:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة للمؤلف علي هادي اليامي ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Wednesday, June 20, 2018

رسالة الزعيم


كان "سياتل" احد أشهر زعماء الهنود الحُمر في أمريكا في القرن التاسع عشر. وكانت له مكانته الرفيعة بين أفراد قبيلته المسمّاة "سوكواميش". كان معاصروه يلقّبونه بـ "الرجل الكبير" لشجاعته وحكمته. وقد أُسميت مدينة سياتل في ولاية واشنطن على اسمه.
وكثيرا ما يقترن اسم هذا الزعيم برسالة مشهورة بعثها عام 1854 إلى الرئيس الأمريكيّ وقتها فرانكلين بيرس بعد أن طلب منه الأخير أن يبيع بعض أراضي قومه إلى المستعمرين الأوربّيين الجدد.
وقد ردّ الزعيم سياتل على ذلك الطلب بهذه الرسالة التي أصبحت مشهورة جدّا، وفيها يدعو بيرس إلى احترام حقوق شعبه من السكّان الأصليين وإلى الحفاظ على البيئة الطبيعية والحياة الفطرية في مناطقهم.

"استلمنا خطابكم الذي تُبدون فيه رغبتكم بشراء بعض أراضينا. لكن كيف يمكنك أن تبيع أو تشتري السماء أو الأرض؟!
إن فكرتكم تبدو لنا غريبة. فإذا لم تكن تملك الهواء أو الماء، فكيف بإمكانك أن تشتريهما؟ إن كلّ ذرّة من هذه الأرض مقدّسة بالنسبة لشعبي. كلّ شجرة صنوبر، وكلّ شاطئ رمليّ، وكلّ قطرة ندى في غابة، وكلّ مرج، وكلّ طائر وحشرة لها قدسيّتها في حياة وذاكرة شعبي.
إننا نعرف نسَغ الحياة الذي يسري في أديم كلّ شجرة في أرضنا كما نعرف الدم الذي يجري في عروقنا. ونحن جزء من هذه الأرض وهي جزء منّا. إن الأزهار والدببة والغزلان والنسور العظيمة، هذه كلّها بمثابة إخوة لنا. وقمم الجبال والندى في المروج والجياد البرّية والإنسان، كلّها تنتمي إلى نفس العائلة.
إن الماء الذي يجري في الجداول والأنهار ليس ماءً فقط، بل هو دماء أسلافنا الأوّلين. فإذا تعيّن علينا أن نبيعكم بعض أرضنا فيجب أن تتذكّروا أنها مقدّسة، وأن خرير مياه أنهارنا هو صدى لأصوات أسلافنا الأقدمين، وأن كلّ قطرة ماء صافية في بحيرة أو نهر أو جدول تتضمّن حدثا أو ذكرى في حياة شعبي.
إن الأنهار جزء لا يتجزّأ منّا وهي لنا بمثابة الأمّ الرءوم، فهي تروي عطشنا وتحمل قواربنا وتُطعم أطفالنا. لذا يجب أن تمنحوها الحبّ الذي تمنحونه لأيّ أخ أو قريب.
وإذا توجّب علينا أن نبيعكم بعض أرضنا فتذكّروا أيضا أن الهواء ثمين جدّا بالنسبة لنا، وأن روحه كامنة في جميع أشكال الحياة التي يدعمها.
إن الرياح هي التي منحت جدّنا الأكبر نفخة الحياة الأولى، وهي أيضا التي استقبلت أنفاسه الأخيرة، وهي التي تمنح أطفالنا روح الحياة. لذا إذا بعناكم بعض أرضنا، فيجب أن تحافظوا على قدسيّتها كمكان يمكن للإنسان أن يذهب إليه كي يتنفّس عبير الرياح المعطّرة بأزهار المروج.
هل ستعلّمون أطفالكم ما علّمناه نحن لأطفالنا؟ أن الأرض أمّنا وأن ما يحلّ بها يحلّ بكافّة أبنائها؟
إننا نعرف أن الأرض لا تنتمي إلى الإنسان، بل الإنسان هو الذي ينتمي إلى الأرض، وأن جميع الأشياء مرتبطة ببعضها كالدم الذي يوحّدنا جميعا، وأن الإنسان لم ينسج بنفسه خيوط شبكة الحياة، بل هو فقط خيط منها. وأيّا كان ما يفعله بهذه الشبكة، فإنه يفعله بنفسه.
إننا نعلم أن إلهنا هو نفس إلهكم وأن الأرض ثمينة وعزيزة عليه، وإلحاق أيّ أذى بها هو احتقار لخالقها.
إن قدَركم غامض بالنسبة لنا. فما الذي سيحدث عندما تُذبح جميع الجواميس وتُروَّض أو تُصطاد جميع الجياد البرّية؟
وما الذي سيحدث عندما تختلط الأطراف الخفيّة في الغابات بروائح بشر كثيرين، وعندما تحاط التلال اليانعة بالأسلاك الشائكة؟ ما الذي سيحلّ بالأدغال وأين ستذهب النسور؟ ستختفي! وستكون تلك نهاية الحياة والأحياء.
عندما يختفي آخر هنديّ احمر من على هذه الأرض وتصبح ذكراه الوحيدة هي ظلّ غيمة تتهادى فوق البراري، هل ستبقى هذه الشطآن والغابات هنا؟ وأيّ اثر سيبقى من أرواح شعبي؟
إننا نحبّ هذه الأرض كما يحبّ الطفل الرضيع ثدي أمّه. لذا إن اضطُررنا لأن نبيعكم بعض أرضنا فنرجو أن تحبّوها كما أحببناها، وأن تهتمّوا بها كما اهتممنا بها، وأن تحفظوا في عقولكم ذكرى هذه الأرض وتحافظوا عليها كما استلمتموها.
حافظوا عليها من اجل جميع الأطفال وأحبّوها كما يحبّنا الله".

Credits
patheos.com

Tuesday, June 12, 2018

الحديقة اليابانية

في عام 1883، انتقل الرسّام كلود مونيه إلى بلدة جيفرني في الريفييرا الفرنسية، واشترى هناك بيتا. ثم ألحق بالبيت أرضا قريبة وحوّل إليها ساقية ماء متفرّعة عن نهر في الجوار.
وشيئا فشيئا، تحوّلت الحديقة إلى مصدر إلهام له، فرسم سلسلة من اثنتي عشرة لوحة تضمّنت جميعها مناظر للجسر والبركة اليابانيتين وأزهار سوسن الماء وغيرها.
وسجّل مونيه في تلك اللوحات تأثيرات الضوء والظلّ واللون، على عادة الانطباعيين. وكتب بعض النقّاد وقتها أن مونيه نقل في لوحاته تلك انطباعا عن منطقة تأمّلية وحالمة تذكّر بأشعار ستيفان مالارميه وغيره من شعراء الأدب الرمزيّ.
كان مونيه دائما مفتونا بانعكاسات الغيوم التي تظهر على الماء كالمرايا السائلة. والجوّ الشرقيّ للحديقة واضح من نوعية النباتات التي اختارها، كالبامبو والسنديان وغيرهما.
كان فخورا بالحديقة، يستقبل فيها الزوّار ويقضي فيها ساعات للتأمّل. واليوم أصبحت مقصدا للزوّار من محبّي الفنّ والنباتات.
وفي الحقيقة كان مونيه يمتلك حديقتين متلاصقتين، وكلاهما تضمّان عناصر يابانية. ولكن إحداهما، أي الحديقة المائية التي تتضمّن جسرا يابانيّا وبركة ماء وأزهار سوسن، هي المشهورة وهي التي تظهر في لوحاته.
وقد قام اليابانيّون باستنساخ نسخة مكبّرة من حديقة مونيه واختاروا لها مكانا في قرية كيتاغاوا المليئة بالطبيعة والواقعة في إقليم كوشي، وأسموها حديقة مونيه. وهي المكان الوحيد الذي سُمح له باستخدام اسم الرسّام. وقد ضمّنوا الحديقة نسخا صغيرة من لوحات الرسّام، وأشهرها سلسلة سوسن الماء.
كان مونيه شغوفا بالحدائق والرسوم اليابانية. ولطالما عبّر عن إعجابه بطريقة بناء اليابانيين للجسور فوق برك الماء، ثم طبّق هذا الأسلوب في حديقته.
لكن لماذا أصبحت الحدائق اليابانية مشهورة ومفضّلة في العديد من أنحاء العالم؟
أوّلا لا بدّ من الإشارة إلى أن اليابانيين جلبوا فنّ تصميم الحدائق من الصين بعد أن أصبحت تقاليد الصينيين في تخطيط الحدائق مشهورة على نطاق واسع. وأوّل حديقة أُنشئت في اليابان كانت في جزيرة هونشو في وسط البلاد. وكانت تحمل سمات ومعالم تلك الجزيرة، كالأنهار الجبلية والوديان الضيّقة والشلالات والبحيرات والحجارة الصغيرة، بالإضافة إلى الكثير من أنواع الأزهار والأشجار.
وكما هو متوقّع، تأثّرت الحدائق اليابانية بالفلسفات الصينية المنشأ كالطاوية والبوذية اللتين وصلتا إلى اليابان قبل حوالي ثلاثة آلاف عام.
وفنّ تصميم الحدائق على الطريقة اليابانية له جماليّاته الخاصّة وأفكاره الفلسفية، ومن أهمّها التأكيد على جمال الطبيعة وتجنّب الإفراط في الزينة.
كان من عادة اليابانيين منذ القدم أن يضعوا في حدائقهم أشجارا قديمة ونباتات مهترئة أحيانا، للإيحاء بالطبيعة القديمة والنائية وللتعبير عن هشاشة الوجود ومرور الزمن وتعذّر إيقافه.


