:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة للمؤلف علي هادي اليامي ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Friday, August 10, 2018

رسّام ألف ليلة وليلة


صَوّر العديد من فنّاني القرن العشرين المشاهد الخيالية لحكايات "ألف ليلة وليلة". ومن أشهر هؤلاء ايريك فريزر وكي نيلسن وجوليوس ديتمولد.
لكن أشهر رسّام صَوّر "الليالي العربية" بشكل مختلف كان الرسّام الانجليزيّ من أصل فرنسيّ إدمون دولاك.
في رسوماته، تمكّن دولاك من الإمساك ببراعة بالعناصر الفانتازية للحكايات، من خلال مزجه الشخصيات الملوّنة بالخلفيات الانطباعية والأجواء والمناظر الغامضة التي تتشكّل من توظيف الألوان الغامقة: رجال يجرون في أزقة ضيّقة ومظلمة، جنّي يبرز مثل غيمة كبيرة من زجاجة، أميرة في رواق تحرسه أسود، امرأة محجّبة تقف عند مدخل حانوت، شابّ يطير على بساط سحريّ ويطوف حول قصر مقبّب.
قبل دولاك، كان الجان يُرسمون على هيئة بشر لهم أعين واسعة، وأحيانا كوحوش خرافية تطير في بيئة غرائبية. لكنه رسم الشرق بشكل مختلف: كمكان أثيريّ وساحر وشفّاف.
والذين رسموا "الليالي" قبله لم تكن لديهم فكرة كافية عن أصل هذه القصص، لذا أضافوا إلى صورهم مسحة خيالية. ولم يكونوا يشعرون بأن من واجبهم أن يصوّروا العالم العربيّ في القرون الوسطى بشكل صحيح إثنيّا وتاريخيّا.
لذا استعانوا في ذلك بالأيقونات الآسيوية، مثل طريقة الصينيين في رسم واجهات القصور وفي تشكيل الغيوم والهالات البوذية وألسنة اللهب والجنّ الزُّرق وما إلى ذلك. لكن تلك الرسومات لم تكن دقيقة ولم تكن تعبّر عن البيئة العربية تعبيرا دقيقا.
غير أن الأمور تغيّرت في عام 1839، عندما نشر إدوارد لين ترجمته لليالي العربية في ثلاثة مجلّدات. ولأنه كان قد قضى سنوات من حياته في مصر تعلّم خلالها اللغة العربية، فقد ترجم الحكايات من لغتها الأصلية مباشرة إلى الانجليزية ولم يعتمد مثل غيره على الترجمة الفرنسية للكتاب التي وضعها انطوان غالان.
وكان من بين من رسموا هذه الحكايات حتى ذلك الوقت كلّ من جون تاينال وجون ميلليه وجورج بينويل وآرثر هاوتون. ورغم أن لصور الأخير سمات شرقية، إلا أن الشرق الذي رسمه كان اقرب ما يكون إلى الهند منه إلى العالم العربيّ. والسبب هو أن هاوتون كان قد قضى شطرا من طفولته وصباه في الهند وتأثّر بما رآه هناك ثم نقله إلى رسوماته.
في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، كان من الشائع أن تصدُر روايات كبار الكتّاب والروائيين، مثل تشارلز ديكنز وغيره، متضمّنةً رسومات توضيحية. لكن في نهاية القرن التاسع عشر، ولأسباب مجهولة، اختفى ذلك التقليد ولم تعد روايات الكتّاب الكبار تُزيّن برسومات، بعد أن وجد رسّامو الكتب أنفسهم مرتبطين أكثر برسم كتب الأطفال.





في عام 1905، كَلّفت إحدى دور النشر في انجلترا المترجم لورنس هاوسمان بوضع ترجمة جديدة إلى الانجليزية لكتاب "الليالي العربية". ولمّا كان هاوسمان قد رأى بعضا من رسومات إدمون دولاك منشورة في بعض الكتب، فقد اقترح على الناشر أن يستعين بالرسّام لإنجاز خمسين لوحة كي تصاحب الترجمة الجديدة.
كان دولاك، المولود في تولوز بفرنسا، قد هاجر قبل ذلك بسنوات إلى انجلترا واستقرّ فيها بعد أن اكتسب الجنسية البريطانية. وكان قد وضع للتوّ الرسومات التوضيحية لعدد من روايات الأخوات برونتي. كان عمره وقتها لا يتجاوز التاسعة والعشرين.
وبعد أن أكمل تلك المهمّة التي كلّفه بها هاوسمان، أصبح دولاك يلقّب بـ "رجل الليالي العربية" بسبب الشعبية الكاسحة التي أصبح يتمتّع بها بعد إنجازه للرسومات.
كان دولاك ذا مواهب متعدّدة، كما كان شغوفا بالأدب ومعجبا كثيرا بتقاليد الانجليز في رسم الكتب. وقد حوّل نفسه من خلال الاطلاع والمِران إلى خبير في تقنيات وموتيفات رسم المنمنمات الفارسية والمغولية.
الترجمة التي وضعها هاوسمان لكتاب "ألف ليلة وليلة" لاقت هي الأخرى نجاحا هائلا. ورغم أن دولاك نقل إلى رسوماته تقنية ألوان المجوهرات التي تتّسم بها المنمنمات الفارسية، إلا أن رسوماته أظهرت أيضا تأثّره بتقاليد النقوش اليابانية والرسم الصينيّ.
كان لصوره تلك سحر غريب. كما أن تأثيرها ما يزال مستمرّا إلى اليوم، لدرجة انه يقال أنها شكّلت جزءا من تصوّرات الغربيين عن المنطقة العربية.
ويمكن أن يقال نفس الشيء عن الصور التي وضعها دولاك في ما بعد لديوان الرباعيّات لعمر الخيّام، إذ سرعان ما راجت وانتشرت على نطاق واسع. وقد سمحت له تجربته مع الرباعيّات باكتشاف مواضيع واهتمامات الأدب الفارسيّ لأوّل مرّة.
كان إدمون دولاك أغلى وأشهر رسّام كُتُب في زمانه. وكان يكفي أن يظهر اسمه على غلاف أيّ كتاب حتى يشتهر ويتصدّر قائمة الكتب الأكثر مبيعا. وكانت رسوماته لليالي العربية وأشعار الخيّام، على وجه الخصوص، متميّزة جدّا، لأنه استخدم فيها ألوانا ثريّة ورائعة. كان يفضّل الأزرق الغامق غالبا، ولطالما استخدمه بوفرة في تصويره للسماء الليلية ومناظر الشفق والطبيعة الثلجية التي تكسوها زُرقة.
ذات مرّة، أقيم لصور إدمون دولاك معرض في أمريكا، وقد تضمّنت مقدّمة الكرّاس الذي يعرّف بالفنّان هذه الكلمات: هذا الرسّام اختار مدينة حالمة في الشرق كمكان لولادته، وأميرة فارسية كأمّ له، وفنّانا من سلالة المينغ الصينية كأب له".

Credits
artpassions.net

Saturday, August 04, 2018

رجل الجبال


عندما ظهر المسلسل التلفزيونيّ الأمريكيّ "حياة وزمن غريزلي آدامز" في منتصف السبعينات، حقّق نسبة مشاهدة عالية وامتدحه النقّاد بسبب جودته الفنّية العالية وإسهامه الايجابيّ في نوعية الحياة ومضمونه النظيف والخالي من العنف، بالإضافة إلى دعمه لقضايا البيئة.
وقصّة المسلسل الذي بُثّ على مدى أربع سنوات تستند إلى رواية تاريخية قصيرة ألّفها كاتب يُدعى تشارلز سيلر عام 1972. وبطلها رجل من كاليفورنيا اسمه جيمس غريزلي آدامز، عاش في بداية القرن التاسع عشر في منطقة الغابات الحدودية. وقد هرب إلى هناك بعد أن اُتّهم خطأ بجريمة قتل لم يرتكبها.
وآدامز، الذي يقوم بدوره في المسلسل الممثّل دان هاغيرتي، هو في الأساس صيّاد يتعاطف مع الحياة البرّية ويصرّ على ألا يؤذي أيّ حيوان كلّما كان ذلك ممكنا.
وعندما يصل إلى الجبال، يحاول أن يؤمّن لنفسه عيشا مناسبا وسكنا آمنا، وفي تلك الأثناء ينجح في إنقاذ دبّ يتيم ويطلق عليه اسم "بن". ومع مرور الأيّام يصبح الدبّ صديقه المقرّب ويصطحبه معه في أسفاره المتعدّدة في مناطق الغرب.
في الغابات يثبت آدامز مقدرته الكبيرة على كسب ثقة معظم الحيوانات البرّية، كما يساعد في إنقاذ وترويض العديد منها.
ثم لا يلبث أن يقابل شخصين سيعيشان معه هناك بشكل دائم، الأوّل رجل عجوز يلقَّب بجاك المجنون ويلعب دوره الممثّل دنفر بايل. وجاك غالبا ما يظهر في المسلسل مصحوبا ببغله البرّي الذي يسمّيه "رقم سبعة".
كان جاك يأتي إلى كوخ آدامز كي يبيعه بعض المؤن البسيطة التي يحتاجها لمعيشته. وفي البداية، لم يكن معجبا كثيرا بآدامز، وكان الاثنان كثيري الشجار معظم الوقت. لكن مع مرور الوقت تنشأ بينهما علاقة طيّبة ويصبحان صديقين حميمين.
أما الشخص الثاني فشابّ من قبيلة هندية يُدعى ناكوما ويلعب دوره ممثّل يُدعى دون شانكس. وإحدى حلقات المسلسل تروي كيف قابل آدامز ناكوما، إذ كان الأخير قد تعرّض لهجوم من نمر، وفي محاولته الهرب قفز من أعلى جرف، ما تسبّب في إصابته بجروح.
وقد اعتنى به آدامز وواظب على تمريضه إلى أن شُفي وأصبحا في النهاية صديقين. وأثناء ذلك علّم ناكوما آدامز الكثير من أسرار الحياة في الجبال والغابات وطرق التعامل المثلى مع الحيوانات.
أصبح الثلاثة، أي آدامز وناكوما وجاك، يساعدون العديد من الأشخاص الذين يمرّون عبر الجبال ويضلّون طريقهم فيها، وفي نفس الوقت كانوا يوفّرون الحماية للحياة الفطرية. ومع ذلك كان آدامز يحاول إبعاد نفسه عن الغرباء بقدر الإمكان، إذ أنه لا ينسى أن هناك مبلغا من المال موضوعا على رأسه.


في هذا المسلسل ليس هناك خطّ سرد متدرّج، وإنّما كلّ حلقة لها قصّة مختلفة.
في إحدى الحلقات يقابل آدامز وجاك شخصا يكتشفان انه يجري دراسة في الجبال عن أفضل الطرق لاصطياد الحيوانات من اجل الطعام. ويُصدَم الاثنان من الفكرة ويعلّمان الرجل كيف أن بإمكانه العيش دون أن يؤذي غيره من الكائنات الحيّة.
وفي حلقة أخرى ينتشل آدامز رجلا غريبا كان مُشرِفا على الموت غرقا في مياه احد الأنهار، ثم يكتشف أن الرجل متورّط في عملية سرقة لأحد البنوك وأنه يبحث له عن ملاذ آمن في الغابات.
وتتناول حلقة أخرى قصّة فتاة تنفصل عن والديها وتضيع في الجبال، ثم تجد نفسها في مواجهة مع أسد ولا ينقذها منه سوى الدبّ "بن" الذي يأخذها إلى آدامز، فيعيدها بدوره إلى والديها المنشغلين بالبحث عنها.
وتحكي حلقة أخرى قصّة رجل تحرٍّ يتجوّل في الجبال مقتفيا أثر آدامز نفسه كي يقبض عليه. لكن الرجل يراقب آدامز وهو يخاطر بحياته من اجل إنقاذ حيوانات حاصرها بركان ثائر. وعندما يلمس شهامته وشجاعته يغيّر رأيه ويتراجع عن المهمّة التي أُرسل من أجلها.
وفي حلقة أخرى تتّهم قبيلة ناكوما الدبّ "بن" بسرقة بعض السمك من زعيمهم. ويأخذ جاك المجنون على عاتقه مهمّة الدفاع عن الدبّ أمام مجلس القبيلة كي لا يتعرّض الحيوان للطرد من المنطقة.
وتقريبا في كلّ حلقة من المسلسل هناك أشخاص غرباء يصطدمون بمشاكل أثناء مرورهم بالمنطقة. وهناك حلقة طريفة عن منافسة محمومة بين ناكوما وجاك من اجل كسب ودّ امرأة جميلة كانت تمرّ في الغابات.
الممثل دان هاغيرتي عُرف بشعره الأشقر الطويل وبملامحه الوسيمة التي تختفي وراء لحيته الكثّة. ويبدو أن دوره في هذا المسلسل سيظلّ راسخا في ذاكرة الكثيرين، إذ يظهر فيه كشخص نزيه ومتحرّر من قيود الحياة الطبيعية، مع رغبة قويّة في البقاء وعدم ثقة في مؤسّسات السلطة.
كما أن اختياره لهذا الدور كان موفّقا، فقد كان رحيما بالحيوانات في حياته الواقعية، كما كان يحتفظ في مزرعته بنمر وفهد من بين حيوانات أخرى كانت تعيش جنبا إلى جنب مع زوجته وبناته الخمس.
وشخصيّته في المسلسل تذكّر إلى حدّ ما بقصّة الناسك المسيحيّ فرانسيس الذي كان يعيش منفردا في البرّية بصحبة عدد من الحيوانات.
بعد المسلسل بسنوات، تعرّض دان هاغيرتي لحادث سير تركه في حالة غيبوبة. واستغرق الأمر خمس سنوات كي يتماثل للشفاء. وقد توفّي بالسرطان في عام 2016 عن أربعة وسبعين عاما. أما زميله في المسلسل دنفر بايل "أو جاك المجنون" فقد توفّي عام 1997 عن سبعة وسبعين عاما.

Credits
grizzlyadams.com

Monday, July 30, 2018

المشكّكون والعصور القديمة

هناك فئة من المؤرّخين الذين يُسمَّون "المشكّكين في الأزمنة القديمة". وهؤلاء يتبنّون نظريات تُلقي بظلال من الشكّ على بعض الشخصيات التي عاشت في العصور القديمة وتَفترض أنها لم توجد في الواقع وإنّما كانت مجرّد شخصيات خيالية.
  • الفيلسوف الصينيّ كونفوشيوس ما يزال لكتاباته تأثير كبير في الصين وخارجها. والصينيون ينطقون اسمه "كونغفوتسو". وكانوا يعتقدون انه إله. وأهميّة أفكاره بالنسبة لهم تعادل مكانة الإنجيل عند المسيحيين. وفلسفته كلّها تعتمد على القاعدة الذهبية التي تقول: ما لا تريد أن يُفعل بك، لا تفعله بالآخرين".
    حسب المصادر الصينية، وُلد كونفوشيوس وعاش في القرن السادس قبل الميلاد، أي انه كان معاصرا لكلّ من بوذا وسقراط ولمواطنه الآخر الفيلسوف لاو تزو.
    والملاحظ أن أفكار كونفوشيوس لم تُجمع إلا بعد وفاته. وحتى الغرب لم يعرفه إلا في القرن السابع عشر عندما بدأ اسمه وأفكاره في الظهور في بعض المصادر اللاتينية.
    لكن هناك من المؤرّخين من يشكّكون في وجود كونفوشيوس. فهو من وجهة نظرهم يظهر في الوثائق الصينية كشخص مثاليّ جدّا وأحيانا كبطل خارق للعادة. كما أن الكتابات المنسوبة إليه تثير أسئلة أكثر ممّا تقدّمه من إجابات، لأنها تنطوي على الكثير من عدم الاتّساق بحيث يُظنّ أن من كتبها هم مجموعة من الأشخاص وليس شخصا واحدا.
    ومع ذلك يظلّ كونفوشيوس أحد أهم المفكّرين في العالم، وسيظلّ الناس يردّدون حِكمه وأقواله التي أصبحت مشهورة على نطاق واسع مثل "المعرفة الحقيقية هي أن تعرف انك لا تعرف شيئا". و"إذا كنت أذكى شخص في الغرفة، فأنت في الغرفة الخطأ". و"لا تقلق من أن أحدا لا يعرفك، بل حاول أن تكون جديرا بأن تُعرف". و"لا تنشد صداقة أشخاص ليسوا بأفضل منك".
  • معظمنا سمع عن الملك الانجليزيّ آرثر وعن أساطيره التي يرِد ذكرها كثيرا في الكتب والروايات والأفلام.
    اسم آرثر يرتبط بأساطير كثيرة ومشهورة مثل سيّدة البحيرة وكأس المسيح، وأيضا الحروب التي يقال أن الملك خاضها ضدّ جيوش الساكسون. ولأن هذه القصص تشبه الفانتازيا التي يصعب تصديقها ولا يوجد ما يسندها أو يؤكّدها، فإن بعض المؤرّخين يشكّكون فيها ويرجّحون أن مصدرها الحكايات الشعبية التي كانت رائجة في انجلترا في القرن التاسع الميلاديّ.
    بل إن الشكوك تمتدّ إلى شخصية آرثر نفسه. والمشكّكون في وجوده يستحضرون اسم القائد الرومانيّ لوشيوس كاستوس على أساس انه الشخصية الأصلية. وبعض الأفلام السينمائية تقدّم آرثر بالفعل كجنديّ رومانيّ.
    وهناك من يقول أن آرثر ليس سوى ريوثاموس الملك الانجليزيّ في القرن الخامس الميلاديّ. ويرى هؤلاء أن من الصعب العثور على أدلّة تقود إلى آرثر التاريخيّ وأن ما نقرؤه عنه اليوم ليس سوى ضرب من الأساطير التي ابتدعتها مخيّلة الناس عبر القرون.
    لكن ممّا لا شكّ فيه أن شخصية آرثر والأساطير التي ارتبطت به أسهمت كثيرا في إثراء الأدب والفنّ وأصبحت جزءا من الوعي الجمعيّ للناس.
  • في القرن الرابع عشر، عاش في سويسرا رجل يقال له وليم تِل. وفي ذلك الوقت، كانت أسرة هابسبيرغ النمساوية تتولّى حكم ذلك البلد. وتذكر إحدى القصص أن قائدا نمساويا أقام عامودا في إحدى المدن السويسرية، ثم اصدر أمرا يفرض على كلّ سويسريّ، صغيرا كان أم كبيرا، أن يزيل قبّعته من على رأسه عندما يمرّ من أمام ذلك العامود.
    وفي احد الأيّام، مرّ بتلك الناحية فلاح يُدعى وليم تِل بصحبة ابنه الصغير. وقد رفض الفلاح بإصرار أن يزيل قبّعته، على اعتبار أن مثل ذلك التصرّف يمسّ بكرامته. فأخذ الجنود النمساويون ابنه ووضعوا على رأسه تفّاحة ثم أمروا الأب بأن يصوّب عليها، وإلا فإنه سيواجه عقوبة الإعدام.
    ولمّا كان وليم تل بارعا جدّا في الرماية، فقد نجح في إصابة التفّاحة دون أن يُلحِق بابنه أيّ أذى. ومن فوره قام بتشكيل فرقة صغيرة من المتطوّعين قاد بهم تمرّدا ضدّ الاحتلال النمساويّ.
    وقد شاع اسم وليم تِل كثيرا في أوربّا باعتباره محرّرا وطنيّا، ونُسجت عنه أساطير عديدة تزعم انه حارب أيضا مخلوقات خرافية. لكن بعض المؤرّخين اليوم يشكّكون في وجود هذا الرجل الذي يعتبره السويسريون بطلهم القوميّ.
    ويذهب هؤلاء إلى القول أن قصّته مستوحاة على الأرجح من أساطير بلدان شمال أوربّا، وأن الوطنيين السويسريين ربّما استوردوا هذه الشخصية أو ابتكروها كصرخة احتجاج ضدّ محتلّيهم النمساويين.
    لكن سواءً كان وليم تِل شخصا حقيقيّا أم خياليّا، فإن ممّا لا شكّ فيه انه دخل كتب التاريخ كبطل قوميّ لبلد طالما عُرف بميله للسلام وبُعده عن الثورات. وقد ألهمت شخصيّته العديد من الأعمال الفنّية والأدبية، فألّف الشاعر الألمانيّ شيللر مسرحية تتحدّث عن بطولاته. كما كتب الموسيقيّ الايطاليّ روسيني أوبرا استوحاها من قصّة حياته، وأصبحت مقدّمة تلك الأوبرا مشهورة جدّا في الموسيقى الكلاسيكية.
  • لو سألت أيّ شخص اليوم عن أشهر كتاب عن كيفية خوض الحروب والانتصار فيها لأجابك انه كتاب "فنّ الحرب" للكاتب الصينيّ صن تزو. يقال أن تزو كان قائدا عسكريّا ومحاربا قديما عاش في الصين. ومن القصص التي تُروى عنه انه قام بقطع رأس شخص كان ذا حظوة عند الإمبراطور لكي يُثبت لبقيّة الحاشية أن لا احد بمنأى عن العقاب عند الضرورة.
    غير أن أحدا لا يعرف اليوم الظروف التي ظهر فيها هذا الكتاب فجأة مكتوباً على مجموعة من ألواح البامبو، ولا مَن أمر بتأليفه. كما لا يوجد أيّ سجلّ عن كاتب باسم صن تزو. وأكثر من ذلك فإن قصّة قطعه رأس رجل الحاشية المسكين مشكوك فيها ويمكن أن تكون مجرّد أسطورة.
    والمشكّكون يفترضون أن صن تزو اسم مستعار وأن مضمون الكتاب المنسوب إليه قد يكون تجميعا لعدد من الدراسات والتجارب والنظريات العسكرية التي وضعها أشخاص متعدّدون في الصين القديمة.
    ومع ذلك، فإنه بعد مرور آلاف السنين على ظهور "فنّ الحرب"، ما يزال الناس في الشرق والغرب يقرؤون هذا الكتاب بسبب النصائح الجيّدة التي يتضمّنها. وعلى الأرجح فإن مادّة الكتاب ليست نتاج عقل رجل عسكريّ صارم أو مستبدّ، لأنه يمزج بين الحرب والاستراتيجيا والأخلاق والفلسفة بأسلوب سلس وينمّ عن ثقافة وتجربة وفكر.

