:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, April 21, 2018

مصيف تيبيريوس


معظمنا قرأ أو سمع بالعبارة المشهورة المذكورة في الإنجيل: أعطِ ما لقيصر لقيصر".
الإمبراطور الرومانيّ تيبيريوس كان هو القيصر المقصود. كان إمبراطورا على روما طوال فترة حياة السيّد المسيح. وكان ما يزال يعتلي العرش عندما وقعت حادثة الصلب. وهو مذكور في الإنجيل مرّتين. كما أن صورته كانت محفورة على العملات الفضّية التي استلمها يهوذا المتآمر كرشوة.
كان تيبيريوس ثاني أباطرة الدولة الرومانية بعد اوغستوس. وقد تولّى الحكم على غير رغبة منه. وأمّه كانت زوجة لنيرون، لكنها طلّقته وتزوّجت من اوكتافيان.
والمعروف أن مدينة طبريا الواقعة على الشاطئ الغربيّ لبحر الجليل في فلسطين سُمّيت على اسم تيبيريوس بقرار من حاكم فلسطين الرومانيّ آنذاك هيرود انتيباس.
أثناء فترة حكمه، كان تيبيريوس يقضي فصل الصيف من كلّ عام في كهف جبليّ يطلّ على مياه المتوسّط. واليوم بإمكان أيّ شخص أن يزور هذا المكان دون أن يحتاج لتصريح إمبراطوريّ.
المكان المسمّى سبيرلونغا "أو الكهف باللاتينية" يقع في قرية صغيرة يعيش فيها اليوم حوالي ثلاثة آلاف شخص وتقع على الساحل الغربيّ لايطاليا في منتصف المسافة تقريبا بين نابولي وروما.
البيوت البيضاء المحفورة في الصخر تبدو كما لو أنها يونانية الطراز. لكن لن تجد مكانا أكثر "ايطاليةً" من هذا المكان، خاصّة منذ أن اعتاد تيبيريوس قضاء إجازاته هنا قبل ألفي عام. غير أن الفيللا/الكهف تبدو اليوم أطلالا، مع أن جدرانها ما تزال قائمة وما يزال يتخلّل المكان جوّ من الاسترخاء والهدوء.
المروج الخضراء تمتدّ إلى الخارج، مع إطلالة على البحر. وهناك طريق متعرّج يأخذ الزائر من البرَك الأثرية إلى الكهف. هنا كان الإمبراطور يسلّي ضيوفه وسط نسائم البحر المنعشة التي تهبّ على المكان الذي كان في العصور الخوالي يضمّ تماثيل تصوّر أسطورة اوديسيوس. لكن هذه الآثار الفنّية لحق بها الدمار بعد انهيار الكهف.
في ذلك اليوم، كان تيبيريوس يتناول طعامه عندما انهار سقف الكهف فجأة، واندفع نحوه رجال حاشيته لإنقاذه. وقد اعتَبر تلك الحادثة علامة شؤم وأمر بأن يُنقل مصيفه من ذلك المكان إلى كابري.

وفي القرن الخامس، قام كهنة متعصّبون بتدمير التماثيل الحجرية ثم طمروا الكهف تحت الأرض. وبعد انهيار الإمبراطورية الرومانية الغربية في القرن السادس الميلاديّ، أصبحت أطلال سبيرلونغا ملجئا للسكّان المحليّين. لكنهم في ما بعد تركوها هربا من هجمات السراسنة ثم العثمانيين الذين غزا أسطولهم المنطقة بقيادة بارباروسا في منتصف القرن السادس.
وقد ظلّ الكهف مطمورا حتى عام 1957، عندما اكتشفه بالصدفة عمّال كانوا يشقّون طريقا في الجوار. لكن المنطقة استعادت أهميّتها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بعد أن اجتذبت بعض العائلات الغنيّة، فازدهرت الزراعة وتمتّع الناس بقدر من الأمان.
ومنذ أعيد اكتشافه أصبح الكهف مقصدا للمشاهير وبعض رموز الثقافة في القرن العشرين، مثل البير كامو وآرثر ميللر وآندي وارهول ومارلين ديتريش وغيرهم.
لم تكن نخبة الرومان راضية تماما عن تيبيريوس. والمؤرّخ تاكيتوس لم يكن معجبا به كثيرا. كما أن الإمبراطور اكتسب سمعة سيّئة كطاغية تلفّه الأسرار ويعاني من البارانويا السياسية. لكن ربّما كان من الأنسب أن نتعامل مع هذه المعلومات بشيء من الشكّ.
إذ أن مؤرّخين آخرين يشيرون إلى انه طوال عشرين عاما من حكم تيبيريوس لم يُتّهم بالخيانة العظمى سوى خمسين شخصا. وقد نجا نصفهم من الإدانة، ولم يُدَن منهم سوى أربعة أشخاص كانوا على الأرجح ضحايا لحماس مجلس الشيوخ وليس لطغيان الإمبراطور.
المؤرّخ بيليني الأب يصف تيبيريوس بأنه كان "أكثر الرجال حزنا"، وبأنه كان شخصا مسالما يكره الحروب ويفضّل استخدام الدبلوماسية في حلّ الخلافات مع خصوم الإمبراطورية.
وعندما مات كانت خزينة الدولة مليئة بالأموال. وما يجعل تيبيريوس مختلفا عن سواه من أباطرة روما هو انه رفض أن يقدّسه الناس أو يعاملوه كنصف إله. ولم يسمح سوى ببناء معبد واحد تكريما له.
أي أن تيبيريوس لم يكن شخصا سيّئا في النهاية، لكن مع كلّ ذلك العدد من المعارضين والخصوم نفهم لماذا اختار مكانا هادئا ومنعزلا مثل هذا لإجازاته.

Credits
quatr.us

Friday, April 13, 2018

عودة إلى العوالم المفقودة

حتى إن لم تكن من هواة العاب الفيديو، فإنك على الأرجح سمعت من قبل عن "عقيدة القاتل".
إنها سلسلة من الألعاب ذات المواضيع التاريخية التي تجري أحداثها في أماكن مختلفة، مثل باريس ما قبل الثورة الفرنسية، والقدس في القرون الوسطى، ولندن في ستّينات القرن قبل الماضي.
وممارسة هذه السلسلة من الألعاب تتضمّن تسلّق مبان قديمة والاختلاط بالسكّان القدامى لهذه المدن ومقابلة، وأحيانا، اختطاف شخصيات تاريخية.
مضى على طرح هذه اللعبة في الأسواق حوالي احد عشر عاما وحصدت الشركة الكندية المنتجة واسمها "يوبيسوف" ملايين الدولارات من مبيعاتها.
وقد خصّصت الشركة منذ عام 2007 أكثر من ثلاثة آلاف استديو لصنع هذه السلسلة من الألعاب. وكان الهدف هو بعث الحياة من جديد في عدد من الحضارات التي سادت ثم بادت منذ زمن طويل.
الشركة استعانت بفريق يتألّف من مئات الفنّانين والمؤرّخين والكتّاب ومصمّمي الأصوات والموسيقيين وغيرهم لخلق مثل هذه الأماكن الافتراضية. وقضاء ساعة أو نحوها بصحبة إحدى هذه الألعاب سيعرّفك على مدى الجهد الكبير المبذول في إعدادها وتصميمها.
آخر أجزاء سلسلة "عقيدة القاتل"، وعنوانه "الأصول"، تجري أحداثه في مصر القديمة، أي في مكان وزمان حافلَين بالاستكشاف والغموض.
لكن في الشهر الماضي، طرحت الشركة المنتجة نسخة معدّلة من هذا الجزء تحوّلت معها اللعبة إلى ما يشبه المتحف التفاعليّ. فقد استُبعد القتال والمهامّ من هذا الجزء وأُضيف أكثر من سبعين رحلة تفاعلية صُمّمت بمساعدة علماء مصريات من جميع أنحاء أوربّا.
وهذه الرحلات تعلّمك الكثير عن التحنيط وعن مدينة الإسكندرية وأشياء أخرى. لكن الاختلاف بين هذه اللعبة وأيّ متحف يتمثّل في حقيقة انك تمشي في شوارع مصر القديمة وتتجوّل في قراها كطفل مصريّ وتمتطي ظهر حصان في ظلّ الأهرامات.
واللعبة تتضمّن إمكانية أن تكون أداة تعليمية غير عاديّة، فقد استعان مطوّروها بخبراء التعليم والبحّاثة في المتاحف والجامعات والمدارس لكي يدلوا بآرائهم حول التصاميم الأوّلية.
يقول احد مطوّري اللعبة: بالنسبة للكثيرين، تظلّ مصر القديمة شيئا عصيّا على الفهم. ونحن نساعد في الوصول إلى عالم مفقود لا أحد يعرف بالضبط كيف كان يبدو. لكننا نحاول جهدنا أن نبحث وأن نفسّر".


فكّر فريق اللعبة لأوّل مرّة في صنع نسخة تعليمية خالية من القتال في عام 2009، عندما كانت السلسلة تتناول ايطاليا وعصر النهضة. لكن ضيق الوقت وعدم توفّر المال الكافي جعل من المتعذّر تحقيق ذلك. ثم انتهى الأمر بالمؤرّخين والبحّاثة إلى أن حوّلوا اللعبة إلى دائرة معارف، وكانت تلك محاولة لإقناع الناس بأن ينظروا إلى العاب الفيديو بطريقة مختلفة.
ويقول مطوّر آخر: في البداية لم نعرف من أين نبدأ ولا أيّ الأحداث نختار ولا أيّ الأماكن يمكنك أن تذهب إليها. ثم بحثنا في موسوعات المعارف والكتب وشاهدنا العديد من الأفلام لنرى كيف تناولت صناعة الترفيه هذا الموضوع.
وبطبيعة الحال، وفي ما يتعلّق بمصر بالذات، كنّا نعرف أننا نريد كليوباترا ويوليوس قيصر، لأن عهدهما اتسم بالاضطرابات السياسية الكبيرة وبالتغييرات الكثيرة، بالإضافة إلى أن ذلك العهد ترك أثرا لا يُمحى على الفنّ التشكيليّ والأدب والمسرح والسينما حتى اليوم".
ويضيف: أمضينا سنوات ونحن نبحث واستعنّا بعلماء مصريات ومؤرّخين ذوي معرفة ممتازة بذلك العصر، وطلبنا منهم المساعدة والانضمام إلينا ومدّنا بالمعلومات اللازمة. ثم عقدنا اتفاقيات مع عدد من الجامعات لنحصل على اكبر قدر من المعلومات".
وكان هناك أيضا علماء آثار مثل الفرنسيّ جان كلود غولفن عالم المصريات المشهور والرسّام الذي اعدّ حوالي عشرين لوحة للعبة. وقد درس الفريق ديمغرافية مصر في ذلك العصر واستخلص معلومات عن الأعمار والجنس، واكتشف أن عدد النساء كان اكبر من عدد الرجال بسبب الحرب التي كانت تجري وقتها.
ويقول مطوّر آخر: في اللعبة الأصلية، قمنا بخلق تلك العوالم والبيئات، من نباتات وحيوانات ومعمار وثقافة، وتلاعبنا بالتاريخ وبالشخصيات. وكنّا نفكّر كيف يمكن أن نأخذ خطورة ابعد لضمان أن تصل اللعبة إلى عدد اكبر من الناس".
ويضيف: ما فعلناه هو أننا حافظنا على نفس المواقع والبيئات. لكننا وفّرنا للمستخدم حرّية الذهاب إلى أيّ مكان من دون قتال وبعيدا عن قيود السرد. لقد أعدنا تصميم اللعبة كي نجعل الوصول إلى مصر أكثر سهولة. ونحن لا نحلّ مكان التعليم أو المكتبات، بل نساعد الناس على أن يعودوا إلى المتاحف والوسائط التقليدية بفاعلية اكبر".
لعبة "عقيدة القاتل: الأصول" تمثل تطوّرا جذريا في مفهوم ألعاب الكمبيوتر، وهي تثبت أن ألعاب الفيديو يمكن أن تقرّبنا أكثر من الماضي البعيد زمنيّا وبأكثر ممّا نتخيّله.

Credits
telegraph.co.uk

Saturday, April 07, 2018

تشايكوفسكي وحرب نابليون

بورودينو هو اسم لبلدة روسية جرت على أرضها المعركة الأكثر حسماً ودموية في حرب نابليون بونابرت على روسيا. ففي السابع من سبتمبر من عام 1812، هاجم الجيش الفرنسيّ هذه البلدة الواقعة غرب موسكو وتمكّن من قتل حوالي ستّين ألف جنديّ روسيّ في بضعة أيّام.
ثم انتظر الفرنسيون شهرا كاملا بانتظار أن يعلن الروس استسلامهم وتسليم العاصمة موسكو طوعا. لكن هذا لم يحدث. عندها زحف نابليون بجيشه على المدينة فاحتلّها بسهولة ودون مقاومة تُذكر.
لكن الفرنسيين وجدوا أنفسهم في مدينة مهجورة وأشبه ما تكون بمدن الأشباح. إذ كان معظم سكّانها قد هجروها، بينما قام الجيش الروسيّ بإحراق أجزاء كبيرة منها قبل انسحابه.
لذا لم يجد الفرنسيون فيها أيّ مؤن أو طعام يكفيهم لمواجهة فصل الشتاء القارس بعد أن نفذت مؤنهم. وفي النهاية قرّروا الانسحاب نهائياً من الأراضي الروسية.
وعندما وصل الجيش الفرنسيّ إلى حدود بولندا في طريق عودته، لم يكن قد بقي منه سوى عُشره تقريبا. وقد زعمت أجهزة دعاية نابليون أن السبب في هزيمة جيشهم يعود إلى شتاء روسيا الذي لا يرحم أو ما سُمّي وقتها بـ "الجنرال ثلج"، في حين كان السبب الحقيقيّ تخبّط القيادة وسوء التخطيط، ما أدّى إلى انهيار الروح المعنوية للجنود.
وبعد ثمانية وستّين عاما من تلك الأحداث، كتب المؤلّف الموسيقيّ الروسيّ بيتر تشايكوفسكي قطعة موسيقية بعنوان "مقدّمة 1812" خلّد فيها انتصار روسيا القيصرية على نابليون.
وقد ألّف تشايكوفسكي هذه القطعة بناءً على طلب معلّمه نيكولاي روبنشتاين الذي أرادها أن تكون موسيقى احتفالية يُسرّ بها الناس ويستمعون إليها في المناسبات المهمّة.
وقد أتمّ تشايكوفسكي كتابتها في ظرف ستّة أسابيع فقط. وأصبحت مشهورة جدّا وامتدّت شعبيّتها إلى خارج روسيا.
تبدأ "مقدّمة 1812" بلحن دينيّ روسيّ مألوف تتبعه أنغام ريفية وفولكلورية محلية تصوّر معاناة الروس على يد الغزاة الفرنسيين. ثم يصوّر المؤلّف انسحاب الجيش الفرنسيّ على وقع لحن روسيّ تتخلّله أصوات أجراس الكنائس. وفي هذا تذكير بما فعله رجال الدين وقتها عندما طلبوا من الناس الذهاب إلى دور العبادة للصلاة والدعاء إلى الربّ كي يتدخّل في الحرب إلى جانبهم.


كان سلاح الروس بسيطا جدّا، بينما الفرنسيون كانوا يفوقونهم عددا وعُدّة. والموسيقى تصوّر "التدخّل الإلهيّ" في الحرب على هيئة رياح قويّة وثلوج لم يسبق لها مثيل. وقد نقل تشايكوفسكي هذه الأجواء في موسيقاه. كما صوّر جنود نابليون وهم يحاولون الفرار، وقيام الروس بأسر الكثيرين منهم.
والموسيقى تصوّر أيضا إطلاق الناس الرصاص في الهواء ابتهاجا بالنصر وقَرْع أجراس الكنائس تعبيرا عن الشكر لله على نعمة النصر واندحار العدوّ.
الغريب انه رغم الشعبية الكاسحة التي حقّقتها هذه الموسيقى في روسيا وخارجها، إلا أن تشايكوفسكي وصفها بأنها "صاخبة وبلا قيمة فنّية". كما صرّح بأنه لم يحبّها أبدا وأنه كتبها على عجل وعن غير رغبة منه.
ومع ذلك، جعلته هذه الموسيقى شخصا ثريّا وأصبحت احد أكثر الأعمال الموسيقية عزفاً وتسجيلا. وبسبب رواجها وانتشارها الواسع، أصبح الكثير من أجزائها مألوفة كثيرا.
في عام 1891، زار تشايكوفسكي الولايات المتّحدة وعزَف هذه الموسيقى هناك وكان هو الذي قاد الاوركسترا. ومنذ ذلك الوقت، أصبحت "مقدّمة 1812" تُعزف كلّ سنة كجزء من احتفال الأمريكيين بيوم استقلال بلدهم.
وهناك الكثير من الأمريكيين ممّن يعتقدون بأن هذه الموسيقى ترمز أيضا لانتصارهم على الاستعمار البريطانيّ الذي يصادف نفس تلك السنة، أي 1812.
قيل ذات مرّة أن المنتصر الوحيد في حرب عام 1812 كان تشايكوفسكي. والمعنى واضح، فالفرنسيون لحقت بهم هزيمة مذلّة، والروس كانت الحرب وبالا عليهم بأكلافها البشرية والمادية الباهظة. أما تشايكوفسكي فقد جلبت له موسيقاه التي صوّر فيها تلك الحرب الشهرة والمال.
لكن مع ازدياد شعبية هذه الموسيقى، تعاظم شعور تشايكوفسكي بخيبة الأمل وتكرّست قناعته بأن الناس لم يفهموا فنّه كما كان يريد. وقد تعلّم أن الناس يهتمّون بالمشاهد الفخمة والاستعراضية أكثر من اهتمامهم بالتعبير النغميّ الذي كان يركّز عليه ويعكسه في سيمفونياته.
والمفارقة أن "مقدمة 1812"، التي أُلّفت في الأساس للاحتفال بانتصار عسكريّ، أصبحت في الثقافة الحديثة تُعزف في عروض الاكروبات والسيرك والألعاب النارية ومسابقات التزلّج على الجليد وغيرها.