وأهميّة الحدائق بالنسبة لليابانيين تأتي من معتقدات دينية وكذلك من احترامهم العميق للطبيعة. وهذا الاحترام يعكسه تصميم الحديقة التي يُفترض أن تبدو نسخة عن العالم خارجها، وإن على نطاق ضيّق. أي أن الحديقة يجب أن تكون صورة مصغّرة للطبيعة التي وراءها. ويمكن القول أن أيّ شيء موجود في الطبيعة يمكن استنساخه في الحديقة مع قدر من التغيير والتعديل.
ولا يمكن إغفال الجانب الرمزيّ في تخطيط الحديقة، فمثلا الحجارة الضخمة ترمز للجبال، والبرك ترمز للبحيرات .. وهكذا.
وتصميم الحديقة اليابانية أصبح أشبه ما يكون بالأيقونة. وهناك قواعد خاصّة يجب على المصمّم مراعاتها، وبدونها ستبدو الطبيعة فيها خالية من الأهمية ولا توحي بالهدوء والرهبة.
وكلّ عنصر في الحديقة له غرض ومعنى. الماء، مثلا، عنصر مهمّ جدّا في الحديقة اليابانية، فهو تعبير عن الطبيعة ورمز للتجدّد والنماء والهدوء. والبرك والشلالات الصغيرة تُعطى أولوية في التصميم، لأنها تحافظ على نقاء الهواء خاصّة في فصل الصيف. وهناك أسطورة يابانية قديمة تشبّه التلّ بالإمبراطور والماء برجال الحاشية والحجارة بالعسكر الذين يمنعون الحاشية، أي الماء، من التدخّل أكثر ممّا ينبغي في حياة الإمبراطور.
هناك أيضا الحجارة، وهذه لها أهميّتها في الفلسفات الشرقية عموما. فهي رمز للحضور المتعدّد لقوى الطبيعة. فهي تثبّت الحديقة في الأرض وتمنحها شخصيّتها الخاصّة. وعادة ما توضع الحجارة في الحديقة وفق نظام صارم وطبقا لأشكالها ومقاساتها. وهي توضع حسب توافقها في الشكل أو تباينها. والحجارة تخلق إحساسا بالارتياح، كما أنها تحدّد شكل التلال والشلالات والجداول والبرك في الحديقة.
ونوعية الحجر المستخدم هي احد العناصر المهمّة في تصميم الحدائق اليابانية. وبعض اليابانيين يستخدمون حجارة نادرة، والبعض الآخر يكتفون بالحجارة العاديّة.
وهناك أيضا المصابيح. فمع ظهور تقاليد الشاي في الثقافة اليابانية، أصبحت المصابيح عنصرا مهمّا في تخطيط الحديقة اليابانية. والغرض الأساسيّ منها هو إنارة طريق الزوّار أثناء المناسبات الليلية. كما أن المصباح في التقاليد اليابانية رمز لنور المعرفة الذي يبدّد غيوم الجهل. ووضع مصباح بالقرب من الماء يوفّر عنصر تباين معماريّا مع العناصر الطبيعية الأخرى للحديقة.
وهناك أيضا عنصر آخر مهمّ يتمثّل في الجسور. فالجسر يمكن أن يجلس عليه الأشخاص ليتأمّلوا جمال الطبيعة المحيطة ويستمتعوا بعذوبة النسيم. والجسر قد يكون مصنوعا من الخشب أو البامبو أو الحجارة. وأيّا كان شكله، فإنه يضفي على طبيعة الحديقة نوعا من التناغم والانسجام.
وهناك أيضا النباتات. واليابانيون معروفون من قديم بقدرتهم الطبيعية على ترجمة سحر الأزهار والنباتات بحيث تعبّر عن أفراحهم وأحزانهم. واهتمامهم بعالم النبات يكاد يكون نوعا من الشغف الحقيقيّ.
والنباتات تقليديا ترتبط بالأفكار المتغيّرة والأشكال العامّة للحياة. ومن النباتات التي يهوى اليابانيون رؤيتها في حدائقهم ثمرة الغبيراء، وهي كتلة من الأزهار البيضاء التي ترمز في تلك البلاد إلى الشباب.
وهناك أيضا الصنوبر الذي يضفي حميمية إلى الحديقة ويوفّر للزوّار جوّا هادئا يصرفهم عن صخب الخارج. وهناك أيضا اللوتس، وهو أزهار مقدّسة ويسمّيها اليابانيون زهرة بوذا. وهذه الزهرة عندما ترتاح فوق سطح الماء فإنها توفّر طقسا مثاليّا للتأمّل، وهي معروفة بظلالها البيضاء والوردية.
الحديث عن الحدائق اليابانية لا يمكن أن يغطّيه موضوع واحد. وربّما يكون لنا عودة أخرى للحديث عنها بشكل أكثر استفاضة. لكن يمكن القول في الختام أن تصميم الحدائق اليابانية ينطوي على الكثير من الفنّ والفلسفة. وتصميم حديقة يابانية ليس أمرا ثابتا كما انه لا ينتهي أبدا. والسبب ببساطة هو أن الحدائق تتغيّر باستمرار مثلما تتغيّر الطبيعة نفسها.

Credits
edenproject.com

Friday, June 01, 2018

رسّام أضواء الشمال


عاش الرسّام النرويجيّ بيدر بالكا في القرن التاسع عشر وجسّد في لوحاته البعد الرمزيّ للحركة الرومانسية، مع مسحة تعبيرية لم ينافسه فيها أيّ من معاصريه من الرسّامين.
وقد صوّر بأسلوبه الخاصّ الجمال الفطريّ لبلده النرويج في لوحات دراماتيكية ترفض الفنّ الفيكتوريّ لصالح تبسيط الشكل واللون.
كان بالكا قد نُسي تماما بعد وفاته. لكن في السنوات الأخيرة أعيد اكتشافه من قبل خبراء الفنّ وجامعي الأعمال الفنّية.
كان هذا الرسّام شخصا مغامرا وأحد الفنّانين القلائل الذين غامروا بالذهاب إلى الدائرة القطبية. وقد رأى وهو شابّ الجدار الصخريّ الضخم المسمّى بالقطب الشماليّ ورسم طوال حياته المشاهد المتجمّدة في الأطراف القصيّة من النرويج.
خيال بالكا مليء بالثلج ومتجمّد في تأمّل شيء ما عند أطراف التجربة الإنسانية. والبشر نادرا ما يظهرون في صوره. فقط السفن المحطّمة والبلدات الثلجية التي ترمز لحياة الإنسان.
كان يرى في شمس منتصف الليل حاجزا صامتا وحَدّاً أخيرا للمعرفة والاستكشاف، وخلف ذلك الحدّ لا يوجد شيء. وعندما كان يقف محدّقا في الثلج، كان يشعر وكأنه واقف أمام نهاية العالم. السماء فوق الصخور خاوية بشكل مخيف، والبحر يمتدّ في فراغ لا إنسانيّ.
والرسّام يترجم أحاسيسه إلى صور موحشة تتضمّن بضعة عناصر متكرّرة: الجبال والشواطئ والسماء والبحر.
في ما بعد، عندما أصبحت ذكرى تلك المشاهد بعيدة عن ذهنه، أصبح من السهل عليه استدعاؤها وعكسها في صوره بطريقة أكثر تجريدا. فهو يرسم الجبال الثلجية الشاهقة والمنحدرة وكأنها معلقة فوق الشطآن التي تحتها، ويرسم الشمس ككرة من نار في سماء صفراء.
ومثل هذه الرؤى المزعجة تشبه تلك التي رسمها سلفه الألمانيّ كاسبار فريدريش، الرومانسيّ الذي رسم هو أيضا الطبيعة باردةً ومخيفة. وبالنسبة لهذين الرسّامين، فإن الطبيعة هي رمز سيكولوجيّ. وتماهي بالكا مع المناظر المتطرّفة يوصل شعورا بعزلة لا نهاية لها. ولهذا السبب، ربّما، لم تبع لوحاته المقفرة جيّدا عندما كان حيّا.


وعندما مات بالكا في نهاية القرن قبل الماضي، كان الشابّ إدفارد مونك قد بدأ يرسم لوحاته التعبيرية عن سماوات وبحار النرويج غير الحقيقية. وفي الحقيقة كان مونك يكمل الرحلة التي كان قد بدأها بالكا إلى القطب الشماليّ والتي تشبه رحلة داخلية إلى نهايات الليل.
عاش بالكا في زمن كانت الثورات فيه تلوح في الأفق والمشاعر القومية في ازدياد وعصر الاستكشاف في ذروته. وقد أنتجت تلك البيئة المضطربة ما عُرف بفنّ التسامي، أي الخوف من قوى الطبيعة الذي يقود الإنسان إلى نسيان نفسه كليّا أمام سطوة الطبيعة وجبروتها.
كان بالكا تلميذا ليوهان دال. ومثل الفنّانين الآخرين، تبع التلميذ خطى معلّمه وأصبحت لوحاته صدى للوحات أستاذه، حيث مناظر الأشجار الداكنة والسفن المحطّمة في طبيعة ثلجية كئيبة ومتمنّعة.
كانت المناطق القطبية الخطيرة تحتلّ جزءا كبيرا من الرسم الرومانسيّ، وكانت أشبه ما تكون بالمتاهات المظلمة. وأكثرها لم يكن قد اكتُشف بعد، كما كان ارتيادها في القرن التاسع عشر يشبه ارتياد الفضاء في القرن العشرين. وقد جلب ذلك كثيرا من الإثارة والمخاوف.
في ما بعد، أصبحت رسومات بالكا مختلفة، صارت تشبه الألوان المائية الصينية بظلالها الضبابية وجبالها الطافية التي تحلّق كممالكَ في السماء. وحتى بحاره أصبحت مظلمة ومليئة بالدراما والعنف.
ويبدو أن الرسّام لم يجد صوته الخاصّ أبدا. لكن انجازاته تتمثّل في حقيقة انه لم يتوقّف مطلقا عن النظر إلى الأشياء من حوله. لكن المؤسف أن سمعته كفنّان تلاشت بعد موته دون أن يترك أثرا في بلده أو في العالم. واستمرّ هذا الحال حتى السنوات الأولى من القرن العشرين عندما عاود فنّه الظهور على الساحة العالمية.
في هذه الأيّام، يبدو العالم منشغلا كثيرا بمستقبل القطب الشماليّ. وهناك قلق كبير بسبب ذوبان الثلوج في تلك الأماكن. وفي زمن الرسّام لم يكن الناس قد سمعوا بعد بالتسخين الحراريّ، ولم يكن لديهم معلومات دقيقة عن المحيط القطبيّ.
كان بيدر بالكا إنسانا محبّا للطبيعة. ولوحاته كانت جديرة بالثناء، وحياته كانت تستحقّ الإعجاب. وعندما تقرأ مذكّراته التي كتبها قبل رحيله، لن يساورك شكّ أبدا في أنه كان إنسانا عظيما وأن معظم الناس يودّون لو عرفوه لتواضعه وشجاعته وخياله الواسع.

Credits
independent.co.uk

Thursday, May 24, 2018

جيروم والنمر


القصص التي تتحدّث عن الارتباط الوجدانيّ بين الإنسان والذئب كثيرة. وربّما يعود سبب هذا الارتباط إلى حقيقة أن الذئاب جزء من آثار العالم القديم والمندثر عندما كان الإنسان واقعا بالكامل تحت رحمة الطبيعة وعاجزا عن السيطرة على قواها القاهرة.
وغالبا ما تقترن الذئاب بالحياة في الصحاري والجبال التي تذكّر الإنسان بأسلافه الأقدمين وبخلود العالم. ولهذا السبب أصبح هذا الحيوان رمزا لاستمرارية الوجود الإنسانيّ وديمومة الحياة على الأرض.
وفي مقابل وفرة القصص التي تحكي عن العلاقة بين الإنسان والذئب المعروف بقابليّته للاستئناس، لا تتوفّر قصص مشابهة عن حيوان كالنمر، مثلا، لسبب واضح. فالنمر حيوان متوحّش جدّا، وهو الحيوان الوحيد الذي لا يمكن للإنسان أبدا أن يروّضه أو يأمن شرّه.
وحكايات الرحّالة الأوائل الذين لم يروا النمر تُصوّره على انه مخلوق خياليّ لا يختلف كثيرا عن التنّين. وبالنسبة للأوربّيين، ، كان النمر، وحتى القرن الثامن عشر، ما يزال أشبه ما يكون بالأسطورة، إذ لم يكن احد قد رآه عيانا. والصورة الوحيدة المتوفّرة عنه مصدرها كتاب مصوّر عن هيئات الحيوانات يعود تاريخه إلى القرون الوسطى.
والفنّانون الذين رسموا النمر تخيّلوه في هيئة حيوان عنيف وشرس جدّا؛ أكثر شراسةً حتى من الأسد. أما الهنود والكوريون والصينيون فقد عرفوه منذ أقدم الأزمنة. والكوريون يعتبرون النمر حيوانا مقدّسا، وظهوره في مكان ما يُعدّ بشارة خير وعلامة فأل.
الرسّام الاستشراقي الفرنسيّ جان ليون جيروم رسم في عام 1882 لوحة بعنوان أحزان الباشا، استوحاها من قصيدة كان قد قرأها لمواطنه الروائيّ فيكتور هيغو بنفس العنوان.
والقصيدة تتحدّث عن باشا تركيّ كان قد استأنس نمرا واحتفظ به في قصره إلى أن مات "أي النمر". ويصف الكاتب الباشا وهو جالس أمام الحيوان الميّت وقد علت وجهه أمارات الألم والحزن.
كان جيروم نفسه قد طاف ببلاد الشرق وسجّل في العديد من لوحاته بعض المناظر التي رآها في رحلاته الكثيرة إلى مصر وتركيا وغيرهما. وبعض تلك اللوحات تصوّر مشاهد صراع دامٍ حتى الموت بين بشر وحيوانات مفترسة.


