:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Wednesday, January 22, 2014

فرانز ليست: العبقريّ الجميل

جزء من جمال هذا العالم المجنون هو انه يحتوي من القصص والحكايا على كلّ ما هو طريف واستثنائي وغريب. وإذا اخترنا أن نتذكّر "فرانز ليست" كمثال، فلأنه كان شخصيّة أسطورية وكاريزماتية ومعقّدة جدّا، بدءا من حبّه العجيب للحياة، ومرورا بقصّة تزويجه ابنته لزميله الموسيقيّ ريتشارد فاغنر، وانتهاءً بلجوئه إلى الدين.
في هذه اللوحة التي تعود إلى العام 1840، يرسم جوزيف دانهاوزر فرانز ليست وهو منهمك في العزف على بيانو كبير في صالون باريسي. وفوق البيانو يظهر تمثال نصفيّ لبيتهوفن. وفي الصورة أيضا حشد متخيّل من كبار شخصيّات ذلك الزمن مثل الكسندر دوما وجورج صاند وماري داغو وفيكتور هوغو ونيكولو باغانيني وجياكومو روسيني، بالإضافة إلى بورتريه للورد بايرون.
كان "ليست" النجم الأكثر نجاحا والأطول عمرا في كلّ تاريخ الموسيقى الكلاسيكية. وقد اكتسب جمهورا وأتباعا بأكثر ممّا استطاع أن يفعله أيّ موسيقيّ جاء قبله أو بعده. كما كان، ولا شكّ، أعظم عازف بيانو في جميع العصور.
إقرأ ما كتبه هاينريش هايني واصفا سلوك الجمهور في إحدى حفلات "ليست" التي أقامها في ايطاليا وأكّدت ما كان له من تأثير كبير على معظم أوروبّا خلال سنوات منتصف القرن التاسع عشر. يقول: كان ظهوره في أيّ مكان كفيلا بإثارة جنون النساء. التصفيق الذي يقابَل به كان دائما عاصفا وهستيريّا. كان نوعا نادرا من الجنون؛ الجنون الذي لم يسمع بمثله احد في تاريخ الضجيج".
كان "ليست" نجم الجماهير الأشهر بأوصاف عصرنا الحاضر. النساء والرجال كانوا يتجاوبون بطريقة هستيرية مع حفلاته. كان عزفه يرفع مزاج الجمهور إلى ما يشبه النشوة الصوفية. وكان الجميع يتكالبون عليه ويتقاتلون للحصول على مقتنياته الشخصية.
كانت تحيط به سيّدات منوّمات أو مغمى عليهنّ تقريبا. بعضهن كنّ يلقين بالزهور على المنصّة، بل وحتى بالمجوهرات مع صرخات وتصفيق مدوٍّ. وأخريات كنّ يسرقن خصلات من شعره أو يتشاجرن للحصول على أعقاب سيغاره وبقايا ريقه الذي يتركه على فناجين القهوة.
وهؤلاء لم يكنّ نساء عاديّات. كنّ من نخبة المجتمع الباريسي في القرن التاسع عشر. وقد ضربن عرض الحائط بجميع قواعد اللياقة الاجتماعية لإظهار عشقهنّ للعازف الرومانسيّ الوسيم.
وبينما كانت شعبية "ليست" تزداد، كان معجبوه يكتبون إليه طالبين منه المزيد من خصلات شعره. وأمام هذه الطلبات الكثيرة، اضطرّ لقصّ شعرات من كلبه وبدأ في إرسالها إلى المعجبين. وهكذا ثبت مرّة أخرى أن الكلب أفضل صديق للإنسان!
حاوِل أن تتخيّل اتجاها واحدا يمثّله رجل واحد مع بيانو وسترة جميلة وملامح وسيمة وأسلوب خاصّ في العزف، وربّما مع بعض حبّات الكَلَف في وجهه.
مظهر "ليست" الوسيم واللافت للنظر وأدبه وأناقته ولباسه الفخم لم تكن عوامل كافية لضمان الشهرة والنجاح اللذين حقّقهما. كانت عبقريته الموسيقية النادرة وراء نجاحه الكبير. كان يستطيع قراءة الموسيقى بشكل أسرع وأكثر دقّة من أيّ موسيقيّ آخر في زمانه. وكان يمتلك في يديه قوّة وخفّة حركة لم يكن ينافسه فيهما أيّ عازف بيانو آخر في ذلك العصر.