  • Credits
    chicagotribune.com

    Friday, July 20, 2018

    المشي مع التيّار


    تُعرّف عقلية القطيع على أنها ميل الأغلبية لأن يَتْبعوا، دون تفكير أو تساؤل أو مقاومة، رأي مجموعة صغيرة من الناس. والدراسات العلمية التي تناولت هذه الظاهرة تشير إلى أن الانقياد للحشد أو الجماعة هو سمة إنسانية غريزية.
    وطوال تاريخ الإنسان، كانت هناك مؤسّسات وأعراف راسخة تغذّي هذه العقلية وتكرّسها. تأمّل، مثلا، كيف أن شعوبا بأكملها انقادت لزعماء غامضين لسبب ما، جيّدا كان أم سيّئا. هتلر، مثلا، لم يكن محبوبا من جميع الألمان ولم يكن الألمان كلّهم أعضاءً في حزبه النازيّ. لكنه استطاع التأثير في أغلبيّتهم الذين تبعوه عندما حاول إخضاع أوربّا وخاض من اجل ذلك حروبا كارثية تسبّبت في موت عشرات الملايين من البشر ودمّرت أوطانا بأكملها.
    في الجيوش يُعلَّم الجند أن يكونوا منصاعين ومتماثلين، يلبسون نفس اللباس ويتّخذون نفس المظهر وحتى نفس طريقة المشي. كما أن على كلّ جنديّ أن يفعل ما يُطلب منه بشكل أعمى وألا يشكّك في رأي قادته. ولهذا السبب يوصف الجنود بالأبطال ويُعطََون البنادق والرصاص ويُشجَّعون على أن يقتلوا الآخرين.
    في الحرب العالمية الثانية، سُئل بعض الجنود عن أسباب إيغالهم في القتل، فقالوا إنهم تصرّفوا على ذلك النحو وهم لا يتصوّرون أبدا أنهم يمكن أن يمارسوا ذلك المستوى من التوحّش والساديّة في الظروف العاديّة.
    والحقيقة انه لا توجد نظريات علمية مؤكّدة تشرح لماذا يتصرّف البشر بأساليب تتناقض مع أخلاقياتهم ومعتقداتهم الأساسية. لكن هناك رأيا رائجا يقول إن الأفراد عندما يكونون جزءا من جماعة، فإنهم يمكن أن يتجرّدوا من سِماتهم الفردية ويفقدوا وعيهم بذواتهم الخاصّة، فيسيطر عليهم الحماس الانفعاليّ ويتورّطون في سلوكيات لا يمكن أن يفعلوها لو كانوا بمفردهم.
    هل هذا يعني أن البشر محكومون بأن يتصرّفوا كالسفّاحين أو كالحيوانات المتوحّشة والعنيفة؟
    ألا يستطيع الإنسان أن يفكّر لنفسه ولا يتبع الحشد أو الجماعة أو القطيع؟ الجواب: نعم يستطيع. وإدراك هذا الأمر كافٍ لوحده بأن يُحدِث التغيير المطلوب. لكن المشكلة أنك عندما ترفض الانصياع أو التماثل فإن دماغك سينبّهك إلى أن هذا خطأ، بل ويستحثّك على أن تُعدّل هذا سريعا.
    كيف؟
    بعض العلماء الذين تناولوا هذه الجزئية بالدراسة يعزونها إلى ما يُسمّى بدماغ الزواحف، أي ذلك الجزء من دماغ الإنسان الذي يختزن غرائزنا البرّيّة والذي ورثناه عن أسلافنا البدائيين وتطوّر منذ ملايين السنين، أي منذ كان انسجام الإنسان مع قبيلته مسألة حياة أو موت. وهذا الجزء مسئول عن أنماط السلوك الغريزيّ الذي يضمن للفرد البقاء وحفظ النفس ودوافع الإعجاب والحبّ والاهتمام والتصرّفات الاجتماعية المرغوبة ومواجهة التهديدات والأوضاع الخطيرة.
    عقلية القطيع تتخلّل العديد من مناحي الحياة المعاصرة. خذ مثلا الموضة. عندما نتذكّر الآن ماذا كان الناس يلبسون وكيف كانوا يبدون قبل ثلاثين عاما مثلا، فإننا نسخر من ذلك. لكن الموضة هذه الأيّام ليست بأفضل حالا، ولا يمكن لأحد أن يقرّر ما هو جذّاب اليوم من عدمه. هل أشكال اللباس وقصّات الشعر التي نراها هذه الأيّام جذّابة حقّا؟ ومع ذلك هناك اليوم الملايين من الناس الذين يرتدون ملابس وهيئات غريبة ويوصفون بأنهم عصريّون، فقط لأنهم يتبعون رغبات الآخرين.
    ذات زمن في الصين، كانت النساء ينتعلن أحذية ضيّقة من اجل تصغير أقدامهنّ، ويعانين كثيرا جرّاء ذلك. وبعضهنّ كنّ يُصَبنَ بالشّلل بقيّة حياتهنّ، لا لسبب وإنّما لأن مثل تلك الممارسات كانت تُعتبَر من ضروريات الجمال. لكن هل أفكارنا اليوم عن الجمال اقلّ غرابةً؟
    النساء اللاتي يظهرن في الإعلام هذه الأيّام وهنّ على وشك الموت جوعا لأنهنّ يحلمن بالنحافة، والأثداء الضخمة المحشوّة بالسالاين، والشفاه المكتنزة بالكولاجين، هل هي أكثر جمالا من أقدام الصينيات المشوّهة؟!
    هذه السلوكيات القاسية من تشويه وتجويع للأجساد بحثا عن معايير الجمال الغريبة، وأحيانا الشاذّة، دافعها هو عقلية القطيع ورغبة الناس وحاجتهم لأن يكونوا مقبولين اجتماعيّا.
    ويشبه هذا موقف بعض الناس الذين يسارعون لشراء أسهم شركة ما لمجرّد أن شخصا ما قال لهم إنهم سيكسبون، أو لأن بعضا ممّن حولهم فعلوا ذلك، متجاهلين مشاعرهم وتقييمهم الخاصّ للأمور.
    ذات مرّة، ظهر على التلفزيون قطيع كبير من الخراف وهي تتقافز واحدا تلو الآخر من أعلى جرف شاهق لتستقرّ في البحر تحتها. ولم ينجُ منها سوى اثنين، ليس لأنهما كانا ذكيّين، وإنما لأن الراعي انتبه متأخّرا للكارثة وأمسك بهما وهما مندفعان بسرعة باتّجاه حافّة الهاوية.
    إن الإنسان الحكيم لا يطمح لأن يكون خروفا، فالخراف ليست ذكيّة، وهي تفعل فقط ما يفعله أقرانها في القطيع.
    صحيح أن الإنسان كائن اجتماعيّ ويحبّ أن يُقدَّر وأن يقبله المجتمع، لكن لا يجب أن يكون ثمن توافقنا مع الآخرين التضحية بحاجاتنا ورغباتنا وآرائنا الشخصية والمشي مع التيّار في كلّ حين. وليس دليل صحّة، كما يقول كريشنامورتي، أن ترى نفسك متكيّفا مع جماعة معتلّة أو غير سويّة.
    في المرّة القادمة، عندما تتفرّج على مباراة لا تعتبرها جديرة أو مشوّقة، بينما الناس من حولك يتقافزون ويصفّقون بحماس، فاركد والزم مكانك واحتفظ بهدوئك حتى وإن حدّق فيك بعضهم بعيون متسائلة ومستنكرة. وتذكّر دائما أن القطيع يحتاج دائما إلى راعٍ. وإذا كان ولا بدّ، فحاول أن تكون أنت الراعي لا الخروف.

    Credits
    meaningfullife.com

    Thursday, July 12, 2018

    إعرف نفسك

    "إعرف نفسك" عبارة مشهورة وفي نفس الوقت مثيرة للجدل لأكثر من سبب. أوّلا لأنه جرى تفسيرها بطرق مختلفة. وثانيا لأنه لا يُعرف على وجه اليقين من قالها، وإن كانت تُنسب غالبا لسقراط. وثالثا لأنه ما يزال يُستشهَد بها منذ أكثر من عشرين قرنا. ورابعا لأنها أصبحت، وبمعنى ما، تختصر العقل الغربيّ كلّه.
    لكن برأي الكثيرين، فإن هذه العبارة حُمّلت في تاريخ الفلسفة بأكثر مما تحتمل.
    في البداية، هناك اتفاق على أن عبارة "إعرف نفسك" كانت جزءا من عبارة أطول كانت منقوشة على مدخل معبد ابوللو في ديلفي في اليونان القديمة قبل أكثر من ألفين وثلاثمائة عام. لكن المعبد أصبح اليوم أطلالا. كما أن الحجر الذي كانت العبارة منقوشة عليه اختفى هو أيضا منذ زمن بعيد.
    ولأن ذلك المعبد كان محجّاً للناس في ذلك الوقت، فإن بعض المؤرّخين يرجّحون أن العبارة كُتبت لتنبيه المؤمنين إلى أن الله هو الذي يقرّر أقدارهم ومصائرهم، وبالتالي يتعيّن عليهم أن يعرفوا مكانهم الطبيعيّ والمتواضع في نظام الأشياء وخطّة الخلق.
    وهناك أيضا من ذهب إلى أن العبارة وردت على لسان الإله ابوللو مخاطبا الإنسان، ومِن ثَمّ يُحتمل أنها وردت في سياق كهذا: أنا الإله المتحكّم في كلّ شيء، أما أنت أيّها الإنسان فمخلوق فانٍ يدخل معبد الربّ خاشعا متذلّلا، لذا كن متواضعا واعرف نفسك". أي إلزم حدودك واعرف قدرك وتذكّر من أنت جيّدا.
    والعبارة بهذا المعنى ليست دعوة للإنسان للبحث عن المعرفة، ومنها معرفة نفسه، كما هو المعنى الشائع اليوم، وإنّما تذكير له بهشاشته وضعفه وقلّة حيلته في هذا الوجود.
    لكن سقراط وآخرين مثل فيثاغوراس وأفلاطون واسخيليوس تبنّوا معنى مغايرا للعبارة عندما اعتبروها دعوة للإنسان كي يعرف نفسه، أي يعرف أيّ نوع من الناس هو وما هي مواطن ضعفه وقوّته وماذا يريد وماذا يحبّ أن يكون .. إلى آخره.
    كان سقراط ورفاقه يستخدمون هذه العبارة كثيرا في حواراتهم ومجادلاتهم. وقد قال ذات مرّة أن من المضحك أن يحاول الناس معرفة أشياء غامضة قبل أن يحاولوا معرفة أنفسهم جيّدا.
    لكن بين هذين التفسيرين المتضادّين للعبارة، راجت في بعض الأوقات تفسيرات أخرى، منها واحد يقول أن المُراد من عبارة "إعرف نفسك" هو أن تعرف انك نفحة من روح الله، وبالتالي فأنت - كإنسان – ذو طبيعة مقدّسة.
    وهناك تفسير آخر لا يبتعد كثيرا عن السابق يقول: إن أردت أن تعرف شيئا من أسرار الله والكون، فاعرف نفسك. أي انظر عميقا في نفسك كي تعرف الله الذي يحيا فيك كما في سائر الكون.
    لكن برغم كلّ هذا التباين والاختلاف في تفسير العبارة، إلا أن هناك قاسما مشتركا بين جميع هذه التفسيرات. فهي كلّها تتّفق على أن معرفة النفس هي ما نحتاجه كي نصبح بشرا أفضل، بصرف النظر عمّا نعنيه بكلمة "أفضل".
    لكن لسوء الحظ فإن معرفة النفس هي من بين أصعب المهامّ وأعقدها. وهي أحيانا متعذّرة، لأن معظم معارفنا نكتسبها من أقاربنا وأصدقائنا ومن البيت والمدرسة والعمل والتلفزيون والانترنت وغيرها من المصادر. والكثير من هذه المعرفة هي مجرّد معلومات ومعطيات وتجارب، لكنها ليست "نحن" في النهاية.
    ذات مرّة قال احد الحكماء: إن مأساة الإنسان هي انه يظنّ انه يعرف". وقال آخر: كلما ازدادت معرفتنا، كلّما انكشف جهلنا". وقال ثالث: الحكمة الحقيقية الوحيدة في هذا العالم هي أن تعرف انك لا تعرف شيئا".
    وكما لو أن المسألة ليست صعبة وغامضة بما يكفي، فقد أضاف إليها الفيلسوف الصينيّ لاو تسو صعوبة أخرى عندما قال: الذين يعرفون لا يتكلّمون، والذين يتكلّمون لا يعرفون".

    Credits
    the-philosophy.com

    Saturday, July 07, 2018

    عن بوكاتشيو والقلوب المأكولة

    رواية "ديكاميرون" للكاتب الايطاليّ جيوفاني بوكاتشيو هي عبارة عن مجموعة من القصص التي تجري أحداثها في القرون الوسطى وتتناول أفكارا شتّى كالحبّ والغيرة والخيانة والوفاء والبطولة والخداع والانتقام وما إلى ذلك.
    في اليوم الرابع من وقائع هذه الرواية، يأتي الدور على فياميتا، إحدى الشخصيات الرئيسية، كي تحكي قصّتها. والمرأة تعتذر سلفا لرفاقها التسعة، لأنها ستقصّ عليهم حكاية حزينة ولا تبعث على السرور كما كانوا يتوقّعون.
    ثم تروي لهم قصّة امرأة تُدعى غيزموندا وشابّ اسمه جوسكاردو. كانت غيزموندا الابنة الأثيرة إلى قلب أبيها الكونت الايطاليّ تانكريدي أمير ساليرنو. كان يحبّها كثيرا ويأنس بقربها منه.
    ولفرط محبّته لها، لم يكن يرغب في أن يزوّجها لأحد. لكنه في النهاية يوافق على مضض على تزويجها من احد النبلاء. وبعد مرور وقت قصير، يموت ذلك الزوج، فتعود غيزموندا إلى قصر أبيها. ثم يأتي العديد من الخُطّاب لطلب يدها. لكن والدها لا يبدو في عجلة من أمره لتزويجها ثانيةً.
    ومع مرور الزمن، تبدأ الفتاة تعاني من آثار الوحدة. ثم تنشأ علاقة بينها وبين خادم في القصر يُدعى جوسكاردو. ويقرّر الاثنان أن يتزوّجا سرّاً. وعندما يعلم أبوها بالأمر يتملّكه الغضب لأن ابنته اختارت أن تقترن بخادم من أصول متواضعة ودون حتى أن تستشيره.
    وعندما يسألها عن العقاب الذي تختاره لجوسكاردو على فعلته، تبادر الفتاة إلى تذكير أبيها بأنه كان دائما يُثني على أخلاق الخادم، وأنها عندما اختارته زوجا فإنّما كانت ترى فيه ما كان يراه والدها.
    لكن الأب كان قد اضمر في نفسه أمرا. فأصدر تعليماته إلى رجاله بأن يقتلوا جوسكاردو وينتزعوا قلبه من جسده ثم يقدّموه إلى ابنته في كأس من ذهب.
    وينفّذ رجاله ما طلب منهم. وعندما يصل الكأس إلى غيزموندا وفيه قلب زوجها، تُصدم بقوّة وينخلع قلبها إذ تعرف بأن والدها قتل جوسكاردو. وبعد أن تستجمع قواها، تأخذ الكأس وبداخله قلب زوجها وتضيف إليه قطرات من السمّ ثم تشربه.
    وعندما يخبر الخدم والدها بما جرى، يهرع إليها ليتبيّن الأمر بنفسه. وفي لحظات احتضارها تقول غيزموندا لأبيها: لقد حصلتَ على ما كنت ترغبه بقتل زوجي، وكلّ ما أرغبه الآن هو أن اُدفن معه". ثم تموت وهي تضمّ الكأس إلى صدرها.
    بطبيعة الحال، كان حُزن والد غيزموندا كبيرا على ما حلّ بابنته. وقد أحسّ بكثير من الندم وبتأنيب الضمير، لكن بعد فوات الأوان. وفي النهاية، أمر بدفن الاثنين، غيزموندا وجوسكاردو، في قبر واحد.
    في هذه الحكاية المأساوية، هناك قلب عاشق يُستلّ من صدره بالمعنى الحرفيّ والوحشيّ للكلمة. وغيزموندا تغسل القلب بدموعها - بحسب بوكاتشيو - في فعل طقوسيّ يسبق انتحارها بتناول السمّ.
    صورة القلب المأكول تظهر في الأدب الايطاليّ حتى قبل رواية ديكاميرون. فهناك قصّة النبيل دي روسليوني الذي تبلغ وحشيّته منتهاها عندما يأمر بأن يُنتزع قلب عشيق زوجته من صدره بعد قتله ويُقدَّم كطعام للزوجة في وجبة أخيرة ومرعبة.