في "أحزان الباشا"، نرى الرجل التركيّ جالسا يتأمّل في صمت نمره الميّت المتمدّد على السجّادة التي تناثرت فوقها الورود الحمراء. اللوحة صغيرة نسبيّا، لكنها تعكس حالة غريبة ونادرة من التعاطف بين الإنسان وحيوان يصعب تصوّر أن يتمّ ترويضه أو أن تنشأ بينه وبين البشر علاقة ودّ وألفة.
علماء الحيوان يقولون إن من عادة النمر أن يستبدّ به الغضب عندما يرى أيّ كائن حيّ يتحرّك بالقرب منه. وحتى لو عومل معاملة حسنة فإنه لا يتردّد في تمزيق اليد التي أطعمته. وكلّ مؤرّخي الطبيعة تقريبا مجمعون على هذه السمة العدوانية في سلوك هذا الحيوان.
كما أن النمر معروف بطبيعته الأنانية، فعندما يقتل فريسة فإنه لا يأكلها في نفس المكان، بل يسحبها بسرعة إلى داخل الغابة حيث يمكنه أن يلتهمها هناك بمفرده ودون أن يُشرك معه حيوانا آخر.
لكن النمر في لوحة جيروم مختلف، فهو مصوّر بطريقة رائعة وكأنه خارج لتوّه من حكاية شرقية قديمة. وبعض مؤرّخي الرسم رأوا في اللوحة ما يشبه النبوءة بقرب أفول شمس الإمبراطورية العثمانية.
وأيّا تكن الرسالة، فإن جان ليون جيروم نجح في نيل استحسان النقّاد في زمانه، الذين أشادوا بمقدرته الفائقة في إخفاء أيّ اثر للفرشاة وفي إبراز أدقّ التفاصيل، كنوعية النسيج والفراء الناعم والأزهار وغيرها.
كان من عادة هذا الفنّان أن يختار لصوره أحداثا بعيدة في الزمان والمكان. وكان يفضّل غالبا رسم الأساطير الكلاسيكية والتاريخ القديم وثقافات بلدان الشرق الأوسط والحيوانات الغريبة.
وقبل جيروم بخمسين عاما، رسم الفنّان والشاعر الرومانسيّ الانجليزيّ وليام بليك صورة يظهر فيها نمر جميل وشرس مع بضعة أبيات شعرية متأمّلة تتغنّى "بعينيه ويديه الخالدتين" وبتناسق أعضائه ورعبه القاتل.
ثم يتساءل بليك: هل كان الربّ يبتسم عندما خلق النمر، وهل من خَلَقه هو نفس الربّ الذي خلق الحمل"؟! وبالنسبة لبليك فإن ما يجعل من النمر أعجوبة من أعاجيب الطبيعة ليس جماله، وإنّما شراسته وقوّته.
وأنت تتأمّل هذه اللوحة بألوانها الذهبية والأرجوانية البديعة، سيُخيّل إليك انك أمام مخلوق وديع وحالم. وهذا بالطبع تصوير مبالغ فيه ولا يمتّ إلى الواقع بصلة.
لكن في هذه الأيّام فإن للوحتي جيروم وبليك أهمّيّة ومغزى، خاصّة في ضوء تحذير العلماء من أن النمور يمكن أن تختفي من العالم نهائيا خلال العشر سنوات القادمة بسبب الصيد الجائر والظروف البيئية غير المواتية.

Credits
joslyn.org

Thursday, May 17, 2018

فانتازيا للمتعة


حدثت هذه القصّة منذ زمن طويل، طويل جدّا عندما كان العالم ما يزال في بداياته، صعبا وغير مضياف. كانت المخلوقات تجلس وتنتظر، تعرف أنها ينبغي أن تقتل لكي تعيش. والإنسان، المتفوّق على غيره من المخلوقات بذكائه، كان لا يغامر بالذهاب بعيدا عن مكانه، بل ولا يعرف حتى عن وجود قبائل أخرى بالجوار. كان يهاب التجوال خوفا من المجهول. وكان القانون الذي يحكم الحياة بسيطا: القويّ بظفر بكلّ شيء.
بهذه الكلمات يبدأ فيلم "مليون عام قبل الميلاد"، من إنتاج عام 1966. وبحسب هذا الفيلم، فإن البشر والديناصورات كانت تتعايش مع بعضها البعض على الأرض في عصور ما قبل التاريخ.
في ذلك الوقت، كان البشر واقعين بالكامل تحت سطوة الطبيعة، تتهدّدهم الديناصورات والحيوانات المفترسة التي تجوب الأرض، والبرد والظلام. ولم يكن الإنسان وقتها قد طوّر لغة. وكانت القبائل البشرية آنذاك قليلة ومتناثرة، والوسيلة الممكنة للتواصل والتفاهم كانت من خلال الضحك أو الصراخ أو بعض الإشارات والكلمات البسيطة والقليلة.
والفيلم يحكي عن رجل يقال له توماك من قبيلة بدائية تُدعى "قبيلة الحجارة"، في إشارة إلى أن أفرادها يسكنون الكهوف. وتوماك يعاقَب من قبل قبيلته البدائية بالنفي جزاءً له على قتل والده الذي كان يتمتّع باحترام القبيلة.
ثم يخرج توماك هائما على وجهه ويتعرّض لتهديدات السباع والضواري، فيصطاد بعضها ويأكلها لكي يعيش بينما يصارع السحالي العملاقة والعناكب السامّة اتقاءً لخطرها.
وفي نهاية الأمر يصل إلى جزيرة بركانية تقطنها قبيلة أخرى تُدعى "قبيلة الأصداف"، في إشارة إلى أن أفرادها يعيشون قريبا من البحر. وهذه القبيلة تبدو أكثر تحضرّا من قبيلته، مع أن الوحوش فيها أكثر من البشر. وطبيعة الجزيرة بكر لم يخرّبها الإنسان بعد، واللغة بسيطة عبارة عن غمغمات وهمهمات وحركات باليد والجسد.
وهناك يقابل توماك امرأة شقراء تُدعى لونا وتأخذه إلى قبيلتها. وفي الطريق يلوذ الاثنان بأعلى شجرة للاحتماء بها من خطر مجموعة من آكلي البشر. وتوماك ولونا يخيفهما كثيرا منظر آكلي البشر ويعرفان أنهما قطعا شوطا طويلا كي يصبحا بشرا وأن عليهما فعل المزيد إذا ما أرادا أن يُكتَب لهما البقاء.
ثم تتوالى في الفيلم قصص أخرى مشوّقة يتخلّلها من وقت لآخر لقطات لبركان ينفث دخانه ببطء في السماء، في ما يبدو وكأنه علامة على وقوع كارثة وشيكة.
ثم يعرف توماك أن شقيقه المسمّى ساكانا قد استولى على زعامة قبيلته بالقوّة. وهنا تحشد قبيلة الأصداف مقاتليها استعدادا للحرب مع قبيلة الحجارة بهدف خلع ساكانا ومعاقبته.
وأثناء احتدام القتال بين الطرفين، يقع زلزال ويثور البركان فجأة. وغضبُ الطبيعة يصيب القبيلتين معا ولا يوفّر أحدا. والناجون من الحرب يجدون أنفسهم في النهاية في طبيعة شبه مدمّرة، فيقرّرون أن يتسالموا ويتعاونوا مع بعضهم للبحث عن ارض جديدة تصلح للسكنى.
وينتهي الفيلم من حيث بدأت قصّة الصراع الإنسانيّ في تلك العصور الموغلة في القدم والذي ما يزال مستمرّا حتى اليوم.
الفيلم تمّ تصويره في جزر الكناري، حيث الطبيعة ما تزال تحتفظ ببعض سماتها البدائية. وموضوع الفيلم هو المجتمع وكيف أن البشر يقود بعضهم بعضا كي يصبحوا اشخاصاً أفضل. كما انه يتناول عواقب خروج الإنسان بمفردة إلى بيئة معادية.
لكن أحد المآخذ على الفيلم انه يتضمّن بعض الأنماط العنصرية. فقبيلة الأصداف متطوّرة وأفرادها شقر الشعور بيض البشرة، مقابل أفراد قبيلة الحجارة ذوي الوجوه السمراء والشعور السوداء المشعثّة. كما أن لدى قبيلة الأصداف رسوما على الكهوف وموسيقى وحليّا مصنوعة من الصَّدَف ولغة أكثر تطوّرا نسبيّا.
من جهة أخرى، يفترض العلم الحديث أن آخر الديناصورات الطائرة انقرضت من الأرض قبل أكثر من ستّة وستّين مليون عام، وأن البشر الحاليين - وهم امتداد للهوموسابيان أو الإنسان العاقل - لم يكن لهم وجود على الأرض إلا منذ مائتين أو ثلاثمائة ألف عام على أكثر تقدير.
لكن حجّة من يصنعون مثل هذه الأفلام لا تخلو من منطق. فهم يقولون أنهم لا يصنعون أفلامهم للعلماء ولا لأساتذة الجامعات، فهؤلاء أصلا لا يذهبون لرؤية مثل هذا النوعية من الأفلام. ويضيفون أن الغرض الأساس من مثل هذه القصص الفانتازية هو تسلية الناس وإمتاعهم في المقام الأوّل وليس حشو رؤوسهم بمعلومات مختلف حول صحّتها وليست مؤكّدة.
يمكن مشاهدة الفيلم على هذا الرابط .