ولم يكن منتهى طموحات "ليست" أن يكون عازف بيانو أو ملحّنا كبيرا. كان مزيجا غريبا من عدّة أشخاص. وقد أراد أيضا أن يكون رجل علم وشخصية اجتماعية وكاهنا في كنيسة. وكان من عادته أن يقرأ كلّ كتاب يجده. كما تعرّف عن قرب على كلّ من صادفهم في طريقه من أمراء ونبلاء ودوقات وكونتيسات.. إلى آخره.
ولكن كيف تسنّى لصبيّ من قرية صغيرة في هنغاريا أن يكبر ليصبح نجما ساحرا وعاجيّ الرنين؟ ماذا كان سرّه؟ الإجابة يمكن أن تُختزل في كلمة واحدة: التدريب. ثم التدريب. والكثير من التدريب.
بدأ "ليست" دروسه في العزف على يد والده وهو في سنّ السابعة. وعندما بلغ التاسعة، كان قد أدّى أوّل عزف علنيّ له. وفي سنّ السادسة عشرة، أي عندما توفّي والده، كان يتنقّل من منطقة لأخرى في باريس كي يعطي دروسا في العزف على البيانو.
لكن ماذا كان يفعل شابّ مبدع في القرن التاسع عشر ليساعد نفسه على التأقلم مع الكدح المستمرّ المتمثّل في تدريس الباريسيين العزف على البيانو؟ استغرق العازف الشابّ في التدخين والإدمان على الشراب وعلى النساء. كانت النساء بنفس أهمّية التدريب المستمرّ بالنسبة لمسيرته المهنية.


خذ مثلا حالة الكونتيسة ماري داغو . تركت هذه المرأة زوجها لتلهو مع "ليست" في العام 1835. وأثمرت تلك العلاقة عن ثلاثة أطفال. كما أنتجت علاقتهما مجموعة من المؤلّفات التي كتبها "ليست" والتي تؤشّر إلى انه استفاد بشكل خلاق من وجود هذه المرأة إلى جواره.
ثم هناك حالة الأميرة كارولين فيتغنشتاين ، التي قرّرت أن يكون "ليست" بديلا لزوجها بعد أن رأته يعزف في حفل في كييف في عام 1847. وفي محاولة منها لإبقائه بعيدا عن جحافل المشجّعات المنتشيات اللاتي يحاولن الاقتراب من ملابسه الداخلية، اقترحت عليه الأميرة أن يركّز على التأليف، فترك الحفلات العامّة وخلّف وراءه سمعة تقترب من الكمال وهو ما يزال في منتصف الثلاثينات.
وقد رفضت الكنيسة الكاثوليكية، التي كثيرا ما كانت تتدخّل لتفسد الأمور، السماح لـ "ليست" وأميرته بالزواج. ولم يلبث أن فقد اثنين من أطفاله. وتحوّل بعد ذلك ليصبح شخصا متديّنا وكئيبا. ثمّ انضمّ إلى سلك الرهبنة وارتدى جلباب كاهن وصار الناس ينادونه بـ "الأب ليست" وأصبح يقضي جزءا من وقته في أحد الأديرة. وكلّ هذا أضفى على العازف الوسيم والموهوب لمسة من الغموض والرومانسية.
ارتبط "ليست" بعدد لا يُحصى من النساء. ويُعتقد بأنه أنجب العديد من الأطفال خارج إطار الزواج. وبعد وفاته مباشرة، ظهر مئات الأشخاص الذين يدّعون أنهم أبناؤه. وكان قد أنكر أثناء حياته احد طلبات الأبوّة تلك كتابةً بقوله: أعرف والدته فقط عن طريق المراسلة. والإنسان لا يستطيع انجاز مثل هذه الأمور من خلال تبادل الرسائل".
على الجانب المهني، يذكّرنا "ليست" بأن مقاربتنا للموسيقى الكلاسيكية لا ينبغي أن تعتمد على عامل الجنسية أو القومية. الناس عادة يريدون أن يسمعوا موسيقيين هنغاريين يعزفون بارتوك ورُوساً يعزفون تشايكوفسكي وإنجليزا يعزفون إيلغار وفرنسيين يعزفون ديبوسي وأمريكيين يعزفون كوبلاند . و"ليست" يتحدّى هذا التصنيف السهل. بإمكانك أن تعتبره موسيقيّا هنغاريّا وألمانيّا وفرنسيّا من حيث الجوهر وفي نفس الوقت. نفوذه كفنّان وملحّن كان يتجاوز الولاءات الوطنية والانتماءات والتصنيفات القومية.