    وقد ساد اعتقاد بأن سياق هذه الصور المخيفة له جذور ثقافية وأنثروبولوجية عميقة. ومن حيث التسلسل الزمنيّ والجغرافيّ، يمكن أن يُعزى أصل هذا النوع من الممارسات الانتقامية المقزّزة إلى حكاية هندية.
    إذ يقال أن احد ملوك البنجاب القدامى، واسمه راسالو، تزوّج من امرأة تُدعى كوكلان. وكانت هذه المرأة مضرب المثل في الجمال. لكن حدث أن مهراجا شابّا يُدعى هوجي كان يسكن بجوارهم. وقد أُعجب الأخير بالمرأة ولم تلبث هي أن بادلته حبّا بحبّ.
    وعندما يعلم زوجها الملك بما حدث، يرسل إلى هوجي من ينصب له كمينا ويقتله. وتنفيذا لأمره، يقوم القاتل بحمل قلب المغدور إلى قصره. وعندما يصل، يأمر بأن يُطبخ ويُقدَّم إلى زوجته. وعندما تكتشف المرأة حقيقة ما أكلته للتوّ، تلقي بنفسها من أعلى القصر لترتطم بالصخور أسفله وتموت.
    أوجه الشبه بين قصّة بوكاتشيو والحكاية الهندية كثيرة. فعندما تُصدم كوكلان بحقيقة أنها أكلت قلب حبيبها، يردّ عليها راسالو قائلا: لقد أكلتِ لحم من كان مصدر سعادتك في الحياة". ويضيف: إن من منحَك المتعة عندما كان حيّا لجدير به أن يمتّعك أيضا عندما يموت".
    وأغلب الظنّ أن قصّة راسالو سافرت من الهند في وقت ما إلى جنوب فرنسا أوّلا، حيث تمّ تكييفها مع الثقافة المحليّة هناك. فالمهراجا هوجي يتحوّل إلى شاعر متجوّل باسم دي كابستانغ. وشخصية الملك راسالو تصبح اللورد ريمون دي روسيلوف. بل انه، وحسب بعض المؤرّخين، فإن اسم بلدة روسيلون الواقعة في بروفانس بفرنسا مشتقّة من اسم راسالو الهنديّ.
    قصّة غيزموندا وجوسكاردو جُسّدت كثيرا في الرسم. فنّان القرن السابع عشر الايطاليّ برناردينو ماي، والذي كان معاصرا للنحّات المشهور جيان لورنزو برنيني، رسم غيزموندا وهي ممسكة بقلب جوسكاردو الدامي وقد تجمدّت الدموع في عينيها، بينما تنطق ملامح وجهها بمشاعر الصدمة والفجيعة.
    والرسّام الانجليزيّ وليم هوغارث اهتمّ، هو أيضا، بالقصّة منذ أن ظهرت في انجلترا بصيغ مختلفة في القرن الثامن عشر. وازدادت شعبيّتها بعد أن تُرجمت في كتاب عن الأساطير قديما وحديثا.
    ولوحة هوغارث عن الحادثة تصوّر غيزموندا وبيدها الكأس الذي يحتوي على قلب زوجها. لكن لوحته انتُقدت بشدّة لأنها تخلو من أيّ إشارة إلى حزن المرأة أو دموعها أو ألمها المكبوت. كما أنها لا تتضمّن أيّ تأمّل عن المصير الذي تنتظره ولا الدفء العاطفيّ الذي حوّله يأسها إلى حزن مقدّس.
    في العالم المعاصر، ما تزال صور القلوب والأكباد المأكولة تظهر من حين لآخر، ليس في الروايات، وإنّما في مواقع الانترنت وأحيانا على شاشات بعض القنوات التي تتيح للناس رؤية هذه المناظر في بيوتهم.
    وهذا النوع من الوحشية المتجاوزة لا علاقة له بجرائم العاطفة، بل بشرور الحرب التي تجرّد، هي أيضا، البشر من إنسانيّتهم، وتوقظ الوحوش الكامنة في أعماقهم لتستثير شهوتهم في الانتقام وتُخرج أقبح ما في دواخلهم من غرائز بدائية ومشاعر مظلمة.

    Credits
    archive.org

    Thursday, June 28, 2018

    روائيّون كولومبيّون غير ماركيز

    عُرف الأدب الكولومبيّ بتنوّعه وتغيّر مضامينه وأغراضه بحسب التحوّلات والتغييرات التي رافقت تاريخ البلاد. أثناء الاستعمار الاسبانيّ، كان الموضوع الأساسيّ هو الدين. وفي العصر الحديث، أصبح هذا الأدب أكثر تنوّعا من حيث الأفكار والقضايا التي يتناولها.
    غابرييل غارسيا ماركيز هو الوجه العالميّ الأبرز للأدب الكولومبيّ خلال العقود الأخيرة. وقد كتب أهمّ وأشهر روايتين كولومبيتين في العالم، هما "الحبّ في زمن الكوليرا" و"مائة عام من العزلة".
    لكن الشهرة الطاغية لماركيز حجبت إبداع كتّاب آخرين من كولومبيا أنتجوا، هم أيضا، أدبا مهمّا ويستحقّ الإشادة. وبعض هؤلاء بقوا في كولومبيا وتحمّلوا العنف، بينما هاجر آخرون قبل أن تتشكّل ذكرياتهم عن هذا البلد. بعضهم من بوغوتا البعيدة، والبعض الآخر من المناطق الساحلية أو من كالي أو ميديين.
    وفي الحقيقة فإن الأدب الكولومبيّ يتجاوز نطاق "الواقعية السحرية"، فبعض القصص فيه تجري أحداثها عند أطراف عالمنا، بينما تروي قصص أخرى التفاصيل الحقيقيّة للعنف الذي شهدته البلاد في العقود الأخيرة. والمواضيع تتراوح بين الحنين إلى الماضي وإبداء التذمّر والاستياء من أحوال الحاضر.
    وهناك عدد من الكتّاب الكولومبيين المعاصرين، غير ماركيز، ممّن أسهموا وما يزالون في إثراء المشهد الأدبيّ في ذلك البلد الذي قاتل من اجله ذات زمن الكولونيل اوريليانو بونديا الذي خلّده غارسيا ماركيز في تحفته "مائة عام من العزلة".
    ومن أهمّ هؤلاء الكاتب هيكتور فاشيولنسا المولود في مدينة ميديين. وكان هذا الروائيّ قد كتب مقالا في وقت سابق من هذا العام يشرح فيه لماذا دعَم عملية السلام. وحظي مقاله بانتشار واسع، بل وبموافقة من الروائيّ والسياسيّ البيروفي ماريو فارغاس يوسا الذي أكّد بأن عملية السلام في كولومبيا تستحقّ المحاولة.
    وقد خَبِر فاشيولنسا العنف في كولومبيا بشكل شخصيّ ومباشر. فقد قتل جنود غير نظاميين والده عام 1987 لاعتراضه الصريح على جرائم الحرب التي كانت تُرتكب في مناطق الأرياف. وأشار الكاتب إلى تلك الحادثة في قصّته المشهورة "النسيان" التي اقتبس عنوانها من قصيدة لبورخيس كان والده يخبّؤها في جيبه عندما أُطلقت عليه النار.
    ويتحدّث فاشيولنسا في كتاب آخر له عن مجتمع ميديين من خلال علاقة إحدى العائلات بمنزلهم الريفيّ. وفي رواية أخرى له بعنوان "انغوستا" كتبها عام 2005 وفازت بأكثر من جائزة، يسرد الكاتب قصّة قرية خيالية بهذا الاسم تقع في وسط جبال الانديز وتشبه قرية ماركيز المتخيّلة "ماكوندو". وأنغوستا هي من عدّة أوجه صورة مصغّرة لكولومبيا نفسها. وقد فازت النسخة الصينية من هذه الرواية بجائزة أفضل رواية مترجمة في الصين عام 2005.
    وهناك كاتب آخر هو سانتياغو غامبوا الذي يُعتبر احد أشهر الأسماء في الأدب الكولومبيّ المعاصر. وهو أيضا صحفيّ. وقد تلقّى تعليمه في مدريد وباريس. وتجاربه التي مرّ بها في أوربّا قادته لأن يكتب "متلازمة أعراض اوليس"، وهي رواية تُذكّر بباريس كما رسمها خوليو كورتاثار قبل سنوات عندما وصفها بأنها كئيبة وممطرة وباردة وغير مضيافة.
    رواية غامبوا تتناول قصصا عديدة عن المهاجرين وتحكي علاقتهم بأوطانهم الأصلية وبالبلدان المضيفة، وكيف أن كون المرء أجنبيا يستلزم إعادة تحديد شخصيّته وقناعاته.
    أما روايته الأخرى "صلوات الليل" فهي عبارة عن سرد للعلاقة بين شقيقين من عائلة واحدة، وأحداثها تجري بين كولومبيا وتايلاند واليابان والهند.
    هناك أيضا الكاتب الفارو موتيز "الصورة"، وهو شاعر وروائيّ وكاتب مقالة، وسبق أن نال عدّة جوائز. وقد وصفه غابرييل غارسيا ماركيز ذات مرّة بأنه "احد أعظم الكتّاب في عصرنا". موتيز توفّي عام 2013، وإحدى أشهر رواياته عنوانها "تنوّع إبداعيّ". وقد فَتَن احد أبطالها، وهو ماكرول فييرو، مخيّلة محبّي الأدب في أمريكا اللاتينية. وماكرول يسافر إلى الأمازون ويتوقّف في بنما ويعبر جبال الانديز ويبحر في الكاريبي ثم يواصل رحلته إلى أن يصل إلى البحر المتوسّط.
    والأشخاص الذين يسافر معهم متنوّعون، منهم قبطان هولنديّ يعاني من الاكتئاب، وامرأة من سكّان تريستا الأصليين، بالإضافة إلى رفيقه اللبنانيّ الذي يحلم بامتلاك سفينة. والتنوّع في الأماكن والشخصيات تتخلّله قصص عن تجارة السلاح ومغامرات البحث عن الكنوز والذهب.
    وهناك أيضا الكاتبة لورا ريستريبو التي اشتُهرت بروايتها "الهذيان" التي تسرد فيها قصّة زوجة تصاب بالجنون ويحاول زوجها معرفة ماذا حدث لها. ثم يدرك أن ما أصابها له ارتباط بالتاريخ العنيف لكولومبيا وبالأفكار المتوارثة من زمن الاستعمار كالطبقية والذكورة. وقد نالت الكاتبة عن هذه الرواية جائزة أدبية عام 2004.
    وهناك أيضا الكاتب انطونيو كاباليرو المعروف في كولومبيا بأعمدته الصحفية المعمّقة وبأعماله الروائية. روايته بعنوان "بلا علاج" تتناول انطباعاته عن لحظة من تاريخ كولومبيا. وبطل الرواية كاتب من بوغوتا يبحث عن إلهام خارجيّ، لكنه في النهاية يتأثّر بالظروف السائدة في مدينته.
    وفي العادة فإن معظم الأدب في كولومبيا يميل إلى تفسير أحداث البلاد من منظور الريف، لكن هذا الكتاب يتناول تلك الأحداث برؤية مختلفة ويستحضر مدينة بوغوتا التي تُعتبر أحيانا جزيرة داخل بلد.
    وأخيرا هناك الكاتب خوان فاسكيز الذي تتّسم كتاباته بنكهة خاصّة. روايته "صوت الأشياء المتساقطة" تحكي معظم تاريخ كولومبيا من خلال قصّة حياة بطلها وهو أستاذ جامعيّ يُدعى يامارا. والتاريخ المشترك في الرواية يتمحور حول تجارة المخدّرات وما تبعها من أحداث العنف الذي زرع بذوره بارون المخدّرات المشهور بابلو اسكوبار.

    Credits
    theculturetrip.com

    Wednesday, June 20, 2018

    رسالة الزعيم


    كان "سياتل" احد أشهر زعماء الهنود الحُمر في أمريكا في القرن التاسع عشر. وكانت له مكانته الرفيعة بين أفراد قبيلته المسمّاة "سوكواميش". كان معاصروه يلقّبونه بـ "الرجل الكبير" لشجاعته وحكمته. وقد أُسميت مدينة سياتل في ولاية واشنطن على اسمه.
    وكثيرا ما يقترن اسم هذا الزعيم برسالة مشهورة بعثها عام 1854 إلى الرئيس الأمريكيّ وقتها فرانكلين بيرس بعد أن طلب منه الأخير أن يبيع بعض أراضي قومه إلى المستعمرين الأوربّيين الجدد.
    وقد ردّ الزعيم سياتل على ذلك الطلب بهذه الرسالة التي أصبحت مشهورة جدّا، وفيها يدعو بيرس إلى احترام حقوق شعبه من السكّان الأصليين وإلى الحفاظ على البيئة الطبيعية والحياة الفطرية في مناطقهم.

    "استلمنا خطابكم الذي تُبدون فيه رغبتكم بشراء بعض أراضينا. لكن كيف يمكنك أن تبيع أو تشتري السماء أو الأرض؟!
    إن فكرتكم تبدو لنا غريبة. فإذا لم تكن تملك الهواء أو الماء، فكيف بإمكانك أن تشتريهما؟ إن كلّ ذرّة من هذه الأرض مقدّسة بالنسبة لشعبي. كلّ شجرة صنوبر، وكلّ شاطئ رمليّ، وكلّ قطرة ندى في غابة، وكلّ مرج، وكلّ طائر وحشرة لها قدسيّتها في حياة وذاكرة شعبي.
    إننا نعرف نسَغ الحياة الذي يسري في أديم كلّ شجرة في أرضنا كما نعرف الدم الذي يجري في عروقنا. ونحن جزء من هذه الأرض وهي جزء منّا. إن الأزهار والدببة والغزلان والنسور العظيمة، هذه كلّها بمثابة إخوة لنا. وقمم الجبال والندى في المروج والجياد البرّية والإنسان، كلّها تنتمي إلى نفس العائلة.
    إن الماء الذي يجري في الجداول والأنهار ليس ماءً فقط، بل هو دماء أسلافنا الأوّلين. فإذا تعيّن علينا أن نبيعكم بعض أرضنا فيجب أن تتذكّروا أنها مقدّسة، وأن خرير مياه أنهارنا هو صدى لأصوات أسلافنا الأقدمين، وأن كلّ قطرة ماء صافية في بحيرة أو نهر أو جدول تتضمّن حدثا أو ذكرى في حياة شعبي.
    إن الأنهار جزء لا يتجزّأ منّا وهي لنا بمثابة الأمّ الرءوم، فهي تروي عطشنا وتحمل قواربنا وتُطعم أطفالنا. لذا يجب أن تمنحوها الحبّ الذي تمنحونه لأيّ أخ أو قريب.
    وإذا توجّب علينا أن نبيعكم بعض أرضنا فتذكّروا أيضا أن الهواء ثمين جدّا بالنسبة لنا، وأن روحه كامنة في جميع أشكال الحياة التي يدعمها.
    إن الرياح هي التي منحت جدّنا الأكبر نفخة الحياة الأولى، وهي أيضا التي استقبلت أنفاسه الأخيرة، وهي التي تمنح أطفالنا روح الحياة. لذا إذا بعناكم بعض أرضنا، فيجب أن تحافظوا على قدسيّتها كمكان يمكن للإنسان أن يذهب إليه كي يتنفّس عبير الرياح المعطّرة بأزهار المروج.
    هل ستعلّمون أطفالكم ما علّمناه نحن لأطفالنا؟ أن الأرض أمّنا وأن ما يحلّ بها يحلّ بكافّة أبنائها؟
    إننا نعرف أن الأرض لا تنتمي إلى الإنسان، بل الإنسان هو الذي ينتمي إلى الأرض، وأن جميع الأشياء مرتبطة ببعضها كالدم الذي يوحّدنا جميعا، وأن الإنسان لم ينسج بنفسه خيوط شبكة الحياة، بل هو فقط خيط منها. وأيّا كان ما يفعله بهذه الشبكة، فإنه يفعله بنفسه.
    إننا نعلم أن إلهنا هو نفس إلهكم وأن الأرض ثمينة وعزيزة عليه، وإلحاق أيّ أذى بها هو احتقار لخالقها.
    إن قدَركم غامض بالنسبة لنا. فما الذي سيحدث عندما تُذبح جميع الجواميس وتُروَّض أو تُصطاد جميع الجياد البرّية؟
    وما الذي سيحدث عندما تختلط الأطراف الخفيّة في الغابات بروائح بشر كثيرين، وعندما تحاط التلال اليانعة بالأسلاك الشائكة؟ ما الذي سيحلّ بالأدغال وأين ستذهب النسور؟ ستختفي! وستكون تلك نهاية الحياة والأحياء.
    عندما يختفي آخر هنديّ احمر من على هذه الأرض وتصبح ذكراه الوحيدة هي ظلّ غيمة تتهادى فوق البراري، هل ستبقى هذه الشطآن والغابات هنا؟ وأيّ اثر سيبقى من أرواح شعبي؟
    إننا نحبّ هذه الأرض كما يحبّ الطفل الرضيع ثدي أمّه. لذا إن اضطُررنا لأن نبيعكم بعض أرضنا فنرجو أن تحبّوها كما أحببناها، وأن تهتمّوا بها كما اهتممنا بها، وأن تحفظوا في عقولكم ذكرى هذه الأرض وتحافظوا عليها كما استلمتموها.
    حافظوا عليها من اجل جميع الأطفال وأحبّوها كما يحبّنا الله".

