:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Sunday, December 14, 2008

محطّات

رحيل الفراشات


الرسّام لا يحتاج فقط للمهارة الفنّية وإنما للثقافة وسعة الخيال أيضا. والثقافة لا تتأتّى إلا من خلال القراءة والملاحظة المستمرّة، كما في حالة الرسّام السوريالي الروسي فلاديمير كوش.
يلزمك لفهم صور هذا الرسّام أن تكون على إلمام بالأساطير والفولكلور والأديان. ومن أجمل لوحاته واحدة بعنوان "رحيل السفينة المجنّحة". وهي تصوّر سفينة في وسط البحر تزيّن أشرعتها عدد من الفراشات الملوّنة بينما يقف على الشاطئ بضعة رجال منهمكين في صيد الفراشات.
هذه اللوحة تثير في النفس شعورا بالبهجة والارتياح. فالرسّام يصوّر جمال العالم في عيني الإنسان عندما ينوي الرحيل إلى أماكن بعيدة ونائية. ولن يكتمل فهمك للصورة إلا عندما تفهم دلالة الفراشة في التراث وفي الثقافات العالمية.
فصُوَر الفراشة في اليابان، مثلا، ترتبط بحفلات الزواج وهي كانت مصدر إلهام للعديد من الفنّانين هناك منذ مئات السنين. والفراشات مرتبطة أيضا بأفضل اللحظات في حياة الإنسان.
ومن الأشياء التي قد لا يعرفها الكثيرون أن الفراشات، برغم كونها مخلوقات ضعيفة وسريعة العطب، إلا أنها معروفة بحبّ الترحال. ويقال إن هناك فصيلة منها تستطيع بمساعدة الرياح عبور البحار والمحيطات، وأثناء الرحلة تستريح على أشرعة السفن.
وهذه هي الفكرة التي أراد الرسّام تصويرها في لوحته بهذه الطريقة الجميلة والمعبّرة.

❉ ❉ ❉

بيتهوفن و غوته


يروي بيتهوفن قصّة معبّرة وذات مغزى جمعته مع صديقه الفيلسوف والشاعر غوته.
يقول: ما أروع أن يشعر الإنسان ببعض العظمة والاعتداد بالنفس. بالأمس، وبينما كنّا في طريق عودتنا إلى البيت، قابلنا أفراد العائلة الإمبراطورية في الطريق.
رأيناهم قادمين نحونا من مسافة. وعندما اقتربوا منا سحب غوته يده من يدي لكي يتنحّى عن الطريق. حاولت كلّ ما بوسعي ثنيه وإقناعه بمواصلة السير، لكن دون جدوى.
وبينما أنا أمشي قبالة الجمع، كنت أضغط قبّعتي على رأسي بنزق وأحكم إغلاق أزرار سترتي وأثني يديّ خلف ظهري.
ولاحظت أن الأمراء وكبار الحاشية والأعيان أفسحوا لي جزءا من الطريق. الارشيدوق رودولف رفع قبّعته باتجاهي محيّيا. بينما رفعت الإمبراطورة يدها لي بالسلام.
إذن فهؤلاء الناس العظماء يعرفونني! هكذا حدّثت نفسي.
لكن، كانت لحظة من أغرب اللحظات وأكثرها طرافة عندما رأيت الموكب يمرّ من أمام غوته بهدوء ولا مبالاة. كان ما يزال واقفا هناك إلى جانب الطريق متكوّما على نفسه ونازعا قبّعته وخافضا رأسه إلى الأرض بأقصى ما يستطيع.

❉ ❉ ❉

استراحة موسيقية



❉ ❉ ❉

أسطورة ذات مغزى


حدث هذا منذ زمن بعيد. بعيد جدّا إلى الحدّ الذي يصعب تذكّره.
في بقعة ما من هذه الأرض، كان يعيش شعب بلغ درجة من التطوّر المعرفي والتكنولوجي بحيث استطاع أفراده اكتشاف آلات زمنية وأجهزة استشعار ومراكب فضائية متطوّرة مكّنتهم من التحرّك بحرّية في الفضاء وبلغوا بفضلها أبعد الكواكب والمجرّات.
وفي نهاية الأمر، استطاعوا استنساخ أنفسهم في الزمان والمكان.
في البداية، كان ذلك مثارا لدهشتهم وافتتانهم. غير أنهم سرعان ما بدءوا يشعرون بالضجر ورتابة الحياة، لأنهم أحسّوا بأنه ما من شيء بعد ذلك كان قادرا على إدهاشهم أو مفاجأتهم.
لقد رأوا المستقبل أمام أعينهم ووصلوا إلى ما لا يمكن تخيّله من مظاهر التقدّم وأسباب المعرفة، ولم يعد هناك ثمّة ما يثير مخيّلتهم أو يحفّز فيهم روح التحدّي لاكتشاف أو معرفة المزيد.
لذا قرّروا أن يفعلوا شيئا مختلفا. وقالوا لأنفسهم: لا بدّ لنا من أن نصرف النظر عن كلّ هذه التكنولوجيا ونذهب إلى الكهوف لنعيش فيها حياة بدائية وبسيطة. هناك سنكبر وسنربّي أطفالنا ونعلّمهم مرّة أخرى بعض المهارات والمعارف.
ولكي تكون تجاربهم جديرة بالاهتمام، فقد قرّروا أن يعيشوا في بيئة تتعامل مع المجهول.
من ذلك الشعب انحدرنا نحن. هم أسلافنا بمعنى ما. ونحن الآن في طريقنا لـ "نتذكّر" ما فعلوه.
هذه الأسطورة، على بساطتها، تنطوي على معنى عميق وتتضمّن درسين مهمّين:الأول: أن المعرفة الجزئيّة، لا الكليّة، هي التي تحفّز الإنسان على اكتشاف الخبرات والتجارب وتسمح للحياة بأن تتقدّم وأن ترتقي.
والثاني: أن أصل كلّ المعارف والابتكارات يعود إلى فعل التذكّر نفسه. بمعنى أن تعلّم أو فهم شيء ما لا يأتي من فراغ، وإنّما من تذكّر ذلك الشيء الموجود أصلا والذي نعرفه.
لكنّه بحاجة إلى أن يُستدعى من الذاكرة وتُبثّ فيه الحياة.

Credits
the-tls.co.uk