:تنويه

تنويه: كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة للمؤلف علي هادي اليامي ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو اقتباسها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق.


Sunday, September 15, 2019

صور من العصر الجليدي الصغير

كان الرسّام هندريك ايفركامب (1585-1634) المعلّم الذي لا ينافَس في رسم مناظر الثلج. وقد أرست صوره المعايير الأساسية لتصوير الحياة على الثلج في رسوم الطبيعة الهولندي خلال القرن السابع عشر.
لوحته الموسومة (طبيعة شتوية مع متزلّجين) من عام 1608 هي مثال على براعته وإتقانه. والأشخاص الذين يظهرون فيها ينتمون لمختلف طبقات المجتمع الهولندي. وجميعهم منهمكون في كافة أنواع الأنشطة التي يمكن تخيّلها ويمكن أن تمارَس على الجليد.
فالأطفال يتقاذفون كرات الثلج في ما بينهم والفلاحون يبحثون عن طعام إضافي يردّ عنهم غائلة الجوع الذي كان مألوفا وقتها في الشتاء، ووسيلتهم في ذلك نصب الفِخاخ لاصطياد الطيور. وفي اللوحة أيضا نرى الماء يُحمَل في دلاء من حفرة. وكلّ شيء ممتزج بتناغم وحميمية في الأجواء الشتوية للأراضي المنخفضة خلال ما عُرف بالعصر الجليديّ الصغير.
وطبقا للمؤرّخين، فإن ذلك العصر يغطّي الفترة من القرن السادس عشر وحتى القرن التاسع عشر، حيث كانت درجات الحرارة في أوربّا اشدّ انخفاضا بكثير مما هي عليه هذه الأيّام وكانت أيّام الشتاء وقتها أطول وأشدّ قسوة.
وبشكل عام تأثّرت الحياة بقوّة بهذه الظاهرة المناخية. ولا غرابة في أن الحديث عن المناخ وقتها في بلد مثل الجمهورية الهولندية "آنذاك" كان مهيمنا على أحاديث الناس واهتماماتهم الاجتماعية.
وقد خبِر هذا الشعب الذي يتألّف في الأساس من رجال بحر وتجّار وفلاحين ذلك التغيير الدراماتيكي الكبير في المناخ وأصبح لزاما عليهم أن يعتادوا على فصول شتاء طويلة وقارسة البرد.
لكن العصر الجليديّ الصغير لم يكن تجميدا على الدوام، بل كانت تأتي فصول صيف اقلّ برودة وأكثر تحمّلا. وفي الحقيقة كانت هناك علاقة قويّة بين ذلك التغيير المناخي الكبير وبين رسم الأجواء المثلجة في لوحات ذلك الزمن.
ويمكن القول أن لوحات الرسام الألماني بيتر بريغل في منتصف القرن السادس عشر والتي تصوّر الحياة في بعض القرى والبلدات في ذروة الشتاء كانت مرتبطة هي أيضا بالتغيير المناخيّ في أوربّا في ذلك الوقت.
ولا بدّ وأن الرسّام ايفركامب كان يعرف تلك اللوحات التي رسمها بريغل وأتباعه في أمستردام مثل هانز بول وسواه. لكن ايفركامب ذهب إلى ابعد من ذلك، وفي الواقع يمكن القول انه الرسّام الذي حوّل مناظر الثلج إلى نوع مستقلّ وقائم بذاته من الرسم. وايفركامب كان ينتمي إلى الجيل الأوّل من رسّامي الطبيعة الهولندية، كما كان هو أيضا احد الروّاد في رسم السماء التي تعلو بلده.
في لوحاته المبكّرة التي تأثّر فيها بتقاليد الطبيعة الفلامنكية، كان ايفركامب يميل إلى وضع قلعة أو بناء مرتفع في أفق المنظر الطبيعيّ. لكن في حوالي عام 1609 بدأ يرسم مناظره بأفق منخفض، كما أن الامتداد الواسع للثلج بدا وكأنه يمتدّ نحو الأبدية، أي أن تصوير حالات الجوّ - وخاصّةً المزاج الذي يستثيره البرد - أصبح يهيمن أكثر على لوحاته.
ومعظم مناظر ايفركامب الثلجية تتوهّج بشعاع الشمس الشاحب الذي اعتاد الناس رؤيته في أيّام الشتاء. ومن الملاحظ أن السماء لا تمطر ثلجا أيدا في لوحاته.
ولأنه كان يرسم الثلج دائما، فإننا نرى في صوره أسطحا ناعمة ومشعّة تعكس ألوان الأشياء التي تجاورها. وقد اثبت ايفركامب على الدوام انه رسّام قويّ الملاحظة للطبيعة والناس. ونفس الشيء يمكن أن يقال عن أتباعه من رسّامي الطبيعة الهولندية الذين صوّروا حالات المناخ التي سادت ذلك الجزء من أوربّا أثناء ما عُرف بالعصر الجليديّ الصغير.

Credits
rijksmuseum.nl

Friday, June 28, 2019

سفينة الأغبياء

في عام 1494، اصدر كاتب ألماني يُدعى سيباستيان برانت كتابا بعنوان "سفينة الأغبياء". كان برانت، مثل الكثيرين من معاصريه، يعتقد أن نهاية العالم وشيكة وأن عودة المسيح إلى الأرض تتطلّب من البشر أن يتوبوا وينبذوا ما يغضب الخالق.
وقد حاول في كتابه ذاك أن يشرح أسباب سلوك البشر في عالم ساقط، وعزا ذلك في الأساس إلى غباء البشر وبعدهم عن الله. أما السفينة التي يتحدّث عنها في كتابه فهي سفينة بلا ربّان، وركابها الذين يُفترض أنهم مبحرون باتجاه مكان خيالي يُسمّى ناراغونيا أو جنّة الأغبياء، فيبدون تائهين وغير مبالين بالاتجاه الذي يسلكونه.
وفي القرن التالي، أي السادس عشر، أصبح موتيف سفينة الأغبياء يُستخدم للسخرية من الكنيسة الكاثوليكية التي كانت تقدّم نفسها للناس باعتبارها سفينة الخلاص.
لكن مفهوم السفينة يعود إلى زمن أقدم بكثير. ففي كتاب "الجمهورية" لأفلاطون، يناقش سقراط أساليب الحكم الرشيد ويسوق أمثولة عن سفينة قبطانها أقوى من بقيّة البحارة، لكنه أصمّ قليلا ونظره ضعيف ومعرفته بالبحر ليست كافية. لذا ينشأ بين البحّارة جدل حول المسار الذي ينبغي أن تسلكه السفينة وكلّ منهم يزعم لنفسه الحقّ في توجيه دفّتها.
ثم تتطوّر الأمور وتنشب بينهم معركة ويحدث تمرّد. ويعلّق سقراط على القصّة بقوله أن من غير الحكمة أن يسلّم أيّ مجتمع قياده لحكم الرعاع أو الدهماء وأن من الضروري أن لا يقود سفينة الأغبياء إلا ربّان بارع وحكيم . لاحظ أن سقراط يفترض أن ركّاب السفينة أغبياء بطبيعتهم، وبناءً عليه فإنهم بحاجة دائما إلى قائد ذي بصيرة يوجّههم ويرشدهم.
الرسّام الألماني هيرونيموس بوش كان معاصرا للكاتب برانت ويرجَّح انه قرأ كتابه ثم استلهم موضوع الكتاب في رسم لوحة بنفس العنوان.
وأغبياء السفينة في لوحة بوش ينتمون لفئات مختلفة من المجتمع، وهؤلاء يظهرون وهم مبحرون بلا هدف أو وجهة محدّدة. وعندما تتأمّل اللوحة ستدرك أن الركّاب فيها ليسوا جماعة من الغرباء، بل هم أنت وأنا والآخرون.
في اللوحة نرى راهبا وراهبة يجلسان عند طرفي طاولة في السفينة ويفتحان فمهما على اتّساعه. الراهبة تعزف على آلة اللوت والراهب يشاركها الغناء. وإلى اليسار نرى امرأة تمسك بجرّة وتهوي بها على رأس رجل. والرجل يبدو وقد تكوّم على نفسه محاولا تفادي هجوم المرأة. وفي الخلف أشخاص منهمكون في نقاش صاخب. وبينما الركّاب في حالة هياج وفوضى، تمضي سفينتهم نحو المجهول.
في العالم الحديث يمكن للمرء أن يتخيّل أن سفينة الأغبياء هي كناية عن سكّان العالم. إذ ليس هناك ربّان حكيم يوجّه السفينة وما من ميناء يمكن لها أن ترسو فيه في النهاية. ومثل هذه الفكرة نجد لها صدى في الكثير من أعمال الأدب الحديث مثل كتابات ميشيل فوكو وغيره.
وفي هذا العصر تبدو مقارنة السفينة بحال العالم اليوم مفهومة ومبرّرة. فالدول تنفق مبالغ فلكية على التسلّح والحروب، بينما يكفي جزء بسيط من تلك الأموال للقضاء على الفقر في العالم أو توفير الطعام والماء لملايين العطاشى والجياع.
في حكاية السفينة هناك سخرية لاذعة من بعض رجال الدين الذين يحثّون الناس على الرحمة والإيثار بينما هم لا يهتمّون في واقع الأمر سوى بمصالحهم ومتعهم الخاصّة. والواقع أن مثل هذا النوع من النقد كان سائدا أثناء حركة الإصلاح الديني في أوربّا. ووجود القسّ والراهبة المنشغلين بالغناء والأكل في مقدّمة اللوحة والغير مكترثين بما يجري هو أيضا جزء من ذلك النقد الذي طال الكنيسة ورجالها.

Credits
louvre.fr

Wednesday, May 29, 2019

وصايا موساشي


كان مياموتو موساشي محارب ساموراي مشهورا. كما كان فيلسوفا وكاتبا وخبيرا استراتيجيا ورسّاما ترك تحفا كثيرة في الرسم الكلاسيكي اليابانيّ وفي فنّ الخطّ.
عاش موساشي في القرن السادس عشر. وهو معروف خاصّة بكتابه المسمّى "الخواتم الخمسة" الذي ضمّنه آراءه في الاستراتيجيا والفلسفة. وما يزال الكتاب يُدرّس حتى اليوم.
ويقال انه في أخريات حياته وبعد أن تدهورت صحّته انتقل للعيش في كهف بأحد الجبال لكي ينجز الفصول الأخيرة من ذلك الكتاب الذي ضمّنه أيضا بعض الإرشادات الضرورية عن كيف يتحكّم الإنسان في مشاعره وانفعالاته ويعيش حياة سعيدة بقدر الإمكان.
السطور التالية عبارة عن ملخّص لتلك القواعد والتوصيات..

