:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, March 14, 2015

خواطر في الأدب والفن

يوم في الجنّة


يقال أن كليوباترا كانت تعيش في غيمة من البخور وترى في مناماتها أحلاما أرجوانية. كانت ملكة مصر القديمة تتحمّم بالبخور والمرّ واللوتس وخشب الصندل وماء الورد قبل أن تسافر على ضفّة النيل على متن قارب، كما يقول شكسبير، لدرجة أن الرياح كانت تحبّ عطرها.
وفي اليابان، تُعرف رياح شهر مايو تقليديا بأنها أجمل رياح العام، لأن مايو هو الوقت الذي تهبّ فيه الرياح العطرية.
وأنا أغلق عينيّ بعد ظهيرة احد الأيّام، نقلني صوت الرياح على الفور إلى خارج النافذة. كنت دائما أتساءل عن السبب في أن غالبية الناس يفضّلون برزخ "دانتي" على جنّته التي يسمّيها باراديزو .
ترى هل أنا الوحيد الذي لا يستطيع تصوّر الجحيم تماما، بينما أجد نفسي في كثير من الأحيان ضائعا في أحلام الجنّة؟
الجنّة كانت وما تزال احد أقدس الدوافع والأفكار في تاريخ الإنسان. ودائما وفي كلّ وقت تقريبا، كان هناك من يتوق لنوع من الكمال على الأرض.
كولومبوس، ذلك البحّار الموسوس والفضولي، ظنّ أن أمريكا الجنوبية هي جنّات عدن بسبب طيور الببّغاء التي رآها تتكلّم هناك. كان كولومبوس يعتقد أن جميع الحيوانات والطيور كانت تتكلّم قبل السقوط أو الطرد من الجنّة.
هذا الأمل في وجود جنّة من نوع ما يدفع بالبشرية إلى الأمام ويحفّز على التغيير ويعد بالخلاص. لكنّه أيضا مرتبط بالمعتقدات النهائية مثل ارماغيدون والخطيئة الأصلية والشهادة وكلّ الأفكار التي تؤثّر على الحياة الحديثة، حتى عندما تكون مختفية تحت قشرة من العلمانية.
بالنسبة لي، الجنّة تشبه حديقة فارسية. أتصوّرها عامرة بعبير الورد والياسمين والغاردينيا. وفيها موسيقى ونسائم ربيعية معطّرة ونزهات لا تنتهي.
أتخيّل فيها أدونيس وهو يطلق طائراته الورقية، بينما يهيم الفلاسفة على وجوههم بالجوار وأرسطو يتناقش مع السنيور بورخيس. وبينما هما يتحدّثان، يبحثان عن اسم الله على بتلات الأزهار.
استطيع أيضا أن أتخيّل "سام هاميل" وهو يتلو قصائد من كتابه "الجنّة"، بينما يرسم "توليو" خرائط لعوالم خيالية بالحبر الأسود. ابن رشد وابن سينا هما أيضا هناك.
الفلاسفة في الجنّة يتحدّثون جميع اللغات التي يمكن للمرء أن يسمعها في عالم الدنيا. آنا كارينينا وحبيبها الكونت اليكسي فرونسكي يحتضنان بعضهما وهما يجلسان تحت شجرة لوز كبيرة.
النزهات التي لا تنتهي تتضمّن الشاي الصيني الأسود والشمبانيا المجلوبة من جبال فورموزا والشاي الأخضر الذي يُقدّم في أوان خاصّة مع حلويات لذيذة من متاجر مقاطعة الغيوم البعيدة.
وعلى البعد يلوح بناء ضخم تلامس قمّته السماء الزرقاء المتلألئة. هذه هي مكتبة الجنّة التي تحتوي على كلّ الكتب التي الّفت في جميع العصور. بورخيس يكتب ويؤلّف كتبه هنا في هذا المكان المهيب.
وتحت أشجار اللوز، يمكنك أن ترتاح قليلا وتستمتع بسماع صوت الرياح في الأشجار أو تقرأ شذرات من شعر حافظ أو عمر الخيّام.
الجميع في الجنّة لهم أجنحة مصنوعة من قوس قزح. وهناك أنفاق طويلة مغطّاة بالأزهار البيضاء والزرقاء والأرجوانية تشبه الممرّات المغطّاة في قصر الصيف خارج بيجين. ممرّات طويلة مظلّلة ومفروشة أرضها بالأزهار كانت الإمبراطورة الأرملة في حكم سلالة تشينغ تمشي فيها وهي تقرأ في كلّ مرّة كتابا.
أتذكّر تلك الرسومات التي تصوّر طيور الجنّة على جدران بعض الكهوف البوذية. من المعروف أن الطيور في الجنّة البوذية تبدأ في الغناء حتى قبل أن تفقس من بيضها. كما أن أغنياتها جميلة جدّا وتشبه شدو الملائكة.
الحدائق المشذّبة والملائكة، وكذلك الجبال التي تلوح في الأفق، والأنهار التي تتدفّق بالماء العذب، هي أفكار مشتركة عن الجنّة في معظم الثقافات القديمة.
في جنّة "دانتي" ليس هناك مفهوم للتنوير. الروح عند هذا الشاعر الايطالي ليست موردا ينبغي تحسينه أو الانتفاع به، والبشر لا يرومون انفصالا أو كمالا من أيّ نوع. كلّ ما هو مطلوب منهم هو الحبّ والأمل. هذا كلّ شيء. والإيمان والإخلاص ليسا سوى اسمين آخرين لهما.
مثل القبلة، ومثل الحبّ، ومثل كلّ شيء جدير بالاهتمام، فإن الجنّة هي أساسا عن الجمال والمرح. إنها الأرواح التي يقودها بحثها الميتافيزيقيّ عن إله إلى خلق واقع يحدّد نفسه بنفسه.
الجنّة تشبه صورة مثالية، تماما مثلما تصفها الليدي موراساكي بطلة إحدى الروايات اليابانية: مزهرية ملأى بالعطور.