Credits
variety.com

Thursday, May 10, 2018

سورويا والموضة


كان يواكين سورويا احد أكثر الرسّامين الإسبان رواجا وانتشارا في زمانه. وقد عُرف بقدرته على رسم أكثر المشاهد تلقائيةً في الحياة اليومية وبطريقة فيها الكثير من الحميمية والأناقة.
كانت عائلة سورويا عماد حياته. والصور التي رسمها لزوجته وابنتيه ما تزال من بين أكثر أعماله جاذبيةً وجمالا. منزل الرسّام في مدريد كان عصريّا هو الآخر. وقد بناه بحيث يوفّر لأسرته أعلى مستوى من الراحة والرفاهية.
والديكور الذي استخدمه في البيت كان يعكس الذوق السائد في ذلك الوقت، أي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وكان يتضمّن قطع أثاث من طرز تاريخية متنوّعة بالإضافة إلى تصميمات حديثة.
كان سورويا يستمتع برؤية نفسه محاطا بعائلة حديثة. وكان هو وزوجته كلوتيلدا وابنتاه ماريا وايلينا يولون أهمية فائقة لأسلوب لباسهم، كما يظهر واضحا في صور الرسّام ورسائله. كما كانوا جميعا يتمتّعون بميل طبيعيّ للأناقة وللأسلوب العصريّ في اللباس والعيش.
وعندما كان يذهب في رحلات إلى خارج اسبانيا، لم يكن ينسى أن يعود محمّلا بالكثير من الهدايا لهم من ملابس واكسسوارات وغيرها من الأشياء التي رآها وأعجبته.
رسائل سورويا إلى زوجته عندما كان في رحلات إلى باريس تشي باهتمامه الكبير بالموضة، إذ يشرح لها الاتجاهات الجديدة في الموضة والملابس. كان يحبّ الملابس الصيفية ذات الألوان البيضاء الغارقة في ضوء الشمس والتي تهيمن على أعماله.
لكن زوجته وابنتيه كنّ متمسّكات بالأسلوب الاسبانيّ القديم في اللباس، أي شال فوق فستان اسود في مناسبات الزفاف أو الأعياد الدينية. وقد رسم زوجته كثيرا مرتدية ذلك الزيّ، لكنه أيضا رسمها في العديد من اللوحات وهي تمشي في الحديقة بفستان ابيض مع معطف اسود وقبّعة من ريش الطيور.


ولد يواكين سورويا في بلنسية عام 1893 وتعلّم الرسم على يد أكثر من فنّان. وفي سنّ الثامنة عشرة، سافر إلى مدريد وزار متحف برادو ودرس اللوحات التي كان يضمّها. ثم ابتُعث إلى روما ومنها إلى باريس التي تعرّف فيها على الرسم الحديث. وعند عودته إلى بلنسية، تزوّج من كلوتيلدا ديل كاستيللو التي تنتمي إلى عائلة ثريّة من الطبقة الوسطى.
وقد برع الفنّان في رسم البورتريه والمناظر الطبيعية، لذا عُرف برسّام الضوء لأنه كان يرسم غالبا في الهواء الطلق وتحت نور الشمس.
في ذلك الوقت كانت الطبقة الوسطى في اسبانيا تمرّ بفترة ازدهار، الأمر الذي أدّى إلى رواج رسم البورتريه واكتسابه شعبية إضافية.
كان سورويا معروفا باهتمامه بتفاصيل لباس شخوصه، وبالتدريج أصبح مؤرّخا عارفا بأحوال واتجاهات الموضة في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات العشرين. ولوحاته توفّر سجلا دقيقا للتغييرات التي طرأت على ميول وتفضيلات الناس أثناء تلك الفترة في ما يتعلّق بالأزياء والمجوهرات.
ولم يكن يكلَّف فقط برسم العائلات البورجوازية، وإنما أيضا برسم العائلة الملكية الاسبانية. وهو في لوحاته التي رسمها لهؤلاء يكشف عن روح النخبة وأساليب وطرز اللباس التي كانوا يفضّلونها. وفي تلك البورتريهات، تقف النساء أمامه في أجمل وأحدث الملابس، لأن ذلك جزء مهمّ من أناقتهنّ. لكن سورويا لم يكن يركّز في صوره على جمال المظهر الخارجيّ، وإنّما أيضا على حركة الشخصية ومشاعرها الداخلية.
وقد اكتشف الرسّام الخصائص العلاجية لشواطئ اسبانيا ورسم الملابس العصرية التي يكثر مرآها في تلك النواحي مثل المظلات والقبّعات. وسورويا كان شاهدا على ذلك العصر، كما أن أفراد أسرته يستأثرون بغالبية صوره التي رسمها في البحر.
في زياراته لباريس، رسم سورويا مقاهي وشوارع المدينة، بالإضافة إلى دور السينما والأوبرا وغيرها من الأماكن التي جذبت اهتمامه. ولم يكن ينسى أن يزور الأماكن التي تعرض الأقمشة والابتكارات الحديثة في اللباس. وكان يشتري بعض ما يراه ويضمّنه في صوره.

Credits
museothyssen.org

Wednesday, May 02, 2018

فولتير وعصره

لا يوجد من الكتّاب من ينافس فولتير في كثرة العبارات والاقتباسات التي يتداولها الناس نقلا عن كتاباته وخُطَبه.
  • قد لا أتّفق معك في الرأي، لكنّي سأقاتل حتى الموت دفاعا عن حقّك في أن تقول ما تؤمن به.
  • اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسّيس.
  • الذين يجعلونك تؤمن بما هو مخالف للعقل قادرون على جعلك ترتكب أبشع الجرائم.
  • النزاع الطويل بين طرفين يعني أن كليهما على خطأ.
  • من الخطير أن تكون على حقّ عندما تكون الحكومة على خطأ.
  • المكان الوحيد الذي استطيع أن اسند عليه رأسي وأنام مرتاحا مطمئنّا هو حِجر أمّي.
  • من الصعب تحرير العبيد من الأغلال التي ألفوها وأحبّوها.
  • لدينا ما يكفي من الدِّين كي نكره ونظلم، لكن ليس لدينا منه سوى القليل كي نحبّ ونتعاطف.
  • اسعد حياة يمكن أن تعيشها هي أن تعيش مشغولا في عزلتك.
    كان فولتير احد أعمدة عصر التنوير وواحدا من أشهر مفكّري القرن الثامن عشر. ملاحظاته الجريئة والمستفزّة والمثيرة للجدل عن الدين والحرّية والسياسة والأخلاق خلقت له الكثير من الأعداء والأصدقاء.
    ولد باسم فرانسوا ماري آرويه، لكنّه عُرف في العالم باسمه المستعار. واسم فولتير غير معروف مصدره ولا معناه. لكن قيل إنه كان على علاقة خصومة مع والده الذي كان يرفض قيمه وأفكاره. لذا أسقط اسم عائلته وتبنّى اسم فولتير. وهو لم يفسّر أبدا سبب أو سرّ اختياره لهذا الاسم.
    عُرف فولتير بذكائه الشديد وبحسّه الأخلاقيّ العالي. كان يقضي ثمان عشرة ساعة يوميّا في الكتابة. وكان متعدّد الاهتمامات، فكتب في السياسة والتاريخ والمسرح والفلسفة والعلوم. وهو لم يتزوّج أبدا، وبالتالي لم ينجب أطفالا.
    كان فولتير صريحا في دفاعه عن الحرّيات المدنية، وكان يجد نفسه في حالة صدام مستمرّ مع السلطة. وقد كرهه الأقوياء بمثل ما أحبّه الفقراء والمهمّشون.
    ذات مرّة، كتب قصيدة أغضبت الملك، فحُكم عليه بالسجن في الباستيل لمدّة عام. ثم مُنعت بعض أشهر كتبه وأمرت السلطات بإحراق بعضها الآخر. روايته المشهورة "كانديد" كتبها باسم مستعار هو "د. رالف". وقد تبرّأ من تلك الرواية لسنوات كي يتجنّب غضب المؤسّستين السياسية والدينية.
    ولأنه كان عنيدا جدّا، وخوفا من أن يتعرّض للسجن ثانية، فضّل الذهاب إلى المنفى الطوعيّ في انجلترا. ومعظم سنواته الأخيرة قضاها منفيّاً في سويسرا.
    لكن في عام 1778، أي بعد حوالي خمسين عاما قضاها في الخارج، سمح له المناخ السياسيّ في فرنسا بالعودة. وقد لقي الكثير من مظاهر الحفاوة والتكريم عندما عاد. لكن اكبر مفارقة حدثت في يوم عودته، إذ مات في نفس ذلك اليوم.
    وفي اللحظات الأخيرة التي سبقت وفاته، زاره مندوبون عن الكنيسة على أمل أن يقنعوه بالعدول عن بعض أرائه والإدلاء باعترافاته وهو على سرير الموت. لكنه لم يفعل ولم يزد على أن قال للكهنة: أرجوكم دعوني أمت بسلام". وعندما طلبوا منه أن يتبرّأ من الشيطان وأن يلعنه قال: ليس هذا هو الوقت المناسب لصنع أعداء جدد"!
    وكان موقف فولتير الرافض ذاك يعني حرمانه رسميّا من الدفن حسب الأعراف المسيحية. لكن عائلته وأصدقاءه المقرّبين نظّموا له جنازة سرّية على الرغم من قرار المنع.
    وبعد وفاته، ولأنه كان قد صار مقبولا أخيرا من القصر والنخبة الحاكمة، فقد مُنح تكريما خاصّا وذلك بتحنيط دماغه وقلبه كي يُحفظا للأجيال القادمة.
    قد يبدو هذا الأمر غريبا، لكن هذا ما حدث فعلا.
    كان ذلك التقليد شائعا في القرنين الثاني عشر والثالث عشر عندما وجد الناس أن إعادة قلوب الجنود الذين يُقتلون في المعارك إلى أهلهم كان حلا أكثر يسرا وجدوى من إعادة جثامينهم كاملة.
    لكن المثير في قصّة فولتير هو ما حدث تالياً. فقد انتهى قلب الفيلسوف في يد ماركيز يُدعى "دي فيليه" الذي وضع القلب في صندوق معدنيّ في غرفة بقصره وكتب عليه عبارة: روحه في كلّ مكان وقلبه هنا".
    لكن بسبب الظروف السياسية، نُقل القلب من عهدة الماركيز إلى عهدة الحكومة الوطنية. ثم نُقل بعد ذلك ووُضع في قاعدة تمثال للفيلسوف في متحف شخصيات فرنسا حيث ما يزال بالإمكان رؤيته إلى اليوم.
    ولم يكن قلب فولتير فقط هو الذي حُفظ، بل لقد أُزيل دماغه أيضا وتمّ تحنيطه. وفي وقت ما من القرن التاسع عشر، نشأ خلاف بين ورثته والحكومة الفرنسية نتج عنه بيع الدماغ في مزاد للأثاث بعد أن اُسقط من عهدة الحكومة.
    لكن لا أحد يعرف حتى اليوم مكان وجوده.