Credits
classicfm.com

Sunday, April 01, 2018

الاستبداد والفنّ


لماذا يحبّ بعض الطّغاة الشعر والموسيقى والرسم والسينما، مع أن هذه الفنون تقترن برهافة الحسّ وسموّ المشاعر وتتناقض مع حالة الاستبداد وعقلية القمع والسلطة المطلقة؟
كان كيم ال سونغ، الزعيم السابق لكوريا الشمالية، يحبّ السينما كثيرا. وقد كلّف صنّاع السينما في بلاده بإنتاج عدد من الأفلام الوثائقية عن شخصه وعن حياته. وهو يُصوَّر فيها جميعا كزعيم نصف إله، عظيم وخالد.
كان كيم يلقَّب بوالد الشعب وشمس الأمّة. وقد كتب العديد من المسرحيات ومن قصائد الشعر التي لا تخلو من رقّة وعذوبة. وكان يتقرّب من الفنّانين لأنه كان يرى في ذلك تكريسا لسلطته، مع انه كان دائم الانتقاد "للفنّانين الذين يُنتجون أعمالا منحلّة"، على حدّ وصفه.
ومع ذلك ففي عهد كيم، الشاعر والمسرحيّ، مات ثلاثة ملايين كوري بسبب الحروب والمجاعات.
هتلر أيضا كان يحبّ الرسم، بل ورسم لوحات في بعض الأحيان. لكنه أحبّ السينما أكثر. وكان هو النجم في فيلم دعائيّ اُختير له اسم معبّر هو "انتصار الإرادة". ولطالما عبّر الزعيم النازيّ عن إعجابه بالقوّة السحرية للكلمة المنطوقة ووظّف ذلك في خطبه وبياناته.
ومع ذلك فقد قتل هتلر، العاشق للرسم والسينما، حوالي اثنين وأربعين مليون إنسان في الحرب العالمية الثانية، معظمهم من المدنيين.
في مطلع القرن العشرين، ظهر في ايطاليا مجموعة من الشعراء الذين اسموا أنفسهم بالشعراء المستقبليين. كان هؤلاء يؤمنون بالأفكار القومية المتطرّفة، وكان شعارهم: دعوا الأدب يزدهر بخراب العالم!". وكان زعيمهم يُدعى فيليبو مارتينيتي الذي كان يعشق الحرب. وقد وصفها مرّة بأنها "الدواء الناجع الوحيد لهذا العالم".
وكان ملهم هؤلاء هو الشاعر غابرييل دانونزينو الذي يقال انه كان الشخص الذي ألهمت أفكاره موسوليني الاستيلاء على السلطة في ايطاليا.
وبعد أن أصبح موسوليني زعيما على ايطاليا، كان من عادته أن يترك عددا من دواوين الشعر مفتوحة على سطح مكتبه كي يراها زوّاره من الضيوف الأجانب فيقدّروا ثقافته الواسعة وسعة اطلاعه.
لكن رغم ذلك، فقد تسبّب موسوليني المولع بالشعر في مقتل حوالي نصف مليون إنسان في الحرب العالمية الثانية وفي غزواته الخارجية.
ستالين أيضا كان عاشقا كبيرا للسينما، وقد تابع عن كثب مراحل إنتاج فيلم "ايفان الرهيب"، ربّما لأنه كان يرى في نفسه بعض سمات بطل الفيلم.
كان ستالين أيضا يكتب الشعر بلغته الأمّ، أي الجورجية، وباسم مستعار. لكن شعره كان يتّسم بالتقليد والصور المبالغ فيها وبكثرة الكليشيهات.
الغريب أن ستالين المحبّ للشعر تسبّب في مقتل حوالي سبعة ملايين إنسان أثناء تولّيه السلطة.
في الصين، لاحظ ماو تسي تونغ أن أباطرة البلاد القدامى لم يتركوا تراثا أدبيا معتبرا، وقال: إن الرجال العظماء فقط هم من ينظرون إلى هذا العهد"، يقصد عهده هو.
وقد كتب ماو شعرا كلاسيكيا قريبا من روح التراث الذي كان يمقته ويحتقره. كان يكتب بالأسلوب القديم، ولطالما وُصفت أشعاره بأنها نخبوية ومنقرضة. كانت تزدحم باللغة الفخمة وبالصور المستهلكة، مثل حديثه عن "الشمس الغاربة الحمراء بلون الدم" و"التلال الزرقاء كأمواج البحر".
وفي إحدى قصائده، يتغنّى ماو بنساء الصين اللاتي يعشقن المعارك ولا يكترثن بملابس الحرير". وفي قصيدة أخرى كتبها قبيل انطلاق الثورة الثقافية، يتنبّأ ماو بالعاصفة القادمة: انظروا! العالم يوشك أن ينقلب رأسا على عقب".
ومع ذلك، استحقّ ماو الشاعر لقب اكبر قاتل جماعيّ في التاريخ. فخلال أربع سنوات فقط من حكمه، تسبّب في مقتل خمسة وأربعين مليون فلاح صينيّ.
رادوفان كاراجيتش، احد كبار مجرمي الحرب في يوغوسلافيا السابقة والمعروف بجزّار البوسنة، كان هو أيضا يقرض الشعر. ولم يتخلَّ عن تلك الهواية الرقيقة حتى في ذروة حرب الإبادة التي قادها ضدّ المسلمين والكروات.
في برنامج وثائقيّ بُثّ مؤخّرا، يظهر كاراجيتش في لقطة قديمة مع شاعر روسيّ يُدعى ليمونوف. وكاراجيتش يتلو قصيدة على مسمع الأخير يتنبأ فيها بالعنف القادم. وعلى وقع القصيدة، يقوم ليمونوف بإطلاق وابل من الرصاص باتجاه أسفل الوادي الواقع تحتهما.
وفي أثناء الحرب البوسنية، كان كاراجيتش يتفاخر بصدق نبوءته تلك التي وردت في إحدى قصائده بعنوان "سراييفو" والتي يقول في نهايتها: ترى ما الذي يخبّؤه لنا المعدن الأسود في المرآب؟!".
المعروف أن كاراجيتش، عالم النفس المحبّ للشعر، قتل حوالي ثمانية آلاف مسلم خلال حصار سريبرينتسا عام 1995.
لكن أقدم نموذج للديكتاتور المحبّ للفنون كان الإمبراطور الرومانيّ نيرون. المؤرّخون يذكرون أن روما تعذّبت من شعره بقدر ما تعذّبت من طغيانه. وبحسب من أرّخوا لحياته، كان نيرون مثالا في عنفه ودمويّته.
وعلى الرغم من قلّة طموحاته العسكرية، إلا أن أفعاله الانتقامية كانت مدويّة. والصورة الشائعة عنه هي صورة طاغية متبلّد الإحساس يعزف القيثارة ويتلو شعرا بينما عاصمة ملكه تحترق وتتحوّل إلى رماد.
خلال رحلة له إلى اليونان، شارك نيرون في مسابقة للشعر وفي سباق للعربات، وعاد من رحلته تلك محمّلا بالعديد من الجوائز. ويقال انه خطّط لانتحاره مسبقا وتدرّب كثيرا على ذلك قبل أن يكتب جملته الشعرية الأخيرة: أيّ فنّان سيموت معي"؟!
كان عهد نيرون مرتبطا بالطغيان والبذخ. وقد قتل الكثيرين بمن فيهم أمّه وزوجته، كما أمر بإحراق مسيحيّي روما وهم أحياء بعد أن حمّلهم المسئولية عن حريق المدينة.

Credits
huffingtonpost.com

Tuesday, March 27, 2018

الليلة التي ألهمت فان غوخ

ما أن يُذكر اسم فنسنت فان غوخ حتى يستذكر الناس قصّة قطعه لأذنه؛ ذلك الفعل الذي أقدم عليه أثناء نوبة من نوبات الاكتئاب التي لازمته حتى نهاية حياته.
لكن لكي نعرف فان غوخ الحقيقيّ، يجب أن نتجاوز الصورة الكاريكاتيرية الشائعة عنه باعتباره إنسانا معذّبا وعبقريّا اُسيء فهمه، وأن نركّز بدلا من ذلك على صورته كإنسان مجتهد في عمله ومتديّن جدّا وصعب المزاج.
فان غوخ وجد مكانه اللائق في الفنّ، وإنْ بعد مماته، وأنتج أعمالا انفعالية الطابع وجذّابة بصريّا طوال فترة اشتغاله بالرسم والتي لم تستمرّ أكثر من عشر سنوات.
وقد علّم نفسه بنفسه ورسم أكثر من ألفي لوحة زيتية ومائية. وأصبحت لوحاته تحظى بشعبية كبيرة بعد موته. وأثناء حياته كتب عشرات الرسائل، خاصّة إلى أخيه ثيو، أوضح فيها بعض أفكاره ورؤاه عن الفنّ.
في عام 1874، كتب إلى شقيقه يقول: أحبّ المشي كثيرا وأعشق الطبيعة، وهذا هو الطريق الحقيقيّ لكي نتعلّم كيف نفهم الفنّ بشكل أفضل. الرسّامون يفهمون الطبيعة ويحبّونها وهي تعلّمهم كيف يرون العالم".
كانت الطبيعة والناس الذين عاش بينهم هما العنصران اللذان عزّزا ميول فان غوخ الفنّية. وهو لم يكن نسيج وحده في هذا، فقد كانت الطبيعة موضوعا يحظى بالشعبية الكبيرة في فنّ أواخر القرن التاسع عشر.
كان الرسّامون وقتها غير راضين عن التغييرات التي أحدثتها المدنية الحديثة. لذا بحث الكثير منهم عن أماكن تشبه الجنّة الأرضية، حيث يمكن لهم أن يراقبوا الطبيعة مباشرة ويضمّنوا أعمالهم بعض معانيها السيكولوجية والروحية.
كان فان غوخ مفتونا، على وجه الخصوص، بحياة الفلاحين وأسلوب العيش في الريف. وأعماله المبكّرة تحتوي على صور لفلاحين هولنديين وطبيعة ريفية رسمها بألوان مزاجية ومظلمة.
في عام 1886، انتقل الرسّام إلى باريس حيث اطّلع على أعمال الانطباعيين الجدد وعلى لوحات جورج سُورا النُقَطية. وقد ألهمته الألوان المتناغمة لهؤلاء وضربات فراشيهم القصيرة واستخدامهم الوفير للطلاء بأن يُضفي على ألوانه سطوعا وأن يوظّف فرشاة فضفاضة ويركّز على الخواصّ الفيزيائية للألوان على رقعة الرسم.
والأسلوب الذي ابتدعه في باريس وواظب عليه حتى وفاته عُرف بـ "ما بعد الانطباعية". وهو مصطلح يتضمّن أعمالا لرسّامين وحّدهم اهتمامهم بالتعبير عن مشاعرهم الانفعالية والسيكولوجية تجاه العالم من خلال توظيف الألوان الجريئة والصور التعبيرية، وغالبا الرمزية.
كتب فان غوخ ذات مرّة متحدّثا عن ذهن ومزاج الفنّان وهو يرسم، فأشار إلى حساسيته الفائقة تجاه اللون ولغته الخاصّة وتأثيرات ذلك على التباينات والتناغمات في اللوحة.
في عام 1888، عاد الرسّام إلى الريف الفرنسيّ ليصبح قريبا من بيئة الفلاحين الذين كان قد استلهمهم في وقت مبكّر. وهناك رسم مناظر للطبيعة وبورتريهات له ولغيره وبعض المناظر الداخلية والحياة الساكنة المليئة بالرموز الشخصية.

وقد كتب آنذاك إلى شقيقه رسالة قال فيها: هذا اليوم، راقبت الصباح من نافذتي قبل أن تشرق الشمس بوقت طويل. لم يكن هناك شيء باستثناء نجمة الصباح التي بدت كبيرة ومتوهّجة".
كان فان غوخ يصف المنظر الذي ألهمه رسم تحفته الأشهر، أي سماء مرصّعة بالنجوم عام 1889. والنافذة التي كان يشير إليها كانت في ملجأ في ضاحية سان ريمي حيث كان يقضي فترة نقاهته من مرضه ويرسم.
ولوحته هذه تستدعي الروحانية التي وجدها الرسّام في رحاب الطبيعة. والصورة مشهورة جدّا لأنها تدفع بفعل الرسم إلى خارج المنطقة التي اعتاد الرسّامون أن يجسّدوا من خلالها العالم بشكله الفيزيائيّ أو الواقعيّ.
هذه الصورة الزيتية المتوسّطة الحجم تهيمن عليها سماء ليلية ينيرها ضوء القمر والنجوم التي تحتلّ ثلاثة أرباع مساحة الصورة. والسماء تبدو مضطربة ومهتزّة بعنف، مع أنماط ملتفّة كالدوّامات التي تتدحرج عبر مساحة الصورة كالأمواج.
سماء فان غوخ مأهولة بالأجرام السماوية الساطعة، ومن بينها هلال في أقصى اليمين، وإلى يسار الوسط تبدو نجمة الصباح تحيط بها دوائر وحيدة المركز تصطبغ بالأبيض المشعّ وبالأضواء الصفراء.
وأسفل هذه الألوان التعبيرية تنام قرية هادئة تتألّف من بيوت متواضعة تقوم في وسطها كنيسة يرتفع برجها فوق الجبال الداكنة الزُّرقة في الخلفية.
وفي مقدّمة هذا المشهد الليليّ المهيب أيضا، تقوم شجرة سرو عملاقة يشبه شكلها ألسِنة اللهب وترتفع إلى أقصى الطرف العلويّ للصورة. ويبدو أن وظيفة الشجرة هي الربط البصريّ ما بين الأرض والسماء.
ومن الناحية الرمزية، يمكن النظر إلى السرو كجسر بين الحياة كما تمثّلها الأرض والموت كما ترمز إليه السماء. كما أن أشجار السرو ترتبط عادةً بالمقابر والحِداد.
في ذلك الوقت، كتب فان غوخ لأخيه رسالة يقول فيها: إن منظر النجوم في السماء يجعلني دائما احلم، وكثيرا ما اسأل نفسي لماذا تبدو بقع الضوء في قبّة السماء الزرقاء ابعد من البقع السوداء على خارطة فرنسا".
"ليلة مرصّعة بالنجوم" تعتمد على الملاحظات المباشرة لفان غوخ وكذلك على مخيّلته وذكرياته وانفعالاته. برج الكنيسة، مثلا، يشبه الأبراج التي سبق أن رآها في موطنه هولندا، وليس في فرنسا. والأجرام التي تأخذ شكل الدوّامات تحاكي الملاحظات الفلكية المنشورة عن سحب الغبار والغاز المسمّاة بـ "السُّدُم".
التوليف المتوازن والمعبّر في هذه اللوحة مشيّد من وضع شجرة السرو وبرج الكنيسة والغيوم السديمية في وسطها. وضربات الفرشاة القصيرة مع الطلاء السميك تبثّ في نسيج اللوحة بأكمله حركة هائجة ومُغضَبة.
كان فان غوخ يرى أن الليل أكثر حيويةً وأغنى بالألوان من النهار. ومثل هذا المزج في اللوحة بين التباينات البصرية المختلفة أنتجه خيال فنّان كان يعشق الليل ويجد فيه مصدرا دائما للجمال والرهبة.

Credits
smithsonianmag.com

Wednesday, March 21, 2018

كتاب اللاطمأنينة

كنت قد سمعت الكثير عن هذا الكتاب. ثم قرأته بعد أن وجدت ترجمته العربية على الانترنت. والحقيقة انه كتاب صعب وعصيّ على الفهم إلى حدّ كبير. لكن رغم صعوبته وإغراقه في أجواء التشاؤم والعدمية، إلا انه مليء بالمفردات الشاعرية والجمل الغريبة والصور المدهشة.
بداية، لا اعرف إن كانت ترجمة عنوان الكتاب للعربية دقيقة أم لا. فـ "كتاب اللاطمأنينة" عنوان ملتبس ولا يُفصح بما فيه الكفاية عن مضمون أفكار مؤلّفه الشاعر البرتغاليّ فرناندو بيسوا. وربّما كان من الأفضل أن يُسمَّى "كتاب الانزعاج" أو "كتاب الهذيان" أو "كتاب القلق".
والغريب انك عندما تفرغ من قراءته، لن يعلق في ذاكرتك منه شيء، على الرغم من أسلوب كاتبه الجميل. ومع ذلك فالكتاب يتضمّن بعض العبارات التي لا بدّ أن تستوقف القارئ وتدفعه للتفكير والتأمّل. وهذه بعضها..
  • السعادة هي ألا يكون لدى المرء رغبة في امتلاك أيّ شيء.
  • الرذيلة الوحيدة السوداء هي أن تفعل ما يفعله جميع الناس.
  • نحن لا نحبّ أحدا أبدا. ما نحبّه فقط هو فكرتنا عمّن نتوهّم أننا نحبّهم. ما نحبّه هو مفهومنا عن ذواتنا.
  • أنا هامش في مدينة لا وجود لها. أنا تعليق مسهب على كتاب لم يُكتب بعد. أنا شخصية في رواية تمرّ مرور الأثير وتتوارى دون أن تكون قد وُجدت.
  • أكتب وكأنّني أنفّذ عقوبة ما. والعقوبة القصوى هي أن اعرف أن كلّ ما كتبته عديم الجدوى، ناقص ويفتقر إلى اليقين.
  • الذين يعانون معاناة حقيقية لا يشكّلون مجتمعا. من يعاني يعاني منفردا.
  • ❉ ❉ ❉

    إذا حاولت أن تقرأ "كتاب اللاطمأنينة" من الغلاف إلى الغلاف، فستجده باعثا على الحزن والاكتئاب. إذ لا شيء كثيرا يحدث، وما ستقرؤه هو مجموعة من التأمّلات والأفكار الوجودية عن الحياة والوحدة والحالة الإنسانية.
    والكتاب استبطانيّ للغاية، لدرجة أن القارئ سيجد نفسه في حالة تلبّس مع أفكار الكاتب. لكن أرجوك ألا تقرأ الكتاب بهذه الطريقة. وبدلا من ذلك حاول أن تغمر نفسك فيه بطريقة عشوائية، وستكتشف عملا ذا طبيعة عبقرية لا يمكن نكرانها. ويمكن القول ببساطة انه تحفة في الكتابة الحديثة.
    من الصعب جدّا أن تشرح أو تفسّر كتاب بيسوا. وربّما يكون مجديا لو وضعته في سياق معيّن. عاش هذا الشاعر ما بين عامي 1888 و 1935. لكن أثناء حياته، كان يتجنّب الأوساط الأدبية والاجتماعية، رغم انه كتب الكثير من الشعر والنثر. وجزء كبير من كتاباته لم تُنشر إلا بعد وفاته.
    الاسم الحقيقيّ للشاعر، أي بيسوا، يعني بالبرتغالية "شخص". والمفارقة انه كان يكتب بأسماء أشخاص كثيرين، حوالي اثنين وسبعين اسما، وكلّ اسم كان له أسلوبه الخاصّ وشخصيّته وسيرته الذاتية المختلفة. ويتعيّن عليك أن تكون سمسارا أو عبقريّا حتى تكتب بكلّ تلك الأسماء الكثيرة.
    و"كتاب اللاطمأنينة" كتبه احد تلك الأسماء المستعارة، وهو برناردو سواريس، الذي كان يعمل في إحدى شركات صناعة الأقمشة في لشبونة. وفي مقدّمة الكتاب، يشرح بيسوا كيف قابل ذلك الشخص.
    أعمال الشاعر عُثر عليها في صندوق سيّارة بعد وفاته. وكتاباته النثرية لا تتضمّن نظام تسلسل أو تواريخ. لذا فإن جمعها معا كان مثار جدل واسع بين الأكاديميين الذين تخصّصوا في حياة بيسوا وكتاباته.
    من أشهر الاقتباسات المنقولة عن الشاعر قوله: أن تلمس قدم المسيح ليس مبرّرا لأن تخطيء في علامات الوقف". واستخدام الشاعر للغة عميق في الغالب ومدهش دائما. وفي ميزان القراءة فإن كتابه ثقيل، لكنه بنفس الوقت محلّق عاليا في تأمّلاته عن الحياة. وقراءته كفيلة بأن "تصيب روحك بالبرد" كما يقول بيسوا نفسه في واحدة من عباراته الرائعة.
    وبعض مقاطع الكتاب هي عبارة عن سطر واحد، والأخرى أطول قليلا، والقليل منها يحتلّ مساحة صفحتين. والأفكار غالبا عميقة، وأحيانا عصيّة على الفهم.
    "كتاب اللاطمأنينة" مليء بالجمل المدهشة، وهو لا يشبه أيّ كتاب سبق لك أن قرأته. ومن الغريب أن أعمال الشاعر غير معروفة على نطاق واسع. وإذا كنت شخصا ذا طبيعة تأمّلية، فإن هذا الكتاب سيغيّر طريقة رؤيتك للأشياء.
    ولعلّ أفضل ما يمكن أن يوصف به الكتاب هو عبارة بيسوا التي يقول فيها: أحدّق إلى الخارج من نافذة غرفتي، وأرى عددا هائلا من النجوم. لكن لا شيء هنا غير ذلك العدد الهائل من النجوم".

