:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Friday, October 07, 2011

دومينيكينو: عرّافة كيومي

كان دومينيكينو احد أشهر وأكثر الرسّامين الايطاليين نفوذا في القرن السابع عشر. وقد اشتهر بلوحاته الكبيرة، وخاصّة لوحته عرّافة كيومي التي رسمها في العام 1617 بناءً على تكليف من الكاردينال شيبيوني بورغيزي. كانت عرّافة كيومي شخصية شعبية جدّا. وكيومي هي اسم بلدة في جنوب غرب ايطاليا يُعتقد أنها أوّل مستوطنة للإغريق في ايطاليا.
الكاردينال نفسه كان احد جامعي التحف الفنّية الكبار. كما اشتهر برعايته للفنّانين، مثل برنيني وكارافاجيو وغويدو ريني وغيرهم.
وقد تأثّر دومينيكينو في رسمه لهذه اللوحة بلوحة رافائيل المشهورة سانتا سيسيليا. وعرّافة كيومي تقف في طليعة صفّ طويل من الشخصيّات الأنثوية التي رسمها دومينيكينو بعينيها الواسعتين الصافيتين ونظراتها البعيدة، وهما سمتان مألوفتان في أعمال هذا الرسّام.
العرّافة التي تصوّرها اللوحة كانت إحدى كاهنات ابوللو وكانت تعيش في مستعمرة يونانية قرب نابولي بـ ايطاليا. وهناك إشارات متعدّدة إلى هذه العرّافة في الأدب الكلاسيكي. فقد ذكرها كلّ من أوفيد في كتاب التحوّلات وفرجيل في ملحمة الانيادا.
كانت هناك عرّافات كثيرات. لكن يبدو أن هذه العرّافة كانت أكثرهنّ شعبية، وهذا يفسّر كثرة صورها في الرسم الايطالي.
وقد اشتهرت هذه المرأة بإحدى نبوءاتها التي أشارت فيها إلى أن رجلا ستحمل به امرأة عذراء في اصطبل في بيت لحم. المسيحيون احتفوا بهذه الإشارة واعتبروها بشارة بمولد المسيح. كما أصبحت العرّافة نفسها رمزا مهمّا في المسيحية.
ومن بين جميع اللوحات التي تصوّر المرأة، يبدو أن لوحة دومينيكينو كانت الأكثر تفضيلا واحتفاءً عند جامعي التحف الفنّية في القرن التاسع عشر.
وربّما لهذا السبب تنافس الرسّامون في استنساخ اللوحة والنسج على منوالها. وهناك الآن على الأقل سبع عشرة نسخة من لوحة دومينيكينو هذه موجودة في متاحف ومجموعات فنّية عديدة حول العالم.
دومينيكينو رسم ثلاث لوحات للعرّافة. وتظهر فيها جميعا وهي تعتمر وشاحا وترتدي فستانا من القماش النفيس.
اللوحة الأشهر من بين اللوحات الثلاث هي التي توجد اليوم في غاليري بورغيزي في روما. وقد رُسمت في العام 1617م. وتظهر فيها المرأة وهي تمسك بمخطوط يُفترض انه يحتوي على تلك النبوءة، بينما يبدو خلفها جزء من آلة كمان.
كرّس دومينيكينو كلّ حياته لرسم الجداريات الكبيرة، ونادرا ما كان يرسم لوحات صغيرة. كان هذا الرسّام يفضّل العمل في سرّية وعزلة تامّة. ولم يكن يملك مرسما خاصّا به. كما لم يكن مهتمّا بتوقيع اسمه على لوحاته، كما هي عادة الرسّامين في ذلك الوقت.
في العصور القديمة، طبقا لما تذكره الأساطير، كانت هذه العرّافة تسكن الأضرحة والكهوف وتنطق بأحكام ونبوءات غامضة. وأحيانا كانت تكتب نبوءاتها شعراً على أوراق الشجر ثم تضعها عند حافّة الكهف. وإذا لم يأت احد ليجمعها، فإن الريح تبعثرها ولا يعود ممكنا قراءتها بعد ذلك.
وفي القرون الوسطى، ركّز الكتّاب على النبوءات المسيحية للعرّافة، التي تنبّأت، حسب فرجيل، بـ "مخلّص أو قادم جديد من السماء". وقد فُسّر ذلك على انه نبوءة بميلاد المسيح أثناء حكم الإمبراطور اوغستوس. لكن بعض المصادر الأدبية تذكر أن فيرجيل إنما كان يشير على الأرجح إلى الشخص الذي كان يرعاه ويقدّر شعره.
دانتي، وكما هو الحال مع المسيحيين الأوائل، صدّق تلك النبوءة واعتبرها مؤشّرا على ميلاد المسيحية. ولهذا السبب، وكنوع من المكافأة، اختار فرجيل كي يكون مرشده في رحلته إلى العالم السفلي في الكوميديا الإلهية.
في العام 1932، قام بعض علماء الآثار بإجراء حفريات في الكهف الذي يقال بأن عرّافة كيومي كانت تسكنه. وقد وجدوا أن تضاريس وبُنية الكهف تتوافق مع ما ذكره فرجيل الذي وصفه بأنه كهف تقوم على تخومه مائة بوّابة يندفع عبرها صدى صوت العرّافة وهي تسرد نبوءاتها.
في عصر النهضة تجدّد الاهتمام بشخصية عرّافة كيومي. ومن أشهر من صوّروها ميكيل انجيلو الذي رسمها في سقف كنيسة سيستين بـ روما.
وعبر العصور المتعاقبة، ابتُكرت عرّافات أخر ونُسبن إلى أماكن مختلفة في اليونان وليبيا وبابل وإيران وآسيا وأفريقيا، للتدليل على الانتشار الجغرافي للمسيحية.