أوّلا: إقبل كلّ شيء تاتي به الحياة. فالقبول هو أهمّ موقف لمواجهة تحدّيات العيش. والقبول حالة ذهنية لا توصلك إلى أيّة وجهة، بل تدرّب عقلك على أن تكون متسامحا مع أيّ شيء قد تجلبه لك الحياة. والقبول ليس اللامبالاة أو السلبية ولا الاستسلام أو عدم المحاولة، بل هو ببساطة قبول الأشياء دون أن تحكم عليها بالسلب أو الإيجاب.

ثانيا: لا تتوقّع أن تكون سعيدا دائما. فالمشاعر والظروف لا تدوم إلى الأبد، وكلّ شيء عابر وموقّت. لذا تقبّل الأوقات الصعبة بمثل تقبّلك للأوقات السعيدة. أما إذا أردت أن تكون سعيدا في كلّ وقت، فإن هذه الفكرة بحدّ ذاتها لن تجلب لك سوى التعاسة.

ثالثا: فكّر في نفسك قليلا وفي الآخرين كثيرا. عندما تفكّر في نفسك أكثر من اللازم، فإن "أناك" تتضخّم ومن ثمّ تزداد مخاوفك. والسعداء هم من يركّزون على مساعدة الآخرين.
والصينيون عندهم مثل مشهور يقول: إن أردت السعادة لساعة فخذ إغفاءة، وإن أردت السعادة ليوم فاذهب واصطد سمكا، وإذا أردت السعادة لسنة فحاول أن ترث ثروة، لكن إن أردت السعادة حتى نهاية العمر فساعد الناس".
وفي كلّ الأحوال كن متواضعا ولا تأخذ نفسك بجدّية أكثر من اللازم ولا تتردّد في مساعدة الآخرين.

رابعا: إنفصل عن رغباتك. فكثرة الرغبات تقود إلى المعاناة، لأنك عندما ترغب في شيء فإن معنى هذا انك غير قانع بما لديك. وعندما تحصل على ما ترغب به فإن هذا سيقودك بالتالي إلى سلسلة لا تنتهي من الرغبات الجديدة والمرهقة.
لذا تعلّم دائما أن تكون ممتنّا وقانعا بما لديك الآن، لأن هذا هو مفتاح السلام الداخلي.

خامسا: لا تندم على أيّ شيء فعلته، فالندم شعور غير مفيد على الإطلاق، وأنت لا تستطيع تغيير ما حدث، لكن يمكنك أن تتعلّم منه. أحيانا لا نملك إلا أن نشعر بالندم على أشياء كثيرة في الحياة. لكن إيّاك أن تجعل الندم "يسكنك" أو أن تستسلم له، لأن هذا غير مفيد وتبعاته سيّئة.

سادسا: إبتعد عن مشاعر الحسد والغيرة، فإضمار الحسد للآخرين معناه انك لا تشعر بالأمان مع نفسك ولست راضيا عمّا قسمه الله لك ولغيرك. وبدلا من ذلك انظر إلى داخل نفسك واشكر الله على ما آتاك مهما كان قليلا.

سابعا: لا تُكثر من الشكوى والشعور بالاستياء لأنهما لا يحقّقان لك شيئا. هما فقط يزيدان من طاقتك السلبية. ولا تدع ما يقوله أو يفعله الآخرون يؤثّر عليك. أنت لا تسيطر على أفعالهم، لكن بمقدورك أن تتحكّم في ردود فعلك على ما يقولونه أو يفعلونه.

ثامنا: إبتعد عن التفضيلات ما أمكن، فأن تفضّل شيئا على شيء معناه انك غير راض عن نفسك وغير قادر على أن تستمتع باللحظة الراهنة من حياتك. لذا حاول ألا تفضّل شيئا على آخر، خاصّة إن كنت لا تملك السيطرة عليه.

تاسعا: لا تتمسّك بالممتلكات لتي لم تعد بحاجة إليها. إن من السهل أن تثقل كاهلك بأشياء لا تحتاجها. لكن إذا لم تكن تلك الأشياء ذات فائدة حقيقية لحياتك فتخلّص منها. إن ما تحتاجه هو وقت أطول وتفكير أكثر صفاءً وليس ممتلكات أو مقتنيات أو أشياء ماديّة.

عاشرا: لا تتصرّف حسب الأعراف أو التقاليد. اتبع مشاعرك في كل الأحوال وافعل ما يتوافق مع قيمك أنت وليس ما يعتقده أو يؤمن به الآخرون. قرّر أنت لنفسك ما يناسبك وما لا يناسبك. فأنت تعرف الصحّ من الخطأ ولست بحاجة لأشخاص يوجّهونك أو يملون عليك ما يجب أن تفعله وما لا تفعله.

حادي عشر: لا تفكر كثيرا في الموت، إذ ليس بمستطاع احد أن يهرب منه. يمكننا أن نتعلّم وأن ندرك ونقبل حقيقة أن الدور سيأتي علينا وعلى غيرنا في النهاية. لكن من الخطأ أن تعلن الحرب على الموت لأن هذا يعني أن تصبح نهبا للقلق والخوف بقيّة حياتك، وهذا سبب مهمّ للمعاناة والشقاء.

ثاني عشر: لا تجمع أشياء لتدخّرها لشيخوختك. هذا لن يفيدك بشيء خاصّة انك سترحل عن العالم في النهاية. اجمع فقط ما يفيدك ولا تضيّع وقتك في ما لا طائل من ورائه.

ثالث عشر: لا تركن إلى الحظّ أو الصدفة في أعمالك، بل حاول أن تسير إلى الأمام وأن تعالج مشاكلك ضمن إمكانياتك وقدراتك. وحاول أن تفعل الأشياء الصحيحة وستأخذك حتما إلى نهايات سعيدة.

رابع عشر: كن متواضعا دائما وافعل الشيء الصحيح. وفي كلّ الظروف والأوقات لا تتوقّف عن التعلم والنموّ.

Sunday, March 24, 2019

الموسيقى كَشِعر


الموسيقى الانطباعية هي حقبة في تاريخ الموسيقى تمتدّ من حوالي عام 1880 إلى عام 1920. ورغم أنها في الأساس ظاهرة فرنسية، إلا أنها اتّسعت بعد ذلك لتشمل كلا من انجلترا وإيطاليا والولايات المتّحدة.
بالتأكيد سمع معظمنا بأسماء رسّامين مثل مونيه ورينوار وسيسلي وكميل كورو وميري كاسات. وهؤلاء كانوا يعرضون لوحاتهم في باريس في بدايات القرن الماضي، وكانت تحظى بإعجاب قطاع لا بأس به من الجمهور.
في تلك الفترة، كان يعيش في باريس شعراء كانوا يسمَّون بالشعراء الرمزيين، مثل شارل بودلير وبول فيرلين وستيفان مالارميه. وأشعار هؤلاء، بالإضافة إلى رسومات مونيه ورفاقه، تحوّلت إلى مادّة استلهم منها الموسيقيون الانطباعيون أفكارا لموسيقاهم.
وأشهر هؤلاء الموسيقيين كان كلود ديبوسي الذي يُعزى إليه الفضل في تأسيس الموسيقى الانطباعية. لكن كان هناك موسيقيون آخرون ساروا على نهجه، مثل موريس رافيل مؤلّف موسيقى بوليرو المشهورة، وغابرييل فوريه الذي ألّف قطعا جميلة مثل النشيد الجنائزي ، بالإضافة إلى الموسيقيّ الايطاليّ ارتورو ريسبيغي.
لكن بطبيعة الحال فإن أشهر هؤلاء كان ديبوسي. والناس يتذكّرونه بمؤلّفاته المشهورة، مثل ضوء القمر ونوكتيرن واستهلالات للبيانو .
وهذه القطعة الأخيرة استوحاها ديبوسي من قصيدة للشاعر مالارميه الذي كان معلّما لديبوسي وكان الاثنان صديقين مقرّبين. والمعزوفة مشحونة عاطفيّا علاوةً على أنها نوع مختلف من الموسيقى. ومن الصعب وأنت تسمعها لأوّل مرّة أن تقدّرها مع أن عشّاق الجاز يحبّونها كثيرا.
ومن الواضح أن ديبوسي كتبها ليوظّفها كنوع من الإلهام. وقد قال ذات مرّة إن الأمزجة التي تعكسها هذه الموسيقى مستوحاة من سلسلة من الرسومات التي تثير في النفس مجموعة من الرغبات والمشاعر في وقت الظهيرة.
كان ديبوسي موسيقيّا وعازف بيانو موهوبا ومهتمّا باكتشاف الأصوات الموسيقية الجديدة. ومؤلّفاته المبكّرة وُصفت بالغريبة وغير المألوفة. وكانت الطبيعة الغامضة مصدرا للعديد من مؤلّفاته، مثل ضوء القمر والبحر وغيرهما.
وقد نُقل عنه ذات مرّة قوله: عندما أحدّق في السماء ساعة الغروب متأمّلا جمال الشمس الرائع، يغمرني شعور غير عاديّ. الطبيعة على اتّساعها منعكسة في روحي، والأشجار من حولي تمدّ فروعها نحو السماء، والأزهار المعطّرة تغطّي المروج، والعشب الناعم يداعب وجه الأرض. انه أمر أشبه ما يكون بالصلاة".