    Credits
    poetrysociety.org

    Friday, March 16, 2018

    موسيقى للكمان والبيانو والأوبو


    من الموسيقيين الموهوبين، ولكن الأقل شهرةّ في العالم، المؤلّف النمساويّ فريتز كريسلر الذي كان معروفا خلال العقد الأوّل من القرن العشرين.
    كان كريسلر على معرفة شخصية بيوهان برامز، وكانت موسيقاه مشبعة بروح فيينا، مع انه كان أيضا مواكبا للموسيقى الحديثة في زمانه.
    ولد في فيينا عام 1875 لعائلة يهودية من الطبقة الوسطى. لكنه كان دائما يقلّل من أهمية الدين في حياته. وفي ما بعد أظهر مقاومة لا تلين للفاشية الألمانية.
    درس كريسلر الموسيقى في معهد فيينا للموسيقى وهو في سنّ السابعة. وكان اصغر تلميذ آنذاك. وقد تعلّم الهارموني والتأليف والعزف على البيانو على يد انطون بروكنر الذي كان أشهر موسيقيّ في النمسا وقتها.
    في مرحلة تالية، أسّس مع آخرين فرقة موسيقية للهواة كان من بين المتردّدين على حفلاتها طالب طبّ وعازف كمان يُدعى سيغموند فرويد، الذي سيصبح في ما بعد مؤسّس علم النفس.
    ثم تعرّف على عازف البيانو الروسيّ انطون روبنشتاين وعازف الكمان النمساويّ يوسف يواكيم. واعتبر لقاءه بهذين الاثنين أهمّ حدث في حياته وقال انه يَعدِل دراسة خمس سنوات كاملة.
    في عام 1889، زار كريسلر أمريكا وذُهل لرؤيته نيويورك. وقد أقام هناك حفلا بمشاركة عازف البيانو الروسيّ سيرغي رحمانينوف.
    بدأ كريسلر يكتب الموسيقى مستلهما أساليب مؤلّفين من الماضي مثل الفرنسيّ فرانسوا كوبيرين والألمانيّ كارل ديترز.
    وأفضل مؤلّفاته هي عبارة عن قطع قصيرة لا تتجاوز مدّة الواحدة منها الثلاث دقائق، ويغلب عليها الطابع العاطفيّ. لكنّها أصبحت مشهورة جدّا وما تزال من بين المقطوعات الأكثر شعبية في العالم. وهي بالنسبة للكثيرين تختصر كلّ تراث آلة الكمان.
    من بين تلك المعزوفات مجموعة من ثلاث قطع صغيرة اسماها "نزوات من فيينا". القطعة الأولى بعنوان متعة الحبّ ، والثانية احزان الحبّ ، أما الثالثة، وهي أشهرها (الفيديو فوق)، فقد اختار لها اسم "روزماري الجميلة".
    نُشرت هذه المجموعة عام 1905 وعُزفت بآلات شتّى، كما عُزفت بمصاحبة الاوركسترا مع كمان، وأحيانا مع بيانو.
    عاش فريتز كريسلر حياة طويلة ومنتجة. وخدم في الجيش الألمانيّ مرّتين. ورفض أن يعزف في ألمانيا بعد تولّي النازيين السلطة فيها عام 1933. ثم غادر النمسا نهائيا إلى فرنسا بعد أن تعرّض للتهديد رغم تقدّمه في السنّ وقتها.
    وفي باريس، حصل على الجنسية الفرنسية، لكنه فضّل الذهاب إلى أمريكا. وفي احد شوارع نيويورك، صدمته حافلة وقضى أسابيع عديدة في غيبوبة. لكنّه شُفي من إصابته ثم حصل على الجنسية الأمريكية عام 1943.
    واستمرّ يقيم حفلات موسيقية هناك كان آخرها في قاعة كارنيغي عام 1947. وتوفّي في يناير من عام 1962 عن ستّة وثمانين عاما.

    ❉ ❉ ❉


    من الآلات الموسيقية ذات الصوت الجميل الاوبو. يمكنك سماع أنغام هذه الآلة في العديد من أغاني فيروز مثل هذه ، وفي الكثير من المقطوعات الكلاسيكية مثل هذه القطعة المشهورة لتشايكوفسكي.
    والاوبو آلة نفخية ذات مبسم مزدوج مصنوعة من الخشب غالبا، وهي تُستخدم كثيرا في الاوركسترا وفي موسيقى الغرفة وموسيقى الأفلام.
    ولا يُعرف أصل هذه الآلة ولا منشؤها أو من ابتكرها. لكن يرجَّح أن أوّل ظهور لها كان في منتصف القرن السابع عشر.
    وكان الاوبو هو الآلة المعتمدة في موسيقى الفرق العسكرية إلى أن حلّت مكانها آلة الكلارينيت. والعزف على الآلة أو تعلّمها يعتبر مهمّة صعبة وتتطلّب الكثير من المران والتدريب. ومن أشهر من ألّفوا أعمالا لهذه الآلة "كونشيرتوهات غالبا" جوزيف هايدن وسامويل باربر وباخ وألبينوني وغيرهم.
    ومن الموسيقيين المعاصرين الذين ألّفوا أعمالا للاوبو الموسيقيّ الايطاليّ اينيو موريكوني الذي كتب قطعة احتفى بها النقّاد والجمهور طويلا ووُصفت "بالخالدة".
    وقد ألّفها لتكون الموسيقى التصويرية الأساسية لفيلم "المهمّة" (1986) الذي يتناول أعمال المبشّرين اليسوعيين الإسبان في أمريكا الجنوبية في القرن الثامن عشر.
    اسم القطعة "اوبو غابرييل"، وهي موسيقى حزينة ولا تخلو من وقار وروحانية. في الفيلم، تبدأ الموسيقى بوصول البطل ، وهو كاهن يُدعى غابرييل، إلى طبيعة تضمّ شلال مياه، ثم يبدأ العزف على آلته الاوبو في محاولة لاستمالة وخطب ودّ السكّان المحليين من الهنود الحمر.
    كانت قبائل غوراني الهندية تراقب الراهب عن بعد. وعندما سمعوا صوت الآلة الموسيقية التي يعزفها بدؤوا في الاقتراب منه وهم مذهولون من أنغامها المجهولة. وكان الهنود يعرفون الآلات الهوائية ويستخدمونها، لكن ترتيب ونظام النوتات الغريب في عزف الكاهن أزعج زعيمهم لأنه لا يتناسب مع موسيقاهم القبلية. وكان ذلك بالنسبة لهم نذير شؤم بالتغيير الوشيك الذي سيطرأ على أسلوب حياتهم.
    وهنا يتقدّم زعيمهم ويأخذ الآلة من الكاهن ويكسرها. والغريب أن تلك الحادثة مثّلت بداية العلاقة بين الكاهن والقبائل الهندية.
    موريكوني هو ولا شكّ احد أعظم مؤلّفي موسيقى الأفلام. وكان قبل "المهمّة" قد ألّف موسيقى لمئات الأفلام. لكن موسيقاه لهذا الفيلم هي التي جلبت له شهرة عالمية واسعة بعد أن فازت بجائزة أفضل موسيقى فيلم. وقد مزج في هذه القطعة عدّة أساليب وتأثيرات موسيقية، ففيها مثلا كورال دينيّ وقرع طبول قبليّ وما إلى ذلك.
    عُزفت هذه القطعة عديدا من المرّات وأدّتها الكثير من الفرق السيمفونية، بقيادة موريكوني نفسه أحيانا. كما استخدمت المغنيّة سارا برايتمان هذه المقطوعة لأغنيتها نيللا فانتاسيا . ونظرا للمرّات الكثيرة التي قُدّمت بها الموسيقى على آلات غير الاوبو، صارت تُسمّى أحيانا تشيللو غابرييل أو اورغن غابرييل الخ.
    مدّة الموسيقى في الفيلم حوالي دقيقتين وهي تعطي انطباعا بالشاعرية مع شيء من الرسمية، لذا لم يكن مستغربا أن أصبحت تُعزف بكثرة في حفلات الزواج حول العالم.

    Credits
    classicfm.com

    Sunday, March 11, 2018

    ديرسو اوزالا


    ترك المخرج اليابانيّ الكبير اكيرا كيروساوا العديد من الأفلام المهمّة، مثل "راشومون" و"الساموراي السبعة". لكن له أفلاما أخرى اقلّ شهرة، لكنّها لا تقلّ تميّزا عن بقية أفلامه شكلا ومضمونا.
    من هذه الأفلام واحد بعنوان "ديرسو اوزالا" من إنتاج يابانيّ روسيّ مشترك. كنت قد شاهدت الفيلم قبل عشرين عاما وما أزال أتذكّر حتى الآن قصّته الجميلة ولقطاته الرائعة وأجواءه المعبّرة. والفيلم يعود إنتاجه إلى عام 1975، وهو أوّل فيلم لكيروساوا ناطق بغير اللغة اليابانية.
    موضوع الفيلم يستند إلى كتاب بنفس الاسم لمستكشف روسيّ يُدعى فلاديمير ارسينييف يحكي فيه عن رحلاته العديدة في مطلع القرن الماضي إلى مناطق شرق روسيا النائية، حيث صحراء سيبيريا المثلجة طوال العام. كان يرافق ارسينييف في رحلاته تلك عدد من الجنود، وكانت مهمّته رسم خرائط للجبال والطرق التي يسلكها هو ورفاقه.
    وديرسو اوزالا هو اسم دليل عجوز ينتمي إلى جماعة عرقية من البدو الرحّل الذين يعيشون على الحدود الصينية الروسية. وكان ارسينييف ورفاقه قد التقوا بهذا الرجل بالصدفة في إحدى الغابات التي توقّف فيها المستكشف للبحث عن قبر زميل له كان قد دفنه هناك قبل عدّة سنوات.
    كان ديرسو اوزالا يعيش لوحده في تلك البرّية. في البداية ظنّوه شخصا ساذجا وغريب الأطوار. لكن في ما بعد تبيّن لهم انه ذكيّ جدّا برغم بساطته وتحفظّه.
    وقد اتخذوه دليلا لهم في تلك المجاهل الخطيرة، وبعضها لم تكن قد وطأته قدم إنسان من قبل. وأثناء تلك الرحلات الطويلة والمضنية، نشأت بين ارسينييف وديرسو اوزالا علاقة احترام ومحبّة. وقد أنقذ الرجل حياة ارسينييف أكثر من مرّة، كما حاصرتهما العواصف الثلجية معا عددا من المرّات وكُتبت لهما النجاة بفضل ذكاء ديرسو اوزالا وشجاعته.
    واوزالا يفهم الطبيعة جيّدا بعد أن عاش فيها طويلا وأصبح واعيا بطريقة عملها. فهو يتحدّث إلى الماء والنار والمطر كما لو أنها بشر من لحم ودم. كما انه مرتبط روحانيّا بالظواهر الكونية كالشمس والقمر والمطر والرياح.
    يضاف إلى ذلك أن ديرسو اوزالا إنسان عطوف وشهم، فهو يصلح الأكواخ وينظّفها جيّدا ثم يترك فيها طعاما ومؤنا قبل أن يغادرها الفريق، كي يستفيد منها المسافرون الذين سيمرّون بالغابات لاحقا.
    صُوّر الفيلم على مدى أربع سنوات في نفس الأماكن الجميلة والموحشة التي تحدّث عنها ارسينييف في كتابه. وكيروساوا يصوّر جلال ورهبة سيبيريا في لقطات فخمة وطويلة ومعبّرة. كما انه يصوّر البرد والعواصف كما لم يفعل مخرج من قبل.
    عندما ساءت صحّة ديرسو اوزالا وضعُف بصره ووهنت قواه وحواسّه الأخرى نتيجة تقدّمه في السنّ، عرض عليه ارسينييف أن يأخذه ليعيش معه في مدينته. وقد وافق على الفكرة بعد تمنّع، وعاش مع المستكشف لعدّة أشهر في مدينة خاباروفسك.
    لكنه لم يتكيّف مع أسلوب الحياة الحديثة في المدينة، إذ لم يكن مسموحا له بإشعال النار أو قطع الأخشاب أو بناء كوخ، ففضّل في النهاية أن يعود إلى الطبيعة وحياة العيش في الغابات.
    وقبل أن يرحل، يقدّم له ارسينييف هديّة هي عبارة عن مسدّس جديد. وبعد أيّام، يتلقّى المستكشف برقية تحمل خبر العثور على جثّة رجل عجوز ملقاة على الطريق وأن عليه الحضور كي يتعرّف على صاحب الجثّة، لأنهم وجدوا في جيب سترته بطاقة مكتوبا عليها اسم ارسينييف.
    وهناك يكتشف أن الشخص الميّت هو صديقه ديرسو اوزالا وأن شخصا ما، قد يكون لصّا أو قاطع طريق، كَمُن له في الطريق وقتله طمعا في المسدّس الذي كان يحمله.
    فيلم "ديرسو اوزالا" هو عن قيمة الصداقة وعن الروح الإنسانية العصيّة على الكسر. وهو في نفس الوقت عن الحبّ والبراءة والتقاء ثقافات مختلفة.
    وهو لا يشبه الأفلام التي اعتدنا مشاهدتها، حيث التابلوهات والديكورات الضخمة. فأنت لا ترى فيه سوى الغابات والجبال والثلوج والمطر والعواصف. وكلّ هذه العناصر يوظّفها المخرج بشاعرية وحرفية كإطار لقصّة إنسانية رائعة.