    Credits
    patheos.com

    Tuesday, June 12, 2018

    الحديقة اليابانية

    في عام 1883، انتقل الرسّام كلود مونيه إلى بلدة جيفرني في الريفييرا الفرنسية، واشترى هناك بيتا. ثم ألحق بالبيت أرضا قريبة وحوّل إليها ساقية ماء متفرّعة عن نهر في الجوار.
    وشيئا فشيئا، تحوّلت الحديقة إلى مصدر إلهام له، فرسم سلسلة من اثنتي عشرة لوحة تضمّنت جميعها مناظر للجسر والبركة اليابانيتين وأزهار سوسن الماء وغيرها.
    وسجّل مونيه في تلك اللوحات تأثيرات الضوء والظلّ واللون، على عادة الانطباعيين. وكتب بعض النقّاد وقتها أن مونيه نقل في لوحاته تلك انطباعا عن منطقة تأمّلية وحالمة تذكّر بأشعار ستيفان مالارميه وغيره من شعراء الأدب الرمزيّ.
    كان مونيه دائما مفتونا بانعكاسات الغيوم التي تظهر على الماء كالمرايا السائلة. والجوّ الشرقيّ للحديقة واضح من نوعية النباتات التي اختارها، كالبامبو والسنديان وغيرهما.
    كان فخورا بالحديقة، يستقبل فيها الزوّار ويقضي فيها ساعات للتأمّل. واليوم أصبحت مقصدا للزوّار من محبّي الفنّ والنباتات.
    وفي الحقيقة كان مونيه يمتلك حديقتين متلاصقتين، وكلاهما تضمّان عناصر يابانية. ولكن إحداهما، أي الحديقة المائية التي تتضمّن جسرا يابانيّا وبركة ماء وأزهار سوسن، هي المشهورة وهي التي تظهر في لوحاته.
    وقد قام اليابانيّون باستنساخ نسخة مكبّرة من حديقة مونيه واختاروا لها مكانا في قرية كيتاغاوا المليئة بالطبيعة والواقعة في إقليم كوشي، وأسموها حديقة مونيه. وهي المكان الوحيد الذي سُمح له باستخدام اسم الرسّام. وقد ضمّنوا الحديقة نسخا صغيرة من لوحات الرسّام، وأشهرها سلسلة سوسن الماء.
    كان مونيه شغوفا بالحدائق والرسوم اليابانية. ولطالما عبّر عن إعجابه بطريقة بناء اليابانيين للجسور فوق برك الماء، ثم طبّق هذا الأسلوب في حديقته.
    لكن لماذا أصبحت الحدائق اليابانية مشهورة ومفضّلة في العديد من أنحاء العالم؟
    أوّلا لا بدّ من الإشارة إلى أن اليابانيين جلبوا فنّ تصميم الحدائق من الصين بعد أن أصبحت تقاليد الصينيين في تخطيط الحدائق مشهورة على نطاق واسع. وأوّل حديقة أُنشئت في اليابان كانت في جزيرة هونشو في وسط البلاد. وكانت تحمل سمات ومعالم تلك الجزيرة، كالأنهار الجبلية والوديان الضيّقة والشلالات والبحيرات والحجارة الصغيرة، بالإضافة إلى الكثير من أنواع الأزهار والأشجار.
    وكما هو متوقّع، تأثّرت الحدائق اليابانية بالفلسفات الصينية المنشأ كالطاوية والبوذية اللتين وصلتا إلى اليابان قبل حوالي ثلاثة آلاف عام.
    وفنّ تصميم الحدائق على الطريقة اليابانية له جماليّاته الخاصّة وأفكاره الفلسفية، ومن أهمّها التأكيد على جمال الطبيعة وتجنّب الإفراط في الزينة.
    كان من عادة اليابانيين منذ القدم أن يضعوا في حدائقهم أشجارا قديمة ونباتات مهترئة أحيانا، للإيحاء بالطبيعة القديمة والنائية وللتعبير عن هشاشة الوجود ومرور الزمن وتعذّر إيقافه.


    وأهميّة الحدائق بالنسبة لليابانيين تأتي من معتقدات دينية وكذلك من احترامهم العميق للطبيعة. وهذا الاحترام يعكسه تصميم الحديقة التي يُفترض أن تبدو نسخة عن العالم خارجها، وإن على نطاق ضيّق. أي أن الحديقة يجب أن تكون صورة مصغّرة للطبيعة التي وراءها. ويمكن القول أن أيّ شيء موجود في الطبيعة يمكن استنساخه في الحديقة مع قدر من التغيير والتعديل.
    ولا يمكن إغفال الجانب الرمزيّ في تخطيط الحديقة، فمثلا الحجارة الضخمة ترمز للجبال، والبرك ترمز للبحيرات .. وهكذا.
    وتصميم الحديقة اليابانية أصبح أشبه ما يكون بالأيقونة. وهناك قواعد خاصّة يجب على المصمّم مراعاتها، وبدونها ستبدو الطبيعة فيها خالية من الأهمية ولا توحي بالهدوء والرهبة.
    وكلّ عنصر في الحديقة له غرض ومعنى. الماء، مثلا، عنصر مهمّ جدّا في الحديقة اليابانية، فهو تعبير عن الطبيعة ورمز للتجدّد والنماء والهدوء. والبرك والشلالات الصغيرة تُعطى أولوية في التصميم، لأنها تحافظ على نقاء الهواء خاصّة في فصل الصيف. وهناك أسطورة يابانية قديمة تشبّه التلّ بالإمبراطور والماء برجال الحاشية والحجارة بالعسكر الذين يمنعون الحاشية، أي الماء، من التدخّل أكثر ممّا ينبغي في حياة الإمبراطور.
    هناك أيضا الحجارة، وهذه لها أهميّتها في الفلسفات الشرقية عموما. فهي رمز للحضور المتعدّد لقوى الطبيعة. فهي تثبّت الحديقة في الأرض وتمنحها شخصيّتها الخاصّة. وعادة ما توضع الحجارة في الحديقة وفق نظام صارم وطبقا لأشكالها ومقاساتها. وهي توضع حسب توافقها في الشكل أو تباينها. والحجارة تخلق إحساسا بالارتياح، كما أنها تحدّد شكل التلال والشلالات والجداول والبرك في الحديقة.
    ونوعية الحجر المستخدم هي احد العناصر المهمّة في تصميم الحدائق اليابانية. وبعض اليابانيين يستخدمون حجارة نادرة، والبعض الآخر يكتفون بالحجارة العاديّة.
    وهناك أيضا المصابيح. فمع ظهور تقاليد الشاي في الثقافة اليابانية، أصبحت المصابيح عنصرا مهمّا في تخطيط الحديقة اليابانية. والغرض الأساسيّ منها هو إنارة طريق الزوّار أثناء المناسبات الليلية. كما أن المصباح في التقاليد اليابانية رمز لنور المعرفة الذي يبدّد غيوم الجهل. ووضع مصباح بالقرب من الماء يوفّر عنصر تباين معماريّا مع العناصر الطبيعية الأخرى للحديقة.
    وهناك أيضا عنصر آخر مهمّ يتمثّل في الجسور. فالجسر يمكن أن يجلس عليه الأشخاص ليتأمّلوا جمال الطبيعة المحيطة ويستمتعوا بعذوبة النسيم. والجسر قد يكون مصنوعا من الخشب أو البامبو أو الحجارة. وأيّا كان شكله، فإنه يضفي على طبيعة الحديقة نوعا من التناغم والانسجام.
    وهناك أيضا النباتات. واليابانيون معروفون من قديم بقدرتهم الطبيعية على ترجمة سحر الأزهار والنباتات بحيث تعبّر عن أفراحهم وأحزانهم. واهتمامهم بعالم النبات يكاد يكون نوعا من الشغف الحقيقيّ.
    والنباتات تقليديا ترتبط بالأفكار المتغيّرة والأشكال العامّة للحياة. ومن النباتات التي يهوى اليابانيون رؤيتها في حدائقهم ثمرة الغبيراء، وهي كتلة من الأزهار البيضاء التي ترمز في تلك البلاد إلى الشباب.
    وهناك أيضا الصنوبر الذي يضفي حميمية إلى الحديقة ويوفّر للزوّار جوّا هادئا يصرفهم عن صخب الخارج. وهناك أيضا اللوتس، وهو أزهار مقدّسة ويسمّيها اليابانيون زهرة بوذا. وهذه الزهرة عندما ترتاح فوق سطح الماء فإنها توفّر طقسا مثاليّا للتأمّل، وهي معروفة بظلالها البيضاء والوردية.
    الحديث عن الحدائق اليابانية لا يمكن أن يغطّيه موضوع واحد. وربّما يكون لنا عودة أخرى للحديث عنها بشكل أكثر استفاضة. لكن يمكن القول في الختام أن تصميم الحدائق اليابانية ينطوي على الكثير من الفنّ والفلسفة. وتصميم حديقة يابانية ليس أمرا ثابتا كما انه لا ينتهي أبدا. والسبب ببساطة هو أن الحدائق تتغيّر باستمرار مثلما تتغيّر الطبيعة نفسها.

    Credits
    edenproject.com

    Friday, June 01, 2018

    رسّام أضواء الشمال


    عاش الرسّام النرويجيّ بيدر بالكا في القرن التاسع عشر وجسّد في لوحاته البعد الرمزيّ للحركة الرومانسية، مع مسحة تعبيرية لم ينافسه فيها أيّ من معاصريه من الرسّامين.
    وقد صوّر بأسلوبه الخاصّ الجمال الفطريّ لبلده النرويج في لوحات دراماتيكية ترفض الفنّ الفيكتوريّ لصالح تبسيط الشكل واللون.
    كان بالكا قد نُسي تماما بعد وفاته. لكن في السنوات الأخيرة أعيد اكتشافه من قبل خبراء الفنّ وجامعي الأعمال الفنّية.
    كان هذا الرسّام شخصا مغامرا وأحد الفنّانين القلائل الذين غامروا بالذهاب إلى الدائرة القطبية. وقد رأى وهو شابّ الجدار الصخريّ الضخم المسمّى بالقطب الشماليّ ورسم طوال حياته المشاهد المتجمّدة في الأطراف القصيّة من النرويج.
    خيال بالكا مليء بالثلج ومتجمّد في تأمّل شيء ما عند أطراف التجربة الإنسانية. والبشر نادرا ما يظهرون في صوره. فقط السفن المحطّمة والبلدات الثلجية التي ترمز لحياة الإنسان.
    كان يرى في شمس منتصف الليل حاجزا صامتا وحَدّاً أخيرا للمعرفة والاستكشاف، وخلف ذلك الحدّ لا يوجد شيء. وعندما كان يقف محدّقا في الثلج، كان يشعر وكأنه واقف أمام نهاية العالم. السماء فوق الصخور خاوية بشكل مخيف، والبحر يمتدّ في فراغ لا إنسانيّ.
    والرسّام يترجم أحاسيسه إلى صور موحشة تتضمّن بضعة عناصر متكرّرة: الجبال والشواطئ والسماء والبحر.
    في ما بعد، عندما أصبحت ذكرى تلك المشاهد بعيدة عن ذهنه، أصبح من السهل عليه استدعاؤها وعكسها في صوره بطريقة أكثر تجريدا. فهو يرسم الجبال الثلجية الشاهقة والمنحدرة وكأنها معلقة فوق الشطآن التي تحتها، ويرسم الشمس ككرة من نار في سماء صفراء.
    ومثل هذه الرؤى المزعجة تشبه تلك التي رسمها سلفه الألمانيّ كاسبار فريدريش، الرومانسيّ الذي رسم هو أيضا الطبيعة باردةً ومخيفة. وبالنسبة لهذين الرسّامين، فإن الطبيعة هي رمز سيكولوجيّ. وتماهي بالكا مع المناظر المتطرّفة يوصل شعورا بعزلة لا نهاية لها. ولهذا السبب، ربّما، لم تبع لوحاته المقفرة جيّدا عندما كان حيّا.


    وعندما مات بالكا في نهاية القرن قبل الماضي، كان الشابّ إدفارد مونك قد بدأ يرسم لوحاته التعبيرية عن سماوات وبحار النرويج غير الحقيقية. وفي الحقيقة كان مونك يكمل الرحلة التي كان قد بدأها بالكا إلى القطب الشماليّ والتي تشبه رحلة داخلية إلى نهايات الليل.
    عاش بالكا في زمن كانت الثورات فيه تلوح في الأفق والمشاعر القومية في ازدياد وعصر الاستكشاف في ذروته. وقد أنتجت تلك البيئة المضطربة ما عُرف بفنّ التسامي، أي الخوف من قوى الطبيعة الذي يقود الإنسان إلى نسيان نفسه كليّا أمام سطوة الطبيعة وجبروتها.
    كان بالكا تلميذا ليوهان دال. ومثل الفنّانين الآخرين، تبع التلميذ خطى معلّمه وأصبحت لوحاته صدى للوحات أستاذه، حيث مناظر الأشجار الداكنة والسفن المحطّمة في طبيعة ثلجية كئيبة ومتمنّعة.
    كانت المناطق القطبية الخطيرة تحتلّ جزءا كبيرا من الرسم الرومانسيّ، وكانت أشبه ما تكون بالمتاهات المظلمة. وأكثرها لم يكن قد اكتُشف بعد، كما كان ارتيادها في القرن التاسع عشر يشبه ارتياد الفضاء في القرن العشرين. وقد جلب ذلك كثيرا من الإثارة والمخاوف.
    في ما بعد، أصبحت رسومات بالكا مختلفة، صارت تشبه الألوان المائية الصينية بظلالها الضبابية وجبالها الطافية التي تحلّق كممالكَ في السماء. وحتى بحاره أصبحت مظلمة ومليئة بالدراما والعنف.
    ويبدو أن الرسّام لم يجد صوته الخاصّ أبدا. لكن انجازاته تتمثّل في حقيقة انه لم يتوقّف مطلقا عن النظر إلى الأشياء من حوله. لكن المؤسف أن سمعته كفنّان تلاشت بعد موته دون أن يترك أثرا في بلده أو في العالم. واستمرّ هذا الحال حتى السنوات الأولى من القرن العشرين عندما عاود فنّه الظهور على الساحة العالمية.
    في هذه الأيّام، يبدو العالم منشغلا كثيرا بمستقبل القطب الشماليّ. وهناك قلق كبير بسبب ذوبان الثلوج في تلك الأماكن. وفي زمن الرسّام لم يكن الناس قد سمعوا بعد بالتسخين الحراريّ، ولم يكن لديهم معلومات دقيقة عن المحيط القطبيّ.
    كان بيدر بالكا إنسانا محبّا للطبيعة. ولوحاته كانت جديرة بالثناء، وحياته كانت تستحقّ الإعجاب. وعندما تقرأ مذكّراته التي كتبها قبل رحيله، لن يساورك شكّ أبدا في أنه كان إنسانا عظيما وأن معظم الناس يودّون لو عرفوه لتواضعه وشجاعته وخياله الواسع.

    Credits
    independent.co.uk

    Thursday, May 24, 2018

    جيروم والنمر


    القصص التي تتحدّث عن الارتباط الوجدانيّ بين الإنسان والذئب كثيرة. وربّما يعود سبب هذا الارتباط إلى حقيقة أن الذئاب جزء من آثار العالم القديم والمندثر عندما كان الإنسان واقعا بالكامل تحت رحمة الطبيعة وعاجزا عن السيطرة على قواها القاهرة.
    وغالبا ما تقترن الذئاب بالحياة في الصحاري والجبال التي تذكّر الإنسان بأسلافه الأقدمين وبخلود العالم. ولهذا السبب أصبح هذا الحيوان رمزا لاستمرارية الوجود الإنسانيّ وديمومة الحياة على الأرض.
    وفي مقابل وفرة القصص التي تحكي عن العلاقة بين الإنسان والذئب المعروف بقابليّته للاستئناس، لا تتوفّر قصص مشابهة عن حيوان كالنمر، مثلا، لسبب واضح. فالنمر حيوان متوحّش جدّا، وهو الحيوان الوحيد الذي لا يمكن للإنسان أبدا أن يروّضه أو يأمن شرّه.
    وحكايات الرحّالة الأوائل الذين لم يروا النمر تُصوّره على انه مخلوق خياليّ لا يختلف كثيرا عن التنّين. وبالنسبة للأوربّيين، ، كان النمر، وحتى القرن الثامن عشر، ما يزال أشبه ما يكون بالأسطورة، إذ لم يكن احد قد رآه عيانا. والصورة الوحيدة المتوفّرة عنه مصدرها كتاب مصوّر عن هيئات الحيوانات يعود تاريخه إلى القرون الوسطى.
    والفنّانون الذين رسموا النمر تخيّلوه في هيئة حيوان عنيف وشرس جدّا؛ أكثر شراسةً حتى من الأسد. أما الهنود والكوريون والصينيون فقد عرفوه منذ أقدم الأزمنة. والكوريون يعتبرون النمر حيوانا مقدّسا، وظهوره في مكان ما يُعدّ بشارة خير وعلامة فأل.
    الرسّام الاستشراقي الفرنسيّ جان ليون جيروم رسم في عام 1882 لوحة بعنوان أحزان الباشا، استوحاها من قصيدة كان قد قرأها لمواطنه الروائيّ فيكتور هيغو بنفس العنوان.
    والقصيدة تتحدّث عن باشا تركيّ كان قد استأنس نمرا واحتفظ به في قصره إلى أن مات "أي النمر". ويصف الكاتب الباشا وهو جالس أمام الحيوان الميّت وقد علت وجهه أمارات الألم والحزن.
    كان جيروم نفسه قد طاف ببلاد الشرق وسجّل في العديد من لوحاته بعض المناظر التي رآها في رحلاته الكثيرة إلى مصر وتركيا وغيرهما. وبعض تلك اللوحات تصوّر مشاهد صراع دامٍ حتى الموت بين بشر وحيوانات مفترسة.


