:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Friday, August 08, 2014

المرّيخ واحد/2

في الجزء الأوّل تناولنا بعض الأسباب التي يسوقها المعترضون على مشروع Mars One(أو المرّيخ واحد) الذي يهدف إلى إرسال مركبة مأهولة إلى المريخ. وفي هذا الجزء نستعرض حجج مؤيّدي المشروع والتي يمكن تلخيصها في الأمور التالية:
  • الكثير من الأنشطة التي يمارسها البشر لا تخلو بطبيعتها من عنصر مخاطرة. الطيّار يخاطر عندما يقود طائرة غير مفحوصة. والمستكشف يخاطر عندما يذهب إلى مناطق مجهولة. والجنود يخاطرون إذ يذهبون إلى مناطق صراع. وأيضا روّاد الفضاء يخاطرون بذهابهم إلى الفضاء البعيد. والمجتمعات لا تتطوّر من دون أشخاص يخاطرون بأنفسهم وحياتهم.
    وهؤلاء الأشخاص الذين يريدون الذهاب إلى المرّيخ إنما يبادلون حياتهم بمكان عظيم في كتب التاريخ بخدمتهم العلم ومستقبل البشرية. ويجب ألا يحال بينهم وبين تحقيق ذلك.
  • في ماضي الأرض السحيق، كان هناك نشاط بركانيّ عنيف دفع بالغبار والصخور التي تحتوي على ميكروبات إلى الفضاء الخارجي، ووصل بعض ذلك الركام إلى المرّيخ. وبعض العلماء يعتقدون أن ملايين الأطنان من تربة الأرض موجودة على ارض المرّيخ. وإذا وُجد في ذلك الكوكب حياة فقد جاءت أساسا من الأرض.
    والإشعاع لن يكون مشكلة كبيرة مقارنة بالأخطار الأخرى. فمركبة كيوريوسيتي قامت مؤخّرا بقياس مستويات الإشعاع في المرّيخ، ووجدت أن البقاء على أرضه لعام واحد يزيد فرصة الإصابة بالسرطان بحوالي خمسة بالمائة فقط. ولو كنت تدخّن السغائر هنا على الأرض فإن هذا يزيد فرص إصابتك بالسرطان بحوالي 20 بالمائة. لذا لا داعي لرسم صورة سوداوية عن طبيعة الحياة على المرّيخ، إذ قد يجد فيه البشر ضالّتهم المنشودة بعد أن افسدوا كوكبهم الصغير.
  • هل الأرض جنّة فعلا؟! هي بالتأكيد ليست كذلك. فهناك على الأرض أماكن لا يتمنّى أيّ إنسان أن يذهب أو يهاجر إليها مطلقا. ومع ذلك عاش فيها الناس لملايين السنين. الأرض، في أكثر أوقاتها وأماكنها، لم تكن أبدا جنّة. وبقاؤنا عليها يعتمد على التكنولوجيا إلى حدّ كبير. في شمال الأرض، مثلا، الجوّ ابرد بكثير من جنوبها، وعليك أن ترتدي ملابس أثقل. ونفس الشيء ينطبق على المرّيخ.
    وهناك أناس غادروا أوربّا ولم يعودوا إليها وكان كلّ شيء على ما يرام. وطبيعة المرّيخ طبعا أقسى من استراليا وأمريكا. كما أن شواطئ استراليا أو كوبا أو البرازيل ليست صحراء قاحلة تنوء تحت ثقل المطر الإشعاعي. لكن الرحلة ستوفّر فرصة للإجابة على سؤال كبير كان الإغريق القدماء يطرحونه دائما: هل نحن لوحدنا في الكون؟!
  • أوّل شرط للاستيطان في المرّيخ هو تعديل تضاريس الكوكب أو ما يُسمّى بـ "التيرافورمنغ"، ثم تغيير مسارات المذنّبات التي تصطدم بأرض الكوكب، ثم وجود ماء ومعادن وغلاف جوّي مؤقّت. ولتعديل تضاريس المرّيخ، يحتاج الأمر لمئات وربّما آلاف السنين.
    والبديل الأسلم لمثل هذه الرحلة غير الآمنة هو أن تُرسل بعثة إلى هناك مع نيّة العودة إلى الأرض. الاستيطان الدائم منذ المحاولة الأولى محض جنون. لا يمكن تأسيس حياة مستقرّة هناك إلا بعد عدّة رحلات وبعد أن توضع البنية التحتية اللازمة.