    لمشاهدة الفيلم:
    الجزء الأوّل
    الجزء الثاني

    Credits
    sovietmoviesonline.com

    Wednesday, March 07, 2018

    جياكوميتّي: سارتر النحت


    في عام 1939، وفي احد المقاهي الليلية في باريس، كان يجلس النحّات السويسريّ البيرتو جياكوميتّي (1901-1966). كان المقهى شبه فارغ في تلك الساعة المتأخّرة من الليل. ثم جاء رجل وجلس على المائدة المجاورة.
    ولم يلبث أن أمال رأسه ناحية جياكوميتّي وقال: المعذرة، لقد رأيتك هنا مرارا وأظنّ أننا نفهم بعضنا جيّدا". ثم صمت قليلا وأضاف: ليس معي نقود، ولا ادري إن كان بمقدورك أن تطلب لي كوبا من القهوة".
    ولم يكن من عادة جياكوميتّي أن يرفض مثل ذلك الطلب. ثم تلا ذلك حديث طويل بدا أثناءه أن الرجلين يفهمان بعضهما بالفعل.
    كان جياكوميتّي قد سمع عن جان بول سارتر من قبل، لكن كانت تلك أوّل مرّة يراه فيها عيانا. وسارتر من ناحيته كان قد سمع الكثير عن جياكوميتّي ورأى بعضا من منحوتاته. وكان ذلك اللقاء بداية لعلاقة وثيقة وممتدّة بين الفيلسوف والنحّات.
    وقد كتب سارتر بعد ذلك اللقاء مقالا مشهورا بعنوان "البحث عن المطلق"، تحدّث فيه عن جياكوميتّي وامتدح فنّه وأشار إلى انه يطرح أسئلة وجودية عن البشرية وعن هشاشة وغربة الإنسان. وكان النحّات نفسه قد بدأ يرى في أفكاره وفنّه امتدادا للتقاليد الوجودية التي أرساها سارتر.
    وبالنسبة للأخير، كانت تماثيل جياكوميتّي مليئة بالمعاني، كما أنها تقف دائما في منتصف المسافة بين الكينونة والعدم.
    وقد كتب في مقاله ذاك أن لا احد يشبه جياكوميتّي في إحساسه بسحر الوجوه والحركات ومحاولته أن يغيّر الطريقة التي ننظر بها إلى الآخرين. وأضاف أن النحّاتين ولأكثر من ثلاثة آلاف عام كانوا صامتين دون أن يثيروا ضجيجا وأنهم كانوا ينحتون جثثا لا أكثر.
    كما أشار سارتر إلى أن التماثيل الجامدة في المتاحف، بأعينها البيضاء وهيئاتها الساكنة، تتظاهر بأنها تتحرّك، لكن أجزاءها ملحومة بقضبان من حديد. وختم مقاله بالقول: بعد ثلاثة آلاف عام من النحت، فإن مهمّة جياكوميتّي وزملائه المعاصرين ليست أن يضيفوا أعمالا جديدة إلى ما هو موجود في المتاحف، بل أن يثبتوا أن النحت ممكن فعلا".
    عندما ترى عملا لجياكوميتّي، ينتابك إحساس بأن هذا الفنّان يتعارك مع نفسه في محاولته العثور على شكل مناسب يعبّر من خلاله عن رؤاه. ومعظم منحوتاته تمنح شعورا بأنها خاصّة ولم تُصنع لكي يراها عامّة الناس.
    كان يهتمّ بكل تفصيل في عمله، وطالما دمّر العديد من منحوتاته بعد أن يكون قد اشتغل عليها لأسابيع وأحيانا لأشهر. وكثيرا ما نجح أصدقاؤه في استنقاذ رأس أو ذراع أو ساق تمثال. وكان يتركهم يفعلون هذا ويعود إلى عمله من جديد. وطوال خمسة عشر عاما لم ينظّم معرضا واحدا لأعماله.
    ويمكنك تمييز منحوتات جياكوميتّي بلا عناء وبنفس سهولة التعرّف على تماثيل النحّات البريطانيّ هنري مور التي تتّسم بكثرة الفتحات والتجاويف فيها. فرجال ونساء جياكوميتّي دائما طوال القامة ورفيعو القوام وبالغو الهشاشة. أطرافهم رفيعة جدّا مثل عيدان الثقاب، ورؤوسهم متناهية الصغر لدرجة أنها تبدو بعيدة جدّا في الفراغ. ولمسات أصابع النحّات على أسطحها تمنحها ملمسا خشنا كما لو أنها محروقة أو متآكلة.
    وجياكوميتّي لا يتحدّث عن الخلود، بل ولا يفكّر فيه أبدا. وقد قال ذات مرّة لسارتر بعد أن اتلف بعض تماثيله: لقد كنتُ سعيدا بها، لكنها صُنعت لتعيش فقط لبضع لساعات، مثل ومضات الفجر الخاطفة ولحظات الحزن العابرة".
    شخصيات جياكوميتّي هي عبارة عن بشر مجهولين ومعقّدين ومنعزلين بشكل لا يُحتمل. وهذا هو جوهر ما تقول به الفلسفة الوجودية. وتماثيله تعكس رؤية حداثة القرن العشرين والتي تتلخّص في أن الحياة الحديثة خاوية بشكل متزايد وخالية من المعنى. وهذه النظرة يؤكّدها قول الفنّان ذات مرّة: إذا جلستَ أمامي لأنحتك، فإنك ستصبح غريبا بالكامل، حتى لو كنت أعرفك".
    وقد اختار جياكوميتّي لعمله مادّتين خفيفتين هما الجبس والطين، وهما من أكثر المواد روحانيةً وقابليةً للاختراق. "ليس هناك مادّة اقلّ خلودا وأكثر ضعفا وشبها بالإنسان من الطين".
    كان جياكوميتّي مهجوسا برؤوس ووجوه الناس الذين كان يراهم حوله، وهو يتعامل مع الوجوه بعاطفة قويّة وكما لو أنها آتية من عالم آخر.
    وقد كان له معجبون كثر، مثل الشاعر جان جينيه الذي كان مفتونا بفنّه وبتقشّفه الغريب واحتقاره للراحة والبذخ. لكن اقرب أصدقائه إلى نفسه كان الروائيّ سامويل بيكيت الذي طالما رافقه أثناء مغامراتهما الليلية في أحياء باريس. ومثل شخصيّات بيكيت، كانت تماثيل جياكوميتّي تعكس نظرة إلى عالم معزول ومغرق في فردانيّته وأنانيّته.
    كان جياكوميتّي يتمتّع بروح دعابة عالية، وكان شخصا ناجحا في حياته. لكن عندما تنظر إلى صوره في الانترنت، ستلاحظ انه نادرا ما يبتسم، وكلّ صوره ومقابلاته تحيل إلى شخصية متحفّظة وخجولة.
    وبعد مرور أكثر من خمسين عاما على رحيله، ما يزال جياكوميتّي يتمتّع بحضور كبير في المشهد الفنّي العالمي وفي سوق الفنّ اليوم. ففي عام 2010، بيعت إحدى منحوتاته بمبلغ خمسة وستين مليون جنيه استرليني. ثم بيعت منحوتة أخرى له بعنوان رجل يؤشّر بيده بمبلغ مائة وستّة وعشرين مليون دولار، لتصبح أغلى منحوتة بيعت في العالم حتى الآن.

    Credits
    fondation-giacometti.fr/en
    theartstory.org

    Thursday, March 01, 2018

    برامز: رقصات هنغارية


    كان يوهان برامز مؤلّفا موسيقيّا وعازف بيانو من الحقبة الرومانسية في ألمانيا. وقد قضى وقتا طويلا في فيينا وعمل مع مشاهير الموسيقيين في زمانه، مثل كلارا شومان ويوسف يواكيم.
    منذ صغره اكتشف برامز جمال الموسيقى الفولكلورية لشعوب وسط أوربّا. وفي عام 1850، قابل موسيقيّا وعازف كمان هنغاريّا مهاجرا يُدعى ادوارد ريمني. وقد عرّفه الأخير على الموسيقى الغجرية وأصبح عاشقا لها.
    وقد كتب برامز بعد ذلك مجموعة من إحدى وعشرين رقصة كي تُعزف على آلتي بيانو، ونشرها ما بين عامي 1869 و 1880 تحت اسم "رقصات هنغارية".
    واتّبع في تأليفها اتّجاها موسيقيا كان سائدا آنذاك ويقوم على مزج الثقافة الموسيقية للأقليات، وخاصّة الغجر، بأنواع الموسيقى الأخرى. والمعروف أن موسيقى الغجر أسهمت في إثراء الثقافات الموسيقية لكلّ من هنغاريا والنمسا وتشيكوسلوفاكيا.
    وضع برامز نفسه التوزيع الموسيقيّ لبعض تلك الرقصات، بينما أشرك زميله الموسيقيّ التشيكيّ انطونين دفورتشاك في توزيع البعض الآخر.
    كان برامز توّاقا لتأليف قطع هنغارية الطابع. وكان يعرف أن هناك من الجمهور من يستهويه سماعها. وقد لفتت هذه الرقصات الأنظار عند نشرها لأوّل مرّة وأصبحت تُقدّم بآلات موسيقية متنوّعة غير البيانو.
    وجميع هذه الرقصات الإحدى والعشرين تتّسم بسرعة إيقاعاتها وهي تحاكي نشاط وطاقة الفولكلور الهنغاريّ. كما أنها تشبه إلى حدّ كبير الرقصات السلافية التي ألّفها دفورتشاك.
    ومدّة كلّ قطعة منها لا تتجاوز الدقائق الخمس. وقد صارت من بين أكثر مؤلّفات برامز شعبية، كما حقّق من ورائها كسبا ماديّا كبيرا.
    وإحداها، وهي الرقصة رقم خمسة (الفيديو فوق)، أصبحت الأكثر شهرة وانتشارا. ولحنها مقتبس من لحن لمؤلّف موسيقيّ هنغاريّ يُدعى بيللا كالار.
    كان روبرت شومان صديقا لبرامز. وقد أبدى الأوّل إعجابه بموهبة برامز عندما التقيا لأوّل مرّة. وعندما توفّي شومان عام 1856، ذهب برامز إلى دوسلدورف ليحضر جنازته وليقف إلى جانب زوجته كلارا شومان.
    وقيل وقتها أن علاقة ما نشأت بينه وبين أرملة صديقه. لكن ليس بالإمكان تأكيد أو نفي تلك القصّة لأن الاثنين اتلفا جميع الرسائل التي تبادلاها في تلك الفترة.
    المعروف أن نزاعا موسيقيّا اُسمي بحرب الرومانسيين نشب بين كلّ من فاغنر وفرانز ليست من ناحية، واللذين كانا يمثّلان النهج الثوريّ في الموسيقى آنذاك، وبين المحافظين من ناحية أخرى الذين كان يمثّلهم برامز وكلارا شومان وآخرون.
    وبشكل عام، كان يُنظر إلى موسيقى برامز وقتها على أنها موضة قديمة، مع أنها تتمتّع بشعبية كبيرة هذه الأيّام.
    كان ابرامز شخصا متواضعا ومؤمنا بالأفكار الإنسانية. وكان يحبّ السفر والترحال، خاصّة إلى تلال ايطاليا حيث كان يزاول المشي وحياة العزلة كي يؤلّف موسيقاه.
    وقد توفّي في ابريل عام 1897 بعد إصابته بالسرطان. وفي نفس تلك السنة، كتب موسيقيّ انجليزيّ يُدعى هيوبيرت باري مرثية موسيقية إكراما لذكراه.
    إن كانت موسيقى برامز "فوق" قد أعجبتك، فربّما تعجبك أيضا بعض موسيقاه الأخرى المشهورة مثل هذه أو هذه أو هذه .

    Credits
    allmusic.com

    Tuesday, February 27, 2018

    عُمَر العظيم

    عندما غرقت سفينة التايتانيك، في ليلة الرابع عشر من ابريل عام 1912، في البحر قبالة ساحل العالم الجديد، كان أهمّ ضحايا تلك المأساة كتاب.
    الروائيّ الفرنسيّ من أصل لبنانيّ أمين المعلوف قد يكون توسّع في هذه القصّة بعض الشيء عندما تناولها في روايته التاريخية سمرقند (1988). أما الكتاب المقصود فكان مخطوطا لديوان الرباعيّات للشاعر الفارسيّ عمر الخيّام من القرن الحادي عشر الميلاديّ.
    وفي الحقيقة كانت توجد وقتها نسخ متعدّدة من ذلك الديوان. غير أن المخطوط الذي حملته التايتانيك في رحلتها المشئومة تلك كان الأكثر فرادة وتميّزا، ليس من حيث مضمونه ولكن بسبب مظهره الغريب. وهذا المخطوط الحقيقيّ هو الذي ألهم المعلوف كتابة روايته المشهورة والتي يستهلّها بهذا السطر: في قاع التايتانيك، كان هناك كتاب. وسأروي لكم تاريخه".
    يقول مثل فارسيّ مشهور: من يبتغِ طاووسا عليه أن يذهب إلى الهند". والمثل يشير إلى ملك فارسيّ قديم يُدعى نادر شاه كان قد استولى في منتصف القرن الثامن عشر على الهند ونهب، من ضمن أشياء أخرى، عرش الطاووس المشهور فيها. وقد استُنسخت صورة ذلك الطاووس في لندن في وقت لاحق.
    كان كلّ من جورج ساتكليف وفرانسيس سانغورسكي مشهورَين في انجلترا بتصميماتهما الباذخة في تجليد الكتب وترصيعها بالمجوهرات، مدفوعَين برغبتهما القويّة في إحياء تقاليد القرون الوسطى. وفي احد الأيّام، قصدهما صاحب مكتبة مشهورة في لندن يُدعى هنري سوثران كي يكلّفهما بتصميم وتجليد كتاب لا يشبه أيّ كتاب آخر.
    حدث هذا في السنوات الأولى من القرن العشرين. وبدأ المصمّمان عملهما واستخدما في تصميم وتجليد الكتاب ألف حجر ثمين ما بين ياقوت وتوركواز وزمرّد وخمسة آلاف قطعة من العاج والجلد والذهب والفضّة.
    ولم تكن تلك التكلفة الباهظة تمثّل أيّة مشكلة، فقد مُنح ساتكليف وسانغورسكي شيكا على بياض كي يطلقا مخيّلتهما لصنع أفخم وأغلى كتاب سيراه العالم.
    وعندما أنجزا مهمّتهما في عام 1911، بعد عامين من الجهد المكثّف، صدر الكتاب العجيب حاملا عنوان "عُمَر العظيم". وكان يضمّ بين دفّتيه ترجمة ادوارد فيتزجيرالد لقصيدة الرباعيّات لعمر الخيّام مع رسوم توضيحية وضعها الفنّان ايلياهو فيدر. وكان يزيّن الغلاف الأماميّ للكتاب ثلاثة طواويس رُصّعت ذيولها بالمجوهرات وأحيطت بعناقيد كروم وبأنماط زهرية معقّدة مثل تلك التي تزيّن المنمنمات الفارسية من القرون الوسطى، بينما رُسم على غلافه الخلفيّ صورة لآلة بوزوكي يونانية.
    كان سوثران ينوي شحن الكتاب إلى نيويورك. وعندما وصل إلى هناك، رفض باعة الكتب أن يدفعوا الضريبة الثقيلة التي فرضتها سلطة الجمارك الأمريكية على الكتاب. فأُعيد شحنه إلى انجلترا، حيث اشتراه غابرييل ويلز من احد مزادات سوثبي بمبلغ أربعمائة وخمسين جنيها إسترلينيّا. ومثل سوثران، كان ويلز يُزمع إرسال الكتاب-التحفة إلى الولايات المتّحدة.
    لكن لسوء الحظ، لم يُقدَّر للكتاب أن يُشحن على السفينة الأصلية، فاختيرت السفينة التالية، وكانت التايتانيك، للقيام بالمهمّة. وما حدث بعد ذلك أصبح تاريخاً.


    لكن القصّة لم تنتهِ بغرق التايتانيك، ولا حتى بالموت الغريب لسانغورسكي الذي قضى غرقا بعد ذلك ببضعة أسابيع.
    فابن شقيق ساتكليف، واسمه ستانلي براي، قرّر أن يحيي ذكرى عُمَر الشاعر من خلال بعث الكتاب إلى الحياة مرّة أخرى. وباستخدامه الرسومات الأصلية التي كان قد وضعها سانغورسكي، تمكّن بعد ستّ سنوات من العمل المضني من استنساخ الكتاب ثم أودعه في سرداب احد البنوك.
    ويبدو أن كتاب "عُمَر العظيم" وُلد وهو يحمل علامة شؤم. وربّما لأنه كان رمزا لهشاشة الإنسان، فقد أتى عليه حريق لندن الذي اندلع خلال الحرب العالمية الثانية وحوّله إلى رماد.
    لكن براي لم ييأس ولم يستسلم، بل شمّر عن ساعديه وبدأ العمل من جديد على إنتاج نسخة أخرى من كتاب عمّه. لكن في هذه المرة لم يستغرق صنع الكتاب سنوات بل عقودا. وقد أُكمل بعد أربعين عاما من العمل المتقطّع. وقبيل موته، أوصى براي أن تؤول ملكية الكتاب إلى المكتبة البريطانية، حيث يمكن رؤيته اليوم. وكان قد قال قبل رحيله: لا أؤمن بالخرافات رغم أنهم يقولون إن الطاووس يرمز للكوارث".
    ترى ما هي الرباعيات؟ ومن هي هذه الشخصية الغامضة التي فتنت سوثران والكثيرين غيره؟
    ينتمي عمر الخيّام إلى بلدة في شرق إيران. وأثناء حياته، كان يحظى بالتقدير الكبير بسبب اكتشافاته المبتكرة في الفلك والرياضيات. وكما هو الحال مع غيره من الموسوعيين الفرس، مثل ابن سينا، كان الخيّام شاعرا أيضا. لكن قصائده لم تكن تشبه قصائد أيّ شاعر إيراني أتى قبله.
    فَهِمَ الخيّام الطبيعة الموقّتة للحياة وحتمية الموت ودعا لأن يستمتع الإنسان بالوقت القصير الممنوح له على هذه الأرض. يقول في إحدى رباعياته:
    لا تشغل البال بماضي الزمان : ولا بآتي العيش قبل الأوان
    واغـنم مـن الـحاضر لـذّاته : فـليس في طبع الليالي الأمان
    ولطالما عبّر الشاعر عن حيرته وعن تشكّكه في الكثير من الأفكار التي اعتاد الناس أن يتقبّلوها دون نقاش.
    أطال أهل الأنفس الباصرة : تفكيرهم في ذاتك القادرة
    ولـم تـزل يـا ربّ أفهامهم : حيرى كهذي الأنجم الحائرة
    والمعروف أن الخيّام عاش في ظروف اتّسمت بالاضطراب السياسيّ، فإيران في زمانه كانت تحت احتلال الأتراك بعد أن فتحها العرب، وستأتي جيوش المغول بعد وقت قصير لتنشر فيها الموت والخراب.
    كان غوته محبّا لحافظ، وفولتير معجبا بسعدي. أما فيتزجيرالد فوجد في "صانع الخِيَام العجوز" رفيقا لروحه. وكان قبل ذلك قد ترجم بعض نصوص الأدب الفارسيّ ومن ضمنها كتاب "منطق الطير" للشاعر فريد الدين العطّار. لكن الرباعيات أصبحت تحفته الكبيرة بلا منازع.
    ورغم أن ترجمته لها كانت فضفاضة إلى حدّ ما، إلا انه نقل فيها روح الرباعيات ونَفَس شاعرها. في البداية، لم يلفت الكتاب انتباه الكثيرين، لكنه سرعان ما أصبح يتمتّع بشعبية جارفة لم يكن فيتزجيرالد نفسه يتخيّلها أبدا.