لكن ما هي الموسيقى الانطباعية وكيف نميّزها عن غيرها من أنواع الموسيقى؟
لو نظرت من مسافة إلى إحدى لوحات الرسّام كلود مونيه، فسيساورك شعور بأن ما تراه هو عبارة عن صورة. لكن إذا أردت أن تدرس هذه اللوحة عن قرب فستبدو لك أشبه ما تكون بكتل من الألوان أكثر من كونها أشكالا متماسكة.
هذا الأسلوب هو ما يُعرف بالرسم الانطباعيّ. وهو نفس الفكرة الموظّفة في الموسيقى الانطباعية. أي أن الموسيقى تركّز على اللون والجوّ والسيولة.
واللون هو نوعية الصوت الذي يميّز آلة موسيقية أو صوتا موسيقيّا عن آخر. وهو جزء مهمّ من الموسيقى الانطباعية. وقبل ظهور هذا الأسلوب كان المؤلّفون الموسيقيون يكتبون موسيقاهم بحيث تُصدر مجموعة من الآلات أصواتا متماثلة أو متناغمة. لكن الانطباعيين كانوا يركّزون على صوت كلّ آلة على حدة، وكتبوا موسيقاهم بطريقة تؤكّد على هذه الألوان الخاصّة والمتمايزة.
والفكرة الأساسية هي أن الموسيقيين الانطباعيين كانوا ميّالين إلى توصيل المزاج في موسيقاهم بدلا من الخطوط النغمية التقليدية. كما ركّزوا على أن تستثير موسيقاهم شعورا ما في نفس السامع. وغالبا تبدو هذه الموسيقى غامضة ومشوّشة إلى حدّ ما، لكنها مع ذلك محكمة الصنع.
وبعض الآلات الموسيقية، كالفلوت والكلارينيت خاصّة، أصبحت تُعزف بطرق مختلفة وصارت أصواتها اخفّ وأكثر قتامةً.
الموسيقى الانطباعية ة أرادت دائما أن تخرج من الصندوق وتبتعد عن المفتاح العالي والمفتاح المنخفض الذي خبره الناس لزمن طويل. لذا ليس فيها مفاتيح على الإطلاق، بل أنغام وصيغ مختلفة.
وهذا أعاد ديبوسي وزملاءه إلى أساليب موسيقية أكثر قدما، مثل موسيقى القرون الوسطى التي كانت تعتمد على ربع وخمس التون بدلا من ثلث التون.
ثم هناك الإيقاع. فمعظم الموسيقى الانطباعية ينقصها الإيقاع المطّرد، كما أنها سائلة وعرضة للتغيير، وليست من النوع الذي يألفه الناس بسهولة. وهي أيضا لا تستثير انفعالات عميقة كما هو الحال مع موسيقى العصر الرومانسيّ مثلا. كما أنها تنحو غالبا باتجاه الإيماءات البعيدة والإيحاءات، لكن من دون وصف.
وبالإضافة إلى الأسماء التي سبق ذكرها، هناك موسيقيون آخرون تأثّروا بالانطباعية، مثل جان سيبيليوس وايريك ساتي، ومثل الموسيقيين الاسبانيين مانويل دي فايا واسحق ألبينيث.
كان ديبوسي يمتدح دائما موسيقى ألبينيث الذي تعود أصوله إلى عرب الأندلس. وكان معجبا على نحو خاصّ بمعزوفته آيبيريا التي كان يصفها بأنها إحدى أعظم القطع الموسيقية المكتوبة للبيانو.
موسيقى ألبينيث هذه صعبة جدّا وطويلة، إذ تتألّف من اثنتي عشرة قطعة. وقد كتبها في ثلاث سنوات. وهي تمثّل الأسلوب الانطباعيّ في الموسيقى، لكن من منظور موسيقيّ اسبانيّ. وأشهر القطع التي تتضمّنها هي تلك المسمّاة ايل بويرتو (الفيديو فوق) وهي عبارة عن رقصة اسبانية قديمة.

Wednesday, March 20, 2019

الوعي باللحظة الراهنة

ثمّة حكمة بوذية عمرها أكثر من مائتي عام تشرح بوضوح أهمّية النظر إلى السماء بانتظام. فطبقا للحكاية الشعبية، كان المعلّم والشاعر اليابانيّ ريوكان تايغو الذي عاش ما بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ناسكا سعيدا.
وقد تلقّى هذا الناسك دروسا في دير لعشر سنوات، ثم رفض الدين التقليديّ وقرّر أن يعيش حياة بسيطة قضاها في التأمّل وكتابة الشعر.
ومن وقت لآخر، كان يحتسي شرابا شعبيّا مع الفلاحين في الريف ويتقاسم طعامه المتقشّف مع الطيور والحيوانات في البرّية.
وفي الحقيقة لم يكن لدى ذلك الناسك ما يغري الآخرين بالسرقة. لكن في إحدى الليالي أتى إلى كوخه الجبليّ المنعزل لصّ كان يمنّي نفسه بالعثور على كنز.
لكن اللصّ لم يجد شيئا ذا قيمة، فشعر بالإحباط، الأمر الذي أحزنَ الناسك أيضا. ويقال أن الناسك تناول ملابسه وفراشه ودفع بها إلى اللصّ قائلا: لقد أتيتَ من مسافة بعيدة وتجشّمت عناء الطريق لكي تراني. وأرجوك أن تقبل منّي هذه الهديّة".
وأخذ اللصّ المذهول ملابس الناسك ومضى في سبيله. ثم تذكر القصّة أن الناسك أمضى بقيّة تلك الليلة عاريا، يحدّق في السماء ويتأمّل القمر الذي كان يلمع مثل جوهرة لا يمكن لأحد أن يسرقها على الرغم من أن الجميع يستمتعون بمرآها.
وكان المعلّم ريوكان ما يزال حزينا لأنه لم يستطع أن يعطي اللصّ أكثر الكنوز قيمةً. وكتب في مفكّرته قصيدة هايكو أصبحت الآن مشهورة ويشرح فيها تلك التجربة بقوله: اللصّ تركه خلفه، القمر عند حافّة النافذة".
هذه القصّة يرويها معلّمو البوذية ليذكّروا تلاميذهم أن معظم الناس مرتبطون بأشياء غير مهمّة في واقع الأمر. وكان ريوكان سيشارك اللصّ كنزه الأعظم لو أن الزائر الغريب رأى ذلك الكنز.
القمر في البوذية يرمز للتنوير. وكلّ منّا يمكن أن يصبح إنسانا منيرا وساطعا كقمر مكتمل في ليلة صافية. لكن أفضل ما في طبيعتنا تحجبه الغيوم، على حدّ تعبير الأستاذ الأكاديميّ كينيث كلارك.
فالارتباط والتعلّق بالأشياء وتشتيت الانتباه تمنعنا من إدراك أن لدينا ما نحتاجه بالفعل. وبحسب فلاسفة الزِّن فإن الوجود بحدّ ذاته كافٍ وليس هناك حاجة لأن نتطلّع إلى السلطة أو المال أو التجارب المثيرة التي لا تسبّب للإنسان سوى المعاناة. لكن بمقدورنا دائما أن نُمسك بالكنز الحقيقيّ؛ بالقمر المنير المخبّأ خلف غيوم ذواتنا، على حدّ تعبير كرافت.
ويشرح ذلك بقوله: هناك صورة صغيرة ودائرية للهلال رسمها بالحبر البسيط المعلّم والرسّام اليابانيّ من القرن التاسع عشر ناتنبو، ليبرهن على الإمكانيات اللامحدودة التي توفّرها الأشكال المألوفة وأشياء الحياة اليومية، سواءً كانت قمرا في السماء أو آنية في مطبخك.
كان ناتنبو رسّاما غزير الإنتاج. وقد تعلّم استخدام الرسم كوسيلة للتعبير عن المعاني التي تعجز عنها الكلمات. ورسم معظم لوحاته بعد أن تجاوز السبعين من عمره ووظّف فيها احد أعمق الرموز في البوذية، أي الدائرة. فهي فارغة لكنّها مكتملة تماما، ولانهائية لأنها تبدو بلا بداية ولا نهاية، مثل الكون.
إننا عندما نتواصل مع الكون الكلّيّ ومع الأشياء البسيطة من حولنا فإننا نصبح أغنياء. وامتلاك هذه الثروة متاح للجميع، حتى للناسك الفقير الذي يعيش في الجبال. وهذا هو السبب في آن ناتنبو تقش على لوحته بيتا من الشعر يقول فيه: إذا أردت القمر فهو هنا، تعال وأمسك به".
هناك كلمة تتردّد دائما على ألسنة المعلّمين الروحانيين وخبراء تطوير الذات وهي (Mindfulness)، وتعني الوعي باللحظة الراهنة. أي البحث عن المتع البسيطة في الحاضر.
فبدلا من أن نشغل أنفسنا بتأمين راتب اكبر أو منزل أوسع أو سيارة أفضل لكي نطمئنّ على المستقبل، يتعيّن علينا أن نتوقّف عن ذلك اللهاث قليلا كي نشمّ عبير زهرة أو نمارس رياضة مفيدة أو نزور صديقا لم نرَه منذ زمن أو نأخذ إجازة قصيرة أو نراقب نزول قطرات المطر على ارض جافّة أو نستمع إلى زقزقة العصافير في الصباح الباكر.
ومثل هذه الأشياء على بساطتها ومألوفيّتها يمكن أن تجلب للإنسان سعادة عظيمة. والكثيرون منا يضيّعون هذه المتع الصغيرة أثناء بحثهم عن سعادة اكبر قد تكون متوهّمة ويتعذّر بلوغها، كما تقول الكاتبة الأمريكية بيرل بك مؤلّفة رواية "الأرض الطيّبة".
إن الحياة عبارة عن سلسلة من اللحظات، والسعادة هي احتفال بالحياة وبكوننا أحياءً. وعندما تشعر بالامتنان لكلّ شيء منحك الله إيّاه فستبتعد عنك الأفكار السلبية كالغضب والإحباط والكراهية والقلق والخوف وما إلى ذلك.
ذات مرّة سُئل شيخ صوفيّ: ما الذي يجعل قلبك راضيا قنوعا؟ فقال: في كلّ صباح ارفع يديّ إلى الله لأقول له شكرا لك يا ربّي على كلّ شيء، فأنا لا اشتكي من شيء ولا انتظر شيئا".
إننا لن نجد الحياة إلا في اللحظة الراهنة. فأمس أصبح تاريخا والغد في علم الغيب واليوم منحة أو هديّة، وهذا هو السبب في أن اليوم يُسمّى الحاضر أو (The Present) في الانجليزية. وما لم نعش في الحاضر فإن الحياة ستفوتنا.