    في "أحزان الباشا"، نرى الرجل التركيّ جالسا يتأمّل في صمت نمره الميّت المتمدّد على السجّادة التي تناثرت فوقها الورود الحمراء. اللوحة صغيرة نسبيّا، لكنها تعكس حالة غريبة ونادرة من التعاطف بين الإنسان وحيوان يصعب تصوّر أن يتمّ ترويضه أو أن تنشأ بينه وبين البشر علاقة ودّ وألفة.
    علماء الحيوان يقولون إن من عادة النمر أن يستبدّ به الغضب عندما يرى أيّ كائن حيّ يتحرّك بالقرب منه. وحتى لو عومل معاملة حسنة فإنه لا يتردّد في تمزيق اليد التي أطعمته. وكلّ مؤرّخي الطبيعة تقريبا مجمعون على هذه السمة العدوانية في سلوك هذا الحيوان.
    كما أن النمر معروف بطبيعته الأنانية، فعندما يقتل فريسة فإنه لا يأكلها في نفس المكان، بل يسحبها بسرعة إلى داخل الغابة حيث يمكنه أن يلتهمها هناك بمفرده ودون أن يُشرك معه حيوانا آخر.
    لكن النمر في لوحة جيروم مختلف، فهو مصوّر بطريقة رائعة وكأنه خارج لتوّه من حكاية شرقية قديمة. وبعض مؤرّخي الرسم رأوا في اللوحة ما يشبه النبوءة بقرب أفول شمس الإمبراطورية العثمانية.
    وأيّا تكن الرسالة، فإن جان ليون جيروم نجح في نيل استحسان النقّاد في زمانه، الذين أشادوا بمقدرته الفائقة في إخفاء أيّ اثر للفرشاة وفي إبراز أدقّ التفاصيل، كنوعية النسيج والفراء الناعم والأزهار وغيرها.
    كان من عادة هذا الفنّان أن يختار لصوره أحداثا بعيدة في الزمان والمكان. وكان يفضّل غالبا رسم الأساطير الكلاسيكية والتاريخ القديم وثقافات بلدان الشرق الأوسط والحيوانات الغريبة.
    وقبل جيروم بخمسين عاما، رسم الفنّان والشاعر الرومانسيّ الانجليزيّ وليام بليك صورة يظهر فيها نمر جميل وشرس مع بضعة أبيات شعرية متأمّلة تتغنّى "بعينيه ويديه الخالدتين" وبتناسق أعضائه ورعبه القاتل.
    ثم يتساءل بليك: هل كان الربّ يبتسم عندما خلق النمر، وهل من خَلَقه هو نفس الربّ الذي خلق الحمل"؟! وبالنسبة لبليك فإن ما يجعل من النمر أعجوبة من أعاجيب الطبيعة ليس جماله، وإنّما شراسته وقوّته.
    وأنت تتأمّل هذه اللوحة بألوانها الذهبية والأرجوانية البديعة، سيُخيّل إليك انك أمام مخلوق وديع وحالم. وهذا بالطبع تصوير مبالغ فيه ولا يمتّ إلى الواقع بصلة.
    لكن في هذه الأيّام فإن للوحتي جيروم وبليك أهمّيّة ومغزى، خاصّة في ضوء تحذير العلماء من أن النمور يمكن أن تختفي من العالم نهائيا خلال العشر سنوات القادمة بسبب الصيد الجائر والظروف البيئية غير المواتية.

    Credits
    joslyn.org

    Thursday, May 17, 2018

    فانتازيا للمتعة


    حدثت هذه القصّة منذ زمن طويل، طويل جدّا عندما كان العالم ما يزال في بداياته، صعبا وغير مضياف. كانت المخلوقات تجلس وتنتظر، تعرف أنها ينبغي أن تقتل لكي تعيش. والإنسان، المتفوّق على غيره من المخلوقات بذكائه، كان لا يغامر بالذهاب بعيدا عن مكانه، بل ولا يعرف حتى عن وجود قبائل أخرى بالجوار. كان يهاب التجوال خوفا من المجهول. وكان القانون الذي يحكم الحياة بسيطا: القويّ بظفر بكلّ شيء.
    بهذه الكلمات يبدأ فيلم "مليون عام قبل الميلاد"، من إنتاج عام 1966. وبحسب هذا الفيلم، فإن البشر والديناصورات كانت تتعايش مع بعضها البعض على الأرض في عصور ما قبل التاريخ.
    في ذلك الوقت، كان البشر واقعين بالكامل تحت سطوة الطبيعة، تتهدّدهم الديناصورات والحيوانات المفترسة التي تجوب الأرض، والبرد والظلام. ولم يكن الإنسان وقتها قد طوّر لغة. وكانت القبائل البشرية آنذاك قليلة ومتناثرة، والوسيلة الممكنة للتواصل والتفاهم كانت من خلال الضحك أو الصراخ أو بعض الإشارات والكلمات البسيطة والقليلة.
    والفيلم يحكي عن رجل يقال له توماك من قبيلة بدائية تُدعى "قبيلة الحجارة"، في إشارة إلى أن أفرادها يسكنون الكهوف. وتوماك يعاقَب من قبل قبيلته البدائية بالنفي جزاءً له على قتل والده الذي كان يتمتّع باحترام القبيلة.
    ثم يخرج توماك هائما على وجهه ويتعرّض لتهديدات السباع والضواري، فيصطاد بعضها ويأكلها لكي يعيش بينما يصارع السحالي العملاقة والعناكب السامّة اتقاءً لخطرها.
    وفي نهاية الأمر يصل إلى جزيرة بركانية تقطنها قبيلة أخرى تُدعى "قبيلة الأصداف"، في إشارة إلى أن أفرادها يعيشون قريبا من البحر. وهذه القبيلة تبدو أكثر تحضرّا من قبيلته، مع أن الوحوش فيها أكثر من البشر. وطبيعة الجزيرة بكر لم يخرّبها الإنسان بعد، واللغة بسيطة عبارة عن غمغمات وهمهمات وحركات باليد والجسد.
    وهناك يقابل توماك امرأة شقراء تُدعى لونا وتأخذه إلى قبيلتها. وفي الطريق يلوذ الاثنان بأعلى شجرة للاحتماء بها من خطر مجموعة من آكلي البشر. وتوماك ولونا يخيفهما كثيرا منظر آكلي البشر ويعرفان أنهما قطعا شوطا طويلا كي يصبحا بشرا وأن عليهما فعل المزيد إذا ما أرادا أن يُكتَب لهما البقاء.
    ثم تتوالى في الفيلم قصص أخرى مشوّقة يتخلّلها من وقت لآخر لقطات لبركان ينفث دخانه ببطء في السماء، في ما يبدو وكأنه علامة على وقوع كارثة وشيكة.
    ثم يعرف توماك أن شقيقه المسمّى ساكانا قد استولى على زعامة قبيلته بالقوّة. وهنا تحشد قبيلة الأصداف مقاتليها استعدادا للحرب مع قبيلة الحجارة بهدف خلع ساكانا ومعاقبته.
    وأثناء احتدام القتال بين الطرفين، يقع زلزال ويثور البركان فجأة. وغضبُ الطبيعة يصيب القبيلتين معا ولا يوفّر أحدا. والناجون من الحرب يجدون أنفسهم في النهاية في طبيعة شبه مدمّرة، فيقرّرون أن يتسالموا ويتعاونوا مع بعضهم للبحث عن ارض جديدة تصلح للسكنى.
    وينتهي الفيلم من حيث بدأت قصّة الصراع الإنسانيّ في تلك العصور الموغلة في القدم والذي ما يزال مستمرّا حتى اليوم.
    الفيلم تمّ تصويره في جزر الكناري، حيث الطبيعة ما تزال تحتفظ ببعض سماتها البدائية. وموضوع الفيلم هو المجتمع وكيف أن البشر يقود بعضهم بعضا كي يصبحوا اشخاصاً أفضل. كما انه يتناول عواقب خروج الإنسان بمفردة إلى بيئة معادية.
    لكن أحد المآخذ على الفيلم انه يتضمّن بعض الأنماط العنصرية. فقبيلة الأصداف متطوّرة وأفرادها شقر الشعور بيض البشرة، مقابل أفراد قبيلة الحجارة ذوي الوجوه السمراء والشعور السوداء المشعثّة. كما أن لدى قبيلة الأصداف رسوما على الكهوف وموسيقى وحليّا مصنوعة من الصَّدَف ولغة أكثر تطوّرا نسبيّا.
    من جهة أخرى، يفترض العلم الحديث أن آخر الديناصورات الطائرة انقرضت من الأرض قبل أكثر من ستّة وستّين مليون عام، وأن البشر الحاليين - وهم امتداد للهوموسابيان أو الإنسان العاقل - لم يكن لهم وجود على الأرض إلا منذ مائتين أو ثلاثمائة ألف عام على أكثر تقدير.
    لكن حجّة من يصنعون مثل هذه الأفلام لا تخلو من منطق. فهم يقولون أنهم لا يصنعون أفلامهم للعلماء ولا لأساتذة الجامعات، فهؤلاء أصلا لا يذهبون لرؤية مثل هذا النوعية من الأفلام. ويضيفون أن الغرض الأساس من مثل هذه القصص الفانتازية هو تسلية الناس وإمتاعهم في المقام الأوّل وليس حشو رؤوسهم بمعلومات مختلف حول صحّتها وليست مؤكّدة.
    يمكن مشاهدة الفيلم على هذا الرابط .

    Credits
    variety.com

    Thursday, May 10, 2018

    سورويا والموضة


    كان يواكين سورويا احد أكثر الرسّامين الإسبان رواجا وانتشارا في زمانه. وقد عُرف بقدرته على رسم أكثر المشاهد تلقائيةً في الحياة اليومية وبطريقة فيها الكثير من الحميمية والأناقة.
    كانت عائلة سورويا عماد حياته. والصور التي رسمها لزوجته وابنتيه ما تزال من بين أكثر أعماله جاذبيةً وجمالا. منزل الرسّام في مدريد كان عصريّا هو الآخر. وقد بناه بحيث يوفّر لأسرته أعلى مستوى من الراحة والرفاهية.
    والديكور الذي استخدمه في البيت كان يعكس الذوق السائد في ذلك الوقت، أي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وكان يتضمّن قطع أثاث من طرز تاريخية متنوّعة بالإضافة إلى تصميمات حديثة.
    كان سورويا يستمتع برؤية نفسه محاطا بعائلة حديثة. وكان هو وزوجته كلوتيلدا وابنتاه ماريا وايلينا يولون أهمية فائقة لأسلوب لباسهم، كما يظهر واضحا في صور الرسّام ورسائله. كما كانوا جميعا يتمتّعون بميل طبيعيّ للأناقة وللأسلوب العصريّ في اللباس والعيش.
    وعندما كان يذهب في رحلات إلى خارج اسبانيا، لم يكن ينسى أن يعود محمّلا بالكثير من الهدايا لهم من ملابس واكسسوارات وغيرها من الأشياء التي رآها وأعجبته.
    رسائل سورويا إلى زوجته عندما كان في رحلات إلى باريس تشي باهتمامه الكبير بالموضة، إذ يشرح لها الاتجاهات الجديدة في الموضة والملابس. كان يحبّ الملابس الصيفية ذات الألوان البيضاء الغارقة في ضوء الشمس والتي تهيمن على أعماله.
    لكن زوجته وابنتيه كنّ متمسّكات بالأسلوب الاسبانيّ القديم في اللباس، أي شال فوق فستان اسود في مناسبات الزفاف أو الأعياد الدينية. وقد رسم زوجته كثيرا مرتدية ذلك الزيّ، لكنه أيضا رسمها في العديد من اللوحات وهي تمشي في الحديقة بفستان ابيض مع معطف اسود وقبّعة من ريش الطيور.


    ولد يواكين سورويا في بلنسية عام 1893 وتعلّم الرسم على يد أكثر من فنّان. وفي سنّ الثامنة عشرة، سافر إلى مدريد وزار متحف برادو ودرس اللوحات التي كان يضمّها. ثم ابتُعث إلى روما ومنها إلى باريس التي تعرّف فيها على الرسم الحديث. وعند عودته إلى بلنسية، تزوّج من كلوتيلدا ديل كاستيللو التي تنتمي إلى عائلة ثريّة من الطبقة الوسطى.
    وقد برع الفنّان في رسم البورتريه والمناظر الطبيعية، لذا عُرف برسّام الضوء لأنه كان يرسم غالبا في الهواء الطلق وتحت نور الشمس.
    في ذلك الوقت كانت الطبقة الوسطى في اسبانيا تمرّ بفترة ازدهار، الأمر الذي أدّى إلى رواج رسم البورتريه واكتسابه شعبية إضافية.
    كان سورويا معروفا باهتمامه بتفاصيل لباس شخوصه، وبالتدريج أصبح مؤرّخا عارفا بأحوال واتجاهات الموضة في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات العشرين. ولوحاته توفّر سجلا دقيقا للتغييرات التي طرأت على ميول وتفضيلات الناس أثناء تلك الفترة في ما يتعلّق بالأزياء والمجوهرات.
    ولم يكن يكلَّف فقط برسم العائلات البورجوازية، وإنما أيضا برسم العائلة الملكية الاسبانية. وهو في لوحاته التي رسمها لهؤلاء يكشف عن روح النخبة وأساليب وطرز اللباس التي كانوا يفضّلونها. وفي تلك البورتريهات، تقف النساء أمامه في أجمل وأحدث الملابس، لأن ذلك جزء مهمّ من أناقتهنّ. لكن سورويا لم يكن يركّز في صوره على جمال المظهر الخارجيّ، وإنّما أيضا على حركة الشخصية ومشاعرها الداخلية.
    وقد اكتشف الرسّام الخصائص العلاجية لشواطئ اسبانيا ورسم الملابس العصرية التي يكثر مرآها في تلك النواحي مثل المظلات والقبّعات. وسورويا كان شاهدا على ذلك العصر، كما أن أفراد أسرته يستأثرون بغالبية صوره التي رسمها في البحر.
    في زياراته لباريس، رسم سورويا مقاهي وشوارع المدينة، بالإضافة إلى دور السينما والأوبرا وغيرها من الأماكن التي جذبت اهتمامه. ولم يكن ينسى أن يزور الأماكن التي تعرض الأقمشة والابتكارات الحديثة في اللباس. وكان يشتري بعض ما يراه ويضمّنه في صوره.

    Credits
    museothyssen.org

    Wednesday, May 02, 2018

    فولتير وعصره

    لا يوجد من الكتّاب من ينافس فولتير في كثرة العبارات والاقتباسات التي يتداولها الناس نقلا عن كتاباته وخُطَبه.
  • قد لا أتّفق معك في الرأي، لكنّي سأقاتل حتى الموت دفاعا عن حقّك في أن تقول ما تؤمن به.
  • اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسّيس.
  • الذين يجعلونك تؤمن بما هو مخالف للعقل قادرون على جعلك ترتكب أبشع الجرائم.
  • النزاع الطويل بين طرفين يعني أن كليهما على خطأ.
  • من الخطير أن تكون على حقّ عندما تكون الحكومة على خطأ.
  • المكان الوحيد الذي استطيع أن اسند عليه رأسي وأنام مرتاحا مطمئنّا هو حِجر أمّي.
  • من الصعب تحرير العبيد من الأغلال التي ألفوها وأحبّوها.
  • لدينا ما يكفي من الدِّين كي نكره ونظلم، لكن ليس لدينا منه سوى القليل كي نحبّ ونتعاطف.
  • اسعد حياة يمكن أن تعيشها هي أن تعيش مشغولا في عزلتك.
    كان فولتير احد أعمدة عصر التنوير وواحدا من أشهر مفكّري القرن الثامن عشر. ملاحظاته الجريئة والمستفزّة والمثيرة للجدل عن الدين والحرّية والسياسة والأخلاق خلقت له الكثير من الأعداء والأصدقاء.
    ولد باسم فرانسوا ماري آرويه، لكنّه عُرف في العالم باسمه المستعار. واسم فولتير غير معروف مصدره ولا معناه. لكن قيل إنه كان على علاقة خصومة مع والده الذي كان يرفض قيمه وأفكاره. لذا أسقط اسم عائلته وتبنّى اسم فولتير. وهو لم يفسّر أبدا سبب أو سرّ اختياره لهذا الاسم.
    عُرف فولتير بذكائه الشديد وبحسّه الأخلاقيّ العالي. كان يقضي ثمان عشرة ساعة يوميّا في الكتابة. وكان متعدّد الاهتمامات، فكتب في السياسة والتاريخ والمسرح والفلسفة والعلوم. وهو لم يتزوّج أبدا، وبالتالي لم ينجب أطفالا.
    كان فولتير صريحا في دفاعه عن الحرّيات المدنية، وكان يجد نفسه في حالة صدام مستمرّ مع السلطة. وقد كرهه الأقوياء بمثل ما أحبّه الفقراء والمهمّشون.
    ذات مرّة، كتب قصيدة أغضبت الملك، فحُكم عليه بالسجن في الباستيل لمدّة عام. ثم مُنعت بعض أشهر كتبه وأمرت السلطات بإحراق بعضها الآخر. روايته المشهورة "كانديد" كتبها باسم مستعار هو "د. رالف". وقد تبرّأ من تلك الرواية لسنوات كي يتجنّب غضب المؤسّستين السياسية والدينية.
    ولأنه كان عنيدا جدّا، وخوفا من أن يتعرّض للسجن ثانية، فضّل الذهاب إلى المنفى الطوعيّ في انجلترا. ومعظم سنواته الأخيرة قضاها منفيّاً في سويسرا.
    لكن في عام 1778، أي بعد حوالي خمسين عاما قضاها في الخارج، سمح له المناخ السياسيّ في فرنسا بالعودة. وقد لقي الكثير من مظاهر الحفاوة والتكريم عندما عاد. لكن اكبر مفارقة حدثت في يوم عودته، إذ مات في نفس ذلك اليوم.
    وفي اللحظات الأخيرة التي سبقت وفاته، زاره مندوبون عن الكنيسة على أمل أن يقنعوه بالعدول عن بعض أرائه والإدلاء باعترافاته وهو على سرير الموت. لكنه لم يفعل ولم يزد على أن قال للكهنة: أرجوكم دعوني أمت بسلام". وعندما طلبوا منه أن يتبرّأ من الشيطان وأن يلعنه قال: ليس هذا هو الوقت المناسب لصنع أعداء جدد"!
    وكان موقف فولتير الرافض ذاك يعني حرمانه رسميّا من الدفن حسب الأعراف المسيحية. لكن عائلته وأصدقاءه المقرّبين نظّموا له جنازة سرّية على الرغم من قرار المنع.
    وبعد وفاته، ولأنه كان قد صار مقبولا أخيرا من القصر والنخبة الحاكمة، فقد مُنح تكريما خاصّا وذلك بتحنيط دماغه وقلبه كي يُحفظا للأجيال القادمة.
    قد يبدو هذا الأمر غريبا، لكن هذا ما حدث فعلا.
    كان ذلك التقليد شائعا في القرنين الثاني عشر والثالث عشر عندما وجد الناس أن إعادة قلوب الجنود الذين يُقتلون في المعارك إلى أهلهم كان حلا أكثر يسرا وجدوى من إعادة جثامينهم كاملة.
    لكن المثير في قصّة فولتير هو ما حدث تالياً. فقد انتهى قلب الفيلسوف في يد ماركيز يُدعى "دي فيليه" الذي وضع القلب في صندوق معدنيّ في غرفة بقصره وكتب عليه عبارة: روحه في كلّ مكان وقلبه هنا".
    لكن بسبب الظروف السياسية، نُقل القلب من عهدة الماركيز إلى عهدة الحكومة الوطنية. ثم نُقل بعد ذلك ووُضع في قاعدة تمثال للفيلسوف في متحف شخصيات فرنسا حيث ما يزال بالإمكان رؤيته إلى اليوم.
    ولم يكن قلب فولتير فقط هو الذي حُفظ، بل لقد أُزيل دماغه أيضا وتمّ تحنيطه. وفي وقت ما من القرن التاسع عشر، نشأ خلاف بين ورثته والحكومة الفرنسية نتج عنه بيع الدماغ في مزاد للأثاث بعد أن اُسقط من عهدة الحكومة.
    لكن لا أحد يعرف حتى اليوم مكان وجوده.