❉ ❉ ❉

ليل تضيئه الشموع


الرسّام الهولندي بيتروس فان سكيندل كان متخصّصا في رسم المناظر الليلية التي تضيئها الشموع. ولم يكن احد من معاصريه ينافسه في هذا النوع من الرسم.
رسم مناظر الليل المضاءة بالشموع كان منتشرا في هولندا القرن السابع عشر. وأوّل من بدأه كان الرسّام الهولندي جيرارد دو.
في فرنسا كانوا يلقّبون فان سكيندل بـ "مسيو شانديل" أو "السيّد الشمعة" لكثرة ما تظهر الشموع في مناظره. كان بارعا خاصّة في تصوير مناظر الأسواق ليلا.
في بعض لوحاته يمكن أن ترى عدّة مصادر ضوء في وقت واحد، مثل ضوء القمر ووهج شمعة أو مصباح، وأحيانا مصادر ضوء أخرى لا تُرى.
كلّ التفاصيل في اللوحة إلى فوق تؤشّر إلى براعة فان سكيندل ومقدرته في التعامل، ليس مع الضوء فحسب، وإنما مع التوليف العام للوحة ومع التفاصيل ككلّ.

❉ ❉ ❉

اكتشاف النار


يبدو أن لا اكتشاف يمكن أن ينافس في الأهمّية اكتشاف الإنسان الأوّل للنار. أسلافنا استطاعوا أن ينتشروا في الأرض ويستكشفوا الطبيعة في جماعات صغيرة بفضل النار. والنار هي التي منحت الإنسان القوّة وسمحت له بتعديل الطبيعة التي عاش وتطوّر ضمنها.
وما عليك إلا أن تراقب وجه طفل رضيع يحدّق في النار لكي تدرك عمق افتتاننا بها وأنها متجذّرة في عقل الإنسان منذ الأزل.
أحيانا نتخيّل، نحن البشر، أننا بفضل ما وُهبنا من ذكاء وبراعة نعلو فوق غيرنا من المخلوقات والحيوانات. لكن هذا غير صحيح، إذ يجب أن نتذكّر أننا في نهاية الأمر من الثدييات، أي المخلوقات التي تمشي بجذع منتصب، ويقال أننا ننحدر من نوع قديم من القرود منشؤها أفريقيا.
ويُعتقد أيضا بأننا نحن البشر نصنع الأدوات منذ أكثر من مليونين ونصف المليون عام. لكن هذا لا يعطينا أفضلية على غيرنا من المخلوقات، فغيرنا من الحيوانات تستطيع صنع الأدوات أيضا، مثل ثعلب الماء مثلا الذي يستخدم الحجارة لكسر المحار.
ما يميّز الإنسان حقّا عن غيره من الخلق هو إتقان النار. وقبل افتراض أننا الوحيدون الذين يستخدمون النار في الطبيعة، يجب أن نفكّر في الأمر قليلا. فالصقور في استراليا تلتقط العيدان المحترقة في غابة ثم تسقطها لكي تنتشر النار أكثر فتضطرّ الحيوانات العالقة بين الأشجار إلى الخروج ومن ثمّ يسهل اصطيادها.
وبحسب علم الآثار، فإن أوّل إشارة لتحكّم الإنسان في النار تعود إلى العصور القديمة. ويبدو أن الإنسان حصل لأوّل مرّة على النار من مصادر الطبيعة كحرائق الغابات التي كانت تظلّ مشتعلة لأيّام أو أسابيع.
وحتى هذه الأيّام، ما يزال هناك بعض القبائل البدائية التي تحمل النار معها أينما ذهبت، وبذا لا تحتاج أبدا لإشعال نار لأنهم لا يتركون نارهم تنطفئ مطلقا. ويمكن القول أن هذه هي أقدم نار في العالم. وبعض القبائل كان من عادتها أن ترسل عدّائين ليذهبوا إلى قبائل أخرى لإحضار نار من عندهم إذا انطفأت نارهم.