وعلى الرغم من شعبيّته الكاسحة، إلا أن الأمور لم تكن تخلو من بعض المتاعب والتحدّيات. فقد كان له منافس خطير تمثّل في شخص عازف بيانو سويسري يُدعى سيغيسموند تالبيرغ . كان "تالبيرغ" هو الآخر عازفا موهوبا وقادرا على إدهاش جمهوره.
وكان الملحّن الفرنسيّ الشهير هيكتور بيرليوز قد منح "تالبيرغ" تقييما أعلى من "ليست". ثم انقسم عالَم باريس الموسيقيّ إلى معسكرين: أنصار "ليست" وأنصار "تالبيرغ"، في ما بدا وكأنه تأجيج للصراع بين الرجلين. وقد ذهب "ليست" إلى حدّ وصف ما كان يعزفه "تالبيرغ" بـ "الزبالة". وعندما اقترح عليه "ليست" أن يعزفا معا ردّ "تالبيرغ": لا شكرا! لست بحاجة إلى شخص لمرافقتي"!
وفي نهاية المطاف، تمكّنت أميرة ايطالية من ترتيب حفل موسيقيّ يتناوب على العزف فيه كلّ من الاثنين. وعلى الرغم من مهارة "تالبيرغ"، إلا أن "ليست" اختير باعتباره العازف الأفضل. وبالتأكيد عاش اسمه كموسيقيّ أطول من اسم منافسه.
صحيح أن "ليست" كان نجما كبيرا واستطاع أن يراكم ثروة لا بأس بها، ولكنه كان دائما يفضّل أن يعيش حياة بسيطة ومتواضعة. كما كان إنسانا سخيّا جدّا. لكن سمعته كزير نساء طغت كثيرا على كرمه المعتاد. كان الناس يتوافدون على بيته لأخذ دروس في العزف والتلحين بالمجّان. وبعد أن أصبح شخصا غنيّا، صار يقدّم لتلاميذه مصروفا يوميّا. وكلّ من عزف بحضوره مرّة أو مرّتين في جلسة، أصبح يصف نفسه بأنه من تلاميذ "ليست".
موسيقى "ليست" مثيرة للجدل مثل صاحبها. البعض يعتبرها مبتذلة ومنمّقة أكثر من اللازم. والبعض الآخر يثني على مقطوعاته الرومانسية على وجه الخصوص. ومع ذلك، لا احد ينكر أصالة الرجل ونفوذه وأهمّيته بوصفه صانع ما يُسمّى بالقصيدة السيمفونية. وهناك من يشير إلى أن "ليست" وجد طرقا جديدة لاستغلال البيانو. أعماله للبيانو تحتوي على قفزات جريئة، كما أن أنغامه محاطة أحيانا بأصوات تتابعية تمنح انطباعا بأن ثلاث أيد، لا يدين فقط، هي التي تعزف على البيانو.
وعلى الرغم من أن "ليست" كان ما يزال مؤلّفا نشطا ومعلّما للموسيقى خلال العقد الأخير من حياته، إلا أن صحّته كانت تذبل تدريجيا إلى أن توفّي بالالتهاب الرئوي في 31 يوليو من عام 1886 عن عمر ناهز الرابعة والسبعين.
هذا هو "فرانز ليست"، العبقريّ الوسيم والجدير بالاحتفاء.
والآن حاول أن تستمع إلى هذه القطعة من ثلاثيّته للبيانو المسمّاة حلم الحبّ لتكتشف جانبا من براعته في التأليف والعزف.
وإن أردت سماع شيء أكثر جدّية، فاسمع مجموعة ارتجالاته الهنغارية التسعة عشر على البيانو. شخصيّا أفضل اللحن الثاني من تلك المجموعة "الفيديو فوق". بإمكانك أيضا سماع نفس هذا اللحن على البيانو المنفرد هنا أو بمصاحبة الاوركسترا على هذا الرابط.

Credits
classicalarchives.com
lisztsoc.org.uk
pianostreet.com