Credits
qz.com

Monday, March 11, 2019

لينين: الوجه الآخر

كان فلاديمير لينين وما يزال شخصية مثيرة للجدل في روسيا وخارجها. بعض المؤرّخين وصفوا حكمه بالشموليّ وبالدولة البوليسية. والبعض الأخر وصفوه بديكتاتورية الحزب الواحد. وهناك من يمتدحه لأنه عدّل النظرية الماركسية بحيث جعلها تناسب الظروف الاجتماعية والاقتصادية في روسيا.
وبعض كبار مثقّفي اليسار في العالم اليوم مثل فريدريك جيمسون وسلافوي جيجيك يدعون إلى استلهام روح لينين الثورية وغير المهادنة في حلّ مشاكل العالم المعاصر.
السلطات السوفياتية لم يكن من مصلحتها أن يعرف الناس شيئا عن الجانب المظلم في شخصية لينين. كان هو مهندس الثورة البلشفية وأوّل رئيس للبلاد. وشخصيّته مرتبطة جدّا بالثورة لدرجة أن اهتماماته الثقافية الواسعة كان يتمّ تجاهلها غالبا.
يقال أن لينين كان حريصا على أن يكون منسجما مع مبادئه. وهذا الشعور تحوّل إلى صلابة لا تلين أثناء الحرب الأهلية، فحارب المؤسّسات والأشخاص الذين كانوا يمثّلونها حتى لو استدعى الأمر تصفيتهم. وكان يعتبر أن هذا ضرورة مؤسفة ويجب تجنّبها قدر الإمكان في ظروف معيّنة.
كما كان يكره المثقّفين ويحبّ صحبة البسطاء. وأثناء الحرب الأهلية (1918 - 1921) شدّد قبضته على السلطة وقضى على أحزاب المعارضة، كما أمّم البنوك والمصانع ووزّع الأراضي على الفلاحين.
منتقدو لينين يقولون إن ثورة عام 1917 كانت جزءا من انتقام شخصيّ وانه أراد من خلالها أن يثأر لموت شقيقه الذي اُعدم في سنّ العشرين بسبب ما قيل عن تورّطه في مؤامرة لاغتيال القيصر، أي أن دافع لينين للثورة كان شخصيّا وليس سياسيّا أو أيديولوجيّا.
وجزء من أسطورته يتمثّل في انه كان شخصا باردا ومنطقيّا. وقد أراد أن يدمّر كلّ شيء ويبدأ من جديد.
والجانب الآخر من شخصيّته يشير إلى انه كان شخصا يضجّ بالحياة ويتمتّع بروح دعابة عالية. كان يستمتع بالرماية وصيد السمك ولعب الشطرنج ويقرأ لبوشكين وتولستوي.
ولد فلاديمير لينين في بلدة سيمبريسك على ضفاف نهر الفولغا عام 1870. كان الابن الثاني لزوجين مثقّفين كانا يحبّان الفنون والأدب.
والده كان مفتّش مدرسة، وقد تمّت ترقيته إلى سلك النبلاء مكافأة له على خدمته للدولة. وكان يمتلك مكتبة كبيرة تضمّ العديد من الكتب لتي تشهد على حبّه للأدب الكلاسيكيّ الفرنسيّ، خاصّة أعمال هوغو وموليير وبلزاك.
أمّا والدة لينين فتنحدر من عائلة ألمانية مرموقة. وكانت الأمّ تهتمّ بالأدب الألمانيّ، خاصّة أشعار هايني وشيللر. لكنّها أيضا كانت تملك نسخة من الأعمال الكاملة لشكسبير وكتاب "تاريخ الثورة الفرنسية" بلغته الأصلية.
كما كانت الأمّ تحبّ الموسيقى. وقد زرعت هذا الحبّ في أطفالها بتعليمهم العزف على البيانو. وأظهر لينين نفسه حبّا للموسيقى في عمر مبكّر. وكان يعزف البيانو مع شقيقته. ولطالما حضرا معا حفلات للأوبرا في قازان وسانت بطرسبيرغ أثناء دراستهما الجامعية.
كما كان أيضا قارئا مواظبا للأدب وأعمال الإغريق والرومان مثل شيشرون واوفيد وهوميروس وغيرهم، بالإضافة إلى كتب الأدب الكلاسيكيّ مثل شعر بوشكين وروايات غونتشاروف وتورغينيف.
الكاتب مكسيم غوركي يتذكّر أمسية في موسكو كان لينين خلالها يستمع إلى سوناتا بيتهوفن للبيانو رقم 23 والمعروفة بـ باشيناتا بعزف البيانيست الروسيّ ايساي دوبروفين.


وقد عبّر لينين عن إعجابه الشديد بتلك الموسيقى بقوله: لا اعرف شيئا أفضل من باشيناتا. يا لها من موسيقى مذهلة صاغها إنسان خارق. إنني استمع إليها كلّ يوم وهي تشعرني دائما بالكبرياء. وقد يكون من السذاجة الطفولية أن تعتقد أن البشر يمكن أن يصنعوا مثل هذه المعجزات".
وأضاف: لا استطيع سماع الموسيقى دائما لأنها تؤثّر على أعصابي. ومع ذلك استغرب كيف أن البشر الذين يعيشون في هذا الجحيم القذر، أي الأرض، يمكن أن يخلقوا مثل هذا الجمال. هذه الأيّام لو ربّتَ على رأس إنسان فقد يردّ عليك بقضم يدك".
وختم لينين ملاحظته تلك بقوله: ولهذا السبب يجب أن تُضرب الرؤوس الصغيرة بلا رحمة، رغم أنني من حيث المبدأ ضدّ ممارسة أيّ عنف على البشر، ويا لها من مهمّة صعبة وشيطانية في آن".
هل كان لينين يقصد أن الموسيقى رغم جمالها تصرفه عمّا يعتبره نضالا من اجل العدالة في تلك المرحلة؟ اغلب الظنّ انه لم يكن يقصد أن السياسة أهمّ من الموسيقى والفنون. فقد كان يؤكّد دائما على أهمية الثقافة من اجل حياة كاملة وذات معنى، بل وأوصى رفاقه بأن يتفهّموا الفنون البورجوازية وألا يرفضوها. وكان يرى انه من دون عدالة اقتصادية فإن الاستمتاع بالفنون يصبح مجرّد ترف لا تنعم به سوى النخبة أو الطبقة المرفّهة فقط.
في الذكرى المئوية الأولى لانهيار الإمبراطورية الروسية وقيام الثورة البلشفية، امتنعت جميع محطّات التلفزة الروسية عن إحياء المناسبة بناءً على قرار من الكرملين.
وبالتالي لم يُذكر اسم لينين ولا أيّ من رفاقه في التغطية الإعلامية. وقد وجّه الرئيس فلاديمير بوتين مستشاريه بأن من غير الضروريّ الاحتفال بذكرى الثورة، فروسيا ليست بحاجة إلى ثورات بقدر ما تحتاج إلى الأمن والاستقرار.
وبوتين يرى أن انهيار الإمبراطورية لا يعدو كونه مجرّد حدث تاريخيّ ضئيل الأهمّية. والإمبراطورية التي في ذهنه ليست نسخة مصغّرة من إمبراطورية نيكولا الثاني، بل إمبراطورية افتراضية تتضمّن بعض سمات الاتحاد السوفياتي والكنيسة الأرثوذوكسية الروسية، بالإضافة إلى أفكار السيادة والشعبوية وجوزيف ستالين والانتصار في الحرب العالمية الثانية ورحلة يوري غاغارين إلى الفضاء وقصور كاثرين العظيمة.
أما أساس إمبراطورية بوتين فمبنيّ على عظمة روسيا الكامنة والمستندة إلى فكرة أن هذا بلد يجب أن يخشاه الآخرون ويحترموه. وليس في أيديولوجيا الإمبراطورية اليوم شيء من الثقافة العظيمة (تولستوي ودستويفسكي والآخرون) أو المجتمع المدنيّ الحقيقيّ. المهم هو إمبراطورية روسية منتصرة، وأيّ شيء لا يتساوق مع هذه الصورة يمكن استبعاده.
ومن منظور بوتين فإن ثورة 1917 هي أسوأ حدث بالنسبة للدعاية الرسمية الروسية. كما أن قصّة سقوط الإمبراطورية لا تتضمّن أيّة شخصية يمكن لبوتين أن يتماهى معها. فهو ليس ستالين الذي قاد البلاد إلى النصر في الحرب وإن بثمن باهظ، كما انه ليس نيكولا الثاني الذي تنازل عن عرشه وسلّم إمبراطورية، وليس لينين الثوريّ الذي دمّر إمبراطورية.
وبوتين لا يخفي كراهيته للينين مشيرا إلى انه الرجل الذي وضع قنبلة موقوتة تحت سرير روسيا.
الإعلام الروسيّ بدوره مملوء بنظريات المؤامرة. فثورة فبراير التي أسقطت القيصر نيكولاي الثاني كانت برعاية وتخطيط من الانجليز. وثورة أكتوبر التي جلبت البلاشفة إلى السلطة موّلها الألمان الذين سهّلوا للينين مهمّة العودة إلى روسيا للمساعدة في إنهاء الحرب العالمية الأولى.