  • Credits
    voltaire.ox.ac.uk

    Friday, April 27, 2018

    حكاياتٌ شابّة عمرها ألفا عام


    ليس من الواضح ما إذا كان "فيشنو شارما" شخصا حقيقيا أم انه مجرّد اسم أدبيّ مستعار. ومع ذلك، هناك احتمال أن غالبية القرّاء العرب سبق أن قرءوا، أو على الأقلّ سمعوا عن كتابه المشهور في مرحلة ما من حياتهم.
    و"فيشنو شارما" هو مؤلّف كتاب "كليلة ودمنة" الذي تجري أحداثه على ألسنة الحيوانات. والاسم الأصليّ للكتاب هو "البانشاتاترا"، وله اسمان آخران هما "أساطير بيدبا"، و"فيدياباتي" بالسنسكريتية.
    ويُعتبر هذا الكتاب من أقدم الآثار المكتوبة في الهند. ويتناول فلسفة الأخلاق والحكم، ومكتوب بلغة هي مزيج من الشعر والنثر.
    والحكايات التي يتضمّنها البانشاتاترا قديمة جدّا. ومع مرور الوقت، أصبحت من بين أشهر القصص وأكثرها انتشارا في العالم. ويقال أن مؤلّفه كتبه في كشمير أو في مكان آخر في جنوب الهند.
    وهناك من يصنّف الكتاب على انه دراسة في علم السياسة والسلوك الأخلاقيّ، مع شيء من السخرية الاجتماعية. وهو يتحدّث إلى قرّاء كثيرين وعلى مستويات مختلفة.
    والبنية الأساسية أو الإطار السرديّ للبانشاتاترا هو عبارة عن سلسلة من الأسئلة والأجوبة بين ملك هنديّ قديم يُدعى دبشليم وفيلسوف يُدعى بيدبا "أو بردوبين". وكلّ قصّة أو حكاية تحيل إلى قصص أخرى ذات مغزى. والراوي، أي بيدبا، يذكر أن الكتاب أُلّف كي يقرأه ثلاثة أمراء حديثي عهد بالسياسة لغرض تبصيرهم بقواعد السلوك الإنسانيّ والحكم الرشيد.
    وأوّل ترجمة للبانشاتاترا إلى لغة غير الهندية "أو السنسكريتية" كانت إلى الفارسية "البهلوية" على يد كاتب يُدعى برزويه أثناء حكم الملك الساسانيّ انوشروان.
    وطبقا للفردوسيّ مؤلّف الشاهنامة، فإن برزويه الذي كان يعمل طبيبا للملك استأذن منه كي يذهب إلى الهند للبحث عن عشبة جبلية كان قد قرأ أو سمع عن خصائصها السحرية وأن كلّ من يتعاطاها يُكتب له الخلود والحياة الأبدية.
    وعندما وصل الطبيب إلى الهند، قابل هناك معلّما حكيما ووجد عنده نسخة من كتاب. ثم أشار عليه الحكيم بأن ينسى أمر تلك العشبة التي جاء باحثا عنها، وأن يكتفي بقراءة ذلك الكتاب إن كان يطمح في اكتساب قدر من الحكمة والاستنارة.
    وبعد أن قرأ برزويه الكتاب، أُعجب كثيرا بالحكايات التي يتضمّنها، وقرّر أن يترجمه على الفور إلى الفارسية بمعاونة بعض البراهمة الهنود. وعندما أكمل ترجمته أرسله إلى بلاط انوشروان مع كتب أخرى.
    في مقدّمة ترجمته للكتاب، يتحدّث برزويه عن بعض تفاصيل رحلته إلى الهند ويذكر نبذة عن حياته وعن مهنته كطبيب في بلاط الملك. وهو يشير إلى بيدبا على انه مؤلّف الكتاب.


    ليس واضحا ما إذا كان برزويه هو نفسه الكاتب الفارسيّ المشهور برزجمهر. وهناك رأي يذهب إلى أنهما كاتبان مختلفان، بينما يشير رأي آخر إلى أن اسم برزويه قد يكون اختزالا لاسم الأوّل. برزويه نفسه يقال أنه كان شخصا باحثا عن الحقيقة ومتشكّكا في الأديان، لكنه في أخريات حياته صار إنسانا تقيّا ومتقشّفا.
    وبحسب بعض النقّاد الغربيين، فإن ترجمة عبدالله بن المقفّع للكتاب إلى العربية في القرن الثامن هي الترجمة الأشهر، بل والأساس الذي تُرجم عليه الكتاب إلى لغات أخرى.
    وبفضل هذه الترجمة بالذات، أصبح "كليلة ودمنة" واحدا من أكثر الكتب مبيعا ورواجا طوال ألف عام، إذ تُرجم إلى أكثر من خمسين لغة وما يزال يُقرأ باستمتاع في الكثير من أرجاء العالم.
    وقد حمل العرب الكتاب معهم إلى اسبانيا في القرن الثالث عشر. كما كان من بين أوائل الكتب التي ظهرت في ايطاليا بعد اختراع الطباعة.
    أبطال "كليلة ودمنة" هم مجموعة من الحيوانات، لكن معظم الحكايات فيه ترد على لسان اثنين من أبناء آوى، هما كليلة ودمنة، أو "كاريراك وداماناك" بحسب الترجمة الفارسية.
    وكلّ حيوان في الكتاب يقدّم شخصية يمكن أن يتماهى معها الإنسان. والمؤلّف يوظّف الحيوانات والطيور لتشير إلى سمات البشر. فالغزال، مثلا، يقدَّم كرمز للشخصية البريئة والمسالمة، وهو هدف للذين يبحثون عن فريسة يسهل استغلالها. بينما يقدَّم التمساح كرمز للأشخاص الذين يُخفون نوايا شرّيرة.
    بعد ترجمته إلى العربية، أصبح "كليلة ودمنة" إحدى التحف الكبيرة في النثر العربيّ. ويقال أن ابن المقفّع، الذي كان مستعربا فارسيّا وعالما ضليعا في العربية وآدابها، كان يحاول من خلال الكتاب، وعبر توظيف الرمز والاستعارة، التعبير عن وجهات نظر سياسية معارضة للحكم العباسيّ. ومن الأمور ذات الدلالة أن نعرف أن الرجل قُتل بعد بضع سنوات فقط من ترجمته لهذا الكتاب.
    لكنّ لبعض النقّاد مؤاخذاتهم على الكتاب. فهم يرون أن مؤلّفه شخص ميكيافيليّ، لأن بعض قصصه تمجّد الدهاء والخداع والمراوغة، سواءً في الحياة العامّة أو في شئون الحكم والسياسة. غير أن هناك من لا يرى هذا الرأي بالضرورة. وهذا النوع من الجدل يؤكّد ولا شكّ غموض وثراء هذا النصّ.
    في بعض قصص كليلة ودمنة، ينتصر الشرّ على الخير. وتحسبّا من أن يُغضِب هذا القرّاء المتديّنين، عمد ابن المقفّع إلى إدخال دمنة السجن وتركه يموت هناك في محاولة لاسترضاء هذه الشريحة من القرّاء.
    شيئا فشيئا أصبحت حكايات "كليلة ودمنة" رائجة في الثقافات الشعبية للعالم. ومن عباءة هذا الكتاب خرجت كتب أخرى مماثلة، مثل ألف ليلة وليلة وحكايات كانتربري وأساطير ايسوب وقصص لافونتين عن الحيوانات.
    ويبدو أن السرّ في نجاح الكتاب وانتشاره الواسع يعود إلى حقيقة أن حكاياته قديمة ومعاصرة في آن. وطوال أكثر من ألفي عام، ظلّ هذا النصّ يوائم نفسه باستمرار مع سياقات الأماكن والأزمنة المتغيّرة.

    Credits
    scroll.in

    Saturday, April 21, 2018

    مصيف تيبيريوس


    معظمنا قرأ أو سمع بالعبارة المشهورة المذكورة في الإنجيل: أعطِ ما لقيصر لقيصر".
    الإمبراطور الرومانيّ تيبيريوس كان هو القيصر المقصود. كان إمبراطورا على روما طوال فترة حياة السيّد المسيح. وكان ما يزال يعتلي العرش عندما وقعت حادثة الصلب. وهو مذكور في الإنجيل مرّتين. كما أن صورته كانت محفورة على العملات الفضّية التي استلمها يهوذا المتآمر كرشوة.
    كان تيبيريوس ثاني أباطرة الدولة الرومانية بعد اوغستوس. وقد تولّى الحكم على غير رغبة منه. وأمّه كانت زوجة لنيرون، لكنها طلّقته وتزوّجت من اوكتافيان.
    والمعروف أن مدينة طبريا الواقعة على الشاطئ الغربيّ لبحر الجليل في فلسطين سُمّيت على اسم تيبيريوس بقرار من حاكم فلسطين الرومانيّ آنذاك هيرود انتيباس.
    أثناء فترة حكمه، كان تيبيريوس يقضي فصل الصيف من كلّ عام في كهف جبليّ يطلّ على مياه المتوسّط. واليوم بإمكان أيّ شخص أن يزور هذا المكان دون أن يحتاج لتصريح إمبراطوريّ.
    المكان المسمّى سبيرلونغا "أو الكهف باللاتينية" يقع في قرية صغيرة يعيش فيها اليوم حوالي ثلاثة آلاف شخص وتقع على الساحل الغربيّ لايطاليا في منتصف المسافة تقريبا بين نابولي وروما.
    البيوت البيضاء المحفورة في الصخر تبدو كما لو أنها يونانية الطراز. لكن لن تجد مكانا أكثر "ايطاليةً" من هذا المكان، خاصّة منذ أن اعتاد تيبيريوس قضاء إجازاته هنا قبل ألفي عام. غير أن الفيللا/الكهف تبدو اليوم أطلالا، مع أن جدرانها ما تزال قائمة وما يزال يتخلّل المكان جوّ من الاسترخاء والهدوء.
    المروج الخضراء تمتدّ إلى الخارج، مع إطلالة على البحر. وهناك طريق متعرّج يأخذ الزائر من البرَك الأثرية إلى الكهف. هنا كان الإمبراطور يسلّي ضيوفه وسط نسائم البحر المنعشة التي تهبّ على المكان الذي كان في العصور الخوالي يضمّ تماثيل تصوّر أسطورة اوديسيوس. لكن هذه الآثار الفنّية لحق بها الدمار بعد انهيار الكهف.
    في ذلك اليوم، كان تيبيريوس يتناول طعامه عندما انهار سقف الكهف فجأة، واندفع نحوه رجال حاشيته لإنقاذه. وقد اعتَبر تلك الحادثة علامة شؤم وأمر بأن يُنقل مصيفه من ذلك المكان إلى كابري.

    وفي القرن الخامس، قام كهنة متعصّبون بتدمير التماثيل الحجرية ثم طمروا الكهف تحت الأرض. وبعد انهيار الإمبراطورية الرومانية الغربية في القرن السادس الميلاديّ، أصبحت أطلال سبيرلونغا ملجئا للسكّان المحليّين. لكنهم في ما بعد تركوها هربا من هجمات السراسنة ثم العثمانيين الذين غزا أسطولهم المنطقة بقيادة بارباروسا في منتصف القرن السادس.
    وقد ظلّ الكهف مطمورا حتى عام 1957، عندما اكتشفه بالصدفة عمّال كانوا يشقّون طريقا في الجوار. لكن المنطقة استعادت أهميّتها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بعد أن اجتذبت بعض العائلات الغنيّة، فازدهرت الزراعة وتمتّع الناس بقدر من الأمان.
    ومنذ أعيد اكتشافه أصبح الكهف مقصدا للمشاهير وبعض رموز الثقافة في القرن العشرين، مثل البير كامو وآرثر ميللر وآندي وارهول ومارلين ديتريش وغيرهم.
    لم تكن نخبة الرومان راضية تماما عن تيبيريوس. والمؤرّخ تاكيتوس لم يكن معجبا به كثيرا. كما أن الإمبراطور اكتسب سمعة سيّئة كطاغية تلفّه الأسرار ويعاني من البارانويا السياسية. لكن ربّما كان من الأنسب أن نتعامل مع هذه المعلومات بشيء من الشكّ.
    إذ أن مؤرّخين آخرين يشيرون إلى انه طوال عشرين عاما من حكم تيبيريوس لم يُتّهم بالخيانة العظمى سوى خمسين شخصا. وقد نجا نصفهم من الإدانة، ولم يُدَن منهم سوى أربعة أشخاص كانوا على الأرجح ضحايا لحماس مجلس الشيوخ وليس لطغيان الإمبراطور.
    المؤرّخ بيليني الأب يصف تيبيريوس بأنه كان "أكثر الرجال حزنا"، وبأنه كان شخصا مسالما يكره الحروب ويفضّل استخدام الدبلوماسية في حلّ الخلافات مع خصوم الإمبراطورية.
    وعندما مات كانت خزينة الدولة مليئة بالأموال. وما يجعل تيبيريوس مختلفا عن سواه من أباطرة روما هو انه رفض أن يقدّسه الناس أو يعاملوه كنصف إله. ولم يسمح سوى ببناء معبد واحد تكريما له.
    أي أن تيبيريوس لم يكن شخصا سيّئا في النهاية، لكن مع كلّ ذلك العدد من المعارضين والخصوم نفهم لماذا اختار مكانا هادئا ومنعزلا مثل هذا لإجازاته.

    Credits
    quatr.us

    Friday, April 13, 2018

    عودة إلى العوالم المفقودة

    حتى إن لم تكن من هواة العاب الفيديو، فإنك على الأرجح سمعت من قبل عن "عقيدة القاتل".
    إنها سلسلة من الألعاب ذات المواضيع التاريخية التي تجري أحداثها في أماكن مختلفة، مثل باريس ما قبل الثورة الفرنسية، والقدس في القرون الوسطى، ولندن في ستّينات القرن قبل الماضي.
    وممارسة هذه السلسلة من الألعاب تتضمّن تسلّق مبان قديمة والاختلاط بالسكّان القدامى لهذه المدن ومقابلة، وأحيانا، اختطاف شخصيات تاريخية.
    مضى على طرح هذه اللعبة في الأسواق حوالي احد عشر عاما وحصدت الشركة الكندية المنتجة واسمها "يوبيسوف" ملايين الدولارات من مبيعاتها.
    وقد خصّصت الشركة منذ عام 2007 أكثر من ثلاثة آلاف استديو لصنع هذه السلسلة من الألعاب. وكان الهدف هو بعث الحياة من جديد في عدد من الحضارات التي سادت ثم بادت منذ زمن طويل.
    الشركة استعانت بفريق يتألّف من مئات الفنّانين والمؤرّخين والكتّاب ومصمّمي الأصوات والموسيقيين وغيرهم لخلق مثل هذه الأماكن الافتراضية. وقضاء ساعة أو نحوها بصحبة إحدى هذه الألعاب سيعرّفك على مدى الجهد الكبير المبذول في إعدادها وتصميمها.
    آخر أجزاء سلسلة "عقيدة القاتل"، وعنوانه "الأصول"، تجري أحداثه في مصر القديمة، أي في مكان وزمان حافلَين بالاستكشاف والغموض.
    لكن في الشهر الماضي، طرحت الشركة المنتجة نسخة معدّلة من هذا الجزء تحوّلت معها اللعبة إلى ما يشبه المتحف التفاعليّ. فقد استُبعد القتال والمهامّ من هذا الجزء وأُضيف أكثر من سبعين رحلة تفاعلية صُمّمت بمساعدة علماء مصريات من جميع أنحاء أوربّا.
    وهذه الرحلات تعلّمك الكثير عن التحنيط وعن مدينة الإسكندرية وأشياء أخرى. لكن الاختلاف بين هذه اللعبة وأيّ متحف يتمثّل في حقيقة انك تمشي في شوارع مصر القديمة وتتجوّل في قراها كطفل مصريّ وتمتطي ظهر حصان في ظلّ الأهرامات.
    واللعبة تتضمّن إمكانية أن تكون أداة تعليمية غير عاديّة، فقد استعان مطوّروها بخبراء التعليم والبحّاثة في المتاحف والجامعات والمدارس لكي يدلوا بآرائهم حول التصاميم الأوّلية.
    يقول احد مطوّري اللعبة: بالنسبة للكثيرين، تظلّ مصر القديمة شيئا عصيّا على الفهم. ونحن نساعد في الوصول إلى عالم مفقود لا أحد يعرف بالضبط كيف كان يبدو. لكننا نحاول جهدنا أن نبحث وأن نفسّر".