  • لنفترض أن عمر كلّ واحد من المشاركين 30 عاما وأنه سيتدرّب على مدى سبع سنوات، وإذا نجح سيكون عمره 38 عاما عندما يهبط على المرّيخ. في الواقع يجب إرسال أشخاص لا تتجاوز أعمارهم الثلاثين. هذا مشروع استيطان. فكيف سيتناسلون هناك إذا كانوا فوق الأربعين؟! إن أهم سبب في أنهم ذاهبون هو توسيع فصيلتنا وضمان وصولنا وانتشارنا إلى داخل الفضاء.
    وأكثر المشاكل التي يتوقّع البعض حصولها يُحتمل أن تحدث لو افترضنا أن المستعمرة التي سيقيمها طاقم الرحلة لن تتطوّر بعد أن يصلوا. ولكي يظلّوا على قيد الحياة، يجب شحن أطنان من الموادّ والمؤن إليهم كلّ عام. ولا يجب أن ننسى أن تكاليف الإطلاق من وإلى المريخ مكلّفة للغاية.
  • الشيء الوحيد الذي يمكن أن يمنع حدوث هذه المغامرة هو كلفتها العالية جدّا. لكن ما أن تصل البعثة إلى الكوكب حتى تضع البنية الضرورية لدعم الحياة هناك لسنوات ودون حاجة لانتظار مساعدة خارجية. يجب أن تكون بيئتهم الواقية داخل كهوف المرّيخ حيث تتوفّر لهم حماية طبيعية من ضربات الشمس والإشعاع الكوني.
    لكي يعيش بشر في المرّيخ، يجب حفر مستوطنات تحت أرضه لأن الحياة على سطحه شبه مستحيلة. فهناك مذنّبات وإشعاع وعواصف غبار قويّة. والعيش تحت أرض الكوكب سيمنع كثيرا من تلك المشاكل. لذا يتعيّن أوّلا إرسال معدّات حفر ثمّ بناء أحياء تحت الأرض. وهذا سيستغرق عشرات السنين، لكنّه سينجح في النهاية.
  • هناك من يقول إن فرص نجاح مثل هذه الرحلة هي من واحد إلى صفر. ويجب أن تكون الغاية من ورائها ليس أن يُترك الأشخاص هناك، بل أن يبتكروا وسائل اتصال سريعة للسفر من وإلى الكوكب، وفي نفس الوقت أن يعملوا على تعديل تضاريسه.
    وهناك اعتقاد بأن المرّيخ يمكن أن يعاد إلى وضعه الطبيعي من خلال تعديل تضاريسه. لكن هذه ستكون عملية طويلة ومعقّدة ومصحوبة بمشاكل عديدة. غير أنها ستتحقّق في النهاية.
    وآخر الاكتشافات تقول بوجود ماء في معظم تربة الكوكب وأن استخراج الماء هناك ضروري. أما بالنسبة للطعام فيمكن زراعته في بيوت زجاجية. وأشعّة الشمس هناك قويّة بما يكفي لتحقيق هذا الغرض. كما يمكن الاستعانة بالألواح الشمسية لتوليد طاقة كهربائية.
  • كلّ إنسان بإمكانه أن يظلّ في بيته وأن يستمتع بحياته هنا على الأرض بهدوء. لكن لا يجب أن يكون مبلغ همّنا إحباط وتيئيس كلّ من أراد أن يحاول اكتشاف ما وراء التلّة أو رؤية ما خلف انثناءة النهر. نحن البشر مثل الأطفال. ومهدنا هو الأرض. والطفل الرضيع لا يمكن أن يبقى في مهده إلى الأبد.

    Credits
    community.mars-one.com
    universetoday.com
  • المرّيخ واحد

    لا بدّ وأن بعض القرّاء تابعوا قبل فترة خبر قيام إحدى الشركات الهولندية العاملة في مجال أبحاث العلوم والفضاء برصد مبلغ ستّة مليارات دولار لتسيير رحلة مأهولة إلى كوكب المرّيخ في بداية عام 2023م.
    وفي التفاصيل أن المكوك الفضائي الذي سيذهب إلى الكوكب الأحمر سيحمل على متنه بضعة متطوّعين وسيقطع مسافة تُقدّر بمائتي مليون كيلومتر على مدى سبعة أشهر.