اكتشاف الإنسان الأوّل للنار كان سلاحا قويّا لردع اعنف وأقسى الحيوانات الضارية. وباكتشاف النار تبدّد الخوف من أخطار الليل. وأصبحت النار مركز الحياة عندما بدأ أسلافنا يلتفّون حولها في الليل بسعادة.
وبفضل النار استطاع الأسلاف أيضا تعلُّم كيف يطبخون طعامهم بتحسين نكهته وتحييد السموم النباتية وتدمير البكتيريا الضارّة. ونتيجة لذلك تنوّعت أطعمتنا وتعدّدت. ويقال إن طعامنا الذي طوّرته النار أسهم في نموّ أدمغتنا بحيث أصبحت اكبر.
وإلى ما قبل تمكّن الإنسان من تسخير النار واستغلالها، كان طول النهار يحدّده ضوء الشمس. لكن مع ضوء النار أصبح اليوم أطول وأتاح ذلك المزيد من الوقت للاتصال وتبادل الأفكار بين البشر.
في لغة الإشارة عند الهنود الحمر، فإن المجيء إلى النار يتضمّن مفهوم اللقاء للحديث ومشاركة الأفكار. حتى الأضواء التي نراها هذه الأيّام في مقدّمة خشبة بعض المسارح تحاكي ذلك الضوء المنبعث من النار الذي كان ينعكس على وجه الحكواتي القديم من أسلافنا.
طبعا فكرة كيف تسنّى للإنسان القديم أن يقدح نارا لا بدّ وأنها شغلت وما تزال عقول الكثيرين. وربّما كنت أنت أيضا من بين أولئك الذين تساورهم الرغبة في السفر عبر الزمن إلى الماضي كي تشهد أوّل تجربة أجراها الأسلاف لإنجاز هذه المهمّة البارعة والعظيمة.

❉ ❉ ❉

رُودان والجحيم


أثناء حياته، كان اوغست رُودان يقارن بميكيل انجيلو وكان معترفا به كأعظم فنّان في عصره. أشهر أعماله هو تمثال "المفكّر" الذي كثيرا ما استُخدم خارج أوساط الفنّ التشكيلي كرمز للانفعالات وللشخصية الإنسانية.
قبل أن يبدأ رودان في نحت "المفكّر"، كان في ذهنه أن يرمز التمثال إلى الشاعر الايطالي دانتي. غير أن العمل تطوّر إلى ما هو ابعد من مرجعيّته المباشرة وأصبح يمثّل المثقّف ذا العضلات، أي الذي يمارس نفوذا وتأثيرا في مجتمعه.
وهناك نسخ كثيرة من تمثال "المفكّر"، حوالي اثنتي عشرة نسخة تحديدا، أكبرها تلك الموجودة في ستانفورد والتي تزن أكثر من طنّ. ومتحف رودان في باريس هو عادة من يمنح الحقّ لمن شاء لنحت نسخ مماثلة من هذا التمثال.
وأنت تدخل إلى هذا المتحف، سترحّب بك منحوتة أخرى عظيمة لرودان ولا تقلّ شهرة، وهي المسمّاة بوّابات الجحيم . هذه المنحوتة الرائعة قد لا تشبه أيّة منحوتة أخرى رأيتها من قبل. وقد استلهمها النحّات من جحيم دانتي.
رودان كان يعتقد أن الجحيم ليس فقط مكانا للأموات، وإنّما للأحياء أيضا. الكرب والمعاناة وإرادة البقاء والجمال والرعب، كلّ هذه الأشياء تراها في هذا العمل الفنّي المتميّز.