  • Credits
    voltaire.ox.ac.uk

    Friday, April 27, 2018

    حكاياتٌ شابّة عمرها ألفا عام


    ليس من الواضح ما إذا كان "فيشنو شارما" شخصا حقيقيا أم انه مجرّد اسم أدبيّ مستعار. ومع ذلك، هناك احتمال أن غالبية القرّاء العرب سبق أن قرءوا، أو على الأقلّ سمعوا عن كتابه المشهور في مرحلة ما من حياتهم.
    و"فيشنو شارما" هو مؤلّف كتاب "كليلة ودمنة" الذي تجري أحداثه على ألسنة الحيوانات. والاسم الأصليّ للكتاب هو "البانشاتاترا"، وله اسمان آخران هما "أساطير بيدبا"، و"فيدياباتي" بالسنسكريتية.
    ويُعتبر هذا الكتاب من أقدم الآثار المكتوبة في الهند. ويتناول فلسفة الأخلاق والحكم، ومكتوب بلغة هي مزيج من الشعر والنثر.
    والحكايات التي يتضمّنها البانشاتاترا قديمة جدّا. ومع مرور الوقت، أصبحت من بين أشهر القصص وأكثرها انتشارا في العالم. ويقال أن مؤلّفه كتبه في كشمير أو في مكان آخر في جنوب الهند.
    وهناك من يصنّف الكتاب على انه دراسة في علم السياسة والسلوك الأخلاقيّ، مع شيء من السخرية الاجتماعية. وهو يتحدّث إلى قرّاء كثيرين وعلى مستويات مختلفة.
    والبنية الأساسية أو الإطار السرديّ للبانشاتاترا هو عبارة عن سلسلة من الأسئلة والأجوبة بين ملك هنديّ قديم يُدعى دبشليم وفيلسوف يُدعى بيدبا "أو بردوبين". وكلّ قصّة أو حكاية تحيل إلى قصص أخرى ذات مغزى. والراوي، أي بيدبا، يذكر أن الكتاب أُلّف كي يقرأه ثلاثة أمراء حديثي عهد بالسياسة لغرض تبصيرهم بقواعد السلوك الإنسانيّ والحكم الرشيد.
    وأوّل ترجمة للبانشاتاترا إلى لغة غير الهندية "أو السنسكريتية" كانت إلى الفارسية "البهلوية" على يد كاتب يُدعى برزويه أثناء حكم الملك الساسانيّ انوشروان.
    وطبقا للفردوسيّ مؤلّف الشاهنامة، فإن برزويه الذي كان يعمل طبيبا للملك استأذن منه كي يذهب إلى الهند للبحث عن عشبة جبلية كان قد قرأ أو سمع عن خصائصها السحرية وأن كلّ من يتعاطاها يُكتب له الخلود والحياة الأبدية.
    وعندما وصل الطبيب إلى الهند، قابل هناك معلّما حكيما ووجد عنده نسخة من كتاب. ثم أشار عليه الحكيم بأن ينسى أمر تلك العشبة التي جاء باحثا عنها، وأن يكتفي بقراءة ذلك الكتاب إن كان يطمح في اكتساب قدر من الحكمة والاستنارة.
    وبعد أن قرأ برزويه الكتاب، أُعجب كثيرا بالحكايات التي يتضمّنها، وقرّر أن يترجمه على الفور إلى الفارسية بمعاونة بعض البراهمة الهنود. وعندما أكمل ترجمته أرسله إلى بلاط انوشروان مع كتب أخرى.
    في مقدّمة ترجمته للكتاب، يتحدّث برزويه عن بعض تفاصيل رحلته إلى الهند ويذكر نبذة عن حياته وعن مهنته كطبيب في بلاط الملك. وهو يشير إلى بيدبا على انه مؤلّف الكتاب.


    ليس واضحا ما إذا كان برزويه هو نفسه الكاتب الفارسيّ المشهور برزجمهر. وهناك رأي يذهب إلى أنهما كاتبان مختلفان، بينما يشير رأي آخر إلى أن اسم برزويه قد يكون اختزالا لاسم الأوّل. برزويه نفسه يقال أنه كان شخصا باحثا عن الحقيقة ومتشكّكا في الأديان، لكنه في أخريات حياته صار إنسانا تقيّا ومتقشّفا.
    وبحسب بعض النقّاد الغربيين، فإن ترجمة عبدالله بن المقفّع للكتاب إلى العربية في القرن الثامن هي الترجمة الأشهر، بل والأساس الذي تُرجم عليه الكتاب إلى لغات أخرى.
    وبفضل هذه الترجمة بالذات، أصبح "كليلة ودمنة" واحدا من أكثر الكتب مبيعا ورواجا طوال ألف عام، إذ تُرجم إلى أكثر من خمسين لغة وما يزال يُقرأ باستمتاع في الكثير من أرجاء العالم.
    وقد حمل العرب الكتاب معهم إلى اسبانيا في القرن الثالث عشر. كما كان من بين أوائل الكتب التي ظهرت في ايطاليا بعد اختراع الطباعة.
    أبطال "كليلة ودمنة" هم مجموعة من الحيوانات، لكن معظم الحكايات فيه ترد على لسان اثنين من أبناء آوى، هما كليلة ودمنة، أو "كاريراك وداماناك" بحسب الترجمة الفارسية.
    وكلّ حيوان في الكتاب يقدّم شخصية يمكن أن يتماهى معها الإنسان. والمؤلّف يوظّف الحيوانات والطيور لتشير إلى سمات البشر. فالغزال، مثلا، يقدَّم كرمز للشخصية البريئة والمسالمة، وهو هدف للذين يبحثون عن فريسة يسهل استغلالها. بينما يقدَّم التمساح كرمز للأشخاص الذين يُخفون نوايا شرّيرة.
    بعد ترجمته إلى العربية، أصبح "كليلة ودمنة" إحدى التحف الكبيرة في النثر العربيّ. ويقال أن ابن المقفّع، الذي كان مستعربا فارسيّا وعالما ضليعا في العربية وآدابها، كان يحاول من خلال الكتاب، وعبر توظيف الرمز والاستعارة، التعبير عن وجهات نظر سياسية معارضة للحكم العباسيّ. ومن الأمور ذات الدلالة أن نعرف أن الرجل قُتل بعد بضع سنوات فقط من ترجمته لهذا الكتاب.
    لكنّ لبعض النقّاد مؤاخذاتهم على الكتاب. فهم يرون أن مؤلّفه شخص ميكيافيليّ، لأن بعض قصصه تمجّد الدهاء والخداع والمراوغة، سواءً في الحياة العامّة أو في شئون الحكم والسياسة. غير أن هناك من لا يرى هذا الرأي بالضرورة. وهذا النوع من الجدل يؤكّد ولا شكّ غموض وثراء هذا النصّ.
    في بعض قصص كليلة ودمنة، ينتصر الشرّ على الخير. وتحسبّا من أن يُغضِب هذا القرّاء المتديّنين، عمد ابن المقفّع إلى إدخال دمنة السجن وتركه يموت هناك في محاولة لاسترضاء هذه الشريحة من القرّاء.
    شيئا فشيئا أصبحت حكايات "كليلة ودمنة" رائجة في الثقافات الشعبية للعالم. ومن عباءة هذا الكتاب خرجت كتب أخرى مماثلة، مثل ألف ليلة وليلة وحكايات كانتربري وأساطير ايسوب وقصص لافونتين عن الحيوانات.
    ويبدو أن السرّ في نجاح الكتاب وانتشاره الواسع يعود إلى حقيقة أن حكاياته قديمة ومعاصرة في آن. وطوال أكثر من ألفي عام، ظلّ هذا النصّ يوائم نفسه باستمرار مع سياقات الأماكن والأزمنة المتغيّرة.

    Credits
    scroll.in

    Saturday, April 21, 2018

    مصيف تيبيريوس


    معظمنا قرأ أو سمع بالعبارة المشهورة المذكورة في الإنجيل: أعطِ ما لقيصر لقيصر".
    الإمبراطور الرومانيّ تيبيريوس كان هو القيصر المقصود. كان إمبراطورا على روما طوال فترة حياة السيّد المسيح. وكان ما يزال يعتلي العرش عندما وقعت حادثة الصلب. وهو مذكور في الإنجيل مرّتين. كما أن صورته كانت محفورة على العملات الفضّية التي استلمها يهوذا المتآمر كرشوة.
    كان تيبيريوس ثاني أباطرة الدولة الرومانية بعد اوغستوس. وقد تولّى الحكم على غير رغبة منه. وأمّه كانت زوجة لنيرون، لكنها طلّقته وتزوّجت من اوكتافيان.
    والمعروف أن مدينة طبريا الواقعة على الشاطئ الغربيّ لبحر الجليل في فلسطين سُمّيت على اسم تيبيريوس بقرار من حاكم فلسطين الرومانيّ آنذاك هيرود انتيباس.
    أثناء فترة حكمه، كان تيبيريوس يقضي فصل الصيف من كلّ عام في كهف جبليّ يطلّ على مياه المتوسّط. واليوم بإمكان أيّ شخص أن يزور هذا المكان دون أن يحتاج لتصريح إمبراطوريّ.
    المكان المسمّى سبيرلونغا "أو الكهف باللاتينية" يقع في قرية صغيرة يعيش فيها اليوم حوالي ثلاثة آلاف شخص وتقع على الساحل الغربيّ لايطاليا في منتصف المسافة تقريبا بين نابولي وروما.
    البيوت البيضاء المحفورة في الصخر تبدو كما لو أنها يونانية الطراز. لكن لن تجد مكانا أكثر "ايطاليةً" من هذا المكان، خاصّة منذ أن اعتاد تيبيريوس قضاء إجازاته هنا قبل ألفي عام. غير أن الفيللا/الكهف تبدو اليوم أطلالا، مع أن جدرانها ما تزال قائمة وما يزال يتخلّل المكان جوّ من الاسترخاء والهدوء.
    المروج الخضراء تمتدّ إلى الخارج، مع إطلالة على البحر. وهناك طريق متعرّج يأخذ الزائر من البرَك الأثرية إلى الكهف. هنا كان الإمبراطور يسلّي ضيوفه وسط نسائم البحر المنعشة التي تهبّ على المكان الذي كان في العصور الخوالي يضمّ تماثيل تصوّر أسطورة اوديسيوس. لكن هذه الآثار الفنّية لحق بها الدمار بعد انهيار الكهف.
    في ذلك اليوم، كان تيبيريوس يتناول طعامه عندما انهار سقف الكهف فجأة، واندفع نحوه رجال حاشيته لإنقاذه. وقد اعتَبر تلك الحادثة علامة شؤم وأمر بأن يُنقل مصيفه من ذلك المكان إلى كابري.

    وفي القرن الخامس، قام كهنة متعصّبون بتدمير التماثيل الحجرية ثم طمروا الكهف تحت الأرض. وبعد انهيار الإمبراطورية الرومانية الغربية في القرن السادس الميلاديّ، أصبحت أطلال سبيرلونغا ملجئا للسكّان المحليّين. لكنهم في ما بعد تركوها هربا من هجمات السراسنة ثم العثمانيين الذين غزا أسطولهم المنطقة بقيادة بارباروسا في منتصف القرن السادس.
    وقد ظلّ الكهف مطمورا حتى عام 1957، عندما اكتشفه بالصدفة عمّال كانوا يشقّون طريقا في الجوار. لكن المنطقة استعادت أهميّتها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بعد أن اجتذبت بعض العائلات الغنيّة، فازدهرت الزراعة وتمتّع الناس بقدر من الأمان.
    ومنذ أعيد اكتشافه أصبح الكهف مقصدا للمشاهير وبعض رموز الثقافة في القرن العشرين، مثل البير كامو وآرثر ميللر وآندي وارهول ومارلين ديتريش وغيرهم.
    لم تكن نخبة الرومان راضية تماما عن تيبيريوس. والمؤرّخ تاكيتوس لم يكن معجبا به كثيرا. كما أن الإمبراطور اكتسب سمعة سيّئة كطاغية تلفّه الأسرار ويعاني من البارانويا السياسية. لكن ربّما كان من الأنسب أن نتعامل مع هذه المعلومات بشيء من الشكّ.
    إذ أن مؤرّخين آخرين يشيرون إلى انه طوال عشرين عاما من حكم تيبيريوس لم يُتّهم بالخيانة العظمى سوى خمسين شخصا. وقد نجا نصفهم من الإدانة، ولم يُدَن منهم سوى أربعة أشخاص كانوا على الأرجح ضحايا لحماس مجلس الشيوخ وليس لطغيان الإمبراطور.
    المؤرّخ بيليني الأب يصف تيبيريوس بأنه كان "أكثر الرجال حزنا"، وبأنه كان شخصا مسالما يكره الحروب ويفضّل استخدام الدبلوماسية في حلّ الخلافات مع خصوم الإمبراطورية.
    وعندما مات كانت خزينة الدولة مليئة بالأموال. وما يجعل تيبيريوس مختلفا عن سواه من أباطرة روما هو انه رفض أن يقدّسه الناس أو يعاملوه كنصف إله. ولم يسمح سوى ببناء معبد واحد تكريما له.
    أي أن تيبيريوس لم يكن شخصا سيّئا في النهاية، لكن مع كلّ ذلك العدد من المعارضين والخصوم نفهم لماذا اختار مكانا هادئا ومنعزلا مثل هذا لإجازاته.