    وفي أواخر القرن التاسع عشر، عمد صالون أدبيّ تؤمّه النخبة في لندن إلى تغيير اسمه إلى عمر الخيّام. وما يزال الصالون يحمل هذا الاسم إلى اليوم. كما كانت ترجمة فيتزجيرالد للخيّام مصدر إلهام للفنّانين ما قبل الرافائيليين، مثل وليام موريس وادوارد بيرن جونز.
    وطُبعت من الرباعيات نسخ كثيرة مع صور توضيحية وضعها فنّانون آخرون مثل ادموند دولاك وادموند سوليفان وغيرهما. كما اقتبس مارتن لوثر كنغ بعض كلمات الخيّام في خطبته المناوئة للحرب عام 1967. وفي احد الأوقات، أنتجت هوليوود فيلما عن الشاعر، وظهرت العديد من عباراته ضمن كتاب اوكسفورد للاقتباسات.
    وما من شكّ في أن شعر الخيّام صمد أمام امتحان الزمن. وفي بلده إيران، ما يزال يتمتّع بشعبية كبيرة، إذ لا يكاد يخلو بيت من نسخة من الرباعيات. وعلى الرغم من أن فيتزجيرالد عدّل كثيرا في ترجمته، إلا أن الرباعيات ما تزال أشهر نسخة انجليزية من الديوان حتى اليوم. وفي أنحاء أخرى متفرّقة من العالم، ما تزال هذه القصائد تُقرأ وبمختلف اللغات.
    ربّما كان ساتكليف وزميله سانغورسكي قد تنبّئا مسبقا بالأهمية الكبيرة التي سيحظى بها كتاب الرباعيات عندما اختارا له ذلك التصميم العجيب. لكن كيف أمكن لكلمات كتبها شاعر قبل عشرة قرون أن يكون لها كلّ هذا الذيوع والانتشار المستمرّين، من العصر الفيكتوري إلى عصر القرن الحادي والعشرين؟
    الإجابة تكمن في خلود الرباعيات نفسها وفي حديثها عن الحقائق الكونية العامّة التي لا تقتصر على ثقافة أو دين أو عقيدة بعينها.
    وفي وقتنا الحاضر، حيث يعيش العالم حالة من التوتّر وعدم اليقين، قد تكون الرباعيات ذات صلة بعالمنا أكثر ممّا كانت خلال العصر المضطرب الذي كُتبت فيه أوّل مرّة.
    تُرى ما الذي يمكن أن يقوله مؤلّف ديوان الشعر الأكثر بذخا عن عالمنا المجنون لو كان ما يزال حيّا إلى اليوم؟
    ثمّة الكثير مما يمكن اقتباسه من شعر الخيّام ممّا يناسب واقع الحال اليوم كقوله مثلا:
    لا توحش النفس بخوف الظنون : واغنم من الحاضر أمن اليقين
    فـقد تـساوى فـي الـثرى راحـل غـدا : وماضٍ من ألوف السنين
    أو قوله:
    زخـارف الدنيا أساس الألم : وطالب الدنيا نديم الألم
    فكن خليّ البال من أمرها : فكلّ ما فيها شقاء وهمّ
    أو قوله:
    عش راضيا واهجر دواعي الألم : واعدل مع الظالم مهما ظلم
    نـهـايـة الـدنـيـا فــنـاء فــعـش : فـيـهـا طـلـيـقا واعـتـبـرها عــدم

    Credits
    bbc.com

    Thursday, February 22, 2018

    ثيودوراكيس: زوربا اليونانيّ


    ما أن يُذكر اسم جزيرة كريت حتى تلتمع في الذهن بعض الصور: أمواج بحر ايجة وهي تتكسّر على الشاطئ الرمليّ الأبيض، والرائحة العذبة لأشجار الزيتون مختلطةً بهواء البحر المالح، وصورة مجموعة من الرجال الملتحين المتشابكة أذرعهم حول أكتافهم وهم منهمكون في الرقص.
    من السهل أن تتخيّل نوعية الموسيقى التي يرقص هؤلاء الرجال على إيقاعاتها. فهناك احتمال كبير بأنهم يرقصون على أنغام موسيقى زوربا التي تعزفها آلة البزق أو البوزوكي اليونانية.
    كتب ميكيس ثيودوراكيس هذه الموسيقى لفيلم "زوربا اليونانيّ" عام 1964. وكان الفيلم حدثا مهمّا في منتصف الستّينات حيث حصل على ثلاث جوائز اوسكار وظلّ في المخيّلة الشعبية زمنا طويلا كرمز للثقافة اليونانية المعاصرة.
    والفيلم يستند إلى رواية للكاتب الكريتيّ نيكوس كازانتزاكيس. وقد لعب دور البطولة في الفيلم الممثّل انطوني كوين الذي قام بدور اليكسيس زوربا، وهو شخص يونانيّ بسيط ومحبّ للحياة، يقابل في طريقه إلى كريت رجلا انجليزيّا متعلّما ومحافظا يُدعى "بازل" ويقوم بدوره الممثّل آلان بيتس.
    بازل المنهمك في قراءة كتاب لبوذا كان قد ورث عن والده منجما للفحم في اليونان. وبعد لقائه بزوربا، يُعجب بهذا الأخير ويستأجره للإشراف على المنجم. ومع الأيّام تنشأ بين الاثنين صداقة وثيقة، مع أن زوربا يحترم تجارب الحياة أكثر من الشهادات والثقافة.
    وزوربا يقول لبازل في احد أجزاء الفيلم: ما فائدة كلّ هذه الكتب اللعينة؟ أنت تفكّر كثيرا لأنك تقرأ وهذه مشكلة". ثم يحاول زوربا أن يشجّع صديقه الانجليزيّ على أن يخرج من شرنقته ويُقبِل على الحياة.
    وعلى الرغم من روح زوربا المتفائلة، إلا أن صداقتهما تتعرّض لعدد من النكسات، إذ تموت امرأتان مقرّبتان من بازل ميتة رهيبة، ويصبح من الخطير جدّا استخدام المنجم رغم كلّ المحاولات المبذولة لإصلاحه.
    ثم يقرّر بازل أن يعود نهائيا إلى انجلترا. وقبل أن يغادر يطلب من صديقه زوربا أن يعلّمه الرقص. وبرغم كلّ المآسي التي مرّ بها الاثنان، إلا أنهما يرقصان بجذل على الشاطئ ويستمتعان بوقتهما لمجرّد أن يعلما أنهما ما يزالان على قيد الحياة.


    نظرة كازانتزاكيس المتوسّطية إلى العالم كانت مصدر افتتان وإلهام للمجتمعات الغربية التي تعبت من المنطق ووفرة الأشياء وأُعجبت بزوربا البطل الجريء والعفويّ الذي رفض الأعراف الراسخة واحتضن عواطفه وأفكاره الخاصّة.
    والرواية بأكملها هي عبارة عن أسطورة عن العقل والجسد. فالبطل بيتس يمثّل ابوللو الذي يجسّد روح النظام والعقلانية، بينما يمثّل زوربا دايونيسيس الذي يجسّد روح إرادة العيش بتلقائية ومتعة.
    وقد أصبحت صورة زوربا وهو يعلّم بازل الرقص على شاطئ كريت ترمز لليونانيين كشعب عاطفيّ وتلقائيّ ومحبّ للحياة. والموسيقى التي يرقص عليها الاثنان والتي ألّفها ثيودوراكيس أصبحت تجسّد اليونان الحديثة. وأحد الأسباب المهمّة لاقترانها باليونان يمكن عزوه إلى حقيقة أن فيلم زوربا صُوّر بممثّلين من مواطني اليونان وقبرص، باستثناء أبطال الفيلم الثلاثة، أي انطوني كوين وآلان بيتس وليلى كيدروفا.
    وثيودوراكيس نفسه لم يكن معروفا من قبل كمؤلّف لموسيقى الأفلام. فقد بدأ حياته المهنية في الخمسينات بكتابة الموسيقى الكلاسيكية في باريس وذلك قبل أن يعود إلى وطنه الأمّ اليونان ويمزج مؤلّفاته بالموسيقى التراثية لوطنه.
    وكان لتبنّي ثيودوراكيس للموسيقى الشعبية اليونانية دوافع سياسية، إذ كان قد أسّس مؤتمر الشباب الديمقراطيّ اليساريّ عام 1936، ثم انتُخب عضوا في البرلمان اليونانيّ، وفي نفس تلك السنة شاهد الناس فيلم زوربا الذي وضع موسيقاه.
    لكن بعد ذلك بفترة قصيرة، قامت الحكومة اليمينية بحظر موسيقاه، وقضى سنوات أواخر الستينات في السجن، قبل أن يُنفى إلى بباريس. وفي عام 1974، تمكّن من العودة إلى اليونان، وهو اليوم يُعتبر أعظم موسيقيّ حيّ في البلاد.
    وعلى الرغم من كثرة مؤلّفات ثيودوراكيس السيمفونية والأوبرالية، إلا أن موسيقى زوربا ظلّت هي تحفته الأولى بلا منازع. وقد تصدّرت قوائم الموسيقى في العالم أكثر من مرّة وظلّت تُعزف باستمرار في العديد من الحفلات والفعاليات الموسيقية حول العالم.

    Credits
    rebeatmag.com

    Sunday, February 18, 2018

    أبو نواس الصينيّ


    لو سألت أيّ صينيّ عن أعظم سلالة في تاريخ الصين فسيجيبك غالبا أنها سلالة تانغ. والسبب هو أن فترة حكمهم (618-907) اتّسمت بالتنوّع الثقافيّ والانفتاح على الحضارات الأخرى. كما أنهم نجحوا في إقامة أقوى إمبراطورية واقتصاد في العالم آنذاك.
    كانت تلك السلالة تتألّف من ستّ عائلات حكمت عشر ممالك. وكانت عاصمة ملكهم "شيان" أكثر مدينة مأهولة في العالم في ذلك الوقت.
    وقد تقبّل ملوك التانغ الأفكار الأجنبية، بما فيها الفنون والآداب، وكذلك الأديان كالبوذية التي انتشرت في زمنهم إلى بلدان آسيا. وتحت حكمهم ازدهرت الثقافة الصينية نفسها وعاش الشعر الصينيّ أزهى فتراته.
    وفي عصر التانغ، وبالتحديد قبل 1300 عام، أي في بدايات القرن الثامن الميلاديّ، ولد أشهر شاعرين في تاريخ الصين، هما لي باي ودو فو. وأهميّة هذين الشاعرين في الصين تشبه أهميّة شكسبير عند الانجليز وبوشكين عند الروس.
    ورغم أن اللغة تغيّرت منذ ذلك الحين، إلا أن قراءة قصائدهما ما تزال متيّسرة بالنسبة للصينيين اليوم، كما أن أفكارهما عن الصداقة والحبّ والطبيعة وفساد الحكّام ما تزال ذات صلة بالعالم الحديث.
    ولي باي هو الشاعر الأكثر شهرة. وأشعاره مصاغة بجمل مختزلة، وهي عموما تتحدّث عن العزلة وعن الحنين للوطن. والكثير من حياته منعكس في قصائده، كالأماكن التي زارها، والأصدقاء الذين ودّعهم ورحلوا إلى أماكن بعيدة وربّما لن يعودوا، بالإضافة إلى تخيّلاته الحالمة وأوصافه للأحداث والطبيعة.
    وشعر لي باي يشبه إلى حدّ كبير شعر أبي نواس في الشعر العربيّ من حيث تمجيده واحتفائه الكبير بالشراب، واستخدامه للخيال، والتطرّف في بعض صوره، وقدرته على مزج كلّ هذا لينتج شعرا خالدا يصعب تقليده. ومثل أبي نواس أيضا، لا احد كتب عن النبيذ في الشعر الصينيّ أكثر من لي باي. وكثيرا ما يصوّر الشاعر في الرسم وهو يحدّق في قاع كأسه النبيذيّ انتظارا للإلهام.
    والسُّكْر الذي يعبّر عنه في شعره ينسجم مع المبدأ الطاويّ الذي يدعو إلى تحدّي وكسر الأعراف الاجتماعية. والطاوية نفسها تنظر إلى السُّكْر كجزء من "الطاو" أو الطريق. وحتى الشخصيات الخالدة في الطاوية كثيرا ما تُصوّر وهي في حالة سُكْر. والطاوية ترى أن النبيذ في النهاية هو من نتاج الطبيعة. وهو لا يعني فقدان الوعي، بل هو وسيلة لإبعاد المرء عن المشاعر التي تُثقِل على عقله.
    يقول لي باي في قصيدة بعنوان "الصحو من السُّكْر في يوم ربيعيّ": الحياة في هذا العالم ليست أكثر من حلم كبير. لذا لن أهدر حياتي بتحميلها أيّة أعباء أو اهتمامات. أسكر طوال اليوم وأستلقي بلا حراك عند الرّواق أمام بابي. وعندما أصحو، انظر إلى أشجار الحديقة وألمح طائرا يغرّد بين الأزهار وأسائل نفسي: هل كان اليوم ممطرا أم صحواً؟".
    لكن الشاعر في مقطع آخر يقرّ بأن النبيذ ليس حلا ناجعا لكافّة المشاكل. يقول: تعود الأحزان ثانية رغم أننا نغرقها بالنبيذ. ولأن العالم لا يمكن أن يجيب على جميع تساؤلاتنا، سأحلّ شعري غدا وأنزل إلى قارب صيدي الصغير".
    ولـ لي باي أيضا قصائد أخرى تتضمّن أفكارا وتأمّلات عامّة. يقول مثلا: تسألني لماذا اتّخذت لنفسي بيتا في غابة جبلية، وأبتسم وأنا صامت. وحتى روحي تظلّ صامتة لأنها تعيش في عالم آخر لا يملكه احد، حيث الأشجار مزهرة دائما والماء لا يكفّ عن الجريان".


    وقوله أيضا: كلّ شيء يذهب إلى الأبد، الأحداث، البشر، كلّ شيء إلى زوال مثل أمواج اليانغتسي التي يبتلعها البحر". وقوله: تلاشت الطيور من السماء، وجفّت آخر غيمة. نجلس معا، الجبل وأنا، وفي النهاية أرحل أنا ويبقى الجبل".
    كان لي باي شاعرا ماجنا. وأحد الأسباب التي تفسّر شعبيّته الكبيرة هو عربدته التي كان يمازجها شيء من المرح الصاخب.
    وكلّ فرد في الصين ومنذ سنّ الطفولة يجب أن يتعلّم شيئا من أشعاره. وحتى الصينيين الذين يعيشون في الغرب يحرصون على تعليم أطفالهم بعض أشعاره، ومن ضمنها قصيدته المشهورة عن القمر.
    والقمر في الصين يكتسب معنى خاصّا. إذ عندما يكون مكتملا فإنه يرمز إلى اجتماع شمل العائلة. والفكرة هي أن الإنسان يرى نفس القمر مع عائلته أو أقاربه، رغم أنهم قد يكونون في أماكن متباعدة جغرافيّا. لذا فإن قصيدة لي باي هذه تلامس وترا حسّاسا في نفوس الصينيين. كما أن القمر يرمز للشعر والأحلام.
    والغريب أن القمر يلعب دورا مهمّا في موت الشاعر نفسه. إذ تقول القصّة أن لي باي غرق في مياه احد الأنهار عندما سقط من قاربه وهو يحاول احتضان صورة القمر المنعكسة فوق الماء. ربّما كان ثملا في تلك اللحظة، وعلى الأرجح كان هذا هو حاله معظم الوقت.
    البورتريه المرسوم لـ لي باي يصوّره مرتديا لباسا طويلا ابيض بينما يرفع كأس النبيذ باتجاه القمر. وبطبيعة الحال، وكما سلفت الإشارة، لم يكن للسُّكْر دلالات سلبية بالنسبة لشاعر من القرن الثامن الميلاديّ، بل كان هو الطريق للإلهام المقدّس. ولي باي وزميله دو فو كانا يشربان بشراهة، رغم أن حياة كلّ منهما كانت مختلفة كثيرا عن حياة الآخر.
    فـ لي باي كان نجما كبيرا تحفّ به آيات التبجيل والتكريم أينما ذهب لأنه عبقريّ. أما دو فو فكان منتهى طموحه أن يحصل على وظيفة في الحكومة، لكنه فشل ولم يظفر بمنصب جيّد.
    ثم وقع تمرّد في الصين قاده جنرال يُدعى "آن لوشان" وأعقبته ثمان سنوات من الحرب الأهلية. فهرب دو فو من شيان عاصمة الإمبراطورية، ثم اعتُقل، ثم تاه بعد ذلك وأصبح يتنقّل كلاجئ ومنفيّ إلى أن اغتيل قائد التمرّد على يد ابنه. وبعدها أصبح بإمكان كلّ شخص أن يعود إلى بيته.
    وقد تمكّن دو فو من الحصول على وظيفة حكومية، لكن هذه الحال لم تدم طويلا. إذ يبدو انه فعل شيئا ما اغضب الإمبراطور، أو ربّما كان قد تحدّث بجرأة عن موضوع محظور أو كتب أشعارا تنتقد النظام. لذا تمّ طرده من وظيفته. وهو في إحدى قصائده يعلن أن مهمّته هي تحريض الناس وأنه عازم على فعل ذلك إلى أن يغيّبه الموت.
    وفي نهاية حياته، أصبح دو فو إنسانا معدما، لدرجة أن احد أطفاله مات بسبب الجوع. وهو في إحدى قصائده المشهورة عن الظلم في العالم، يتحدّث عن عاصفة هوجاء تهبّ على كوخ تقطنه عائلة فقيرة فتقتلع سقفه وينهمر المطر بغزارة على رؤوس الأطفال بداخله. ثم يحلم الشاعر لو انه يمتلك بيتا صلبا كالجبال يضمّ آلاف الغرف ليؤوي فيه كلّ المشرّدين في العالم، ويقرّر انه سيكون سعيدا لو مات من البرد بعد ذلك في كوخه البسيط والمتواضع.
    والصينيون يتحدّثون كثيرا عن هذه القصيدة. وهم يستخدمونها مع شيء من التحريف لوصف فساد المسئولين البيروقراطيين الذين يهتمّون بأنفسهم وعائلاتهم وينسون بقيّة الشعب. ورغم أن معظم الصينيين لا يتوفّر لهم من الوقت ما يكفي لقراءة الشعر هذه الأيّام، إلا أنهم يتذكّرون لي باي ودو فو ويرون في أشعارهما انعكاسا لبعض تفاصيل واقعهم اليوم.