Sunday, October 02, 2011

مونيه: أشجار الحور

يُؤثر عن كلود مونيه قوله ذات مرّة: ليست هناك أمنية اعزّ على نفسي من أن أتوحّد مع الطبيعة وأن أعمل وأعيش بانسجام مع قوانينها، كما تحدّث عنها غوته. الطبيعة هي تجسيد للعظمة والقوّة والخلود". وكذلك قوله: لا توجد طبيعة ثابتة. مظهر الطبيعة يتغيّر باستمرار بفعل البيئة المحيطة من جوّ وضوء وهواء".
في العام 1890، رسم مونيه عدّة لوحات أراد من خلالها أن يدرس موضوعا واحدا، لكنْ في ظروف مناخية متباينة وفي أوقات مختلفة من اليوم. كانت تلك اللوحات جزءا من مشروع حياته، أي الإمساك في الرسم بالمظهر المتغيّر للطبيعة وبالأحوال المختلفة التي تطرأ على البيئة بسبب تغيّرات الضوء والطقس والحركة.
وكان هذا قد جلب لـ مونيه ورفاقه الانطباعيين الكثير من السخرية والانتقاد. لكن قُدّر لهذه المدرسة أن تتطوّر وأن تُحدث تغييرا في مسار الرسم الفرنسي والعالمي إلى اليوم.
في عام 1891، قرّر مجموعة من مالكي أشجار الحور المجاورة لمنزل مونيه في جيفرني بيع أشجارهم الكاملة النموّ في المزاد. وكانت تلك الأشجار قد زُرعت أصلا لأسباب تجارية وليست جمالية. وكان مقدّرا للأشجار أن تتحوّل في النهاية إلى عيدان ثقاب وخشب للسقّالات.
لكنّها كانت قد أسرت خيال مونيه وحازت على جلّ اهتمامه. وقبيل بيعها، قرّر أن يرسمها في الفترة ما بين فصلي الربيع والخريف من تلك السنة. كان قد أكمل رسم ثلاث وعشرين لوحة لـ أشجار الحور. وبعد ذلك بعام، عرض خمس عشرة منها في معرض حقّق نجاحا باهرا في باريس.
رسم مونيه كلّ هذه الدراسات في الهواء الطلق. وكان يأخذ بعضها إلى محترفه كلّما استدعت الحاجة لأن يضيف إليها بعض التفاصيل.
ادوار مانيه، صديق مونيه ومعلّمه، رسم صديقه وهو يجلس أمام لوحة في محترفه العائم. في هذه اللوحة ليس هناك ماء. والشجر يمكن رؤيته من نقطة منخفضة جدّا. وفي المقدّمة ترتفع أربع أشجار رشيقة إلى عنان السماء الزرقاء وهي تتمايل بطريقة إيقاعية.
تنظر إلى هذه اللوحات فيساورك إحساس بالنسيم الخفيف وتتخيّل صوتا يرتفع شيئا فشيئا، وفي النهاية تستحيل الهمسات إلى غمغمات.
استخدام اللون هو إحدى العلامات الفارقة للأسلوب الانطباعي. والألوان المهيمنة في هذه اللوحات هي الأخضر والظلال المتفاوتة للأزرق. لكنّ مونيه استخدم البنّي والأحمر على جذوع الأشجار والأصفر في المقدّمة كي يعطي المنظر عمقا ونسيجا أكثر.