    Credits
    quatr.us

    Friday, April 13, 2018

    عودة إلى العوالم المفقودة

    حتى إن لم تكن من هواة العاب الفيديو، فإنك على الأرجح سمعت من قبل عن "عقيدة القاتل".
    إنها سلسلة من الألعاب ذات المواضيع التاريخية التي تجري أحداثها في أماكن مختلفة، مثل باريس ما قبل الثورة الفرنسية، والقدس في القرون الوسطى، ولندن في ستّينات القرن قبل الماضي.
    وممارسة هذه السلسلة من الألعاب تتضمّن تسلّق مبان قديمة والاختلاط بالسكّان القدامى لهذه المدن ومقابلة، وأحيانا، اختطاف شخصيات تاريخية.
    مضى على طرح هذه اللعبة في الأسواق حوالي احد عشر عاما وحصدت الشركة الكندية المنتجة واسمها "يوبيسوف" ملايين الدولارات من مبيعاتها.
    وقد خصّصت الشركة منذ عام 2007 أكثر من ثلاثة آلاف استديو لصنع هذه السلسلة من الألعاب. وكان الهدف هو بعث الحياة من جديد في عدد من الحضارات التي سادت ثم بادت منذ زمن طويل.
    الشركة استعانت بفريق يتألّف من مئات الفنّانين والمؤرّخين والكتّاب ومصمّمي الأصوات والموسيقيين وغيرهم لخلق مثل هذه الأماكن الافتراضية. وقضاء ساعة أو نحوها بصحبة إحدى هذه الألعاب سيعرّفك على مدى الجهد الكبير المبذول في إعدادها وتصميمها.
    آخر أجزاء سلسلة "عقيدة القاتل"، وعنوانه "الأصول"، تجري أحداثه في مصر القديمة، أي في مكان وزمان حافلَين بالاستكشاف والغموض.
    لكن في الشهر الماضي، طرحت الشركة المنتجة نسخة معدّلة من هذا الجزء تحوّلت معها اللعبة إلى ما يشبه المتحف التفاعليّ. فقد استُبعد القتال والمهامّ من هذا الجزء وأُضيف أكثر من سبعين رحلة تفاعلية صُمّمت بمساعدة علماء مصريات من جميع أنحاء أوربّا.
    وهذه الرحلات تعلّمك الكثير عن التحنيط وعن مدينة الإسكندرية وأشياء أخرى. لكن الاختلاف بين هذه اللعبة وأيّ متحف يتمثّل في حقيقة انك تمشي في شوارع مصر القديمة وتتجوّل في قراها كطفل مصريّ وتمتطي ظهر حصان في ظلّ الأهرامات.
    واللعبة تتضمّن إمكانية أن تكون أداة تعليمية غير عاديّة، فقد استعان مطوّروها بخبراء التعليم والبحّاثة في المتاحف والجامعات والمدارس لكي يدلوا بآرائهم حول التصاميم الأوّلية.
    يقول احد مطوّري اللعبة: بالنسبة للكثيرين، تظلّ مصر القديمة شيئا عصيّا على الفهم. ونحن نساعد في الوصول إلى عالم مفقود لا أحد يعرف بالضبط كيف كان يبدو. لكننا نحاول جهدنا أن نبحث وأن نفسّر".


    فكّر فريق اللعبة لأوّل مرّة في صنع نسخة تعليمية خالية من القتال في عام 2009، عندما كانت السلسلة تتناول ايطاليا وعصر النهضة. لكن ضيق الوقت وعدم توفّر المال الكافي جعل من المتعذّر تحقيق ذلك. ثم انتهى الأمر بالمؤرّخين والبحّاثة إلى أن حوّلوا اللعبة إلى دائرة معارف، وكانت تلك محاولة لإقناع الناس بأن ينظروا إلى العاب الفيديو بطريقة مختلفة.
    ويقول مطوّر آخر: في البداية لم نعرف من أين نبدأ ولا أيّ الأحداث نختار ولا أيّ الأماكن يمكنك أن تذهب إليها. ثم بحثنا في موسوعات المعارف والكتب وشاهدنا العديد من الأفلام لنرى كيف تناولت صناعة الترفيه هذا الموضوع.
    وبطبيعة الحال، وفي ما يتعلّق بمصر بالذات، كنّا نعرف أننا نريد كليوباترا ويوليوس قيصر، لأن عهدهما اتسم بالاضطرابات السياسية الكبيرة وبالتغييرات الكثيرة، بالإضافة إلى أن ذلك العهد ترك أثرا لا يُمحى على الفنّ التشكيليّ والأدب والمسرح والسينما حتى اليوم".
    ويضيف: أمضينا سنوات ونحن نبحث واستعنّا بعلماء مصريات ومؤرّخين ذوي معرفة ممتازة بذلك العصر، وطلبنا منهم المساعدة والانضمام إلينا ومدّنا بالمعلومات اللازمة. ثم عقدنا اتفاقيات مع عدد من الجامعات لنحصل على اكبر قدر من المعلومات".
    وكان هناك أيضا علماء آثار مثل الفرنسيّ جان كلود غولفن عالم المصريات المشهور والرسّام الذي اعدّ حوالي عشرين لوحة للعبة. وقد درس الفريق ديمغرافية مصر في ذلك العصر واستخلص معلومات عن الأعمار والجنس، واكتشف أن عدد النساء كان اكبر من عدد الرجال بسبب الحرب التي كانت تجري وقتها.
    ويقول مطوّر آخر: في اللعبة الأصلية، قمنا بخلق تلك العوالم والبيئات، من نباتات وحيوانات ومعمار وثقافة، وتلاعبنا بالتاريخ وبالشخصيات. وكنّا نفكّر كيف يمكن أن نأخذ خطورة ابعد لضمان أن تصل اللعبة إلى عدد اكبر من الناس".
    ويضيف: ما فعلناه هو أننا حافظنا على نفس المواقع والبيئات. لكننا وفّرنا للمستخدم حرّية الذهاب إلى أيّ مكان من دون قتال وبعيدا عن قيود السرد. لقد أعدنا تصميم اللعبة كي نجعل الوصول إلى مصر أكثر سهولة. ونحن لا نحلّ مكان التعليم أو المكتبات، بل نساعد الناس على أن يعودوا إلى المتاحف والوسائط التقليدية بفاعلية اكبر".
    لعبة "عقيدة القاتل: الأصول" تمثل تطوّرا جذريا في مفهوم ألعاب الكمبيوتر، وهي تثبت أن ألعاب الفيديو يمكن أن تقرّبنا أكثر من الماضي البعيد زمنيّا وبأكثر ممّا نتخيّله.

    Credits
    telegraph.co.uk

    Saturday, April 07, 2018

    تشايكوفسكي وحرب نابليون

    بورودينو هو اسم لبلدة روسية جرت على أرضها المعركة الأكثر حسماً ودموية في حرب نابليون بونابرت على روسيا. ففي السابع من سبتمبر من عام 1812، هاجم الجيش الفرنسيّ هذه البلدة الواقعة غرب موسكو وتمكّن من قتل حوالي ستّين ألف جنديّ روسيّ في بضعة أيّام.
    ثم انتظر الفرنسيون شهرا كاملا بانتظار أن يعلن الروس استسلامهم وتسليم العاصمة موسكو طوعا. لكن هذا لم يحدث. عندها زحف نابليون بجيشه على المدينة فاحتلّها بسهولة ودون مقاومة تُذكر.
    لكن الفرنسيين وجدوا أنفسهم في مدينة مهجورة وأشبه ما تكون بمدن الأشباح. إذ كان معظم سكّانها قد هجروها، بينما قام الجيش الروسيّ بإحراق أجزاء كبيرة منها قبل انسحابه.
    لذا لم يجد الفرنسيون فيها أيّ مؤن أو طعام يكفيهم لمواجهة فصل الشتاء القارس بعد أن نفذت مؤنهم. وفي النهاية قرّروا الانسحاب نهائياً من الأراضي الروسية.
    وعندما وصل الجيش الفرنسيّ إلى حدود بولندا في طريق عودته، لم يكن قد بقي منه سوى عُشره تقريبا. وقد زعمت أجهزة دعاية نابليون أن السبب في هزيمة جيشهم يعود إلى شتاء روسيا الذي لا يرحم أو ما سُمّي وقتها بـ "الجنرال ثلج"، في حين كان السبب الحقيقيّ تخبّط القيادة وسوء التخطيط، ما أدّى إلى انهيار الروح المعنوية للجنود.
    وبعد ثمانية وستّين عاما من تلك الأحداث، كتب المؤلّف الموسيقيّ الروسيّ بيتر تشايكوفسكي قطعة موسيقية بعنوان "مقدّمة 1812" خلّد فيها انتصار روسيا القيصرية على نابليون.
    وقد ألّف تشايكوفسكي هذه القطعة بناءً على طلب معلّمه نيكولاي روبنشتاين الذي أرادها أن تكون موسيقى احتفالية يُسرّ بها الناس ويستمعون إليها في المناسبات المهمّة.
    وقد أتمّ تشايكوفسكي كتابتها في ظرف ستّة أسابيع فقط. وأصبحت مشهورة جدّا وامتدّت شعبيّتها إلى خارج روسيا.
    تبدأ "مقدّمة 1812" بلحن دينيّ روسيّ مألوف تتبعه أنغام ريفية وفولكلورية محلية تصوّر معاناة الروس على يد الغزاة الفرنسيين. ثم يصوّر المؤلّف انسحاب الجيش الفرنسيّ على وقع لحن روسيّ تتخلّله أصوات أجراس الكنائس. وفي هذا تذكير بما فعله رجال الدين وقتها عندما طلبوا من الناس الذهاب إلى دور العبادة للصلاة والدعاء إلى الربّ كي يتدخّل في الحرب إلى جانبهم.