    الرحلة إلى المرّيخ ستكون ذهابا بلا عودة، أي أن المسافرين إلى هناك لن يعودوا إلى الأرض أبدا، بل سيتركون مساكنهم للبعثة التي ستخلفهم بعد أن يموت آخرهم. وستُنقل وقائع الرحلة التاريخية في بثّ مباشر عبر الأقمار الاصطناعية. والغاية من المشروع، كما تقول الشركة الراعية، هي محاولة استكشاف عالم آخر غير الأرض يمكن أن يعيش فيه الإنسان.
    وهناك الآن آلاف المتطوّعين لهذه الرحلة من بينهم عرب. ومن هؤلاء طيّار سعوديّ في الثامنة والثلاثين من عمره. الطيّار، واسمه عبدالله الزهراني، تحدّث للصحافة عن قراره بالمشاركة في الرحلة وقال: أتمنّى أن أكون الطيّار المسلم الوحيد المشارك فيها". طبعا أكبرت في الزهراني إقدامه وجسارته، لكنّي لم افهم سبب إشارته إلى الدين في هذا السياق، أو لماذا يريد أن يكون "المسلم الوحيد" في الرحلة.
    هل السبب يكمن في الإحساس بأن إسهامات العرب في الحضارة المعاصرة تكاد تكون صفرا وأن أوطاننا لا تنتج سوى العنف والتطرّف الديني؟ وأكيد لا يمكن تخيّل أن يأتي صيني أو كوري ويقول: أتمنّى أن أكون المشارك الوحيد من أتباع كونفوشيوس أو بوذا!
    الطريف أن زوجة الطيّار السعودي ترفض حتى الآن مشاركته، إلا انه يأمل أن تغيّر رأيها لأنه يريد من خلال مشاركته خدمة البشرية.
    تعليقات بعض القرّاء على قرار الزهراني لم تكن تخلو هي الأخرى من طرافة، إذ أشاروا إلى أن غياب الزوج عن زوجته لأكثر من سنتين لا يجوز "لأن من حقّها أن تستمتع بمعاشرته ويتمتّع بمعاشرتها". ولحسن الحظّ، فإن الزهراني لا يفكّر بهذه الطريقة، ومن المؤكّد أن حدود مشاغله واهتماماته أوسع من هذا بكثير.
    لكن لنعد الآن إلى الرحلة/المغامرة. هناك من يمتدحها باعتبارها نقلة كبيرة ومهمّة في تاريخ العلم والإنسانية. وهناك من يرى أن المشروع عبثي وأنه سينتهي بمأساة. ويتساءل بعض هؤلاء: كيف يعطي المشاركون موافقتهم على تجربة ستنتهي بموتهم؟!
    المؤيّدون لفكرة الذهاب إلى المرّيخ لهم حججهم، والمعترضون على الفكرة لهم أسبابهم أيضا. ولنبدأ أوّلا بالمعترضين الذين يمكن إجمال وجهة نظرهم في النقاط التالية:
  • الأفراد الذين سيشاركون في الرحلة لن يعودوا إلى الأرض أبدا، أي أن الأمر أشبه ما يكون بأن تحبس شخصا داخل منزل دون أن يفقد عقله. وعلى المشاركين في الرحلة أيضا أن لا يمرضوا أبدا طوال السنوات التي سيقضونها على المرّيخ.
    وإذا عانوا من ضغط أو سكّر أو مرض في القلب، فسيكونون في حالة حرجة جدّا. وإن كانوا محظوظين وكُتبت لهم النجاة من الإشعاع الذي سيقصفهم طوال الرحلة، فسيموتون بعد وقت قليل من وصولهم إلى هناك. وإذا أفهموا كلّ هذه الأمور ثم أصرّوا على الذهاب، فليكن ذلك على مسئوليّتهم.
  • بيئة المرّيخ لا تدعم الحياة البشرية، وعليه فإن هؤلاء الأشخاص سيعيشون طوال ما تبقّى لهم من عمر داخل بيئة مكيّفة واصطناعية. والأسوأ من ذلك أن لا شيء ممّا يؤمّلونه سيصمد أو يتحقّق في أجواء الكوكب القاسية. وكلّ ما سيحتاجونه من طعام يجب أن يُزرع في محميّات. وسيحتاجون إلى معدّات لا يمكن صنعها في المرّيخ في المستقبل المنظور، بل لا بدّ من شحنها من الأرض ثم ضمان إصلاحها وصيانتها هناك، وهذا يتطلّب تكاليف مادّية طائلة.