    Credits
    chinese-poems.com

    Friday, February 16, 2018

    داخل الإطار الأصفر


    عرفتُ مجلّة ناشيونال جيوغرافيك لأوّل مرّة قبل أكثر من عشرين عاما عند بعض الزملاء ممّن لهم اهتمامات بيئية وعلمية. وكانت تُرسل لهم أعداد المجلّة مطلع كلّ شهر من خلال الاشتراك.
    كانت المجلّة تتميّز بإخراجها الأنيق وورقها المصقول وصورها اللامعة التي تشي بقدر كبير من الإتقان والاحترافية. أما من ناحية المضمون فكان واضحا نأي المجلّة بنفسها عن السياسة وتركيزها على كلّ ما له علاقة بالآثار والسفر والتاريخ والطبيعة وما إلى ذلك.
    لكن كيف ظهرت فكرة الناشيونال جيوغرافيك؟
    في عام 1888، عُقد في واشنطن اجتماع ضمّ ثلاثة وثلاثين شخصا بينهم مستكشفون ومعلّمون ومؤرّخون ومحامون ورحّالة ورسّامو خرائط وعلماء آثار. وكان ما يجمع هؤلاء هو اهتمامهم بالمعرفة العلمية والجغرافية، وكذلك اقتناعهم بأن الأمريكيين وبقيّة شعوب العالم توّاقون لمعرفة المزيد عن أحوال العالم من حولهم في زمن الاكتشافات والتغييرات الكثيرة.
    ولم يكن في مخيّلة أولئك المجتمعين انه بموافقتهم على تأسيس الجمعية الجغرافية الأمريكية فإنهم كانوا يضعون البذرة الأولى لمشروع ثقافيّ طموح سيكون مصدر إلهام للأجيال التالية وعلى مدى أكثر من قرن.
    وبعد تسعة أشهر من تأسيس الجمعية، وُلدت مجلّة ناشيونال جيوغرافيك، المعروفة اختصار بـ "نات جيو"، والتي أصبحت مع مرور الزمن احد أكثر الأسماء شهرة في عالم الصحافة. وتكرّست صورة المجلّة أكثر بسبب أسلوب معالجتها المبسّط لأعقد المواضيع العلمية والجغرافية والتاريخية والثقافية من خلال توظيف الصور والخرائط والرسوم التوضيحية.
    وعلى امتداد عقود طويلة، عرف القرّاء هذه المطبوعة بتحقيقاتها المعمّقة وصورها المثيرة، وقبل هذا وبعده بشعارها الأيقونيّ الذي يأخذ شكل إطار صورة اصفر اللون يظهر على الهوامش المحيطة بغلاف المجلّة. وقد رأت هيئة التحرير اختيار هذا الشعار المميّز لأنه يحثّ الناس على الاهتمام بكوكب الأرض، كما أن هذا اللون يرتبط منذ القدم بالمعرفة والحكمة.
    كان الغرض من إنشاء الجمعية والمجلّة هو زيادة المعرفة الجغرافية لدى شعوب الأرض. لكن الناشيونال جيوغرافيك أصبحت تتناول القضايا البيئية ومشاكل التصحّر والتلوّث الكيميائيّ والتسخين الحراريّ والكائنات المهدّدة بالانقراض وما إلى ذلك من قضايا. ومن وقت لآخر، كانت المجلّة تخصّص احد أعدادها لبلد معيّن أو لحضارة قديمة أو لمصدر طبيعيّ يتعرّض مستقبله للخطر.
    وفي إحدى الفترات، رأسَ الجمعية التي تُصدِر المجلّة "الكسندر غريهام بيل" مكتشف التليفون. وفي عهده أصبح التصوير يحظى بأهميّة فائقة في المجلّة، على الرغم من معارضة زملائه الذين كانوا يرون أن وفرة الصور هي مؤشّر على المفهوم غير العلميّ للجغرافيا. لكن وجهة نظره رجحت في النهاية وأصبحت الصور علامة فارقة ومميّزة للناشيونال جيوغرافيك.
    وبدأت المجلّة تعرض الصور الملوّنة ابتداءً من منتصف ثلاثينات القرن الماضي عندما كان التصوير بالألوان ما يزال في مراحله الجنينية. ومن بين أشهر الصور التي ظهرت في المجلّة صورة أيقونية لتاج محلّ بالهند يعود تاريخها إلى عدد شهر مارس من عام 1921.


    وهناك صورة أخرى مشهورة جدّا ظهرت على غلاف عدد يونيو 1985 من الناشيونال جيوغرافيك لصبيّة أفغانية تُدعى شربات غولا (12 سنة) التقطها مصوّر المجلّة ستيفن ماكوري. وقد أصبحت غولا تُعرف بـ "الفتاة الأفغانية" وظهرت على الغلاف وهي ترتدي وشاحا احمر اللون وتحدّق في الكاميرا.
    وبعد غزو الولايات المتحدة لأفغانستان عام 2002، ذهب المصوّر ماكوري إلى كابول كي يبحث عن الفتاة التي كان قد التقط صورتها قبل سبعة عشر عاما من ذلك التاريخ في معسكر للاجئين الأفغان في باكستان. واكتشف أن الفتاة عادت إلى قريتها في جبال تورا بورا أثناء هدنة بين المتحاربين وأنها تنتمي لقبيلة الباشتون القويّة. وقد وقفت أمامه ليصوّرها مرّة أخرى بعد موافقة زوجها.
    في البلدان الإسلامية المحافظة، كماليزيا والسعودية وإيران وباكستان وغيرها، جرت العادة على أن تُطمس صور المجلّة التي تَعرض مناظر عارية أو أشخاصا متخفّفين من ملابسهم، كما هو الحال في صور الناشيونال جيوغرافيك لمجتمعات القبائل البدائية في آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية. وما من شكّ في أن مثل هذا الإجراء كان يقلّل من القيمة الفنّية للصور، وهي ميزة اشتُهرت بها هذه المطبوعة عالميّا.
    في سنوات الحرب الباردة بين المعسكرين، التزمت الناشيونال جيوغرافيك بتقديم تغطية متوازنة عن الجغرافيا الطبيعية والبشرية للدول الواقعة خلف الستار الحديديّ، كألمانيا الشرقية والصين والاتحاد السوفياتيّ. وكانت مقالاتها وتحقيقاتها تتجنّب الخوض في شئون السياسة وتركّز على الثقافة والعلوم والتاريخ.
    أوّل أعداد المجلّة الصادر في سبتمبر من عام 1888 طُبع منه مائة وستّون نسخة، واليوم تصل الناشيونال جيوغرافيك إلى أكثر من سبعمائة مليون شخص حول العالم كلّ شهر. وهذا الرقم يتضمّن قرّاء النسخ المطبوعة من المجلّة بلغاتها المختلفة، وأيضا مشاهدي قنواتها التلفزيونية التي تبثّ هي أيضا بلغات متعدّدة من بينها العربية. والمجلّة اليوم تصدر في سبع وثلاثين لغة، من بينها العربية والفارسية والصينية والهولندية والرومانية والروسية وغيرها.
    وقد وصل دخل قناة الناشيونال جيوغرافيك التلفزيونية التي أُطلقت في يناير 2001 إلى مائتين وخمسة وثمانين مليون دولار، بينما وصل ريع الإعلانات إلى أكثر من مائة وخمسة وستّين مليون دولار. وفي عام 2010، أطلقت الجمعية المالكة للمجلّة قناة تلفزيونية جديدة عن الحياة الفطرية باسم (NatGeo Wild) وأرادت من وراء هذه الخطوة مجاراة منافستها الرئيسية، أي قناة التاريخ (History Channel).
    وفي عام 2015، وقّعت الجمعية الجغرافية اتفاقية شراكة مع شركة فوكس القرن الحادي والعشرين امتلكت الأخيرة بموجبها ثلاثة وسبعين بالمائة من أسهم الجمعية. وفي عام 2017، أعلنت شركة ديزني عن شرائها شركة فوكس، بما في ذلك أسهم الجمعية الجغرافية.
    الجدير بالذكر أن الجمعية الجغرافية الأمريكية موّلت منذ تأسيسها أكثر من مائة بعثة استكشافية لارتياد الأطراف القصيّة من الكوكب، من القطب الشماليّ إلى القطب الجنوبيّ ومن أعلى قمّة جبل إلى أعمق نقطة في المحيط.
    وقد أصبحت الناشيونال جيوغرافيك اكبر من الأرض عندما حمل رائد الفضاء الأمريكيّ نيل ارمسترونغ علم المجلّة في يوليو عام 1969 عندما أصبح أوّل إنسان يمشي على سطح القمر.
    وفي الذكرى المائة والثلاثين لتأسيسها، أصدرت الناشيونال جيوغرافيك شريط فيديو يتضمّن عرضا سريعا لجميع أغلفتها ، منذ إنشائها وحتى اليوم.

    Credits
    history.com

    Tuesday, February 13, 2018

    أطفال الإنسانية

    "الهمجيّ النبيل" فكرة تشير إلى الإنسان الطبيعي الذي لم تمسسه التأثيرات المُفسدة والسيّئة للحضارة. وتقوم الفكرة على اعتقاد مؤدّاه أن البشر طيّبون في الأساس، لكنهم يكتسبون دوافعهم الشرّيرة وتصرّفاتهم الضارّة نتيجة اختلاطهم بالحضارة الحديثة.
    كان انكيدو، احد أبطال ملحمة غلغامش، واحدا من النماذج الأولى للهمجيّ النبيل. فقد كان شخصا متوحّشا، لكنه في نفس الوقت كان إنسانا طيّبا عاش في تناغم ووئام مع الحيوانات والطبيعة.
    وفي الأدب الدينيّ كثيرا ما يُصوَّر الانسحاب من المجتمع، وخاصّة من المدن، على انه فعل حسَن وذو تأثير ايجابيّ على التطوّر الروحيّ والأخلاقيّ للإنسان.
    ويقال إن فكرة الهمجيّ النبيل تعود إلى اليونان القديمة، عندما رسم هوميروس صورة مثالية عن سكّان اركاديا. وكذلك فعل الكتّاب الرومان، مثل فرجيل وأوفيد، اللذين تحدّثا عن أهل سيثيا البدائيين بشيء من الحنين والرومانسية.
    وفي القرنين السادس عشر والسابع عشر، امتلأ الأدب الغربيّ بالحديث عن الهمجيّ الطيّب، للتدليل على فساد الحضارة وتخريبها للإنسان. في البداية، لم تكن لفظة الهمجيّ ذات حمولة سلبية وتدلّ على القسوة والتوحّش كما هو الحال اليوم، وإنما كانت تشير إلى الحرّية التي يتمتّع بها الإنسان الذي يعيش بتناغم وسلام مع الطبيعة.
    وفي القرنين السابع عشر والثامن عشر، تناول الأدب فكرة الرحلات البحرية إلى ارض بعيدة لم تُكتشف من قبل ولم تمسسها أو تخرّبها الحداثة الغربية. وكثيرا ما صُوّرت الحياة في تلك الأماكن البدائية على أنها أفضل من الحياة في الغرب. وراجت وقتها قصّة عن رحلة إلى ارض غير معروفة يقطنها شعب أندروجينيّ يعيش في حرّية وبراءة ولا يعرف أفراده اللباس أو الحكومات أو مفهوم المِلكية الخاصّة.
    كما تضمّنت قصص الكابتن كوك في القرن الثامن عشر حكايات عن سكّان البحار الجنوبية غير المسيحية الذين يعيشون حياتهم على الفطرة ولا يعرفون التنافس والطمع والأثرة التي تطبع حياة المجتمعات الحديثة.
    ذات مرّة، قال جان جاك روسّو أن البشر يولدون ومعهم دوافع الخير، لكن الحضارة تخرّبهم وتسلبهم فطرتهم الأولى. لكنه أضاف أن البشر في حالة الطبيعة كثيرا ما يتصرّفون كالحيوانات ولا يصبحون بشرا كاملين إلا عندما ينصاعون لعقد اجتماعيّ.
    وكان روسّو يرى أن المِلكية الخاصّة والرغبة في تملّك اكبر قدر من الثروة هي السبب الأساس في معاناة الإنسان. وقد ورث اليسار الاشتراكيّ عن روسّو احتقاره للمِلكية الخاصّة والنظام الرأسماليّ الذي تأسّس عليها.
    ورغم أن اليساريين شجبوا أمراض وتجاوزات الغرب، إلا أنهم تسامحوا إلى حدّ ما مع ثقافات الهمج الطيّبين غير الأوربّيين في العالم وأضفوا عليها نوعا من البراءة.
    في القرن التاسع عشر، عندما توسّعت الإمبراطوريات الغربية وابتلعت أراضي الشعوب الأصلية في آسيا وأفريقيا والأمريكتين، تراجعت فكرة الهمجيّ النبيل ثم ساد النمط السلبيّ المعكوس عن الهمجيّ المتوحّش والخطير.
    وشاعت وقتها فكرة تقول إن الشعوب الأصلية في العالم التي تعيش حالة بدائية ومتخلّفة إنما هم "أطفال الإنسانية" أو الأسلاف القدامى للإنسان الحديث. ومثل هذه الاستعارات الزمنية هي التي صاغت العلاقات الاجتماعية والثقافية للكولونيالية.
    وبعض العلماء والمؤرّخين يقولون إن فكرة الهمجيّ النبيل والمتوحّش هي من تهويمات العقل الأوربّيّ الذي أبقى الشعوب الأصلية في حالة معلّقة بين الطُّهر الساميّ والشرّ الأبديّ.

    Credits
    theconversation.com

    Sunday, February 11, 2018

    عوالم الأويغور


    من أهمّ الرموز الثقافية عند شعب الأويغور الشاعر الراحل روزي سعيد الذي تعكس أشعاره نضال الفلاحين من أبناء قومه. وقد فهم هذا الشاعر، ربّما أكثر من أيّ مثقّف اويغوري آخر، طبيعة الحياة القاسية للفلاحين الذين كانوا يعملون في مزارع الدولة الصينية في ستّينات القرن الماضي.
    كان سعيد شاعرا مشهورا وإنسانا محافظا وملتزما بالقيم الريفية. وفي إحدى قصائده المعروفة، يشير إلى ما يعتقد انه الدور الذي يليق بشعبه أن يلعبه، مؤكّدا على التمسّك بالجذور والأصالة.
    يقول في قصيدته: ليس إنسانا من يتنكّر لأصله. وليس إنسانا من يشعر بالخزي من صديقه. القيمة الحقيقية لإنسانية المرء تكمن في حفظه لوعوده. ومن يتنكّر لوعده ليس إنسانا. لا تربط مصيرك بكذّاب، ولا تسافر مع شخص يشعر بالأنفة منك. هذا العالم الجميل يشبه الجنّة بالنسبة للناس الطيّبين، لأن أفعال الأخيار هي التي صنعته. من يظلم الناس ليس إنسانا. وليس إنسانا أيضا من يتباهى بطائفيّته وجهله".
    ومن الشخصيات المعاصرة الأخرى التي يحترمها الأويغور طاهر حمود، وهو شاعر ومخرج سينمائيّ وأستاذ للفنون.
    في بعض قصائده، يعبّر حمود عن ارتباطه بالأماكن التي أتى منها، مثل مدينة كشغر التاريخية والتقاليد المنسية لجنوب شينجيانغ.
    وبعض أشعاره تتضمّن صورا عن العزلة وعن تبدّد أحلام الشباب. كما أنها تمتلئ بصور الحجارة المتجمّدة والسموات المنخفضة والأشجار والحكايات القديمة.
    ومنذ عشرة أعوام، حوّل حمود اهتمامه إلى السينما وخاض عدّة تجارب في تصوير الشعر الغنائيّ سينمائيّا وفي إعداد وتصوير بعض البرامج الوثائقية السردية.
    ومن أجمل أفلامه القصيرة فيلم بعنوان العاشق الجميل. وقصّته بسيطة ومألوفة، لكنه مصنوع بطريقة شاعرية. والشاعر يريد أن يثبت من خلاله أن مشاعر الحاضر ليست سوى امتداد للأفكار القديمة عن الفقر والاستقلال والرغبة.
    يعرض الفيلم لرحلة شابّ قرويّ فقير إلى المدينة. وهو يظهر في بداية الفيلم مارّا بجوار برج للمراقبة في مدينة اويغورية تُدعى كوشا. والمدينة نفسها شُيّدت قبل بناء هذا المعلم القديم الذي يعود إلى زمن حكم سلالة يوان الصينية.
    ثم يظهر في الفيلم سوق البلدة الذي تصطفّ على جانبيه محلات بيع الأواني والخزف والأقمشة وما إلى ذلك. يتجوّل الشاب في السوق، ثم يجد له عملا عند صاحب احد المخابز. ثم لا يلبث أن يقع في حبّ فتاة جميلة اعتادت على أن تأتي إلى المحلّ لشراء الخبز.
    لكنّ ذلك الحبّ سرعان ما ينهار عندما يتقدّم رجل اكبر سنّا وأكثر ثراءً فيتزوّج الفتاة. وعلى وقع أغنية حزينة تتحدّث كلماتها عن الوحدة والخيبة، يكتشف الشاب الحقيقة المرّة.
    وفي نهاية الفيلم، نراه وهو يمشي مبتعدا عن المدينة وعن الفتاة التي أحبّها وعن حلم آخر تمّ إجهاضه. وفي ابتعاده يمرّ من جوار البرج بينما تغرب الشمس وراء أفق تكلّله غيوم أرجوانية.
    وحال هذا الشابّ البسيط يشبه حال الكثير من المهاجرين إلى المدينة، إذ لا يمكن أن يبقى فيها المرء إلا لفترة بسيطة قبل أن يبدأ ترحاله من جديد إلى وجهة أخرى مجهولة.
    وحمود طاهر يستدعي في أفلامه مثل هذه القصص التراثية البسيطة ويُلبِسها طابعا عصريّا كي يبثّ فيها الحياة ثانيةً، وذلك بتحويلها إلى شكل بصريّ وشاعريّ.
    وهو في هذا الفيلم وفي سواه، يحاول أن يُضفي على الفقر طابعا من الجمال وينبّه إلى قيمة العمل الجادّ، وفي نفس الوقت يصوّر معاناة الأويغور في محاولتهم تلمّس طريقهم في عالم جديد محكوم بالتحوّلات السريعة وحالات انعدام اليقين.