Credits
history.com

Thursday, March 07, 2019

هيرودوت الصينيّ

مصارحة السلطة بالحقيقة كانت على الدوام عملا محفوفا بالمخاطر في الصين. فحكّامها كانوا دائما يفضّلون أن يجامَلوا. والكتّاب الذين يتجاهلون هذه الحقيقة غالبا ما كانوا يدفعون ثمنا باهظا.
مؤرّخ الصين العظيم، الذي عاش قبل حوالي ألفي عام، كان واحدا من كثيرين دفعوا غاليا ثمن صراحتهم.
"من بين كافة العقوبات، لا شيء يعادل في فظاعته عقوبة الإخصاء، وأيّ شخص عانى من هذه العقوبة عاش بعدها حياة كالعدم". الرجل الذي كتب هذه الكلمات لا يعتبر اليوم مجهولا أو منسيّا بحال. كان سيما تشان أوّل، وربّما أعظم مؤرّخ عرفته الصين.
الزمن حوالي عام تسعة وتسعين قبل الميلاد. على حدود الصين الشمالية، استسلم جنود الإمبراطور أمام جيش البرابرة. وفي البلاط استُقبل هذا الخبر بالصدمة. والإمبراطور نفسه في حالة غضب عارم.
لكن مسئولا واحدا فقط تجرّأ على أن يتحدّى تقاليد البلاط وأن يتحدّث بصراحة نيابةً عن الجنرال المهزوم.
وقد كتب سيما تشان هذه الكلمات إلى احد أصدقائه في ما بعد ويقول فيها:
لقد حقّق هذا الجنرال العديد من الانتصارات. أما رجال البلاط؛ هؤلاء الذين جلّ همّهم الحفاظ على مصالحهم وعائلاتهم، فقد أمسكوا عليه خطأ واحدا. إنني اشعر بالقرف عندما أرى هذا".
كان ذلك الجنرال قد ارتكب الخيانة العظمى باستسلامه. كما ارتكب سيما تشان الخيانة العظمى أيضا بدفاعه عنه.
جرى تحقيق. وأخبر سيما تشان صديقه بأن جسده لم يُخلق من خشب أو حجارة. "لا احد من أصدقائي هبّ لمساعدتي، ولا احد من زملائي تحدّث بكلمة نيابةً عني. كنت لوحدي مع المحقّقين، واُقفل عليّ داخل زنزانة مظلمة".
وفي النهاية، عُرض عليه أن يختار بين أمرين أحلاهما مرّ: إما الموت أو الإخصاء.
بالنسبة لمعاصري سيما تشان، كان الموت هو أهون الشرّين وأكرم الخيارين. لكن كان في ذهن الرجل جمهور آخر اكبر من بلاط الصين في القرن الأوّل قبل الميلاد.
فقد كان يكتب تاريخا للإنسانية ستقرؤه الأجيال التالية. كان والده قد عمل قبله مؤرّخا للبلاط وبدأ ذلك المشروع. وعلى سرير المرض، انتزع الأب من ابنه وعدا بأن يكمل الكتاب الملحميّ. لذا اختار سيما تشان الإخصاء.
"الإنسان لا يموت سوى مرّة واحدة. وذلك الموت قد يكون ثقيلا مثل جبل تاي وقد يكون خفيفا مثل ريشة إوزّة. وكلّ شيء يعتمد على الطريقة التي نموت بها".
لكن سيما تشان لم يصف في تلك الرسالة ولا في سيرته الذاتية رعب العقوبة التي تعرّض لها. تحدّث فقط عن ذهابه إلى غرفة دودة الحرير. في ذلك الوقت، كان من المعروف أن أيّ رجل يتعرّض لتجربة الإخصاء يمكن أن يموت نتيجة النزيف أو العدوى. لذا كان ضحايا هذا النوع من تشويه الجسد يوضعون كدودات الحرير داخل غرف معتدلة الهواء.
لم يتعافَ سيما تشان من ذلك الإذلال أبدا. "أنظر إلى نفسي الآن وأنا مشوّه الجسد وأحيا حياة حقيرة. وكلّما فكّرت في هذا العار أجد نفسي أتصبّب عرقا".
لكنه أيضا كتب يقول: لو كانت نتيجة تلك التضحية هي أن يصل كتابي في النهاية إلى أيدي الناس فيقدّرونه ويأخذونه إلى قراهم ونجوعهم، عندها لن اشعر بندم على الإطلاق حتى لو لحقت بي آلاف التشوّهات الجسدية".
في الصين اليوم يُعتبر كتاب سيما تشان "سجلات المؤرّخ العظيم" أشهر كتاب تاريخ، وأصبح تشان بالنسبة للصينيين مثل هيرودوت للأوربّيين.
وما يميّز كتابه هو انه عندما كتب عن أمور البلاط لم يكن مجاملا. وهو هنا، مثلا، يصدر حكمه على احد أباطرة سلالة شانغ الذي عاش قبل ذلك التاريخ بألفي عام.
يقول: كان الإمبراطور جو ذا شخصية حادّة وصارمة. قوّته الجسدية تفوق تلك التي لدى الناس. كان يصارع الحيوانات المفترسة بيديه العاريتين. وكان يعتبر جميع الناس اقلّ منه شأنا. كما كان مغرما بالنبيذ والمتع والنساء. وقد أمر كبير الموسيقيين في القصر أن يؤلّف موسيقى جديدة منحلّة وأغاني هابطة".
ويضيف: وإلى جوار بركة مملوءة بالنبيذ، مع لحوم معلّقة مثل أشجار غابة، كان الإمبراطور يأمر النساء والرجال بأن يطاردوا بعضهم وأن يسكروا ويعربدوا طوال الليل. وكان من طبيعة ذلك الإمبراطور أن يقطّع أجساد منتقديه إربا، أما النبلاء الذين يدعوهم لحفلاته ولا يحضرون فقد كانوا يُشوون وهم أحياء".
كان الإمبراطور جو مثالا جيّدا لنظرية سيما تشان عن التغيير السلالي. فقد كان يرى أن السلالات الحاكمة تبدأ عادةً بمؤسّس نبيل وطيّب، ثم يستمرّون على تلك الحال عبر سلسلة من الحكّام، إلى أن ينتهوا بحاكم أخير سيّئ، وعادةً ما يكون هذا الحاكم منحلا أخلاقيّا لدرجة يتحتّم معها الإطاحة به.
وكان سيما تشان يعتقد أن الغرض من التاريخ هو تعليم الحكّام كيف يكونون صالحين ويحكمون الناس بالعدل.
وبعد وفاته، خاطرت ابنته بسلامتها وأخفت كتابه السرّي. وبعد انتهاء فترة حكم إمبراطورين متعاقبين، خاطر حفيده مرّة أخرى بحياته عندما كشف عن وجود الكتاب.
والبقية، كما يقولون، تاريخ.

Credits
bbc.com

Monday, February 25, 2019

سِجّاد حبيبيان

يُصنع السجّاد لكي يمشي أو يجلس عليه الناس، أو هذا ما استقرّ في أذهان الكثيرين. لكني انظر إلى كلّ سجّادة باعتبارها عملا فنّيا يجدر أن تتأمّله العين وتستمتع بجماله النفس.
وأحيانا عندما أرى سجّادة متقنة التصميم وبديعة الألوان اشعر بالحزن عندما أتذكّر أن مثل هذا الجمال سينتهي تحت الأقدام، بينما مكانه الذي يليق به هو أن يُعلّق في المجالس كي تستمتع به الأعين فتقدّر جماله والجهد المبذول في صنعه.
ومن عادتي أن اذهب من وقت لآخر لزيارة بعض معارض السجّاد، لا لأقتني سجّادة فاخرة وإنما لأرى التصاميم الجديدة ولأستمتع بالنظر إلى الأنماط والأشكال ومزيج الألوان فيها.
وصناعة سجّادة متميّزة يمكن أن يستغرق وقتا طويلا مع الكثير من الجهد والمهارة. وهناك عوامل معيّنة لتقدير قيمة سجّادة ما، منها الحجم وكثافة العقد والموادّ المستعملة في صنعها والتصميم والألوان وما إلى ذلك.
وأغلى السجّاد هو ما صُنع من الحرير الخالص أو من الحرير مع قليل من القطن والصوف. لكن وفي كلّ الأحوال يظلّ الغرض الأساس من السجّادة جماليّا، وهو أن تسرّ العين وتثير اهتمام الناظر وتأسره بأنماطها الشائكة وتفاصيلها المعقّدة والبديعة.
يقال أن أقدم سجّادة مصنوعة باليد في العالم عُثر عليها بين أطلال قصر أمير تتاريّ يُدعى "ألتاي" في سيبيريا، ويُقدّر عمر السجّادة بأكثر من ألفين وخمسمائة عام.
وهناك قصّة ترويها بعض المصادر التاريخية عن الملك الفارسيّ كسرى الأوّل. ففي عام 531، أراد هذا الملك أن يبرهن لزوّاره على مقدار ثروته وسلطته، فملأ غرف قصره بأغلى الكنوز والنفائس المجلوبة له من شتّى أرجاء المملكة.
ثم فرش اكبر قاعات القصر، حيث يستقبل كبار رعاياه وضيوفه الأجانب، بسجّادة لم يرَ الناس من قبل مثل جمالها وضخامتها. كانت مساحتها تسعين قدما ومصنوعة من أجود أنواع الحرير الموشّى بالذهب والفضّة والجواهر.
وكانت السجّادة تصوّر منظرا لحديقة في الربيع يأخذ فيها الماء شكل حبّات البلّلور والتربة شكل الذهب المطحون والفواكه والأزهار شكل الحجارة الثمينة. وبعد وفاة هذا الملك بستّين عاما، قدِم الفاتحون العرب إلى بلاد فارس واستولوا على المدائن وأخذوا محتويات قصر كسرى ليفرشوا بها المساجد والقصور.
وقد بُهر الجند المنتصرون عندما رأوا السجّادة. ولمّا لم يستطيعوا نقلها بسبب ضخامتها، عمدوا إلى تقطيعها لأجزاء صغيرة ثم توزّعوها في ما بينهم كغنيمة حرب وكتذكار.
لكن تلك السجّادة العجيبة أصبحت النموذج الأكمل الذي يصنع النسّاجون اليوم سجّادهم على منواله، ما جعل السجّاد الفارسيّ يتبوّأ الآن المركز الأوّل في العالم.
السجّاد المتوفر في السوق الآن كثير ومتنوّع من حيث التصميم والجودة والسعر. هناك سجّاد فارسيّ وتركيّ وصينيّ وآذاريّ وهنديّ وتركمانيّ وباكستانيّ الخ. ومؤخّرا تعرّفت على السجّاد البلجيكيّ، وهذا الأخير جودته لا بأس بها وأسعاره معقولة.