  • من الواضح أن هؤلاء الأشخاص الذين ينوون الذهاب إلى المرّيخ، لا يدركون فعلا ما هم مقدمون عليه. هل يعرفون، مثلا، أنهم سيقضون بقيّة حياتهم دون أن يستنشقوا عبير زهرة أو يداعبوا طفلا أو يأكلوا وجبة شهيّة أو يمشوا في غابة أو يشعروا بالنظافة والحيوية بعد حمّام دافئ؟ المرجّح أنهم سيقضون بقيّة أعمارهم محبوسين داخل علبة قصدير ومحاطين بصحراء جافّة وقارسة البرد لا هواء فيها ولا حياة، بل غبار سامّ سيقتلهم ببطء في النهاية.
    المتطوّعون للمشاركة في الرحلة، وقبل أن يغادروا إلى المرّيخ، سيُطلب منهم التوقيع على ورقة تقول إن كلّ ما ستؤول إليه الرحلة سيكون على مسئوليّتهم الخاصّة. وهذه الورقة هي أشبه ما تكون بالإقرار الذي يوقّع عليه المريض قبل دخوله غرفة العمليات.
  • لماذا يذهب هؤلاء الناس أصلا، ولماذا يغادرون جنّة الأرض إلى جحيم المرّيخ؟ الذي يريد أن يذهب بلا عودة يجب أن تكون وجهته كوكبا شبيها بالأرض؛ قارّة بدائية محتفظة بنقائها مثل الأمريكتين فيها هواء يمكن استنشاقه ونباتات وحياة. على ارض المرّيخ، لن ينفعك مسدّس ولا محراث. والإثارة في هذه المغامرة ستتلاشى تماما عندما يصلون إلى المرّيخ. وكلّ ما سنراه بعد ذلك هو وقائع موت بطيء ومعلن على الهواء في بيئة معادية وغير مضيافة إطلاقا.
  • بالتأكيد هناك من هؤلاء مَن سيندم على قراره بالذهاب بعد سنة أو اثنتين من وصوله إلى الكوكب الأحمر، هذا على افتراض أنهم سيصلون إلى هناك بسلام. انتاركتيكا، أو حتى الصحراء الكبرى، تُعتبر جنّة مقارنة بالمرّيخ.
    وهؤلاء الأشخاص يتنافسون على أيّ منهم سيُختار لكي يرسل إلى منفى بعيد، وإلى موت مبكّر على الأرجح. ومتابعتهم وهم يموتون ببطء ليس ممّا يريد أن يراه الإنسان على شاشة التلفزيون. إن محاولة استكشاف الكواكب الأخرى شيء، وأخذ الناس ليُتركوا هناك كي يموتوا شيء آخر.
  • على أرض المرّيخ لا توجد نباتات تؤكل ولا حيوانات يمكن صيدها. وأيّ شخص يرغب في الذهاب إلى هناك في رحلة بلا عودة لا بدّ وأن يكون إنسانا مجنونا أو ذا نزعة انتحارية. لذا لا يجب أن يُسمح لهؤلاء الأشخاص بالذهاب.
    تخيّل رحلة طولها عام كامل عبر فضاء بارد ومظلم في صندوق مع بضعة أشخاص آخرين. ستنتهي صلاحيتهم حتى قبل أن يصلوا. هذا اسمه انتحار لا اقلّ ولا أكثر. وبدلا من ذلك لماذا لا يوجّه كلّ منهم مسدّسا إلى رأسه ثم يضغط على الزناد وهو في مكانه؟!
  • كيف يمكن تصوّر أن يعيش إنسان محاصرا داخل علبة بقيّة حياته؟! تحتاج لهواء منعش وفراغ تتمشّى فيه. إن من الجنون أن تذهب إلى صحراء المرّيخ. وهؤلاء الأفراد سيصرخون طلبا للنجدة بمجرّد أن يهبطوا على أرضه ولن يجدوا من ينقذهم. أرضنا جنّة ولا يمكن أن تجد كوكبا مماثلا لها.
    إن أطول مدّة عاشها إنسان داخل كبسولة كانت لبضعة أشهر. ومحطّة الفضاء الدولية ما تزال تعمل إلى الآن بفضل المؤن التي تأتيها بانتظام من الأرض. يجب أن نستيقظ من هذه التهويمات وننظر بجدّية إلى ما يتعيّن علينا أن نفعله لكوكبنا الرائع الجميل الذي يمكن إنقاذه بشيء من المحافظة والانضباط. نحن نستخدم الأرض كمرحاض. فلنترك أوساخنا هنا على الأرض إلى أن نجد طريقة نغيّر بها من أنفسنا.
    تتمّة الموضوع غدا..