    Credits
    uyghurensemble.co.uk

    Thursday, February 08, 2018

    فيرمير والآخرون


    لماذا تكلّف نفسك عناء الذهاب إلى متحف لرؤية لوحة عظيمة، بينما بإمكانك أن تراها على شاشة حاسوبك وعلى مسافة اقرب ممّا يتيحه الحضور لأيّ متحف؟
    في هولندا القرن السابع عشر، كانت المعارض الفنّية نادرة، وكان الناس بشكل عامّ يرون اللوحات في مجموعات خاصّة، أو وهي معروضة للبيع في معرض، وأحيانا عندما تُقدَّم كجوائز.
    ولو قُدّر للناس في ذلك الوقت أن يروا الإمكانيات الكبيرة التي تُعرض بها الأعمال الفنّية في المتاحف هذه الأيّام لأصيبوا بالدهشة: الغرف الواسعة، وتقنيات الإضاءة الخاصّة، والألوان اللامعة على الجدران، وتزاحم الناس الذين يُطلب منهم أن يبقوا على مسافة.
    صُوَر يوهانس فيرمير كانت تُرسم بطلب من أشخاص، وكان الناس يرونها في فراغات اصغر وأكثر إعتاماً. كانوا يرونها في النهار عندما يكون الطقس مناسبا، وأحيانا كانوا يقدّرونها أكثر في الأضواء الباهتة في وقت ما بعد الظهيرة، أو مضاءةً بالشموع في الأمسيات المظلمة والباردة. وبعض تلك اللوحات كانت تُحمى بستارة أو حاجز أو تؤخذ إلى خارج الغرف لرؤيتها في مكان خاصّ.
    النوعية الخاصّة سمة غالبة في لوحات فيرمير، بمعنى أن فيها دائما شيئا ما يدفع المتلقّي لأن يشعر بأن هذه اللوحة أو تلك رُسمت من اجله فقط.
    ومن هنا يبرز السؤال: ترى ما الذي يغري أيّ شخص لأن يرى تلك اللوحات وسط حشد من الناس في متحف؟ ما الشيء الذي لا يمكن إيصاله في الصور والطبعات المستنسخة؟
    اللوحات الأصلية المعروضة في المتاحف تقدّم لنا أشياء شخصية لا توفّرها الصور المستنسخة. القماش يقدّم لك نفسه، مقاسه يناسب مقاسك، وأنت تقرؤه بشكل طبيعيّ عندما تراه عموديّا أمام عينيك.
    أمام لوحة في معرض، ستفهم كيف حرّك الرسّام يده ليعمل، وكيف قرّبها ثم أبعدها عن القماش، وستلحظ بوضوح تغيير اتجاه الفرشاة وكثافة النسيج وسمك الطلاء.
    وربّما يكون فيرمير قد اخذ هذا من فنّانين آخرين، لكن فنّه مختلف. وبعكس الآخرين، فإن صُوَره تتوهّج على الجدران كما لو أنها مضاءة من داخلها. وشخوصه يجذبوننا أكثر ويحرّضوننا على أن نتوقّف وننظر. وشيئا فشيئا، نبدأ في فهم إيقاع الصورة ونترك أعيننا تتجوّل حيث يسمح لنا الرسّام، نتوقّف حيث يتوقّف، ونتحرّك حيث يتحرّك.
    ثم نبدأ في اكتشاف المعالم الأساسية في اللوحة، ونرى الأشياء المكرّرة ومدى تناسبها مع بُنية التوليف. ثم نرى تحوّلات الألوان من القاتمة إلى الفاتحة وبالعكس. وفي الأثناء، نشعر بنسيم "ديلفت" البارد والخفيف من حولنا ونحسّ بلمعان اللؤلؤ ورهافة الريش والفِراء والحرير.


    نساء فيرمير يقفن في غرف مُشعّة. وهو يمسك بهنّ في لحظات تفكير، أو وهُنّ يبتسمن أو يتحدّثن. وأنت تراقب وتتمعّن متأمّلا أن يكون ما تراه حقيقيّا. وأمام اللوحة، أنت تقف على مسافة قريبة من المكان الذي كان يقف فيه فيرمير عندما رسمها. تُحوّل وجهك باتجاه الضوء المتسرّب من النافذة، وتنتظر أن تتطوّر الصورة في حدقة عينك وأن تترك انطباعا لا يُمحى من ذاكرتك.
    ما الذي تتمنّاه عندما تذهب إلى معرض لترى لوحة لفيرمير؟ ما تتمنّاه غالبا هو أن تُحْدِث الصورة في ذهنك ارتباطا مع شيء ما يدوم ويستمرّ إلى ما لا نهاية.
    فيرمير وزملاؤه الهولنديون الآخرون، مثل جيرارد تير بورش و غيريت دو و بيتر دي هوك و غابرييل ميتسو و فرانز فان ميريس و يان ستين ، كانوا يرسمون أفكارا متجذّرة في حياة عصرهم. لكن الطريقة التي كانوا يقدّمون بها تلك الأفكار تُعزى إلى الرؤى الجمالية المشتركة السائدة في ذلك الوقت.
    تأمّل صُوَر نساء فيرمير بمعاطفهنّ الأنيقة وقصّات شعرهنّ الحديثة. كان يصوّرهن في لحظات حميمة وهنّ يعزفن الموسيقى أو يطرّزن الملابس و يؤدّين أعمالا منزلية أخرى. وكثيرا ما تُربط هذه الموتيفات بفيرمير، لكننا نكتشف أن فيرمير إنّما كان يترّسم خطى تير بورش، وهو رسّام منجِز كان يكبر فيرمير بخمسة عشر عاما على الأقلّ. وكان هو أوّل من استكشف صور النساء في لحظات خاصّة وحالات حميمية.
    وأكثر الرسّامين ابتكارا في ذلك الوقت كانوا يعرفون ماذا كان زملاؤهم من مختلف الأعمار يفعلون. حتى الرسّامين الذين كانوا يعملون في أماكن بعيدة كانوا على تواصل مع زملائهم الآخرين. في ذلك الوقت كان السفر من وإلى حواضر هولندا الصغيرة المساحة سريعا وسهلا نسبيا.
    لذا كان من السهل على الرسّامين أن يروا أعمال بعضهم البعض في المحترفات والمجموعات. ورغم تشابه الموتيفات، إلا أنهم لم يكونوا يقلّدون بعضهم البعض، بل كان كلّ منهم يترجم أفكاره الخاصّة ويركّز على مواطن قوّته المتفرّدة. وأحيانا كانوا يتنافسون على أيّ منهم يستطيع رسم أكثر الملابس جمالا وابتكارا.
    النظر إلى لوحات رسّامين متعدّدين من شانه أن يوسّع فهمنا للطريقة التي كان يعمل بها رسّامو العصر الذهبيّ الهولنديّ. لكن ممّا لا شك فيه أن صُوَر فيرمير بالذات هي التي تسترعي اهتمامنا أكثر من غيرها، رغم جمال أعمال الآخرين وتشابه أفكارها.
    قد يكون السبب هو أن لا احد استطاع تشييد التوليف بمثل دقّة وبراعة فيرمير، ولهذا السبب قُدّر لأعماله أن تستمرّ وأن يُكتب لها الخلود أكثر من غيره.

    Credits
    theartnewspaper.com

    Saturday, February 03, 2018

    عن الرياح والماء


    إختر لباب بيتك لونا ازرق لأن الأزرق لون مهدّئ ومحفّز للطاقة. إدفع الأريكة في غرفة الجلوس قليلا إلى اليسار. حرّك النافورة الصغيرة في الحديقة قليلا جهة اليمين. اختر لصالة البيت مزيجا من الأخضر والأزرق الخفيفين لأن هذين اللونين يشيعان الدفء والطاقة.
    هذا هو باختصار مفهوم علم الفينغ شوي الصينيّ. لكن هو علم حقّا؟
    البعض يأخذون الفينغ شوي بجدّية، والبعض الآخر يعتبرونه ضربا من الخرافة، وقليلون هم من يعرفون تأثيره على الثقافات في الشرق والغرب.
    وهذه الأيّام نسمع كثيرا عن الفينغ شوي باعتباره احد عناصر ما يُسمّى بحركة العصر الجديد. والناس خارج الصين يريدون أن يرووا عطشهم للتصوّف الشرقيّ والصينيّ، لذا يودّون معرفة المزيد عن الطبّ الصينيّ مثلا وعن الفينغ شوي.
    في زمن ماو تسي تونغ، حاولت الصين الحدّ من استخدام الفينغ شوي وقصرت استخدامه داخل الصين. ثم لم يلبث ماو أن أطلق في منتصف ستّينات القرن الماضي حملة لتطهير الصين من تقاليدها القديمة وماضيها الرأسماليّ كي تتوافق مع نسخته الخاصّة من الشيوعية.
    وكان نظام ماو يصوّر المثقّفين الصينيّين والنخبة الثريّة كأوغاد ويحمّلهم المسئولية عن كافّة علل وأمراض البلاد. في ذلك الوقت، هاجمت مجموعة من الطلاب المتحمّسين الذين يُسمَّون بالجيش الأحمر البورجوازيين وقتلوا كثيرين منهم ثم عاثوا الخراب في المواقع الثقافية القديمة في البلاد.
    وقد دمّر هؤلاء العديد من المكتبات والمتاحف والمعابد. ولم تسلم من تخريبهم مقابر فلاسفة الصين العظام، بل وأحرقوا وطمسوا حتى قبور الأباطرة القدماء وأفراد عائلاتهم.
    وكان ماو قد حدّد أربعة أشياء ينبغي تدميرها: التقاليد والثقافة والعادات والأفكار القديمة. وقد دمّر الجيش الأحمر ما استطاع تدميره منها، وكانت تلك جريمة خطيرة ارتُكبت بحقّ تاريخ الصين.
    وكان من بين إجراءات ماو التطهيرية حظر ممارسة الفينغ شوي وغيره من التقاليد القديمة. واستمرّ حظره إلى أن انتهت الثورة الثقافية بموت ماو عام 1976.
    كان ممارسو الفينغ شوي يعتقدون أن عناصر الطبيعة تؤثّر على تدفّق الطاقة إمّا سلبا أو إيجابا. والفينغ شوي يعني حرفيا "الرياح والماء". وهذان هما العنصران الأساسيان في الطبيعة. ويندرج تحتهما التربة والخضرة والصخور والطقس وضوء الشمس. وهناك تأثيران آخران لا يقلان أهميّة، هما الفلك واتجاه البوصلة.
    قبل أكثر من ستّة آلاف عام، كان معلّمو الفينغ شوي القدامى يحدّدون الشمال والجنوب بالشمس والنجوم. ثم طوّروا نوعا من الاسطرلاب استُخدم خصيصا من اجل الفينغ شوي، وأوّل بوصلة مغناطيسية كانت تحمل علاماته.
    وبعد قرون، أصبحت مبادئ الفينغ شوي ذات أهميّة مركزية في المعمار وتخطيط المدن وترتيب الأثاث. فالأشياء التي تواجه الجنوب، مثلا، تجلب ضوء شمس أكثر وتوفّر منظرا أفضل من الأعلى. وأنت تنام بشكل أفضل في الأماكن الأكثر ظلمة وهدوءا. والألوان الخفيفة توفّر الراحة والاسترخاء أكثر من الألوان القاتمة. لكن كلّ هذه الأشياء بديهية ويعرفها معظم الناس.
    ولكي نحلّل مدى صلاحية وصحّة الفينغ شوي، يجب أن نتساءل: هل الطاقة شيء ملموس؟ لا احد يملك إجابة مؤكّدة على هذا السؤال، وليس هناك من المعطيات ما يدفعنا لأن نعرف. فليس للطاقة تعريف وليس لها خصائص مادّية محدّدة، لأنه لا يمكن اختبارها أو قياسها أو كشفها.
    ومعلّمو الفينغ شوي يزعمون بأنه شكل من أشكال الفلك. لكن حتى ما يقال عن ارتباط الفلك بمصير وحياة الإنسان فشلت كلّ الاختبارات العلمية في إثباته.
    هل الفينغ شوي مفيد؟ هذا السؤال لا يمكن الإجابة عنه. فبما أن الطاقة مصطلح غائم ويستحيل تعريفه، فإنه من المستحيل أيضا البتّ في ما إذا كان الفينغ شوي نافعا أم لا.
    إن من الصعب إخضاع الفينغ شوي للتجارب العلمية لإثبات صلاحيته من عدمها. لكنّ المؤكّد أن الناس مختلفون في تفضيلاتهم وأذواقهم عندما يتعلّق الأمر بتخطيط منازلهم أو اختيار نوعية أثاثها. لذا من السهل نفي الطاقة الغامضة التي تُعزى إلى الفينغ شوي.
    ويمكن القول إن أهمّ عنصر في الفينغ شوي هو رحلته التاريخية والاجتماعية. الصينيّون، مثل غيرهم من الشعوب، كانوا قبل بزوغ نور العلم يبذلون كلّ ما بوسعهم لكي يفهموا العالم. لذا كانوا يوجّهون قبور موتاهم ناحية الشمال، وكانوا يعتقدون أن هذا نوع من التطوّر العلميّ.
    لكن ما من شكّ في أن قصّة الفينغ شوي تثري قصّة التجربة الإنسانية كما أنها تضيف إلى معرفتنا عن تاريخ العلم. ولو لم يكن الفينغ شوي مهمّا، لما كان الناس يُضرَبون ويُسجنون ويُقتلون بسببه أو من اجله.
    يقال أن جدّ ماو تسي تونغ كان مدفونا في قبر خاصّ يُسمّى بـ "عرين التنّين" وتتوفّر فيه عناصر قويّة من الفينغ شوي، لدرجة انه لا يوجد سوى اثني عشر موقعا في العالم تحمل نفس مواصفاته. وأُشيعَ أن والد ماو عندما توفّي أبوه، أي جدّ ماو، استأجر أعظم معلّم فينغ شوي في الصين وقتها وأسند إليه مهمّة تحديد أفضل مكان كي يواري فيه جثمان والده.
    وقد دلّه المعلّم على مكان يقع فوق قمّة جبل يُدعى "استراحة النمر". وتنبّأ المعلّم أيضا بأن مستوى تدفّق الطاقة في ذلك المكان سيجعل ماو، الذي كان وقتها في سنّ الحادية عشرة، رجلا قويّا جدّا في الصين بعد ثلاثين عاما. وهذا ما تحقّق بالفعل.
    لكن المفارقة انه على الرغم من تلك النبوءة التي بشّر بها معلّم الفينغ شوي ذاك وجلبت الحظّ السعيد لماو، إلا أن الرجل باشر في ذروة ثورته الثقافية في تدمير وحرق كلّ محلات الفينغ شوي في الصين. بل وأمر باعتقال كلّ معلّم يمكن أن يدلّ غيره على "عرين تنّين" آخر قد يهدّد مستقبله هو وينافسه في الحكم.

    Credits
    thespruce.com

    Monday, January 29, 2018

    السُّلطان الأخير


    عندما تنظر إلى هذه اللوحة، لن تحتاج لكثير وقت كي تستنتج انك أمام شخصية ملوكية مهمّة. ملامح الوجه ونظرات العينين تنبئ عن فطنة ومهابة. ولباس الحرير المرصّع بالذهب والفضّة والمجوهرات الباذخة يكشف عن ثراء وترف.
    المفارقة أن كلّ هذا المجد والهيلمان سيتلاشى بعد ثمان سنوات فقط من تاريخ رسم هذه الصورة، وسيصبح هذا الرجل واحدا من أكثر الشخصيات مأساوية في التاريخ. ومع انتهاء فترة حكمه، ستتحوّل أمجاد الإمبراطورية المغولية في الهند إلى مجرّد ذكرى غابرة.
    الفنّان الذي رسم هذه اللوحة للسُّلطان بهادور شاه ظفر، آخر سلاطين الهند المغولية، اسمه اوغست شوافت المولود في المجر في عام 1809 لأبوين ألمانيين.
    كان شوافت شخصا محبّا للأسفار والمغامرة. ومثل الكثير من الرسّامين الاستشراقيين في زمانه، قرّر أن يتخلّى عن حياته الهادئة في بودابست ويبدأ مغامرة كبرى ستأخذه إلى تركيا ومصر وبلاد فارس والعراق وسوريا.
    في عام 1838، وصل شوافت إلى الهند وذهب إلى لاهور التي كانت آنذاك عاصمة لمملكة السيخ ويحكمها المهراجات.
    وهناك تعرّف إلى عدد من رجالات البلاط الذين قرّبوه منهم بعد أن عرفوا عمله ثم كلّفوه برسم بورتريهات للمهراجات وعائلاتهم.
    وعند عودته إلى دلهي، توقّف في امريتسار وزار المعبد الذهبيّ المشهور فيها كي يرسمه. لكن حرّاس المعبد الأشدّاء أوشكوا على أن يفتكوا به بعد أن ظنّوا انه ينوي تدنيس معبدهم.
    وعندما وصل اوغست إلى دلهي، كُلّف برسم هذا البورتريه للسّلطان ظفر. كان ظفر نسيج وحده بين الحكّام، إذ لم يسبق له أن قاد جيشا ولم يشارك في معركة. لكنه أصبح، على غير رغبة منه ربّما، زعيما رمزيّا لثورة وحّدت المسلمين والهندوس معا لأوّل مرّة ضدّ الاستعمار البريطانيّ.
    ولأكثر من مائة عام بعد وفاته، ظلّ ظفر منسيّا تماما تقريبا. لكن العثور على قبره بالصدفة عام 1991 ساعد على إعادة اكتشاف تراث رجل كان يُنظر إليه باحترام كمتصوّف مسلم وكأحد أفضل شعراء اللغة الأوردية.
    عندما لفظ السّلطان بهادور ظفر أنفاسه الأخيرة في بيت خشبيّ رثّ في رانغون عاصمة بورما عام 1862، لم يكن هناك حوله سوى نفر قليل من أقاربه. وقد دفنه الانجليز في قبر بلا علامات في مجمّع قريب من معبد شويداغون البوذيّ المشهور.
    وكان ظفر قبل وفاته قد أصبح شخصا مهزوما ومحبطا، وكانت تلك نهاية مؤلمة لرجل كان أسلافه من المغول قد حكموا، طوال ثلاثمائة عام، منطقة واسعة كانت تضمّ أراضي الهند وباكستان وأجزاءً كبيرة من أفغانستان وبنغلاديش.
    ورغم انه لا يمكن مقارنته بأسلافه العِظام مثل اكبر وأورانغ زيب، إلا أن ظفر أصبح الرمز الذي اجتمعت حوله الانتفاضة الهندية الفاشلة عام 1857، عندما ثار جنود من الهند المقسّمة ضدّ شركة الهند الشرقية البريطانية. وبعد أن خسر المنتفضون معركتهم، حوكم السّلطان ظفر بتهمة الخيانة العظمى ثم نفاه الانجليز إلى بورما أو ما تُسمّى اليوم بميانمار.