أذواق الناس في السجّاد عرضة للتغيّر الدائم. في الماضي مثلا، كنت أميل إلى الألوان الزاهية والغميقة، والآن أفضّل الألوان الباردة والخفيفة. وأفضل مثال على النوع الأخير هو السجّاد المعروف بسجّاد حبيبيان نسبة إلى فتح الله حبيبيان، وهو نسّاج إيراني ولد في بدايات القرن الماضي واستطاع أن يكتسب سمعة عالمية بفضل حرفيّته الرفيعة وذوقه العالي في صنع السجّاد.
وحبيبيان يلقّب بالأب الروحيّ لسجّاد "نايين"، وهي بلدة صغيرة تقع على بعد مائتي كيلومتر إلى الشرق من أصفهان. وبالإضافة إلى صناعة السجّاد، تشتهر هذه البلدة بمبانيها الطينية وبوجود احد الجوامع القديمة الذي يعود تاريخه إلى القرن العاشر الميلاديّ.
وبفضل حبيبيان، صُنعت في نايين بعض أجود وأجمل السجّاد في العالم والذي يبحث عنه الجامعون دائما. وبفضله أيضا، أصبح لهذه البلدة الريفية الصغيرة مكان بارز على خارطة صناعة السجّاد العالمي.
وأهمّ سمة في السجّاد الذي يحمل بصمة حبيبيان انه منسوج باليد بالكامل، كما أنه خفيف الوزن نسبيا وتغلب عليه الألوان الرمادية والكريمية والزرقاء والبيج والحمراء والبيضاء واللازوردية، مع "ميداليون" أو دائرة كبيرة في الوسط، بالإضافة إلى رسوم ارابيسك وموتيفات زهرية مختلفة.
كما يتميّز هذا السجّاد بكثافة العقد التي يمكن أن تصل إلى أكثر من مليون عقدة في المتر المربّع الواحد. وعادة يُحكم على جودة سجّادة بعدد طبقاتها "أربع أو ستّ أو تسع" وبعدد الخيوط المستخدمة في كلّ لفّة. وكلّما قلّ عدد الطبقات كلّما ارتفعت جودة السجّادة. وكقاعدة فإن السجّاد ذا الأربع طبقات هو الأجود وبالتالي الأغلى سعرا. وهذا النوع من الصعب العثور عليه هذه الأيّام.
المعروف أن حبيبيان اظهر موهبة طبيعية في صنع السجّاد منذ سنّ مبكّرة، وافتتح أوّل ورشة له في نايين عام 1920. كما نسج أوّل سجّادة عندما كان تلميذا. وقد بيعت السجّادة بمائة تومان أي حوالي عشرين دولارا أمريكيا، وكان هذا سعرا عاليا في ذلك الوقت.
ثم لم يلبث أن بدأ مع شقيقه صنع سجّاد فاخر من الحرير الخالص. ومن خلال حرفيته ورؤيته الفنّية وذوقه الرفيع، استطاع حبيبيان بمفرده أن يصوغ ملامح سجّاد هذه البلدة كما يعرفه العالم الآن، وأن ينافس المراكز التقليدية والقديمة في صناعة السجّاد مثل كاشان وأصفهان ويزد.
ورغم أن سجّاد نايين يشبه كثيرا سجّاد أصفهان المجاورة، إلا أن الأوّل يتضّمن موتيفات لطيور وحيوانات أكثر ويغلب على تصاميمه الحرير في الأطراف. أما الوسط فمزيّن عادةً بأنماط متداخلة من أغصان الأزهار وأوراق الشجر. كما أن الألوان فيه اخفّ وأكثر نعومة.
استمرّ فتح الله حبيبيان يصنع السجّاد حتى بلوغه سنّ الثمانين. وبعد وفاته عام 1995، استمرّت ورشته في إنتاج سجّاد ذي نوعية عالية جدّا، رغم أن وتيرة الإنتاج صارت أبطأ من السابق. وجزء مهمّ من هذا السجّاد يمكن رؤيته في أسواق دول الخليج حيث يقدّره الزبائن العرب لجودته ومتانته ويقتنونه رغم ارتفاع أسعاره.

Credits
carpetencyclopedia.com

Wednesday, February 20, 2019

مدن في البال

الوصول إلى عشق أباد، عاصمة تركمانستان، يشبه الدخول إلى المستقبل، مع أن هذه المدينة عالقة بعمق في أغوار الماضي. إسمها أصله فارسيّ ويعني "مدينة الحبّ". وإلى الجنوب الغربيّ منها يقع القصر الذي كانت تسكنه عائلة فيروزا الملكية الفارسية والذي أصبح اليوم منتجعا سياحيا مشهورا.
رمال الصحراء حول عشق أباد تُخفي تحتها بعض أقدم وأهمّ المواقع الأثرية التي تعود لآلاف السنين، وبينها قلاع وأطلال وجوامع وبلدات تعود إلى القرون الوسطى. وفي غرب المدينة بقايا أطلال الدولة البارثية التي يرجع تاريخها إلى القرن الثالث قبل الميلاد.
بُنيت عشق أباد عام 1881 على مفترق طريق القوافل. لكن زلزالا فاجأ المدينة وسكّانها وهم نيام خلال أربعينات القرن الماضي فأزالها تماما عن وجه الأرض وقتل أكثر من مائة ألف إنسان. حتى الأشجار اقتلعت من جذورها بفعل قوّة الزلزال كما دُمّرت معظم مباني المدينة القديمة. وبعد عشرين عاما أعاد السوفيات بناءها من الصفر تقريبا.
ولعشق أباد تاريخ عريق تعكسه عمارتها ذات الطابع الإسلامي، حيث يمكن رؤية البلاط الأبيض اللامع والقباب المذهّبة في كلّ مكان.
ومع أن هذه المدينة مصنوعة بالكامل من الرخام الأبيض، إلا أنك عندما تصل إلى مطارها الدوليّ المصمّم على هيئة صقر ستُفاجأ أنها فارغة بشكل مزعج. وعندما تتمشّى في شوارعها سيسهل عليك أن تدرك أن ثمّة شيئا ما مفقودا في هذه الطبيعة اليوتوبية، فالملاعب مهجورة والمقاهي خاوية والشوارع نفسها شبه خالية من الناس.
وظاهريا يمكن أن تنافس عشق أباد كلا من دبي وأبو ظبي من حيث الوفرة والثراء. لكنها تتميّز عنهما بقصورها ذات القباب المذهّبة ونوافيرها وصروحها المضاءة بالنيون وبمباني الوزارات فيها والتي يغلب عليها الطابع الستاليني.
وفور أن تحطّ بك الرحال في عشق أباد، ستلاحظ أن الجنود يحرسون كلّ شارع وزاوية، وأحيانا يأمرون الزوّار بعدم التصوير. ولكي تحصل على تأشيرة سياحية، يلزمك أطنان من الوثائق والمستندات، ثم يُعيّن لك دليل سياحيّ يرافقك ويراقبك على مدار الساعة بأجر يناهز المائة دولار أمريكيّ يوميّا.
بعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، أصبح صابر مراد نيازوف أوّل رئيس لتركمانستان المستقلّة. وقد وضع نيازوف خطّة فورية لاستعادة العصر الذهبيّ للبلاد، والنتيجة مدينة تبدو جديدة تماما، لكنها تثير إحساسا بالفراغ والسوريالية.
شارع الرخام الأبيض في عشق أباد دخل موسوعة غينيس عام 2013 لأنه يضمّ اكبر عدد من المباني الرخامية في العالم. وتضمّ المدينة أكثر من خمسمائة مبنى مغطّاة بأكثر من أربعة ملايين متر مكعّب من الرخام الأبيض المستورد من ايطاليا.
كان نيازوف ديكتاتورا غريب الأطوار. وقد ترك إرثا حجبه وهج عشق أباد نفسها وشهرتها وتاريخها الضارب في القدم. وفي عهده تمّ سنّ العديد من القوانين الغريبة. فقد أسمى نفسه زعيم الشعب التركمانيّ، ومنع الرجال من تربية اللحى والشعور الطويلة. كما حظر الاوبرا والباليه والسيرك باعتبارها فنونا غير تركية، وأمر بطرد الكلاب من المدينة، وأعاد تسمية أشهر السنة على أسماء أفراد عائلته.
كما منع تصوير المباني الحكومية بما في ذلك قصره الرئاسيّ، وأمر ببناء قصر ثلجيّ قرب العاصمة لكي يتعلّم فيه ساكنو الصحراء رياضة التزلّج.