كان مونيه يذهب إلى المكان الذي تقوم فيه الأشجار الرائعة على متن قارب صغير. وفي احد الأوقات، اضطرّ لشراء بعض الأشجار لأنه لم يكن قد انتهى من رسمها بعد. وعندما أكمل مهمّته باع الأشجار إلى احد متعهدّي تجارة الأخشاب.
في استخدامه الثقيل للون، كان مونيه متأثّرا بالرسوم اليابانية التي أصبحت رائجة في فرنسا قبل عشر سنوات من ذلك الوقت.
وبالإضافة إلى النوعية الزخرفية للوحات مونيه عن أشجار الحور وتصويرها الفاتن للضوء والجوّ والطبيعة، فإن الأشجار نفسها لها دلالة رمزية معاصرة. فقد كانت شجرة الحور ومنذ نهاية القرن الثامن عشر، أي منذ الثورة الفرنسية، هي شجرة الحرّية بالنسبة للفرنسيين. وتعزّزت هذه الرمزية بعد حرب فرنسا مع بروسيا. ومونيه في هذه اللوحات يحتفل باستقلال الوطن مثلما انه يحتفل بالطبيعة نفسها.
مونيه يوجّه اهتمام الناظر إلى محاولة فهم ذبذبات الحرارة وحركة الأمواج المضيئة والإحساس بالريح القويّة.
الرسّامة بيرتا موريسو قالت ذات مرّة: أمام لوحة مونيه، أعرف تماما إلى أيّ جانب ينبغي أن أحرّك مظلّتي".
مونيه فنّان لا نظير له في رسم الماء والغدران والأنهار والبحيرات. انه يعرف كيف يفرّق بين ألوانها وتياراتها ودرجات تماسكها. كما انه يتمتّع بحدس عال في تصويره الحميم للمادّة والماء والأرض والهواء والحجر.
هذا الحدس خدمه كثيرا. ويبدو انه ولِد من اجل الرسم. هذه القوّة في اختراق أسرار المادّة والضوء ساعدته على أن يرسم بشاعرية عظيمة.
تأمّل لوحاته عن نهر التيمز وعن حقول القشّ، حيث يمتزج الضباب بقطرات الفضّة والذهب التي تتوهّج مثل كرنفال زهري.
مبدأ تقسيم الألوان ودراسة الألوان المساعدة ادخل مونيه إلى عالم مليء بالكشوفات والرؤى. هو نفسه كان مبتكرا ومثقفا وموهوبا بذكاء صُوري أخّاذ ونادر. افتتانه بالجوّ والمجالات كان مساويا لذلك الذي كان عند الرمزيين. وقد وجد عظمته في حبّه العميق للطبيعة.
في أواخر حياته، وكان قد فقد زوجته وأفراد عائلته، بدأ مونيه البحث عن موضوعات للرسم بالقرب من منزله. فرسم المروج وحقول السوسن البرّي التي كانت تنمو قريبا من المكان.
في رسالة إلى احد أصدقائه قال انه يبحث عن المستحيل في لوحاته. كان يشير بملاحظته تلك إلى دورة الفصول في الطبيعة وتحوّل الألوان والظلال من طور إلى طور.
وفي عام 1890، تزوّج مونيه من أرملة واشترى بيتا جديدا قام بتحويل بركته الصغيرة إلى حديقة مائية. وشيئا فشيئا أصبح يحبّ الزراعة، وحوّل الحديقة أمام منزله إلى أشجار وارفة الظلال وأزهار نضرة.
طريقة تصميمه للحديقة تعكس إعجابه القويّ بالفنّ الياباني. في تلك الفترة، رسم مونيه أوّل لوحة في سلسلة لوحاته عن حدائق الماء والجسر الياباني، والتي تتكوّن من ثمانية عشر منظرا. "مترجم".