    وقد توفّي السّلطان هناك وحيدا وبعيدا عن المدينة التي أحبّها عن عمر ناهز السابعة والثمانين. لكنْ بقيت أشعاره التي كان يكتبها باسم مستعار هو "ظفر" الذي يعني "انتصار". وكان معاصرا لعدد من شعراء الهند الكبار مثل ميرزا غالب ومؤمن خان وغيرهما.
    كانت إمبراطورية المغول العظيمة قد فقدت معظم أراضيها ونفوذها في نهاية عام 1700. ومثل سلاطين المغول الآخرين، يقال أن ظفر متحدّر من نسل حكّام المغول الكبار من أمثال جنكيز خان وتيمورلنك.
    وعندما أتى إلى العرش عام 1737، كانت سلطته لا تتعدّى حدود دلهي وضواحيها. لكن بالنسبة لرعيّته فقد ظلّ دائما هو "البادشاه" أو الملك.
    أثناء الانتفاضة، اتُّهِم الطرفان بارتكاب عمليات قتل بلا تمييز، وقام الثوّار بقتل نساء وأطفال من الانجليز، بينما نفّذ الانجليز عمليات إعدام جماعية لآلاف الثوّار مع أنصارهم.
    وقد انتهت الانتفاضة رسميّا في يوليو من عام 1858. وفي نفس تلك السنة، تمّ إلغاء شركة الهند الشرقية وأصبحت الهند تُدار مباشرةً من قبل الحكومة البريطانية.
    عندما توفّي ظفر، عمد الانجليز إلى دفنه في قبر مجهول لكي يبعدوا عنه أتباعه. وقد استغرق وصول خبر وفاته إلى الهند أسبوعين، ومرّ الخبر دون أن يلاحظه احد تقريبا. ولأكثر من قرن كامل، تلاشت صورة هذا الرجل من الذاكرة تماما.
    لكن في العقود الأخيرة، تجدّد الاهتمام به وبإرثه. وبحسب المؤرّخ الانجليزيّ وليام دالريمبل مؤلّف كتاب "المغوليّ الأخير"، كان ظفر خطّاطا وشاعرا بارزا ومعلّما روحانيّا، وكان يقدّر عاليا قيمة التعايش بين أتباع الأديان المختلفة.
    ورغم انه لم يكن زعيما ثوريّا أو "بطلا" بالمعنى التقليديّ، إلا انه ظلّ رمزا جذّابا للحضارة الإسلامية في ذروة تسامحها وانفتاحها. والبعض يعزو انفتاحه وتسامحه إلى حقيقة أن والده كان مسلما، بينما كانت أمّه أميرة هندوسية من ولاية راجبوت.
    ضريح السّلطان ظفر الكائن في شارع هادئ في رانغون هو تذكير صامت ومزعج بنفس الوقت بواحدة من أكثر الفترات اضطرابا في تاريخ الهند. والضريح متواضع البناء، والطابق الأرضيّ منه يُؤوي رفات زوجته "زينات محلّ" وابنته الكبرى "رونق زماني". وقد أصبح الضريح مزارا لسكّان رانغون من المسلمين الذين يعتبرون ظفر من الأولياء ويأتون إلى قبره للتأمّل والصلاة.
    والناس اليوم يتذكّرون السّلطان بسبب كتاباته الشعرية. وكثيرا ما تُحوّل غزليّاته عن الحبّ والحياة إلى أغانٍ، أو تُتلى على الملأ في المناسبات الاجتماعية والأدبية.
    ربّما يكون السلطان بهادور شاه ظفر قد فقد حكمه وحكم عائلته. لكنه نجح في كسب عقول وقلوب الكثيرين بتسامحه الذي ما يزال ذا صلة بعالم اليوم الذي يعاني من شرور القوميات والأصوليات المتطرّفة.

    Credits
    ancient-origins.net

    Thursday, January 25, 2018

    باغانيني: لا كامبانيللا


    ما أن تُذكر آلة الكمان حتى يأتي إلى الذهن اسم الايطاليّ نيكولو باغانيني (1782-1840) الذي يعتبره الكثيرون أشهر عازف كمان في تاريخ الموسيقى.
    ترك باغانيني بصمته كأحد أعمدة موسيقى الكمان في العالم. لكن ما لا يعرفه الكثيرون أنه كان أيضا مؤلّفا موسيقيّا موهوبا وعازفا بارعا على آلة وترية أخرى هي الغيتار.
    عندما زار باغانيني ألمانيا، كانت شهرته كمؤلّف موسيقيّ وعازف لامع على الكمان قد سبقته إلى هناك. وقد التقى في زيارته تلك شوبيرت، ثم عزف في منزل الشاعر والفيلسوف غوته في فيمار ببرلين. وامتدح الأخير عزفه على الكمان بقوله: لقد سمعت شيئا أشبه ما يكون بلمعان الشهب". كما التقى هناك فرانز ليست الذي وصفه "بالمعجزة".
    ألّف باغانيني العديد من المقطوعات المعروفة. لكن أشهرها هو كونشيرتو الكمان رقم اثنين، وخاصّة الحركة الثالثة منه المسمّاة لا كامبانيللا والتي أصبحت عنصر إلهام للكثير من الموسيقيين حول العالم.
    ولا كامبانيللا معناها بالايطالية "الجرس الصغير"، نسبةً إلى التأثيرات التي تشبه الجرس والتي تُسمع في أجزاء العزف المنفرد وفي الاوركسترا. وقد اقتبس المؤلّف هذه الموسيقى ذات النكهة الغجرية من أغنية شعبية ايطالية بنفس الاسم.
    كتب باغانيني هذا الكونشيرتو عام 1826، وعزفه لأوّل مرّة في نفس ذلك العام في ميلانو وكان هو نفسه عازف الكمان.
    لا كامبانيللا هي من نوع الروندو، وعزْفُها يعتمد على براعة العازف في استخدام أصابع يديه. كما أن الوقفات المتعدّدة في هذه الموسيقى كانت مثارا لاستمتاع وإعجاب الجمهور، لدرجة أن باغانيني كان غالبا يؤدّيها كقطعة منفردة ومنفصلة عن بقيّة الكونشيرتو.
    الحرفية والمهارة اللتان أظهرهما باغانيني في أداء هذه القطعة أثارت إعجاب العديد من الموسيقيين مثل روسيني وشوبان وروبرت شومان وغيرهم.
    كما كان ليست أيضا معجبا بها كثيرا، وهذا هو السبب في انه أعاد تكييفها مع تأثيراتها الجرسية كي يوظّفها في احد كونشيرتوهاته للبيانو.
    في هذه الأيّام، أصبحت لا كامبانيللا قطعة مشهورة جدّا. وكثيرا ما تُعزف في حفلات الموسيقى الكلاسيكية، بل وأصبحت تُؤدَّى بآلات غير الكمان مثل الغيتار والساكسفون والفلوت وغيرها.
    إن كانت هذه الموسيقى قد راقت لك، فالأرجح انك ستحبّ بعض مؤلّفات باغانيني الأخرى مثل هذه المقطوعة أوهذه أوهذه ..

    Tuesday, January 23, 2018

    بروست والرَّسم

    تتألّف رواية "البحث عن الزمن الضائع" لمارسيل بروست من سبعة مجلّدات وثلاثة آلاف صفحة. وطول الرواية هو احد الأسباب التي تجعل الكثيرين يتردّدون في قراءتها. لكنّ النقّاد يحتفون بها كثيرا لشغفها بكلّ شيء تقريبا، من المعمار والبصريات إلى الموسيقى الكلاسيكية والموضة والطبخ الفرنسيّ.
    وهناك من يصف الرواية بأنها احد أكثر الأعمال البصرية ثراءً وعمقا في الأدب الغربيّ بسبب العدد الكبير من اللوحات الفنّية التي يتحدّث عنها المؤلّف في نسيج الرواية. وبروست نفسه قال ذات مرّة للناقد جان كوكتو: كتابي هو عبارة عن رسم".
    كان بروست يحبّ الرسم الكلاسيكيّ والحديث، وكان منجذبا إلى الانطباعية والتكعيبية على وجه الخصوص. وقبل أن يكتب روايته، كان يحمل في رأسه متحفا كاملا من اللوحات. إذ كان قد رأى اللوفر كثيرا وقرأ العديد من كتب الفنّ. وقد استدعى هذه الأعمال الفنّية إلى عقله وقام بإعادة استنساخها كي يملأ بها الممرّات الطويلة والمتعرّجة لروايته.
    وإذا كنت لم تقرأ بعد رواية بروست وتنوي قراءتها الآن، فإن كتاب ايريك كاربيلز بعنوان "الرسم في رواية بروست" يصلح لأن تتّخذه رفيقا لك أثناء القراءة. وفكرة الكتاب بسيطة، ومن المدهش أن أحدا لم يفكّر بها من قبل. فالمؤلّف يستعرض عشرات اللوحات التي أشار إليها بروست في روايته ويضمّن الكتاب نسخا فاخرة من كلّ لوحة ويورد إلى جوارها المقطع أو الفقرة التي ذكرها بروست فيها في سياق روايته.
    كان بروست يتردّد على متاحف باريس باستمرار. وقد تشكّل إحساسه بالفنّ من خلال زياراته تلك، بالإضافة إلى رحلاته الأخرى، سواءً كانت حقيقية أو متخيّلة، إلى متاحف فلورنسا ولندن وفينيسيا.
    وهو يشير إلى اللوحات في الرواية لأنه يحبّها، وقد وظّفها لتوضيح أوصافه ولاستثارة أنواع شتّى من الأمزجة والانفعالات في ذهن القارئ. ومن بين تلك اللوحات سلسلة سوسن الماء لمونيه، و الحرس الليليّ لرمبراندت، و صلاة نهاية اليوم لجان فرانسوا ميلليه، و مولد فينوس لبوتيتشيللي، و الربيع لنيكولا بوسان، و خلق الكواكب لميكيل انجيلو، و الفيلسوف المتأمّل لرمبراندت، و بورتريه شابّ مع كتاب لبرونزينو، وبورتريه امرأة لبيير أوغست كوت، وامرأة تمسك بميزان لفيرمير، بالإضافة إلى لوحات لويسلر وروبنز وشاردان وجيوتو وفان دايك وفاتو وغوستاف مورو وغيرهم.
    وكلّ لوحة تفتح نافذة على خيال بروست، ولكنها أيضا تثري النصّ بعناصر بصرية وتوفّر للقارئ فضاءً للتأمّل الخاصّ. والإشارة إلى لوحة ما تُظهر الراوي وهو ينظر إلى الحياة من خلال عيون أشخاص آخرين فيدرك أن هناك عوالم خاصّة كثيرة داخل هذا العالم الذي نشترك فيه مع آخرين.
    كاربيلز نفسه هو أيضا فنّان وصاحب نثر رائع. وأنت من خلال قراءة كتابه ستزور اللوفر وغيره من المتاحف عديدا من المرّات. وقد واتته فكرة الكتاب من رغبته في رؤية هذه اللوحات مجتمعةً في مكان واحد. لذا سترى اللوحات التي كان بروست يحبّها وستفهم لماذا كان شغوفا بها. كما أن الكتاب يساعدك على رؤية المشاهد التي يصفها وتلمُّس أهميّة الرسم في روايته.
    وبروست يتحوّل من لوحة إلى أخرى بما يتناسب مع هذا السياق أو ذاك. هو مثلا يرى امرأة تقف أمام لوحة لرسّام عصر النهضة الايطاليّ جيوتو، ثم يقارنها بامرأة يعرفها. ثم يتحدّث عن لوحة فيرمير منظر لديلفت فيقارنها بحياته هو ويشبّهها بقصيدة تثير أحاسيس مركّبة، فيها انجذاب إلى العالم المحسوس وفي نفس الوقت رفض له. وفي مكان آخر يتحدّث عن سماوات باريس التي تذكّره بأجواء لوحات مونتينا وفيرونيزي.
    يقول بروست إن ما يميّز الكتاب الجيّد هو المتعة التي نحصل عليها عندما نعيده إلى الرفّ والحكمة التي نكتسبها في اللحظة التي يغادرنا فيها المؤلّف.
    وإذا لم تكن تحبّ الفنّ والرسم، فلن تحبّ بروست، لأن الفنّ في كلّ مكان في كتاباته. والطريقة التي يرى بها العالم الذي رسمه في كتابه توسّع المجال البصريّ للقارئ وتغذّي مخيّلته.
    وإن كنت ممّن لهم شغف بالأدب وبتاريخ الفنّ، فإن كتاب كاربيلز يناسبك، وربّما تحتاج لأن تكون قد قرأت ولو صفحات من رواية بروست كي تقدّر هذا الكتاب الجميل.
    أما إن كنت قد قرأت الرواية كاملة، فإن تقليب صفحات هذا الكتاب سيمتّعك وينعش حواسّك، لأنه يشبه مطالعة ألبوم صُوَر عن جمال منسيّ.

    Credits
    paintingsinproust.com

    Friday, January 19, 2018

    موت صغير


    "موت صغير" رواية محكمة، وكاتبها محمّد حسن علوان يبدو متمكّنا وملمّاً بأدوات الكتابة الروائية. وبدون تحيّز أو مبالغة، أقول إنها أفضل رواية سعودية قرأتها حتى الآن. ولم يكن مستغربا أن تفوز، وبجدارة، بالجائزة العالمية للرواية العربية.
    ومن الواضح أن الكاتب جَهِد كثيرا في جمع المعلومات الضرورية عن شخصيّات وأحداث الرواية وقرأ كثيرا في التاريخ والجغرافيا والسياسة وفي تاريخ التصوّف خاصّة.
    وكلّ هذه المعارف وغيرها ساعدته ولا شكّ في تشييد بنيان روايته، ثم أضاف إليها الكثير من مخيّلته الثرّة والمبدعة. وقد فعل كلّ ذلك بإتقان يشي بموهبته وقدرته الممتازة على أن يكتب سردا متماسكا وممتعا، مع أحداث وشخصيات كثيرة تنمو وتتطوّر بوتيرة سلسة ومقنعة.
    ويُحمد للكاتب انه على الرغم من هذا الكمّ الكبير من المعلومات التاريخية التي وظّفها في الرواية، إلا انه حرص على ألا يطغى التاريخ على السرد ولم ينسَ انه يكتب رواية في المقام الأوّل.
    عنوان الرواية مستمدّ من عبارة مشهورة لبطلها الشيخ محيي الدين ابن عربيّ يصف فيها الحبّ بأنه موت صغير. والأحداث تأتي على لسان ابن عربيّ نفسه. والرواية تتضمّن العديد من المواقف والقصص التي أجاد الكاتب في تصويرها والتعبير عنها.
    ومن بين أقوى أجزاء هذا الكتاب الحوار الذي يدور بين أتباع الشيخ أبي مدين مع الخليفة يعقوب بن إسحاق، وكذلك حوار هذا الخليفة مع الفيلسوف ابن رشد الذي يوبّخ يعقوب على سجنه إيّاه وتحريض الغوغاء عليه ومن ثم تكفيره وإحراق كتبه.
    ابن رشد يصل إلى مرّاكش بعد أسبوعين من العفو عنه. وعندما يدخل مجلس الخليفة يسأله عن صحّته، ويومئ ابن رشد برأسه ثم يقول: الحمد لله على كل حال".
    ثم يقوده الخليفة بنفسه ليُجلسه إلى جواره ويبادره بالقول: يا أبا الوليد، لقد عفونا عنك وأعدناك إلى مجلسنا. عفا الله عمّا سلف". فيصمت ابن رشد قليلا ثم يقول: إن تعفُ عنّي في الدنيا، فلا أعفو عنك في الآخرة. سيحكم الله بيننا يوم القيامة يا يعقوب".
    ثم يولّي ابن رشد ظهره للخليفة ويمشي بخطوات بطيئة جهة الباب، والخليفة مبهوت لا يعرف كيف يتصرّف، وبعض مَن هم حوله يهمهمون وكأنهم ينوبون عن الخليفة في إبداء الاستياء.
    بعد ذلك اللقاء بأسابيع، تصعد روح ابن رشد إلى بارئها ويقع نبأ وفاته على الخليفة كالصاعقة، فتضيق به الأرض ويقرّر أن يذهب إلى قصره في مدينة سلا ليسلّي نفسه قريبا من البحر".
    وأنا أهمّ بقراءة هذه الرواية، كنت أظنّ أنها ستركّز على تأمّلات وأفكار ابن عربيّ في الدين والحياة وستغيب عنها قصص الحبّ والنساء بحكم أن بطلها رجل دين، وبالتالي ستخلو الرواية من عناصر الإثارة والتشويق اللازمة لنجاح أيّ عمل روائيّ.
    لكن مع القراءة سيتبيّن لك انه حتى أهل الله من المتصوّفة والزهّاد يجري عليهم ما يجري على بقيّة الناس من حالات العشق والشغف الحسّيّ بالحياة، دون أن يكون في ذلك ما يخدش مروءتهم أو يحرفهم عن النهج السويّ والسلوك القويم.
    ومن القصص البديعة التي تندرج ضمن هذا الباب والتي أبدع الكاتب في تصوير تفاصيلها المدهشة والغريبة قصّة ما حدث في مكّة ثم في بغداد بين الشيخ ابن عربيّ والفتاة الفارسية نظام ابنة الشيخ زاهر الأصفهانيّ.
    وأنا اقرأ "موت صغير"، لا أدري لماذا تذكّرت رواية "عزازيل" ليوسف زيدان. ثمّة نقاط شبه بين العملين، فكلاهما يتضمّن عنصر مخطوطات وقصص تصوّف وعشق، لكنّي ازعم أن هذه الرواية أكثر إمتاعا وإحكاما وتشويقا من "عزازيل".
    عندما تنتهي من قراءة الرواية، ستكون قد عرفت محيي الدين ابن عربيّ كما لم تعرفه من قبل. ستعرف مثلا انه عانى كثيرا في حياته من تقلّبات السياسة والصراعات بين أهل المذاهب والفرق المختلفة، فهاجر من بلد إلى بلد وجرّب العيش في المنافي أكثر من مرّة ودخل السجن وتعرّض للكثير من العنَت والمشقّة بسبب أفكاره المتفتّحة والجريئة.
    "موت صغير" تتضمّن العديد من النقاشات العميقة والحوارات المثيرة للتأمّل، من قبيل الحوار الذي يدور بين ابن عربيّ ومريده سودكين بالقرب من نهاية الرواية. إذ يولد للأخير ولد فيأخذه إلى دارة ابن عربيّ كي يدعو له. والحوار يجري على هذا النحو:
  • ادعُ الله للولد أن يجعله من أهل طريقنا يا سيّدنا.
    - لا يا سودكين، الطريق إلى الحقيقة تتعدّد بتعدّد السالكين.
  • ادعُ الله أن يجعله من أهل السماء يا سيّدنا.
    - لا يا سودكين، إنما أنشأه الله على هذه الأرض فلا يعلو عيها. إنها أمّنا".
  • فادعُ الله أن يريه الحق حقّا ويصرف عنه الشبهات.
    - لا يا سودكين، الكون كلّه شبهة، فأنت لا تعرف منه إلا أنت.
  • إذن ادعُ الله أن يرزقه العلم.
    - لا يا سودكين، العلم يطرد الجهل لكنه لا يجلب السعادة.
  • حسنا، ادعُ الله له بما تشاء يا سيّدنا.
    - أسأل الله أن يجعل قلبه مثل مكّة يُجبى إليها من ثمرات كلّ شيء.
  • آمين، لا حرمنا الله من دعائك الجميل يا سيّدنا.