    فكّر فريق اللعبة لأوّل مرّة في صنع نسخة تعليمية خالية من القتال في عام 2009، عندما كانت السلسلة تتناول ايطاليا وعصر النهضة. لكن ضيق الوقت وعدم توفّر المال الكافي جعل من المتعذّر تحقيق ذلك. ثم انتهى الأمر بالمؤرّخين والبحّاثة إلى أن حوّلوا اللعبة إلى دائرة معارف، وكانت تلك محاولة لإقناع الناس بأن ينظروا إلى العاب الفيديو بطريقة مختلفة.
    ويقول مطوّر آخر: في البداية لم نعرف من أين نبدأ ولا أيّ الأحداث نختار ولا أيّ الأماكن يمكنك أن تذهب إليها. ثم بحثنا في موسوعات المعارف والكتب وشاهدنا العديد من الأفلام لنرى كيف تناولت صناعة الترفيه هذا الموضوع.
    وبطبيعة الحال، وفي ما يتعلّق بمصر بالذات، كنّا نعرف أننا نريد كليوباترا ويوليوس قيصر، لأن عهدهما اتسم بالاضطرابات السياسية الكبيرة وبالتغييرات الكثيرة، بالإضافة إلى أن ذلك العهد ترك أثرا لا يُمحى على الفنّ التشكيليّ والأدب والمسرح والسينما حتى اليوم".
    ويضيف: أمضينا سنوات ونحن نبحث واستعنّا بعلماء مصريات ومؤرّخين ذوي معرفة ممتازة بذلك العصر، وطلبنا منهم المساعدة والانضمام إلينا ومدّنا بالمعلومات اللازمة. ثم عقدنا اتفاقيات مع عدد من الجامعات لنحصل على اكبر قدر من المعلومات".
    وكان هناك أيضا علماء آثار مثل الفرنسيّ جان كلود غولفن عالم المصريات المشهور والرسّام الذي اعدّ حوالي عشرين لوحة للعبة. وقد درس الفريق ديمغرافية مصر في ذلك العصر واستخلص معلومات عن الأعمار والجنس، واكتشف أن عدد النساء كان اكبر من عدد الرجال بسبب الحرب التي كانت تجري وقتها.
    ويقول مطوّر آخر: في اللعبة الأصلية، قمنا بخلق تلك العوالم والبيئات، من نباتات وحيوانات ومعمار وثقافة، وتلاعبنا بالتاريخ وبالشخصيات. وكنّا نفكّر كيف يمكن أن نأخذ خطورة ابعد لضمان أن تصل اللعبة إلى عدد اكبر من الناس".
    ويضيف: ما فعلناه هو أننا حافظنا على نفس المواقع والبيئات. لكننا وفّرنا للمستخدم حرّية الذهاب إلى أيّ مكان من دون قتال وبعيدا عن قيود السرد. لقد أعدنا تصميم اللعبة كي نجعل الوصول إلى مصر أكثر سهولة. ونحن لا نحلّ مكان التعليم أو المكتبات، بل نساعد الناس على أن يعودوا إلى المتاحف والوسائط التقليدية بفاعلية اكبر".
    لعبة "عقيدة القاتل: الأصول" تمثل تطوّرا جذريا في مفهوم ألعاب الكمبيوتر، وهي تثبت أن ألعاب الفيديو يمكن أن تقرّبنا أكثر من الماضي البعيد زمنيّا وبأكثر ممّا نتخيّله.

    Credits
    telegraph.co.uk

    Saturday, April 07, 2018

    تشايكوفسكي وحرب نابليون

    بورودينو هو اسم لبلدة روسية جرت على أرضها المعركة الأكثر حسماً ودموية في حرب نابليون بونابرت على روسيا. ففي السابع من سبتمبر من عام 1812، هاجم الجيش الفرنسيّ هذه البلدة الواقعة غرب موسكو وتمكّن من قتل حوالي ستّين ألف جنديّ روسيّ في بضعة أيّام.
    ثم انتظر الفرنسيون شهرا كاملا بانتظار أن يعلن الروس استسلامهم وتسليم العاصمة موسكو طوعا. لكن هذا لم يحدث. عندها زحف نابليون بجيشه على المدينة فاحتلّها بسهولة ودون مقاومة تُذكر.
    لكن الفرنسيين وجدوا أنفسهم في مدينة مهجورة وأشبه ما تكون بمدن الأشباح. إذ كان معظم سكّانها قد هجروها، بينما قام الجيش الروسيّ بإحراق أجزاء كبيرة منها قبل انسحابه.
    لذا لم يجد الفرنسيون فيها أيّ مؤن أو طعام يكفيهم لمواجهة فصل الشتاء القارس بعد أن نفذت مؤنهم. وفي النهاية قرّروا الانسحاب نهائياً من الأراضي الروسية.
    وعندما وصل الجيش الفرنسيّ إلى حدود بولندا في طريق عودته، لم يكن قد بقي منه سوى عُشره تقريبا. وقد زعمت أجهزة دعاية نابليون أن السبب في هزيمة جيشهم يعود إلى شتاء روسيا الذي لا يرحم أو ما سُمّي وقتها بـ "الجنرال ثلج"، في حين كان السبب الحقيقيّ تخبّط القيادة وسوء التخطيط، ما أدّى إلى انهيار الروح المعنوية للجنود.
    وبعد ثمانية وستّين عاما من تلك الأحداث، كتب المؤلّف الموسيقيّ الروسيّ بيتر تشايكوفسكي قطعة موسيقية بعنوان "مقدّمة 1812" خلّد فيها انتصار روسيا القيصرية على نابليون.
    وقد ألّف تشايكوفسكي هذه القطعة بناءً على طلب معلّمه نيكولاي روبنشتاين الذي أرادها أن تكون موسيقى احتفالية يُسرّ بها الناس ويستمعون إليها في المناسبات المهمّة.
    وقد أتمّ تشايكوفسكي كتابتها في ظرف ستّة أسابيع فقط. وأصبحت مشهورة جدّا وامتدّت شعبيّتها إلى خارج روسيا.
    تبدأ "مقدّمة 1812" بلحن دينيّ روسيّ مألوف تتبعه أنغام ريفية وفولكلورية محلية تصوّر معاناة الروس على يد الغزاة الفرنسيين. ثم يصوّر المؤلّف انسحاب الجيش الفرنسيّ على وقع لحن روسيّ تتخلّله أصوات أجراس الكنائس. وفي هذا تذكير بما فعله رجال الدين وقتها عندما طلبوا من الناس الذهاب إلى دور العبادة للصلاة والدعاء إلى الربّ كي يتدخّل في الحرب إلى جانبهم.


    كان سلاح الروس بسيطا جدّا، بينما الفرنسيون كانوا يفوقونهم عددا وعُدّة. والموسيقى تصوّر "التدخّل الإلهيّ" في الحرب على هيئة رياح قويّة وثلوج لم يسبق لها مثيل. وقد نقل تشايكوفسكي هذه الأجواء في موسيقاه. كما صوّر جنود نابليون وهم يحاولون الفرار، وقيام الروس بأسر الكثيرين منهم.
    والموسيقى تصوّر أيضا إطلاق الناس الرصاص في الهواء ابتهاجا بالنصر وقَرْع أجراس الكنائس تعبيرا عن الشكر لله على نعمة النصر واندحار العدوّ.
    الغريب انه رغم الشعبية الكاسحة التي حقّقتها هذه الموسيقى في روسيا وخارجها، إلا أن تشايكوفسكي وصفها بأنها "صاخبة وبلا قيمة فنّية". كما صرّح بأنه لم يحبّها أبدا وأنه كتبها على عجل وعن غير رغبة منه.
    ومع ذلك، جعلته هذه الموسيقى شخصا ثريّا وأصبحت احد أكثر الأعمال الموسيقية عزفاً وتسجيلا. وبسبب رواجها وانتشارها الواسع، أصبح الكثير من أجزائها مألوفة كثيرا.
    في عام 1891، زار تشايكوفسكي الولايات المتّحدة وعزَف هذه الموسيقى هناك وكان هو الذي قاد الاوركسترا. ومنذ ذلك الوقت، أصبحت "مقدّمة 1812" تُعزف كلّ سنة كجزء من احتفال الأمريكيين بيوم استقلال بلدهم.
    وهناك الكثير من الأمريكيين ممّن يعتقدون بأن هذه الموسيقى ترمز أيضا لانتصارهم على الاستعمار البريطانيّ الذي يصادف نفس تلك السنة، أي 1812.
    قيل ذات مرّة أن المنتصر الوحيد في حرب عام 1812 كان تشايكوفسكي. والمعنى واضح، فالفرنسيون لحقت بهم هزيمة مذلّة، والروس كانت الحرب وبالا عليهم بأكلافها البشرية والمادية الباهظة. أما تشايكوفسكي فقد جلبت له موسيقاه التي صوّر فيها تلك الحرب الشهرة والمال.
    لكن مع ازدياد شعبية هذه الموسيقى، تعاظم شعور تشايكوفسكي بخيبة الأمل وتكرّست قناعته بأن الناس لم يفهموا فنّه كما كان يريد. وقد تعلّم أن الناس يهتمّون بالمشاهد الفخمة والاستعراضية أكثر من اهتمامهم بالتعبير النغميّ الذي كان يركّز عليه ويعكسه في سيمفونياته.
    والمفارقة أن "مقدمة 1812"، التي أُلّفت في الأساس للاحتفال بانتصار عسكريّ، أصبحت في الثقافة الحديثة تُعزف في عروض الاكروبات والسيرك والألعاب النارية ومسابقات التزلّج على الجليد وغيرها.

    Credits
    classicfm.com

    Sunday, April 01, 2018

    الاستبداد والفنّ


    لماذا يحبّ بعض الطّغاة الشعر والموسيقى والرسم والسينما، مع أن هذه الفنون تقترن برهافة الحسّ وسموّ المشاعر وتتناقض مع حالة الاستبداد وعقلية القمع والسلطة المطلقة؟
    كان كيم ال سونغ، الزعيم السابق لكوريا الشمالية، يحبّ السينما كثيرا. وقد كلّف صنّاع السينما في بلاده بإنتاج عدد من الأفلام الوثائقية عن شخصه وعن حياته. وهو يُصوَّر فيها جميعا كزعيم نصف إله، عظيم وخالد.
    كان كيم يلقَّب بوالد الشعب وشمس الأمّة. وقد كتب العديد من المسرحيات ومن قصائد الشعر التي لا تخلو من رقّة وعذوبة. وكان يتقرّب من الفنّانين لأنه كان يرى في ذلك تكريسا لسلطته، مع انه كان دائم الانتقاد "للفنّانين الذين يُنتجون أعمالا منحلّة"، على حدّ وصفه.
    ومع ذلك ففي عهد كيم، الشاعر والمسرحيّ، مات ثلاثة ملايين كوري بسبب الحروب والمجاعات.
    هتلر أيضا كان يحبّ الرسم، بل ورسم لوحات في بعض الأحيان. لكنه أحبّ السينما أكثر. وكان هو النجم في فيلم دعائيّ اُختير له اسم معبّر هو "انتصار الإرادة". ولطالما عبّر الزعيم النازيّ عن إعجابه بالقوّة السحرية للكلمة المنطوقة ووظّف ذلك في خطبه وبياناته.
    ومع ذلك فقد قتل هتلر، العاشق للرسم والسينما، حوالي اثنين وأربعين مليون إنسان في الحرب العالمية الثانية، معظمهم من المدنيين.
    في مطلع القرن العشرين، ظهر في ايطاليا مجموعة من الشعراء الذين اسموا أنفسهم بالشعراء المستقبليين. كان هؤلاء يؤمنون بالأفكار القومية المتطرّفة، وكان شعارهم: دعوا الأدب يزدهر بخراب العالم!". وكان زعيمهم يُدعى فيليبو مارتينيتي الذي كان يعشق الحرب. وقد وصفها مرّة بأنها "الدواء الناجع الوحيد لهذا العالم".
    وكان ملهم هؤلاء هو الشاعر غابرييل دانونزينو الذي يقال انه كان الشخص الذي ألهمت أفكاره موسوليني الاستيلاء على السلطة في ايطاليا.
    وبعد أن أصبح موسوليني زعيما على ايطاليا، كان من عادته أن يترك عددا من دواوين الشعر مفتوحة على سطح مكتبه كي يراها زوّاره من الضيوف الأجانب فيقدّروا ثقافته الواسعة وسعة اطلاعه.
    لكن رغم ذلك، فقد تسبّب موسوليني المولع بالشعر في مقتل حوالي نصف مليون إنسان في الحرب العالمية الثانية وفي غزواته الخارجية.
    ستالين أيضا كان عاشقا كبيرا للسينما، وقد تابع عن كثب مراحل إنتاج فيلم "ايفان الرهيب"، ربّما لأنه كان يرى في نفسه بعض سمات بطل الفيلم.
    كان ستالين أيضا يكتب الشعر بلغته الأمّ، أي الجورجية، وباسم مستعار. لكن شعره كان يتّسم بالتقليد والصور المبالغ فيها وبكثرة الكليشيهات.
    الغريب أن ستالين المحبّ للشعر تسبّب في مقتل حوالي سبعة ملايين إنسان أثناء تولّيه السلطة.
    في الصين، لاحظ ماو تسي تونغ أن أباطرة البلاد القدامى لم يتركوا تراثا أدبيا معتبرا، وقال: إن الرجال العظماء فقط هم من ينظرون إلى هذا العهد"، يقصد عهده هو.
    وقد كتب ماو شعرا كلاسيكيا قريبا من روح التراث الذي كان يمقته ويحتقره. كان يكتب بالأسلوب القديم، ولطالما وُصفت أشعاره بأنها نخبوية ومنقرضة. كانت تزدحم باللغة الفخمة وبالصور المستهلكة، مثل حديثه عن "الشمس الغاربة الحمراء بلون الدم" و"التلال الزرقاء كأمواج البحر".
    وفي إحدى قصائده، يتغنّى ماو بنساء الصين اللاتي يعشقن المعارك ولا يكترثن بملابس الحرير". وفي قصيدة أخرى كتبها قبيل انطلاق الثورة الثقافية، يتنبّأ ماو بالعاصفة القادمة: انظروا! العالم يوشك أن ينقلب رأسا على عقب".
    ومع ذلك، استحقّ ماو الشاعر لقب اكبر قاتل جماعيّ في التاريخ. فخلال أربع سنوات فقط من حكمه، تسبّب في مقتل خمسة وأربعين مليون فلاح صينيّ.
    رادوفان كاراجيتش، احد كبار مجرمي الحرب في يوغوسلافيا السابقة والمعروف بجزّار البوسنة، كان هو أيضا يقرض الشعر. ولم يتخلَّ عن تلك الهواية الرقيقة حتى في ذروة حرب الإبادة التي قادها ضدّ المسلمين والكروات.
    في برنامج وثائقيّ بُثّ مؤخّرا، يظهر كاراجيتش في لقطة قديمة مع شاعر روسيّ يُدعى ليمونوف. وكاراجيتش يتلو قصيدة على مسمع الأخير يتنبأ فيها بالعنف القادم. وعلى وقع القصيدة، يقوم ليمونوف بإطلاق وابل من الرصاص باتجاه أسفل الوادي الواقع تحتهما.
    وفي أثناء الحرب البوسنية، كان كاراجيتش يتفاخر بصدق نبوءته تلك التي وردت في إحدى قصائده بعنوان "سراييفو" والتي يقول في نهايتها: ترى ما الذي يخبّؤه لنا المعدن الأسود في المرآب؟!".
    المعروف أن كاراجيتش، عالم النفس المحبّ للشعر، قتل حوالي ثمانية آلاف مسلم خلال حصار سريبرينتسا عام 1995.
    لكن أقدم نموذج للديكتاتور المحبّ للفنون كان الإمبراطور الرومانيّ نيرون. المؤرّخون يذكرون أن روما تعذّبت من شعره بقدر ما تعذّبت من طغيانه. وبحسب من أرّخوا لحياته، كان نيرون مثالا في عنفه ودمويّته.
    وعلى الرغم من قلّة طموحاته العسكرية، إلا أن أفعاله الانتقامية كانت مدويّة. والصورة الشائعة عنه هي صورة طاغية متبلّد الإحساس يعزف القيثارة ويتلو شعرا بينما عاصمة ملكه تحترق وتتحوّل إلى رماد.
    خلال رحلة له إلى اليونان، شارك نيرون في مسابقة للشعر وفي سباق للعربات، وعاد من رحلته تلك محمّلا بالعديد من الجوائز. ويقال انه خطّط لانتحاره مسبقا وتدرّب كثيرا على ذلك قبل أن يكتب جملته الشعرية الأخيرة: أيّ فنّان سيموت معي"؟!
    كان عهد نيرون مرتبطا بالطغيان والبذخ. وقد قتل الكثيرين بمن فيهم أمّه وزوجته، كما أمر بإحراق مسيحيّي روما وهم أحياء بعد أن حمّلهم المسئولية عن حريق المدينة.

    Credits
    huffingtonpost.com

    Tuesday, March 27, 2018

    الليلة التي ألهمت فان غوخ

    ما أن يُذكر اسم فنسنت فان غوخ حتى يستذكر الناس قصّة قطعه لأذنه؛ ذلك الفعل الذي أقدم عليه أثناء نوبة من نوبات الاكتئاب التي لازمته حتى نهاية حياته.
    لكن لكي نعرف فان غوخ الحقيقيّ، يجب أن نتجاوز الصورة الكاريكاتيرية الشائعة عنه باعتباره إنسانا معذّبا وعبقريّا اُسيء فهمه، وأن نركّز بدلا من ذلك على صورته كإنسان مجتهد في عمله ومتديّن جدّا وصعب المزاج.
    فان غوخ وجد مكانه اللائق في الفنّ، وإنْ بعد مماته، وأنتج أعمالا انفعالية الطابع وجذّابة بصريّا طوال فترة اشتغاله بالرسم والتي لم تستمرّ أكثر من عشر سنوات.
    وقد علّم نفسه بنفسه ورسم أكثر من ألفي لوحة زيتية ومائية. وأصبحت لوحاته تحظى بشعبية كبيرة بعد موته. وأثناء حياته كتب عشرات الرسائل، خاصّة إلى أخيه ثيو، أوضح فيها بعض أفكاره ورؤاه عن الفنّ.
    في عام 1874، كتب إلى شقيقه يقول: أحبّ المشي كثيرا وأعشق الطبيعة، وهذا هو الطريق الحقيقيّ لكي نتعلّم كيف نفهم الفنّ بشكل أفضل. الرسّامون يفهمون الطبيعة ويحبّونها وهي تعلّمهم كيف يرون العالم".
    كانت الطبيعة والناس الذين عاش بينهم هما العنصران اللذان عزّزا ميول فان غوخ الفنّية. وهو لم يكن نسيج وحده في هذا، فقد كانت الطبيعة موضوعا يحظى بالشعبية الكبيرة في فنّ أواخر القرن التاسع عشر.
    كان الرسّامون وقتها غير راضين عن التغييرات التي أحدثتها المدنية الحديثة. لذا بحث الكثير منهم عن أماكن تشبه الجنّة الأرضية، حيث يمكن لهم أن يراقبوا الطبيعة مباشرة ويضمّنوا أعمالهم بعض معانيها السيكولوجية والروحية.
    كان فان غوخ مفتونا، على وجه الخصوص، بحياة الفلاحين وأسلوب العيش في الريف. وأعماله المبكّرة تحتوي على صور لفلاحين هولنديين وطبيعة ريفية رسمها بألوان مزاجية ومظلمة.
    في عام 1886، انتقل الرسّام إلى باريس حيث اطّلع على أعمال الانطباعيين الجدد وعلى لوحات جورج سُورا النُقَطية. وقد ألهمته الألوان المتناغمة لهؤلاء وضربات فراشيهم القصيرة واستخدامهم الوفير للطلاء بأن يُضفي على ألوانه سطوعا وأن يوظّف فرشاة فضفاضة ويركّز على الخواصّ الفيزيائية للألوان على رقعة الرسم.
    والأسلوب الذي ابتدعه في باريس وواظب عليه حتى وفاته عُرف بـ "ما بعد الانطباعية". وهو مصطلح يتضمّن أعمالا لرسّامين وحّدهم اهتمامهم بالتعبير عن مشاعرهم الانفعالية والسيكولوجية تجاه العالم من خلال توظيف الألوان الجريئة والصور التعبيرية، وغالبا الرمزية.
    كتب فان غوخ ذات مرّة متحدّثا عن ذهن ومزاج الفنّان وهو يرسم، فأشار إلى حساسيته الفائقة تجاه اللون ولغته الخاصّة وتأثيرات ذلك على التباينات والتناغمات في اللوحة.
    في عام 1888، عاد الرسّام إلى الريف الفرنسيّ ليصبح قريبا من بيئة الفلاحين الذين كان قد استلهمهم في وقت مبكّر. وهناك رسم مناظر للطبيعة وبورتريهات له ولغيره وبعض المناظر الداخلية والحياة الساكنة المليئة بالرموز الشخصية.