    كان سلاح الروس بسيطا جدّا، بينما الفرنسيون كانوا يفوقونهم عددا وعُدّة. والموسيقى تصوّر "التدخّل الإلهيّ" في الحرب على هيئة رياح قويّة وثلوج لم يسبق لها مثيل. وقد نقل تشايكوفسكي هذه الأجواء في موسيقاه. كما صوّر جنود نابليون وهم يحاولون الفرار، وقيام الروس بأسر الكثيرين منهم.
    والموسيقى تصوّر أيضا إطلاق الناس الرصاص في الهواء ابتهاجا بالنصر وقَرْع أجراس الكنائس تعبيرا عن الشكر لله على نعمة النصر واندحار العدوّ.
    الغريب انه رغم الشعبية الكاسحة التي حقّقتها هذه الموسيقى في روسيا وخارجها، إلا أن تشايكوفسكي وصفها بأنها "صاخبة وبلا قيمة فنّية". كما صرّح بأنه لم يحبّها أبدا وأنه كتبها على عجل وعن غير رغبة منه.
    ومع ذلك، جعلته هذه الموسيقى شخصا ثريّا وأصبحت احد أكثر الأعمال الموسيقية عزفاً وتسجيلا. وبسبب رواجها وانتشارها الواسع، أصبح الكثير من أجزائها مألوفة كثيرا.
    في عام 1891، زار تشايكوفسكي الولايات المتّحدة وعزَف هذه الموسيقى هناك وكان هو الذي قاد الاوركسترا. ومنذ ذلك الوقت، أصبحت "مقدّمة 1812" تُعزف كلّ سنة كجزء من احتفال الأمريكيين بيوم استقلال بلدهم.
    وهناك الكثير من الأمريكيين ممّن يعتقدون بأن هذه الموسيقى ترمز أيضا لانتصارهم على الاستعمار البريطانيّ الذي يصادف نفس تلك السنة، أي 1812.
    قيل ذات مرّة أن المنتصر الوحيد في حرب عام 1812 كان تشايكوفسكي. والمعنى واضح، فالفرنسيون لحقت بهم هزيمة مذلّة، والروس كانت الحرب وبالا عليهم بأكلافها البشرية والمادية الباهظة. أما تشايكوفسكي فقد جلبت له موسيقاه التي صوّر فيها تلك الحرب الشهرة والمال.
    لكن مع ازدياد شعبية هذه الموسيقى، تعاظم شعور تشايكوفسكي بخيبة الأمل وتكرّست قناعته بأن الناس لم يفهموا فنّه كما كان يريد. وقد تعلّم أن الناس يهتمّون بالمشاهد الفخمة والاستعراضية أكثر من اهتمامهم بالتعبير النغميّ الذي كان يركّز عليه ويعكسه في سيمفونياته.
    والمفارقة أن "مقدمة 1812"، التي أُلّفت في الأساس للاحتفال بانتصار عسكريّ، أصبحت في الثقافة الحديثة تُعزف في عروض الاكروبات والسيرك والألعاب النارية ومسابقات التزلّج على الجليد وغيرها.

    Credits
    classicfm.com

    Sunday, April 01, 2018

    الاستبداد والفنّ


    لماذا يحبّ بعض الطّغاة الشعر والموسيقى والرسم والسينما، مع أن هذه الفنون تقترن برهافة الحسّ وسموّ المشاعر وتتناقض مع حالة الاستبداد وعقلية القمع والسلطة المطلقة؟
    كان كيم ال سونغ، الزعيم السابق لكوريا الشمالية، يحبّ السينما كثيرا. وقد كلّف صنّاع السينما في بلاده بإنتاج عدد من الأفلام الوثائقية عن شخصه وعن حياته. وهو يُصوَّر فيها جميعا كزعيم نصف إله، عظيم وخالد.
    كان كيم يلقَّب بوالد الشعب وشمس الأمّة. وقد كتب العديد من المسرحيات ومن قصائد الشعر التي لا تخلو من رقّة وعذوبة. وكان يتقرّب من الفنّانين لأنه كان يرى في ذلك تكريسا لسلطته، مع انه كان دائم الانتقاد "للفنّانين الذين يُنتجون أعمالا منحلّة"، على حدّ وصفه.
    ومع ذلك ففي عهد كيم، الشاعر والمسرحيّ، مات ثلاثة ملايين كوري بسبب الحروب والمجاعات.
    هتلر أيضا كان يحبّ الرسم، بل ورسم لوحات في بعض الأحيان. لكنه أحبّ السينما أكثر. وكان هو النجم في فيلم دعائيّ اُختير له اسم معبّر هو "انتصار الإرادة". ولطالما عبّر الزعيم النازيّ عن إعجابه بالقوّة السحرية للكلمة المنطوقة ووظّف ذلك في خطبه وبياناته.
    ومع ذلك فقد قتل هتلر، العاشق للرسم والسينما، حوالي اثنين وأربعين مليون إنسان في الحرب العالمية الثانية، معظمهم من المدنيين.
    في مطلع القرن العشرين، ظهر في ايطاليا مجموعة من الشعراء الذين اسموا أنفسهم بالشعراء المستقبليين. كان هؤلاء يؤمنون بالأفكار القومية المتطرّفة، وكان شعارهم: دعوا الأدب يزدهر بخراب العالم!". وكان زعيمهم يُدعى فيليبو مارتينيتي الذي كان يعشق الحرب. وقد وصفها مرّة بأنها "الدواء الناجع الوحيد لهذا العالم".
    وكان ملهم هؤلاء هو الشاعر غابرييل دانونزينو الذي يقال انه كان الشخص الذي ألهمت أفكاره موسوليني الاستيلاء على السلطة في ايطاليا.
    وبعد أن أصبح موسوليني زعيما على ايطاليا، كان من عادته أن يترك عددا من دواوين الشعر مفتوحة على سطح مكتبه كي يراها زوّاره من الضيوف الأجانب فيقدّروا ثقافته الواسعة وسعة اطلاعه.
    لكن رغم ذلك، فقد تسبّب موسوليني المولع بالشعر في مقتل حوالي نصف مليون إنسان في الحرب العالمية الثانية وفي غزواته الخارجية.
    ستالين أيضا كان عاشقا كبيرا للسينما، وقد تابع عن كثب مراحل إنتاج فيلم "ايفان الرهيب"، ربّما لأنه كان يرى في نفسه بعض سمات بطل الفيلم.
    كان ستالين أيضا يكتب الشعر بلغته الأمّ، أي الجورجية، وباسم مستعار. لكن شعره كان يتّسم بالتقليد والصور المبالغ فيها وبكثرة الكليشيهات.
    الغريب أن ستالين المحبّ للشعر تسبّب في مقتل حوالي سبعة ملايين إنسان أثناء تولّيه السلطة.
    في الصين، لاحظ ماو تسي تونغ أن أباطرة البلاد القدامى لم يتركوا تراثا أدبيا معتبرا، وقال: إن الرجال العظماء فقط هم من ينظرون إلى هذا العهد"، يقصد عهده هو.
    وقد كتب ماو شعرا كلاسيكيا قريبا من روح التراث الذي كان يمقته ويحتقره. كان يكتب بالأسلوب القديم، ولطالما وُصفت أشعاره بأنها نخبوية ومنقرضة. كانت تزدحم باللغة الفخمة وبالصور المستهلكة، مثل حديثه عن "الشمس الغاربة الحمراء بلون الدم" و"التلال الزرقاء كأمواج البحر".
    وفي إحدى قصائده، يتغنّى ماو بنساء الصين اللاتي يعشقن المعارك ولا يكترثن بملابس الحرير". وفي قصيدة أخرى كتبها قبيل انطلاق الثورة الثقافية، يتنبّأ ماو بالعاصفة القادمة: انظروا! العالم يوشك أن ينقلب رأسا على عقب".
    ومع ذلك، استحقّ ماو الشاعر لقب اكبر قاتل جماعيّ في التاريخ. فخلال أربع سنوات فقط من حكمه، تسبّب في مقتل خمسة وأربعين مليون فلاح صينيّ.
    رادوفان كاراجيتش، احد كبار مجرمي الحرب في يوغوسلافيا السابقة والمعروف بجزّار البوسنة، كان هو أيضا يقرض الشعر. ولم يتخلَّ عن تلك الهواية الرقيقة حتى في ذروة حرب الإبادة التي قادها ضدّ المسلمين والكروات.
    في برنامج وثائقيّ بُثّ مؤخّرا، يظهر كاراجيتش في لقطة قديمة مع شاعر روسيّ يُدعى ليمونوف. وكاراجيتش يتلو قصيدة على مسمع الأخير يتنبأ فيها بالعنف القادم. وعلى وقع القصيدة، يقوم ليمونوف بإطلاق وابل من الرصاص باتجاه أسفل الوادي الواقع تحتهما.
    وفي أثناء الحرب البوسنية، كان كاراجيتش يتفاخر بصدق نبوءته تلك التي وردت في إحدى قصائده بعنوان "سراييفو" والتي يقول في نهايتها: ترى ما الذي يخبّؤه لنا المعدن الأسود في المرآب؟!".
    المعروف أن كاراجيتش، عالم النفس المحبّ للشعر، قتل حوالي ثمانية آلاف مسلم خلال حصار سريبرينتسا عام 1995.
    لكن أقدم نموذج للديكتاتور المحبّ للفنون كان الإمبراطور الرومانيّ نيرون. المؤرّخون يذكرون أن روما تعذّبت من شعره بقدر ما تعذّبت من طغيانه. وبحسب من أرّخوا لحياته، كان نيرون مثالا في عنفه ودمويّته.
    وعلى الرغم من قلّة طموحاته العسكرية، إلا أن أفعاله الانتقامية كانت مدويّة. والصورة الشائعة عنه هي صورة طاغية متبلّد الإحساس يعزف القيثارة ويتلو شعرا بينما عاصمة ملكه تحترق وتتحوّل إلى رماد.
    خلال رحلة له إلى اليونان، شارك نيرون في مسابقة للشعر وفي سباق للعربات، وعاد من رحلته تلك محمّلا بالعديد من الجوائز. ويقال انه خطّط لانتحاره مسبقا وتدرّب كثيرا على ذلك قبل أن يكتب جملته الشعرية الأخيرة: أيّ فنّان سيموت معي"؟!
    كان عهد نيرون مرتبطا بالطغيان والبذخ. وقد قتل الكثيرين بمن فيهم أمّه وزوجته، كما أمر بإحراق مسيحيّي روما وهم أحياء بعد أن حمّلهم المسئولية عن حريق المدينة.

