتب رسائل الحبّ بخطّ يده هذه الأيّام؟
في وقت ما من المستقبل، أي بعد عشرين أو ثلاثين عاما، ربّما ينظر الناس إلى الايميل والرسائل النصّية باعتبارها موضة قديمة عفا عليها الزمن.

Monday, February 20, 2012

خطوط وألوان

خوليو روميرو دي توريس، قارئة الحظ، 1922

كان دي توريس احد أشهر الرسّامين الإسبان في النصف الثاني من القرن العشرين. كان يركّز في لوحاته على رسم النساء الغجريات اللاتي طالما اعتُبرن رمزا للجمال التقليدي الاسباني. أي انه اخذ صورة ذات جذور شعبية وحوّلها إلى لوحات أصبحت تجسّد صورة اسبانيا الريفية والنقيّة.
بعض النقّاد يأخذون على دي توريس الطابع الفولكلوري والرومانسي المفرط للوحاته وترويجه لصورة نمطية عن النساء الاسبانيات وانفصاله عن الاتجاهات الحديثة في الرسم في زمانه.
أعماله المبكّرة ترافقت مع شيوع الأفكار الرمزية والحداثية التي اكتسحت أنحاء واسعة من أوربا خلال العقدين الأوّل والثاني من القرن العشرين.
لكن لا يجب أن ننسى أن أكثر الرسّامين في ذلك الوقت كانوا يتبنّون أساليب تقليدية وزخرفية، لأن ذلك كان يروق للطبقة البورجوازية التي كان أفرادها يرعون الفنون ويدعمون الفنّانين.
في هذه اللوحة بعنوان قارئة الحظ يرسم دي توريس امرأتين شابّتين تجلسان متناظرتين، وهي ثيمة تميّز لوحاته وترمز إلى ثنائية الأشياء.
المرأة إلى اليمين تبدو سعيدة وهي تحاول أن تثير اهتمام المرأة الأخرى بورقة الحظ التي ترفعها أمامها. غير أن الفتاة الأخرى تبدو شاردة الذهن وغارقة في الحزن.
السبب وراء هذا الحزن توحي به خلفية اللوحة التي يظهر فيها رمز ديني وبيوت قديمة ورجل يودّع امرأة.
من الواضح أن اللوحة تحكي عن قصّة معاناة عاطفية وحبّ قديم أو ضائع. ودي توريس يحاول أن يقيم علاقة ما بين مقدّمة اللوحة وما يجري في خلفيّتها كي نفهم المعنى الرمزي للمشهد.



أنديش سورن، تأثيرات الليل، 1859


يُعتبر أنديش زورن (1860-1920) احد أشهر الرسّامين السويديين. وقد حقّق شهرة عالمية في مجال رسم البورتريه بسبب موهبته العالية وتقنياته المبتكرة. وكان يتمتّع بقدرة عالية في الإمساك بجوهر الأشخاص الذين كان يرسمهم. درس سورن في أكاديمية الفنون في استوكهولم. وبعد ذلك تبلور أسلوبه الخاص في التعامل مع الألوان المائية.
ثم بدأ دراسة مظهر الماء والأحوال التي تطرأ على أسطحه من تقلّبات وتموّجات سجّلها في بعض لوحاته.
وفي ما بعد زار مع زوجته "إيما لام" لندن ثم باريس. تشجيع زوجته له وتحليلاتها النقدية للوحاته عاملان لعبا دورا مهمّا في عملية تطوّره الفنّي.
وقد زار الولايات المتحدة سبع مرّات ورسم بورتريهين لرئيسيها غروفر كليفلاند وويليام تافت.
في باريس رسم سورن عددا من اللوحات التي أكسبته مكانا بارزا في عالم الفنّ الباريسي، كما نال عددا من الجوائز والأوسمة.
هذه اللوحة رسمها الفنّان في فرنسا، وفيها يظهر افتتانه بالأضواء ومتع الحياة الليلية. تصوّر اللوحة امرأة باريسية ترتدي فستانا احمر لمّاعا وقبّعة من الفراء وهي تهمّ بمغادرة احد المقاهي الليلية.
توفّي أنديش سورن في أغسطس من عام 1920 في مورا، البلدة التي ولد ونشأ فيها.
وبعد وفاته أسّست زوجته متحفا يخلّد ذكراه ويضمّ بعضا من لوحاته، بينما يستقرّ البعض الآخر في المتحف الوطني للفنّ التشكيلي في استوكهولم.