    وقد كتب آنذاك إلى شقيقه رسالة قال فيها: هذا اليوم، راقبت الصباح من نافذتي قبل أن تشرق الشمس بوقت طويل. لم يكن هناك شيء باستثناء نجمة الصباح التي بدت كبيرة ومتوهّجة".
    كان فان غوخ يصف المنظر الذي ألهمه رسم تحفته الأشهر، أي سماء مرصّعة بالنجوم عام 1889. والنافذة التي كان يشير إليها كانت في ملجأ في ضاحية سان ريمي حيث كان يقضي فترة نقاهته من مرضه ويرسم.
    ولوحته هذه تستدعي الروحانية التي وجدها الرسّام في رحاب الطبيعة. والصورة مشهورة جدّا لأنها تدفع بفعل الرسم إلى خارج المنطقة التي اعتاد الرسّامون أن يجسّدوا من خلالها العالم بشكله الفيزيائيّ أو الواقعيّ.
    هذه الصورة الزيتية المتوسّطة الحجم تهيمن عليها سماء ليلية ينيرها ضوء القمر والنجوم التي تحتلّ ثلاثة أرباع مساحة الصورة. والسماء تبدو مضطربة ومهتزّة بعنف، مع أنماط ملتفّة كالدوّامات التي تتدحرج عبر مساحة الصورة كالأمواج.
    سماء فان غوخ مأهولة بالأجرام السماوية الساطعة، ومن بينها هلال في أقصى اليمين، وإلى يسار الوسط تبدو نجمة الصباح تحيط بها دوائر وحيدة المركز تصطبغ بالأبيض المشعّ وبالأضواء الصفراء.
    وأسفل هذه الألوان التعبيرية تنام قرية هادئة تتألّف من بيوت متواضعة تقوم في وسطها كنيسة يرتفع برجها فوق الجبال الداكنة الزُّرقة في الخلفية.
    وفي مقدّمة هذا المشهد الليليّ المهيب أيضا، تقوم شجرة سرو عملاقة يشبه شكلها ألسِنة اللهب وترتفع إلى أقصى الطرف العلويّ للصورة. ويبدو أن وظيفة الشجرة هي الربط البصريّ ما بين الأرض والسماء.
    ومن الناحية الرمزية، يمكن النظر إلى السرو كجسر بين الحياة كما تمثّلها الأرض والموت كما ترمز إليه السماء. كما أن أشجار السرو ترتبط عادةً بالمقابر والحِداد.
    في ذلك الوقت، كتب فان غوخ لأخيه رسالة يقول فيها: إن منظر النجوم في السماء يجعلني دائما احلم، وكثيرا ما اسأل نفسي لماذا تبدو بقع الضوء في قبّة السماء الزرقاء ابعد من البقع السوداء على خارطة فرنسا".
    "ليلة مرصّعة بالنجوم" تعتمد على الملاحظات المباشرة لفان غوخ وكذلك على مخيّلته وذكرياته وانفعالاته. برج الكنيسة، مثلا، يشبه الأبراج التي سبق أن رآها في موطنه هولندا، وليس في فرنسا. والأجرام التي تأخذ شكل الدوّامات تحاكي الملاحظات الفلكية المنشورة عن سحب الغبار والغاز المسمّاة بـ "السُّدُم".
    التوليف المتوازن والمعبّر في هذه اللوحة مشيّد من وضع شجرة السرو وبرج الكنيسة والغيوم السديمية في وسطها. وضربات الفرشاة القصيرة مع الطلاء السميك تبثّ في نسيج اللوحة بأكمله حركة هائجة ومُغضَبة.
    كان فان غوخ يرى أن الليل أكثر حيويةً وأغنى بالألوان من النهار. ومثل هذا المزج في اللوحة بين التباينات البصرية المختلفة أنتجه خيال فنّان كان يعشق الليل ويجد فيه مصدرا دائما للجمال والرهبة.

    Credits
    smithsonianmag.com

    Wednesday, March 21, 2018

    كتاب اللاطمأنينة

    كنت قد سمعت الكثير عن هذا الكتاب. ثم قرأته بعد أن وجدت ترجمته العربية على الانترنت. والحقيقة انه كتاب صعب وعصيّ على الفهم إلى حدّ كبير. لكن رغم صعوبته وإغراقه في أجواء التشاؤم والعدمية، إلا انه مليء بالمفردات الشاعرية والجمل الغريبة والصور المدهشة.
    بداية، لا اعرف إن كانت ترجمة عنوان الكتاب للعربية دقيقة أم لا. فـ "كتاب اللاطمأنينة" عنوان ملتبس ولا يُفصح بما فيه الكفاية عن مضمون أفكار مؤلّفه الشاعر البرتغاليّ فرناندو بيسوا. وربّما كان من الأفضل أن يُسمَّى "كتاب الانزعاج" أو "كتاب الهذيان" أو "كتاب القلق".
    والغريب انك عندما تفرغ من قراءته، لن يعلق في ذاكرتك منه شيء، على الرغم من أسلوب كاتبه الجميل. ومع ذلك فالكتاب يتضمّن بعض العبارات التي لا بدّ أن تستوقف القارئ وتدفعه للتفكير والتأمّل. وهذه بعضها..
  • السعادة هي ألا يكون لدى المرء رغبة في امتلاك أيّ شيء.
  • الرذيلة الوحيدة السوداء هي أن تفعل ما يفعله جميع الناس.
  • نحن لا نحبّ أحدا أبدا. ما نحبّه فقط هو فكرتنا عمّن نتوهّم أننا نحبّهم. ما نحبّه هو مفهومنا عن ذواتنا.
  • أنا هامش في مدينة لا وجود لها. أنا تعليق مسهب على كتاب لم يُكتب بعد. أنا شخصية في رواية تمرّ مرور الأثير وتتوارى دون أن تكون قد وُجدت.
  • أكتب وكأنّني أنفّذ عقوبة ما. والعقوبة القصوى هي أن اعرف أن كلّ ما كتبته عديم الجدوى، ناقص ويفتقر إلى اليقين.
  • الذين يعانون معاناة حقيقية لا يشكّلون مجتمعا. من يعاني يعاني منفردا.
  • ❉ ❉ ❉

    إذا حاولت أن تقرأ "كتاب اللاطمأنينة" من الغلاف إلى الغلاف، فستجده باعثا على الحزن والاكتئاب. إذ لا شيء كثيرا يحدث، وما ستقرؤه هو مجموعة من التأمّلات والأفكار الوجودية عن الحياة والوحدة والحالة الإنسانية.
    والكتاب استبطانيّ للغاية، لدرجة أن القارئ سيجد نفسه في حالة تلبّس مع أفكار الكاتب. لكن أرجوك ألا تقرأ الكتاب بهذه الطريقة. وبدلا من ذلك حاول أن تغمر نفسك فيه بطريقة عشوائية، وستكتشف عملا ذا طبيعة عبقرية لا يمكن نكرانها. ويمكن القول ببساطة انه تحفة في الكتابة الحديثة.
    من الصعب جدّا أن تشرح أو تفسّر كتاب بيسوا. وربّما يكون مجديا لو وضعته في سياق معيّن. عاش هذا الشاعر ما بين عامي 1888 و 1935. لكن أثناء حياته، كان يتجنّب الأوساط الأدبية والاجتماعية، رغم انه كتب الكثير من الشعر والنثر. وجزء كبير من كتاباته لم تُنشر إلا بعد وفاته.
    الاسم الحقيقيّ للشاعر، أي بيسوا، يعني بالبرتغالية "شخص". والمفارقة انه كان يكتب بأسماء أشخاص كثيرين، حوالي اثنين وسبعين اسما، وكلّ اسم كان له أسلوبه الخاصّ وشخصيّته وسيرته الذاتية المختلفة. ويتعيّن عليك أن تكون سمسارا أو عبقريّا حتى تكتب بكلّ تلك الأسماء الكثيرة.
    و"كتاب اللاطمأنينة" كتبه احد تلك الأسماء المستعارة، وهو برناردو سواريس، الذي كان يعمل في إحدى شركات صناعة الأقمشة في لشبونة. وفي مقدّمة الكتاب، يشرح بيسوا كيف قابل ذلك الشخص.
    أعمال الشاعر عُثر عليها في صندوق سيّارة بعد وفاته. وكتاباته النثرية لا تتضمّن نظام تسلسل أو تواريخ. لذا فإن جمعها معا كان مثار جدل واسع بين الأكاديميين الذين تخصّصوا في حياة بيسوا وكتاباته.
    من أشهر الاقتباسات المنقولة عن الشاعر قوله: أن تلمس قدم المسيح ليس مبرّرا لأن تخطيء في علامات الوقف". واستخدام الشاعر للغة عميق في الغالب ومدهش دائما. وفي ميزان القراءة فإن كتابه ثقيل، لكنه بنفس الوقت محلّق عاليا في تأمّلاته عن الحياة. وقراءته كفيلة بأن "تصيب روحك بالبرد" كما يقول بيسوا نفسه في واحدة من عباراته الرائعة.
    وبعض مقاطع الكتاب هي عبارة عن سطر واحد، والأخرى أطول قليلا، والقليل منها يحتلّ مساحة صفحتين. والأفكار غالبا عميقة، وأحيانا عصيّة على الفهم.
    "كتاب اللاطمأنينة" مليء بالجمل المدهشة، وهو لا يشبه أيّ كتاب سبق لك أن قرأته. ومن الغريب أن أعمال الشاعر غير معروفة على نطاق واسع. وإذا كنت شخصا ذا طبيعة تأمّلية، فإن هذا الكتاب سيغيّر طريقة رؤيتك للأشياء.
    ولعلّ أفضل ما يمكن أن يوصف به الكتاب هو عبارة بيسوا التي يقول فيها: أحدّق إلى الخارج من نافذة غرفتي، وأرى عددا هائلا من النجوم. لكن لا شيء هنا غير ذلك العدد الهائل من النجوم".

    Credits
    poetrysociety.org

    Friday, March 16, 2018

    موسيقى للكمان والبيانو والأوبو


    من الموسيقيين الموهوبين، ولكن الأقل شهرةّ في العالم، المؤلّف النمساويّ فريتز كريسلر الذي كان معروفا خلال العقد الأوّل من القرن العشرين.
    كان كريسلر على معرفة شخصية بيوهان برامز، وكانت موسيقاه مشبعة بروح فيينا، مع انه كان أيضا مواكبا للموسيقى الحديثة في زمانه.
    ولد في فيينا عام 1875 لعائلة يهودية من الطبقة الوسطى. لكنه كان دائما يقلّل من أهمية الدين في حياته. وفي ما بعد أظهر مقاومة لا تلين للفاشية الألمانية.
    درس كريسلر الموسيقى في معهد فيينا للموسيقى وهو في سنّ السابعة. وكان اصغر تلميذ آنذاك. وقد تعلّم الهارموني والتأليف والعزف على البيانو على يد انطون بروكنر الذي كان أشهر موسيقيّ في النمسا وقتها.
    في مرحلة تالية، أسّس مع آخرين فرقة موسيقية للهواة كان من بين المتردّدين على حفلاتها طالب طبّ وعازف كمان يُدعى سيغموند فرويد، الذي سيصبح في ما بعد مؤسّس علم النفس.
    ثم تعرّف على عازف البيانو الروسيّ انطون روبنشتاين وعازف الكمان النمساويّ يوسف يواكيم. واعتبر لقاءه بهذين الاثنين أهمّ حدث في حياته وقال انه يَعدِل دراسة خمس سنوات كاملة.
    في عام 1889، زار كريسلر أمريكا وذُهل لرؤيته نيويورك. وقد أقام هناك حفلا بمشاركة عازف البيانو الروسيّ سيرغي رحمانينوف.
    بدأ كريسلر يكتب الموسيقى مستلهما أساليب مؤلّفين من الماضي مثل الفرنسيّ فرانسوا كوبيرين والألمانيّ كارل ديترز.
    وأفضل مؤلّفاته هي عبارة عن قطع قصيرة لا تتجاوز مدّة الواحدة منها الثلاث دقائق، ويغلب عليها الطابع العاطفيّ. لكنّها أصبحت مشهورة جدّا وما تزال من بين المقطوعات الأكثر شعبية في العالم. وهي بالنسبة للكثيرين تختصر كلّ تراث آلة الكمان.
    من بين تلك المعزوفات مجموعة من ثلاث قطع صغيرة اسماها "نزوات من فيينا". القطعة الأولى بعنوان متعة الحبّ ، والثانية احزان الحبّ ، أما الثالثة، وهي أشهرها (الفيديو فوق)، فقد اختار لها اسم "روزماري الجميلة".
    نُشرت هذه المجموعة عام 1905 وعُزفت بآلات شتّى، كما عُزفت بمصاحبة الاوركسترا مع كمان، وأحيانا مع بيانو.
    عاش فريتز كريسلر حياة طويلة ومنتجة. وخدم في الجيش الألمانيّ مرّتين. ورفض أن يعزف في ألمانيا بعد تولّي النازيين السلطة فيها عام 1933. ثم غادر النمسا نهائيا إلى فرنسا بعد أن تعرّض للتهديد رغم تقدّمه في السنّ وقتها.
    وفي باريس، حصل على الجنسية الفرنسية، لكنه فضّل الذهاب إلى أمريكا. وفي احد شوارع نيويورك، صدمته حافلة وقضى أسابيع عديدة في غيبوبة. لكنّه شُفي من إصابته ثم حصل على الجنسية الأمريكية عام 1943.
    واستمرّ يقيم حفلات موسيقية هناك كان آخرها في قاعة كارنيغي عام 1947. وتوفّي في يناير من عام 1962 عن ستّة وثمانين عاما.

    ❉ ❉ ❉


    من الآلات الموسيقية ذات الصوت الجميل الاوبو. يمكنك سماع أنغام هذه الآلة في العديد من أغاني فيروز مثل هذه ، وفي الكثير من المقطوعات الكلاسيكية مثل هذه القطعة المشهورة لتشايكوفسكي.
    والاوبو آلة نفخية ذات مبسم مزدوج مصنوعة من الخشب غالبا، وهي تُستخدم كثيرا في الاوركسترا وفي موسيقى الغرفة وموسيقى الأفلام.
    ولا يُعرف أصل هذه الآلة ولا منشؤها أو من ابتكرها. لكن يرجَّح أن أوّل ظهور لها كان في منتصف القرن السابع عشر.
    وكان الاوبو هو الآلة المعتمدة في موسيقى الفرق العسكرية إلى أن حلّت مكانها آلة الكلارينيت. والعزف على الآلة أو تعلّمها يعتبر مهمّة صعبة وتتطلّب الكثير من المران والتدريب. ومن أشهر من ألّفوا أعمالا لهذه الآلة "كونشيرتوهات غالبا" جوزيف هايدن وسامويل باربر وباخ وألبينوني وغيرهم.
    ومن الموسيقيين المعاصرين الذين ألّفوا أعمالا للاوبو الموسيقيّ الايطاليّ اينيو موريكوني الذي كتب قطعة احتفى بها النقّاد والجمهور طويلا ووُصفت "بالخالدة".
    وقد ألّفها لتكون الموسيقى التصويرية الأساسية لفيلم "المهمّة" (1986) الذي يتناول أعمال المبشّرين اليسوعيين الإسبان في أمريكا الجنوبية في القرن الثامن عشر.
    اسم القطعة "اوبو غابرييل"، وهي موسيقى حزينة ولا تخلو من وقار وروحانية. في الفيلم، تبدأ الموسيقى بوصول البطل ، وهو كاهن يُدعى غابرييل، إلى طبيعة تضمّ شلال مياه، ثم يبدأ العزف على آلته الاوبو في محاولة لاستمالة وخطب ودّ السكّان المحليين من الهنود الحمر.
    كانت قبائل غوراني الهندية تراقب الراهب عن بعد. وعندما سمعوا صوت الآلة الموسيقية التي يعزفها بدؤوا في الاقتراب منه وهم مذهولون من أنغامها المجهولة. وكان الهنود يعرفون الآلات الهوائية ويستخدمونها، لكن ترتيب ونظام النوتات الغريب في عزف الكاهن أزعج زعيمهم لأنه لا يتناسب مع موسيقاهم القبلية. وكان ذلك بالنسبة لهم نذير شؤم بالتغيير الوشيك الذي سيطرأ على أسلوب حياتهم.
    وهنا يتقدّم زعيمهم ويأخذ الآلة من الكاهن ويكسرها. والغريب أن تلك الحادثة مثّلت بداية العلاقة بين الكاهن والقبائل الهندية.
    موريكوني هو ولا شكّ احد أعظم مؤلّفي موسيقى الأفلام. وكان قبل "المهمّة" قد ألّف موسيقى لمئات الأفلام. لكن موسيقاه لهذا الفيلم هي التي جلبت له شهرة عالمية واسعة بعد أن فازت بجائزة أفضل موسيقى فيلم. وقد مزج في هذه القطعة عدّة أساليب وتأثيرات موسيقية، ففيها مثلا كورال دينيّ وقرع طبول قبليّ وما إلى ذلك.
    عُزفت هذه القطعة عديدا من المرّات وأدّتها الكثير من الفرق السيمفونية، بقيادة موريكوني نفسه أحيانا. كما استخدمت المغنيّة سارا برايتمان هذه المقطوعة لأغنيتها نيللا فانتاسيا . ونظرا للمرّات الكثيرة التي قُدّمت بها الموسيقى على آلات غير الاوبو، صارت تُسمّى أحيانا تشيللو غابرييل أو اورغن غابرييل الخ.
    مدّة الموسيقى في الفيلم حوالي دقيقتين وهي تعطي انطباعا بالشاعرية مع شيء من الرسمية، لذا لم يكن مستغربا أن أصبحت تُعزف بكثرة في حفلات الزواج حول العالم.

    Credits
    classicfm.com