Credits
livescience.com
tangdynastytimes.com

Wednesday, March 11, 2015

ألوان إل غريكو


رغم اسمه المستعار الذي يعني "الإغريقي"، فإن إل غريكو لم يكن يسمّي نفسه "اليوناني"، بل كان يوقّع لوحاته باسم "الكريتي" نسبة إلى جزيرة كريت حيث وُلد.
لوحات هذا الرسّام عندما يعاد استنساخها تموت. ولا يوجد رسّام آخر يمكنه أن يعيد إنتاج ذلك اللون البنفسجي الفانتازي أو الأزرق السماوي بمثل تلك الروعة والدقّة.
وإذا كان هناك من لا يزال يفضّل نكهة لوحات إل غريكو، فإن أفضل مكان لتذوّق صوره هو طليطلة؛ المدينة التي وصلت فيها موهبته الفنّية إلى أوجها.
وخيال إل غريكو يمكن مضاهاته بالطابع الفخم لمباني هذه المدينة. وفقط في طليطلة بإمكاننا أن نرى كيف أن مناظره الغيمية في السماء وعلى الأرض استفادت من الدراما المتحوّلة التي كانت تحدث في الجوّ فوق رأسه.
ورغم ذلك، فإن الرجل الذي قضى النصف الأوّل من حياته على ارض جزيرة كريت مسقط رأسه لم يستطع أبدا محو ذكرى ألوان الجزر اليونانية المشبعة بأشعّة الشمس. وهذه الألوان تتردّد كثيرا في أعماله كاللون الفيروزي لمياه بحر ايجه، واللون الأصفر البرّاق لأزهار المارغيتا التي تفترش حقول كريت في بدايات الصيف، واللون البنفسجيّ الساحر والهشّ لشقائق النعمان الذي حوّله إلى شال يغطّي الرأس الأحمر لمريم المجدلية في إحدى لوحاته المبكّرة والفخمة "فوق".
في طليطلة عاش إل غريكو حياة بسيطة واستطاع التكيّف بسرعة مع أجواء هذه المدينة التي شُيّدت في الأساس من امتزاج الثقافات الإسلامية واليهودية والمسيحية.
الموقع الجغرافيّ الدراماتيكي لطليطلة مكّن الرسّام من ابتكار حيل لا نهاية لها للتلاعب بالسماء والغيوم والطبيعة.
من ناحية أخرى، كانت كريت، اكبر الجزر اليونانية منذ العصر البرونزيّ على الأقل، عالما منعزلا ثقافيّا وسياسيّا. وفي القرن السادس عشر، كان معظم البرّ الكريتي واقعا تحت سيطرة الحكم العثماني. وفي زمن إل غريكو كانت كريت تُحكم من قبل حامية عسكرية كانت تشكّل عُشر عدد سكّان الجزيرة.
الرسّام الايطالي تيشيان ربّما كان النموذج المفضّل عند إل غريكو. غير أن تعامل غريكو مع الألوان الزيتية يعكس أيضا دراسته عن قرب لأسلوب تنتوريتو، الرسّام الايطالي الآخر المشهور بقطعه اللامعة من الطلاء والتي تحاكي منظر تساقط المطر.
ولا بدّ وأن فينيسيا كانت المكان الذي بدأ فيه إل غريكو جمع الكتب، ومعظمها كان باليونانية والايطالية. كان يمتلك مكتبة تحتوي على العديد من الكتب. ولم يكن يشتري الكتب للزينة أو التباهي، بل كان يقرؤها بعناية ويسجّل أفكاره الخاصّة في هوامشها. وقد اشترى، من ضمن ما اشترى، نسخة من كتاب جورجيو فاساري "تاريخ الفنّانين" وملأ هوامشه بملاحظاته وتعليقاته بالايطالية.
ويبدو أن إحساسه بالأبوّة كان العلامة الأكثر عمقا في حياته. فقد أسره منذ البداية جمال نساء طليطلة. وبعد عام من وصوله إليها، كانت إحداهنّ، واسمها هيرونيما ، قد حملت منه بطفل. لكن إل غريكو والمرأة لم يتزوّجا أبدا. ويبدو أنها توفّيت بعد وقت قصير من ولادة طفلهما.
هذا الطفل هو جورج مانويل الذي سيظهر في ما بعد على هيئة صبيّ أنيق وجميل الملامح في تحفة إل غريكو المسمّاة دفن كونت اورغاس .