ايفان كرامسكوي، بورتريه الفيلسوف فلاديمير سولوفيوف، 1885


كان فلاديمير سولوفيوف احد الشخصيات الثقافية الكبيرة في روسيا أواخر القرن التاسع عشر.
كان فيلسوفا وشاعرا وناقدا أدبيا بارزا. من آرائه أن الحكمة والجمال هما تجسيد لوحدة العالم وأن الحكمة الإلهية تتجسّد في كيان اسماه صوفيا.
وقد عمل على المزاوجة بين الأرثوذكسية وبين الأفكار الصوفية الشرقية. واعتبرت بطريركية موسكو بعض كتاباته من قبيل الزندقة.
ارتبط سولوفيوف بعلاقة حميمة مع دستويفسكي رغم اختلافهما حول دور الكنيسة. وقد وظّف دستويفسكي شخصية صديقه الفيلسوف في بعض رواياته.
سولوفيوف كان أيضا صديقا لكل من الرسّامين ايليا ريبين وايفان كرامسكوي. وقد رسم له الأخير هذا البورتريه الذي يصوّره وهو يجلس على كرسي ويمسك بكتاب مع خلفية مظلمة.
في اللوحة يظهر سولوفيوف على جانب من الوسامة والنبل. نظراته متأمّلة وفي عينيه نظرة ساخرة ربّما تنمّ عن حزن أو خيبة أمل. شعره اسود طويل وأنفه جميل التقاطيع وعيناه عميقتان.
الألوان الداكنة في اللوحة مبهرة. الوهج الغريب للأرجواني والأسود ممّا يلفت الاهتمام.
كان كرامسكوي متفرّدا في رسم البورتريه وكان له تأثير كبير على رسّامين روس كثر.
ايليا ريبين قال عن هذه اللوحة إنها أشبه ما تكون بقصيدة عن فنّ البورتريه.
ممّا يُعرف عن فلاديمير سولوفيوف موقفه المعارض لحكم الإعدام ودعوته للعفو عن قتلة الكسندر الثاني، ما دفع السلطة إلى منعه من التدريس.
وقبل وفاته بأربع سنوات أعلن عن تحولّه إلى الكاثوليكية.



إيسوس إيلغيرا، أسطورة البراكين، 1940


دييغو ريفيرا وديفيد الفارو سيكويروس هما أشهر رسّامي المكسيك من الرجال. لكن هناك فنّانا مكسيكيا آخر عُرف برواج لوحاته، وكانت شعبيته في أوساط العامة اكبر من تلك التي لنظيريه الأكثر شهرة.
هذا الرسّام هو إيسوس إيلغيرا. ولد إيلغيرا في المكسيك عام 1910م ودرس الرسم في المكسيك واسبانيا. وأصبحت لوحاته سجلا لتاريخ وأساطير المكسيك وحياة شعبها في أربعينات القرن الماضي. وقد طبعت الحكومة المكسيكية أعماله ووّزعتها على نطاق واسع لأنها تصوّر المكسيك في قالب من العزّة الوطنية.
من أشهر أعمال إيلغيرا لوحته أسطورة البراكين التي تصوّر أسطورة قديمة.
تقول الأسطورة انه عند بداية التاريخ، وبالتحديد عندما وصل الازتيك إلى وادي اتاواك وُلدت لامبراطور المكسيك أميرة جميلة اسمها ميشتلي. في ذلك الوقت لم تكن الجبال قد أخذت بعد شكلها الدائم والنهائي.
عندما أصبحت ميشتلي امرأة، تقدّم العديد من النبلاء لطلب يدها. وكان من بين هؤلاء رجل يُدعي اشوتشو اشتهر بقسوته وتعطّشه للدماء.
لكن الفتاة كانت واقعة في حبّ فلاح بسيط يُدعى بوبوكا. وقد ذهب إلى إحدى المعارك ليكتسب لقب فارس. وكان عليه أن يبارز اشوتشو وينتصر عليه إن أراد أن يظفر بالفتاة.
وذات يوم سمعت ميشتلي أن بوبوكا قُتل في المعركة فقرّرت أن تقتل نفسها بدلا من العيش بدونه. لكنّ الحقيقة هي انه عاد من الحرب منتصرا. وعندما وجدها ميّتة حمل جثمانها إلى الجبال. كان يأمل أن ينجح البرد والثلج في إيقاظها من نومها ومن ثمّ يتزوّجها. وظلّ جاثيا عند قدميها بانتظار أن تصحو. وبقي الاثنان هناك منذ ذلك الوقت. وأصبح جسد ميشتلي بركان اكستاكسيواتل الذي يعني المرأة النائمة. بينما أصبح بوبوكا بركان بوبوكاتيبيتل.
ومنذ ذلك الوقت والبركانان يرتفعان فوق أراضي المكسيك. وانتقلت هذه الأسطورة من جيل إلى جيل وأصبح أهل المكسيك يعرفون اليوم أصل بركانيهم المشهورين.
وقد تمّ استنساخ هذه اللوحة مرّات لا تُحصى وأصبحت ملمحا ثابتا في البيوت والمدارس والمحلات التجارية في المكسيك.
توفّي إيسوس إيلغيرا في ديسمبر من عام 1971م. ويُنظر إليه اليوم باعتباره فنّانا معلّما بينما يعتبر الكثيرون لوحاته أيقونات وطنية.