ومع أن نيازوف جعل من مهمّة إنعاش ثقافة تركمانستان أولوية له، إلا أن صحافة العالم كانت تصفه بأنه احد أكثر حكّام العالم قمعيةً وشموليةً.
وبعد مرضه بسبب جراحة في القلب، نصحه الأطبّاء بالامتناع عن التدخين، فأصدر أمرا بمنع التدخين في جميع الأماكن العامّة. كما أمر مذيعي التلفاز بألا يضعوا المساحيق على وجوههم لأنه يستحيل أحيانا، حسب وجهة نظره، تمييز الذكر من الأنثى. كما منع تلبيس الأسنان بالذهب لأن المضغ بالعظام وحدها يطيل عمر الإنسان، كما قال.
المعروف أن نيازوف ألّف كتابا عنوانه "روحنامة" أو كتاب الروح، وألزم جميع المدارس بتدريسه من اجل هداية شعب تركمانستان ومدّهم بالأفكار الروحية والأخلاقية. ولم ينسَ أن يضمّن الكتاب عددا من القصائد لأشهر الشعراء التركمان.
البازارات تمثّل جزءا مهمّا من ثقافة التركمان. وأحد أقدمها وأفخمها هو البازار الروسيّ، أو الغولستان، في عشق أباد. وهو مكان مثاليّ للتعامل مع السكّان المحليّين وتذوّق الأطعمة التركمانية. ومن هذا البازار يمكنك شراء كلّ شيء، من الأجهزة الالكترونية إلى الملابس والتذكارات وخلافها.
وغير بعيد عن البازار يقع المسجد التاريخيّ المسمّى جامع الغازي ارطغرل والمعروف أيضا بجامع أزادي أو الحرّية.
وتركمانستان غنيّة بالغاز الطبيعيّ. وقد حَوّلت مداخيله عشق أباد إلى مدينة فارهة. لكن حداثة هذه المدينة تتناقض بحدّة مع منظر الجبال الوعرة التي تحيط بها. ولأن المدينة محصورة بين جبال كوبيت وصحراء كاراكوم، فإنها تبدو أشبه ما تكون بجوهرة متخفّية تنتظر منك أن تكتشفها. والألوان المهيمنة هي مزيج من الذهبيّ والأبيض والأخضر. وعندما تقف في الشارع سيخيّل إليك انك تقف تحت قبّة زرقاء قشيبة داخل ضريح إسلامي فخم.
وأنت في عشق أباد تذكّر انه يُحظر على أيّ شخص قيادة سيارة متّسخة في شوارع العاصمة، وإذا غفلت عن هذا فستنتظرك غرامة.
هنا أيضا يمكنك أن ترى أضخم سجّادة في العالم منسوجة باليد بالكامل في متحف السجّاد الذي يخبرك الكثير عن تاريخ هذه المهنة التركمانية القديمة. وستعجبك أيضا الأشكال المطرّزة والتصاميم الجميلة التي تميّز الملابس التراثية والمجوهرات. وبإمكانك أيضا أن تتذوّق الخبز التركمانيّ المشهور المسمّى "تشوريك".
بعض من سبق لهم زيارة عشق أباد يصفونها بأنها مكان وسيط بين لاس فيغاس وبيونغ يانغ. واجهات الرخام اللامعة وأضواء النيون الساطعة تذكّرك بلاس فيغاس، خاصّة في الليل. لكن نظافة المدينة وطبيعتها الصناعية والنظام البوليسيّ الصارم الذي يحكم البلاد يذكّر بكوريا الشمالية.
الحصان الصحراويّ الجامح هو الرمز الوطنيّ لتركمانستان. وهو يمثّل عنصر شغف بالنسبة لرئيس البلاد الحالي قربان حميدوف الذي ألف كتابا بعنوان "طيران الجواد السماويّ" ضمّنه بعضا من أفكاره عن الخيول. ولم يفتر حماس الرئيس حميدوف وحبّه للخيول حتى بعد أن سقط من على صهوة حصان في استعراض نقله التلفزيون على الهواء.
وتركمانستان اليوم تحتلّ المركز السابع في قائمة الدول الأقلّ زيارةً في العالم، إذ تستقبل حوالي سبعة آلاف سائح فقط سنويا. وأحد الأسباب هو أن قوانين منح التأشيرات صارمة وتجبر الراغب في زيارتها على أن يغيّر رأيه.
لكن إن كنت مسافرا من النوع الفضوليّ الذي يحرص على رؤية أماكن غير عادية وما تزال مجهولة إلى حدّ كبير، فلا شكّ أن التجربة تستحقّ، على الرغم من كثرة القوانين المقيّدة لحرّية التنقّل والحركة وتعقيدات الحصول على تأشيرة.

Credits
lonelyplanet.com

Saturday, January 19, 2019

قراءات مؤجّلة


صرفتُ بعض الوقت مؤخّرا لقراءة بعض الكتب التي كنت اشتريتها في أوقات مختلفة، لكن لم تسعف الظروف لقراءتها.
  • الكتاب الأوّل رواية "الحبّ في زمن الكوليرا" لغارسيا ماركيز. هذه رواية ملحمية بامتياز يمتزج فيها الواقع بالخيال. السرد سهل ومشوّق ولا يخلو من روح السخرية والشاعرية التي يتصف بها أسلوب ماركيز.
    في هذه الرواية كتب الروائيّ الكولومبيّ إحدى أشهر عباراته التي يجري اقتباسها كثيرا، واصفا فيها شعور بطلي روايته اللذين التقيا بعد فراق دام خمسين عاما. يقول: لقد أدركا أن الحبّ هو الحبّ في كلّ زمان ومكان، وإنه ليبدو أكثر قوّة كلّما اقتربا من الموت".
    وهناك أيضا وصف ماركيز الرائع لشعور بطلي الرواية بعد لقائهما وهما على حافّة الشيخوخة: كلاهما خائف لا يعرفان ماذا يفعلان في تلك المسافة البعيدة عن صباهما على المصطبة المبلّطة في منزل غريب تنبعث منه رائحة أزهار المقبرة.
    ويضيف: بعد مرور نصف قرن، ها هما ولأوّل مرّة وجها لوجه، ولديهما ما يكفي من الوقت لرؤية بعضهما بوضوح وكما هما فعلا: عجوزان يترصّدهما الموت، لا شيء يجمع بينهما سوى ذكرى ماض غابر لم يعد ماضيهما وإنّما هو ماض لشابّين ماتا".
    "الحبّ في زمن الكوليرا" رواية مشوّقة فعلا وهي لا تقل إمتاعا عن رواية ماركيز الأشهر "مائة عام من العزلة".
  • الكتاب الثاني "اسمي احمر" رواية الكاتب التركي اورهان باموك. لسوء الحظ لم استطع قراءة أكثر من أربعين صفحة من الرواية وبعدها توقّفت. والسبب هو أنّني وجدتها بطيئة ومملّة، مع قدر كبير من الإبهام. لذا لم أجد فيها ما يحرّضني على متابعة قراءتها، فركنتها جانبا.
    ولاحظت من خلال التقليب السريع لبعض صفحات الرواية حديث الكاتب عن الألوان والمنمنمات والرسومات القديمة. لكن ذلك لم يغيّر رأيي فيها. وهذا بالتأكيد مجرّد انطباع شخصيّ، إذ قد يكون غيري ممّن قرءوا الرواية وجدوا فيها غير ما وجدته.
  • الكتاب الثالث رواية "ليون الأفريقي" لأمين معلوف. في الرواية يسرد المعلوف بطريقة ممتعة قصّة حياة الحسن بن محمّد الوزّان المولود في غرناطة في نهاية القرن الخامس عشر والمعروف في الغرب بليون الأفريقي.
    نقطة التحوّل في حياة الوزّان حدثت عندما اختطفه قرصان صقلّي يُدعى بييترو بوفاديليا وقدّمه هديّة إلى البابا ليون العاشر دي ميدتشي حبر روما الأعظم وأمير المسيحيين كوسيلة من القبطان للتوبة والتكفير عن ماضيه الإجرامي.
    في مقدّمة الرواية يكتب الوزّان رسالة لابنه وهو في طريق عودته من روما إلى شاطئ أفريقيا بعد انتهاء رحلته الطويلة يقول فيها: لسوف تسمع من فمي العربية والتركية والقشتالية والبربرية والعبرية واللاتينية والعامّية الايطالية، لأن جميع اللغات وكلّ الصلوات ملك يدي. وستبقى بعدي يا ولدي تحمل ذكراي وتقرأ كتبي.
    ويضيف: ماذا ربحت وماذا خسرت وماذا أقول للديّان الأعظم: لقد أقرضني أربعين عاما بدّدتها في الأسفار، فعشت الحكمة في روما والصّبابة في القاهرة والغمّ في فاس، وما زلت أعيش طهري وبراءتي في غرناطة".
    "ليون الأفريقي" رواية ممتعة يمتزج فيها التاريخ بالخيال، والذي لم يقرأها بعد أوصيه بقراءتها.
  • Sunday, January 13, 2019

    رمبراندت أم دافنشي ؟

    في هولندا أُعلن رسميّا أن 2019 هو عام رمبراندت. وأكبر المتاحف الهولندية أعلنت عن تنظيم العديد من المعارض احتفالا بمرور ثلاثمائة وخمسين عاما على وفاة رمبراندت في عام 1669.
    لكن رمبراندت ليس وحده المحتفى به هذا العام الذي يصادف أيضا ذكرى مرور خمسمائة عام على وفاة ليوناردو دافنشي في عام 1519.
    والكثير من الكتّاب رأوا في تزامن هاتين المناسبتين فرصة لطرح هذا السؤال: ترى أيّهما أعظم رمبراندت أم دافنشي؟
    قد يكون الرهان الذكيّ على رمبراندت. ففنّه عميق ومأساويّ ومثير للأفكار والمشاعر. يمكن القول أن بورتريهاته هي المعادل الفنّي لمأساة الملك لير. وروح الإنسان على إطلاقه متجسّدة في صوره.
    في المقابل فإن ليوناردو نجم شعبيّ، وهو ما يزال يشغل الناس حتى بعد مرور خمسة قرون على رحيله. وبالتأكيد لن تشعر بالعزلة وسط كلّ ذلك العدد الكبير من الهواتف الذكيّة التي يحملها السيّاح الذين يفدون إلى اللوفر ليقفوا أمام تحفته "الموناليزا".
    البورتريه الذي رسمه رمبراندت لنفسه بعنوان بورتريه شخصيّ مع دائرتين (الصورة فوق) لا يُرجّح أن تراه محاطا بالكثير من الزوّار والكاميرات في ما لو أتيحت لك زيارته في متحف كينوود هاوس في لندن.
    يمكنك هناك أن تحدّق في عيني الرسّام المظلمتين وهما تتأمّلانك. حضوره الواعي يتبدّى من خلال الألوان الهادئة والناعمة.
    انه يستخدم فرشاته ليخلق نفسه وليخلق في نفس الوقت ما يبدو انه خارطة ناقصة للعالم. رمبراندت يبدو نبيلا وغير كامل، يحدّق فيك كما يحدّق شخص متعب في آخر.
    هل أنجز ليوناردو دافنشي شيئا بمثل هذه الدرامية والإنسانية؟
    قصّة ليوناردو تشبه الحكايات الخيالية. وهناك صورة ذهنية عنه في طفولته وهو يشتري الطيور من السوق فقط لكي يحرّرها ويطلقها في الجوّ.
    إن من التجنّي أن تقارن صورة رمبراندت لنفسه بلوحة الموناليزا. أعجوبة ليوناردو الحقيقية هي رسوماته الأوّلية أو اسكتشاته.
    هو لم يكمل سوى القليل من اللوحات، لكنه لم يحلّق عاليا سوى في اسكتشاته. في صفحات متتالية من مفكّرته، رسم ليوناردو دراسات للطيور والطبيعة والآلات والأسلحة والتحصينات، كما بحث في أسرار الطيران.
    لكن أعظم تجليّات دافنشي البصرية هي رسوماته التشريحية. هذه الرسومات هي ردّه على بورتريهات رمبراندت، كما أنها في نفس الوقت معجزات علمية.
    ذات مرّة كتب ليوناردو عن الرعب الذي شعر به عندما قضى ليلة بأكملها في غرفة تشريح محاطا بهياكل الموتى. ومن تلك التجارب أنتج رسومات أعمق من رسومات رمبراندت. وبدلا من أن يتأثّر بملامح وجه، كان ليوناردو يحفر ويقطع بحثا عن البنى الخفيّة للإنسان.
    وليس هناك من عمل فنّي مثير للأحاسيس من رسمه للجنين في بطن أمّه (الصورة فوق). غموض رسوماته المخيفة للرئتين والقلب، ودقّة رسوماته للعين والدماغ تتمتّع جميعها بحساسية شديدة ومبهرة.
    بالتأكيد يمكن اعتبار رمبراندت شكسبير الرسم. لكن ليوناردو هو شكسبير وآينشتاين والأخوان رايت مجتمعين في شخص واحد.