في الرسم الاسباني كان من النادر أن ترى منظرا طبيعيّا. وهذه الندرة يمكن عزوها للتاريخ الإسبانيّ نفسه. فحركة الإصلاح الكنسيّ المضادّ في اسبانيا القرن السادس عشر كانت تتّخذ موقفا معارضا بشدّة من الأفكار الكلاسيكية والانسانوية.
والعقيدة الكاثوليكية ذات التفسير المتشدّد للدين كانت تنظر إلى موضوع الطبيعة البشرية، والطبيعة إجمالا، على انه منحطّ وفاسد. وأن تتأمّل جمال الطبيعة، معناه أنك تشغل نفسك بفعل من أفعال الزندقة والوثنية. ونتيجة لذلك، ظهرت أنواع عدّة من رسم الطبيعة.
لكن خلال النصف الثاني من القرن السادس عشر، أي عندما أتى إل غريكو ليعيش في اسبانيا، اكتسح تيّار صوفي وغنائيّ اسبانيا. وبدلا من رسم الأرض خضراء ومضيافة، بدأ الرسّامون يستخدمون الطبيعة كمكان للأحداث المقدّسة.
وفي مناظر إل غريكو الطبيعية يمكن أن نرى هذه العاطفة المشبوبة. فأسلوبه العصبيّ والصوفيّ والرؤيويّ في الرسم لا يعبّر فحسب عن المناخ الفكريّ والثقافيّ لعصره، وإنّما أصبح بعد قرون نموذجا للجيل التالي من الرسّامين الاسبان، بمن فيهم دي غويا وثولواغا وبيكاسو ودالي وخوان ميرو وغيرهم.
اسبانيا بدأت رحلة أفولها الطويل كقوّة عالمية مهيمنة ابتداءً من النصف الثاني من القرن السابع عشر. وخلال تلك الفترة من العزلة النسبية، ظلّت البُنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية القديمة على حالها، الأمر الذي عطّل عمليات تحديث البلاد. ومقاومة التغيير هذه أنتجت عادات وثقافة وفنّا متفرّدا ومختلفا عمّا كان موجودا في بقيّة البلدان الأوربّية.
المناظر الطبيعية الاسبانية أصبحت تجسّد العمود الفقري لهويّة البلاد. والكتّاب والفنّانون في أواخر القرن التاسع عشر رفعوا ذلك النوع من الرسم إلى مستويات من التقشّف والقوّة وأصبح مزيجا من الصور الأسطورية والتاريخية المستمدّة من الأحداث العظيمة من الماضي. وصار الرسم الاسباني للطبيعة يعبّر عن التاريخ الوطني، وأيضا عن الروح الفردية والجماعية.
رؤية إل غريكو كانت متجذّرة في تجاربه الشخصية وفي المناخ الديني لحركة الإصلاح المضادّ، أي عندما كانت البروتستانتية تشكّل تهديدا للكنيسة الكاثوليكية.
ولوحاته تبدو عاطفية مع تشوّهات مستطيلة واستخدام بارع للضوء والعتمة وإحساس قويّ بالحركة. في لوحته عن القدّيس يوحنّا ، وهي إحدى آخر لوحاته وأكثرها غموضا، يرسم شخصية هذا الناسك وهو يرفع يديه بالدعاء إلى السماء. وفي الخلفية تظهر سماء مضطربة وقطع من الحرير الأصفر والأخضر المنسدل وراء الأشخاص.
هذه اللوحة تصوّر حادثة من الإنجيل. والرسّام ضمّن رؤيته عن القصّة تشويها للأشكال وتحوّلات لنقاط الرؤية وضوءا مسرحيّا وطاقة روحانية ومظهرا ديناميكيا. وقد عمل على اللوحة لستّ سنوات وحتى وفاته في العام 1614م.
كانت تلك أصعب سنوات حياة إل غريكو. كان وقتها يعاني من الإفلاس المالي ومن أفول نجمه قبل الأوان. ولأنه كان بلا دخل ثابت أو موارد، فقد واجه غائلة الفقر والحاجة. ولا بدّ وأن الأمر تطلّب منه إيمانا لا يُصدّق كي ينجز هذه اللوحة الرؤيوية المتميّزة.
المعروف أن هذا العمل تعرّض للإهمال، وأحيانا للتخريب. وما نراه اليوم ليس سوى جزء بسيط من اللوحة الأصلية التي ضاع الجزء العلوي منها مع تغيّر الظروف وتقادم الزمن.

Credits
guggenheim.org
nybooks.com