    Credits
    theguardian.com

    Tuesday, January 08, 2019

    زونارو: الرسّام المنسيّ


    هذه الأيّام لا يكاد احد يتذكّر اسم فاوستو زونارو. لكن قبل أكثر من مائة عام، كان هذا الرسّام الايطالي أشهر فنّان أوربّي عمل وعاش في الشرق.
    كانت لوحاته عبارة عن وثائق تاريخية. وبعضها يُظهر مواقع في اسطنبول لم تعد قائمة اليوم كما أنها غير معروفة بالنسبة للكثيرين. وهي تعكس احتفالات وعادات ومراسم وتقاليد من الزمن العثمانيّ.
    ولد زونارو عام 1854 وأظهر منذ طفولته شغفا بالرسم. وتعلّم في ما بعد في بادوا ثم في أكاديمية فيرونا. وبعد أن عمل في نابولي وفي مدن أخرى عدّة سنوات، قرّر أن يستقرّ في فينيسيا.
    وفي عام 1891، حدثت نقطة تحوّل مهمّة في حياته، عندما وقع في حبّ إحدى تلميذاته وتُدعى اليزابيتا بانتي. ثم قرّر الاثنان أن يتزوّجا ويذهبا إلى اسطنبول عاصمة الدولة العثمانية. وكان ملهم الرسّام لتلك الرحلة ديوان شعر كان قد قرأه لشاعر ايطاليّ يُدعى ادموندو دي اميتشيز يسرد فيه انطباعاته بعد رحلة له لتلك المدينة المشرقية.
    في اسطنبول افتتح زونارو لنفسه محترفا، وحظي برعاية السفيرين الايطاليّ والروسيّ لدى البلاط اللذين قدّماه إلى السلطان عبدالحميد الثاني. ولم يلبث الأخير أن عيّنه رسّاما للبلاط، حيث شغل تلك الوظيفة لأكثر من أربعة عشر عاما. وقد رسم ضيوف السلطان من الأجانب، خاصّة الذين يأتون من أوربّا، كما رسم لوحات متعدّدة لمعالم المدينة.
    كان عبدالحميد نفسه شخصا محبّا للفنون وراعيا للفنّانين، وفي نفس الوقت كان رسّاما موهوبا. وكان قصر يلدز في زمانه أشبه ما يكون بأكاديمية الفنون كما نعرفها اليوم. وكان هناك بهو مخصّص للرسّامين الذين كانوا يعامَلون بلا تمييز من حيث جنسياتهم أو دياناتهم أو لغاتهم أو أعراقهم، وكان البهو يُستخدم في نفس الوقت لتعليم الطلبة الرسم.


    مع مرور الأعوام، تعلّم زونارو اللغة التركية وأتقنها وأصبح أكثر قربا من أوساط الحكم بفضل رسوماته التي صوّر فيها شجاعة وبطولة الجنود الأتراك في مقارعة اليونانيين أثناء حرب عام 1897.
    وقد كافأه عبدالحميد على ذلك مكافأة مجزية وخصّص له منزلا كبيرا يمتدّ على مساحة أكثر من ألفي متر مربّع. وفي ذلك البيت كان زونارو يستقبل ضيوفه من كبار مسئولي الدولة. كما خصّص جزءا من المنزل ليكون ورشة فنّية يرسم ويعرض فيها لوحاته.
    لكن حظوظه تغيّرت فجأة عندما أزيح السلطان عبدالحميد عن العرش في ثورة عام 1908. وقد أراد زونارو أن يرسمه بعد تلك الأحداث، فأخبر السلطان برغبته تلك واستطاع في النهاية أن يقنعه وأصبح هو الفنّان الوحيد الذي رسم بورتريها للسلطان.
    بعد الانقلاب على عبدالحميد، صُرف زونارو عن الخدمة ولم يعد لديه وظيفة. كما صودرت كافّة الحقوق والامتيازات التي كان يتمتّع بها. ومع ذلك أبدى رغبته في أن يبقى في اسطنبول وأن يستمرّ في تأدية واجباته بطريقة مختلفة.
    لكن في ما بعد قرّر أن يعود إلى روما على متن قطار الشرق السريع في مارس من عام 1910. ثم انتقل إلى سان ريمو إحدى أجمل مدن الريفييرا الايطالية. وفي السنة التالية رسم مناظر للأماكن التي تجوّل فيها على امتداد الساحل. كما استمرّ يرسم مواضيع من وحي تجربته وذكرياته المشرقية.
    رسوماته لشواطئ انتيب التي أنجزها في تلك الفترة تشبه كثيرا رسومات مونيه أبي الانطباعية. وقد قيل انه لو أن زونارو كرّس نفسه لرسم الريفييرا الفرنسية والايطالية بدلا من التركيز على الرسم الاستشراقي، لربّما كان الناس سيتذكّرونه اليوم كما يتذكّرون مونيه وسيسلي وبيسارو وغيرهم من رموز الانطباعية.
    ظلّ فاوستو زونارو يعيش في سان ريمو حتى وفاته في يوليو من عام 1911. ولوحاته موجودة اليوم في متاحف اسطنبول وجنوا وميلانو وباريس وغيرها.

    Credits
    pictorem.com

    Wednesday, January 02, 2019

    جزيرة الذرة


    هذا الفيلم ليس للأشخاص الذين يتوقّعون أحداثا سريعة ومثيرة. فإيقاعه بطيء والحوار بين أبطاله يكاد يكون منعدما. لكن الفيلم مع ذلك جميل ومقنع، لأن من الواضح أن مخرجه الجورجي جورج اوفاشفيلي يملك رؤية متماسكة. والفيلم هو تجسيد ناجح لتلك الرؤية.
    بطلا الفيلم رجل عجوز وحفيدته الشابّة، وهما يعملان في زراعة الذرة فوق جزيرة صغيرة على شكل سمكة تقع في منتصف المسافة بين جمهوريتي جورجيا وأبخازيا. والمخرج يرسم من خلال الشخصيات والأحداث بورتريها يمزج فيه بين الصراع السياسي الحاصل اليوم في تلك المنطقة وبين عناصر البقاء هناك والتي تمتدّ لعدّة قرون.
    تقع الجزيرة، حيث تجري الأحداث، في حوض نهر "انجوري" الذي يشكّل الحدود الطبيعية بين كلّ من أبخازيا وجورجيا حيث تمكّن انفصاليون أبخاز في السنوات الأخيرة من فصل هذه المنطقة وإعلانها أرضا تابعة لهم بعد أن طردوا السكّان الجورجيين منها. وقد أمضى المخرج سنوات وهو يبحث عن جزيرة طبيعية مناسبة، ثم اختار أن يشيّد جزيرته من الصفر.
    عدد الكلمات التي تظهر في مقدّمة الفيلم هي أكثر من الكلمات التي ينطقها البطلان على امتداد زمن الأحداث الذي يستمرّ حوالي مائة دقيقة. لكن اللقطات الجميلة والموسيقى الرائعة تكفي لإمتاع العين ومتابعة المشاهد التي تمرّ ببطء.
    افتتاحية الفيلم تشرح انه بعد كلّ فصل شتاء يرتفع منسوب مياه نهر "انجوري" نتيجة ذوبان الأمطار المتجمّدة. وبعد ذلك تظهر في وسط النهر عدد من الجزر الصغيرة التي يستخدمها الأهالي لأغراض الزراعة بسبب خصوبة تربتها.
    والفيلم يبدو أشبه ما يكون بدراسة انثروبولوجية، فالرجل العجوز الأشيب يصل إلى إحدى تلك الجزر ويبدأ في تفحّص التربة بأصابعه. ثم يشرع في تأسيس ما يشبه المستوطنة الصغيرة. وعندما تظهر الفتاة لأوّل مرّة في الفيلم سرعان ما تضفي على جوّه سمة أسطورية.
    والفيلم لا يوضّح العلاقة بين العجوز والفتاة إلا في ما بعد. ومع استمرار الماء في الفيضان وشروق الشمس المتكرّر في سماء زرقاء، يتعاون العجوز وحفيدته في زراعة الذرة في جزيرتهما المنعزلة ويجهّزان الفخاخ لاصطياد الأسماك وتجفيفها. وهما معا يشكّلان فرقيق عمل جيّدا، والذي يوحدّهما هو أملهما بغد أفضل. ولا ينسيان أن يبنيا لهما كوخا صغيرا يقيهما حرارة الشمس وغائلة البرد والمطر.
    ومن وقت لآخر تمرّ بجوارهما قوارب صغيرة تحمل جنودا. وبعض هؤلاء الجند يتحدّثون الجورجية أو الروسية، بينما يتحدّث آخرون الابخازية وهي لغة الانفصاليين والرجل والمرأة.
    وبين الفينة والأخرى تُسمع طلقات رصاص، ولا يمرّ وقت طويل حتى نفهم أن الصراع الحقيقيّ في هذا الفيلم سيشمل الفتاة أيضا. وعندما يلاحظ العجوز أن جمال حفيدته بدأ يلفت انتباه بعض الجند سرعان ما يساوره شعور بالامتعاض ويقرّر أن يراقبها ليحميها.
    احد النقّاد يشبّه بطء وتيرة هذا الفيلم بسفينة تتهادى فوق مياه محيط، ولكي تأخذ انعطافة يلزمها وقت طويل يبدو أثناءه أن لا شيء يحدث حقّا في الفيلم. لكنه في نفس الوقت يأخذ المتفرّج في رحلة رمزية ومنوّمة.

    Credits
    net.adjara.com