    Credits
    huffingtonpost.com

    Tuesday, March 27, 2018

    الليلة التي ألهمت فان غوخ

    ما أن يُذكر اسم فنسنت فان غوخ حتى يستذكر الناس قصّة قطعه لأذنه؛ ذلك الفعل الذي أقدم عليه أثناء نوبة من نوبات الاكتئاب التي لازمته حتى نهاية حياته.
    لكن لكي نعرف فان غوخ الحقيقيّ، يجب أن نتجاوز الصورة الكاريكاتيرية الشائعة عنه باعتباره إنسانا معذّبا وعبقريّا اُسيء فهمه، وأن نركّز بدلا من ذلك على صورته كإنسان مجتهد في عمله ومتديّن جدّا وصعب المزاج.
    فان غوخ وجد مكانه اللائق في الفنّ، وإنْ بعد مماته، وأنتج أعمالا انفعالية الطابع وجذّابة بصريّا طوال فترة اشتغاله بالرسم والتي لم تستمرّ أكثر من عشر سنوات.
    وقد علّم نفسه بنفسه ورسم أكثر من ألفي لوحة زيتية ومائية. وأصبحت لوحاته تحظى بشعبية كبيرة بعد موته. وأثناء حياته كتب عشرات الرسائل، خاصّة إلى أخيه ثيو، أوضح فيها بعض أفكاره ورؤاه عن الفنّ.
    في عام 1874، كتب إلى شقيقه يقول: أحبّ المشي كثيرا وأعشق الطبيعة، وهذا هو الطريق الحقيقيّ لكي نتعلّم كيف نفهم الفنّ بشكل أفضل. الرسّامون يفهمون الطبيعة ويحبّونها وهي تعلّمهم كيف يرون العالم".
    كانت الطبيعة والناس الذين عاش بينهم هما العنصران اللذان عزّزا ميول فان غوخ الفنّية. وهو لم يكن نسيج وحده في هذا، فقد كانت الطبيعة موضوعا يحظى بالشعبية الكبيرة في فنّ أواخر القرن التاسع عشر.
    كان الرسّامون وقتها غير راضين عن التغييرات التي أحدثتها المدنية الحديثة. لذا بحث الكثير منهم عن أماكن تشبه الجنّة الأرضية، حيث يمكن لهم أن يراقبوا الطبيعة مباشرة ويضمّنوا أعمالهم بعض معانيها السيكولوجية والروحية.
    كان فان غوخ مفتونا، على وجه الخصوص، بحياة الفلاحين وأسلوب العيش في الريف. وأعماله المبكّرة تحتوي على صور لفلاحين هولنديين وطبيعة ريفية رسمها بألوان مزاجية ومظلمة.
    في عام 1886، انتقل الرسّام إلى باريس حيث اطّلع على أعمال الانطباعيين الجدد وعلى لوحات جورج سُورا النُقَطية. وقد ألهمته الألوان المتناغمة لهؤلاء وضربات فراشيهم القصيرة واستخدامهم الوفير للطلاء بأن يُضفي على ألوانه سطوعا وأن يوظّف فرشاة فضفاضة ويركّز على الخواصّ الفيزيائية للألوان على رقعة الرسم.
    والأسلوب الذي ابتدعه في باريس وواظب عليه حتى وفاته عُرف بـ "ما بعد الانطباعية". وهو مصطلح يتضمّن أعمالا لرسّامين وحّدهم اهتمامهم بالتعبير عن مشاعرهم الانفعالية والسيكولوجية تجاه العالم من خلال توظيف الألوان الجريئة والصور التعبيرية، وغالبا الرمزية.
    كتب فان غوخ ذات مرّة متحدّثا عن ذهن ومزاج الفنّان وهو يرسم، فأشار إلى حساسيته الفائقة تجاه اللون ولغته الخاصّة وتأثيرات ذلك على التباينات والتناغمات في اللوحة.
    في عام 1888، عاد الرسّام إلى الريف الفرنسيّ ليصبح قريبا من بيئة الفلاحين الذين كان قد استلهمهم في وقت مبكّر. وهناك رسم مناظر للطبيعة وبورتريهات له ولغيره وبعض المناظر الداخلية والحياة الساكنة المليئة بالرموز الشخصية.

    وقد كتب آنذاك إلى شقيقه رسالة قال فيها: هذا اليوم، راقبت الصباح من نافذتي قبل أن تشرق الشمس بوقت طويل. لم يكن هناك شيء باستثناء نجمة الصباح التي بدت كبيرة ومتوهّجة".
    كان فان غوخ يصف المنظر الذي ألهمه رسم تحفته الأشهر، أي سماء مرصّعة بالنجوم عام 1889. والنافذة التي كان يشير إليها كانت في ملجأ في ضاحية سان ريمي حيث كان يقضي فترة نقاهته من مرضه ويرسم.
    ولوحته هذه تستدعي الروحانية التي وجدها الرسّام في رحاب الطبيعة. والصورة مشهورة جدّا لأنها تدفع بفعل الرسم إلى خارج المنطقة التي اعتاد الرسّامون أن يجسّدوا من خلالها العالم بشكله الفيزيائيّ أو الواقعيّ.
    هذه الصورة الزيتية المتوسّطة الحجم تهيمن عليها سماء ليلية ينيرها ضوء القمر والنجوم التي تحتلّ ثلاثة أرباع مساحة الصورة. والسماء تبدو مضطربة ومهتزّة بعنف، مع أنماط ملتفّة كالدوّامات التي تتدحرج عبر مساحة الصورة كالأمواج.
    سماء فان غوخ مأهولة بالأجرام السماوية الساطعة، ومن بينها هلال في أقصى اليمين، وإلى يسار الوسط تبدو نجمة الصباح تحيط بها دوائر وحيدة المركز تصطبغ بالأبيض المشعّ وبالأضواء الصفراء.
    وأسفل هذه الألوان التعبيرية تنام قرية هادئة تتألّف من بيوت متواضعة تقوم في وسطها كنيسة يرتفع برجها فوق الجبال الداكنة الزُّرقة في الخلفية.
    وفي مقدّمة هذا المشهد الليليّ المهيب أيضا، تقوم شجرة سرو عملاقة يشبه شكلها ألسِنة اللهب وترتفع إلى أقصى الطرف العلويّ للصورة. ويبدو أن وظيفة الشجرة هي الربط البصريّ ما بين الأرض والسماء.
    ومن الناحية الرمزية، يمكن النظر إلى السرو كجسر بين الحياة كما تمثّلها الأرض والموت كما ترمز إليه السماء. كما أن أشجار السرو ترتبط عادةً بالمقابر والحِداد.
    في ذلك الوقت، كتب فان غوخ لأخيه رسالة يقول فيها: إن منظر النجوم في السماء يجعلني دائما احلم، وكثيرا ما اسأل نفسي لماذا تبدو بقع الضوء في قبّة السماء الزرقاء ابعد من البقع السوداء على خارطة فرنسا".
    "ليلة مرصّعة بالنجوم" تعتمد على الملاحظات المباشرة لفان غوخ وكذلك على مخيّلته وذكرياته وانفعالاته. برج الكنيسة، مثلا، يشبه الأبراج التي سبق أن رآها في موطنه هولندا، وليس في فرنسا. والأجرام التي تأخذ شكل الدوّامات تحاكي الملاحظات الفلكية المنشورة عن سحب الغبار والغاز المسمّاة بـ "السُّدُم".
    التوليف المتوازن والمعبّر في هذه اللوحة مشيّد من وضع شجرة السرو وبرج الكنيسة والغيوم السديمية في وسطها. وضربات الفرشاة القصيرة مع الطلاء السميك تبثّ في نسيج اللوحة بأكمله حركة هائجة ومُغضَبة.
    كان فان غوخ يرى أن الليل أكثر حيويةً وأغنى بالألوان من النهار. ومثل هذا المزج في اللوحة بين التباينات البصرية المختلفة أنتجه خيال فنّان كان يعشق الليل ويجد فيه مصدرا دائما للجمال والرهبة.

    Credits
    smithsonianmag.com

    Wednesday, March 21, 2018

    كتاب اللاطمأنينة

    كنت قد سمعت الكثير عن هذا الكتاب. ثم قرأته بعد أن وجدت ترجمته العربية على الانترنت. والحقيقة انه كتاب صعب وعصيّ على الفهم إلى حدّ كبير. لكن رغم صعوبته وإغراقه في أجواء التشاؤم والعدمية، إلا انه مليء بالمفردات الشاعرية والجمل الغريبة والصور المدهشة.
    بداية، لا اعرف إن كانت ترجمة عنوان الكتاب للعربية دقيقة أم لا. فـ "كتاب اللاطمأنينة" عنوان ملتبس ولا يُفصح بما فيه الكفاية عن مضمون أفكار مؤلّفه الشاعر البرتغاليّ فرناندو بيسوا. وربّما كان من الأفضل أن يُسمَّى "كتاب الانزعاج" أو "كتاب الهذيان" أو "كتاب القلق".
    والغريب انك عندما تفرغ من قراءته، لن يعلق في ذاكرتك منه شيء، على الرغم من أسلوب كاتبه الجميل. ومع ذلك فالكتاب يتضمّن بعض العبارات التي لا بدّ أن تستوقف القارئ وتدفعه للتفكير والتأمّل. وهذه بعضها..
  • السعادة هي ألا يكون لدى المرء رغبة في امتلاك أيّ شيء.
  • الرذيلة الوحيدة السوداء هي أن تفعل ما يفعله جميع الناس.
  • نحن لا نحبّ أحدا أبدا. ما نحبّه فقط هو فكرتنا عمّن نتوهّم أننا نحبّهم. ما نحبّه هو مفهومنا عن ذواتنا.
  • أنا هامش في مدينة لا وجود لها. أنا تعليق مسهب على كتاب لم يُكتب بعد. أنا شخصية في رواية تمرّ مرور الأثير وتتوارى دون أن تكون قد وُجدت.
  • أكتب وكأنّني أنفّذ عقوبة ما. والعقوبة القصوى هي أن اعرف أن كلّ ما كتبته عديم الجدوى، ناقص ويفتقر إلى اليقين.
  • الذين يعانون معاناة حقيقية لا يشكّلون مجتمعا. من يعاني يعاني منفردا.
  • ❉ ❉ ❉

    إذا حاولت أن تقرأ "كتاب اللاطمأنينة" من الغلاف إلى الغلاف، فستجده باعثا على الحزن والاكتئاب. إذ لا شيء كثيرا يحدث، وما ستقرؤه هو مجموعة من التأمّلات والأفكار الوجودية عن الحياة والوحدة والحالة الإنسانية.
    والكتاب استبطانيّ للغاية، لدرجة أن القارئ سيجد نفسه في حالة تلبّس مع أفكار الكاتب. لكن أرجوك ألا تقرأ الكتاب بهذه الطريقة. وبدلا من ذلك حاول أن تغمر نفسك فيه بطريقة عشوائية، وستكتشف عملا ذا طبيعة عبقرية لا يمكن نكرانها. ويمكن القول ببساطة انه تحفة في الكتابة الحديثة.
    من الصعب جدّا أن تشرح أو تفسّر كتاب بيسوا. وربّما يكون مجديا لو وضعته في سياق معيّن. عاش هذا الشاعر ما بين عامي 1888 و 1935. لكن أثناء حياته، كان يتجنّب الأوساط الأدبية والاجتماعية، رغم انه كتب الكثير من الشعر والنثر. وجزء كبير من كتاباته لم تُنشر إلا بعد وفاته.
    الاسم الحقيقيّ للشاعر، أي بيسوا، يعني بالبرتغالية "شخص". والمفارقة انه كان يكتب بأسماء أشخاص كثيرين، حوالي اثنين وسبعين اسما، وكلّ اسم كان له أسلوبه الخاصّ وشخصيّته وسيرته الذاتية المختلفة. ويتعيّن عليك أن تكون سمسارا أو عبقريّا حتى تكتب بكلّ تلك الأسماء الكثيرة.
    و"كتاب اللاطمأنينة" كتبه احد تلك الأسماء المستعارة، وهو برناردو سواريس، الذي كان يعمل في إحدى شركات صناعة الأقمشة في لشبونة. وفي مقدّمة الكتاب، يشرح بيسوا كيف قابل ذلك الشخص.
    أعمال الشاعر عُثر عليها في صندوق سيّارة بعد وفاته. وكتاباته النثرية لا تتضمّن نظام تسلسل أو تواريخ. لذا فإن جمعها معا كان مثار جدل واسع بين الأكاديميين الذين تخصّصوا في حياة بيسوا وكتاباته.
    من أشهر الاقتباسات المنقولة عن الشاعر قوله: أن تلمس قدم المسيح ليس مبرّرا لأن تخطيء في علامات الوقف". واستخدام الشاعر للغة عميق في الغالب ومدهش دائما. وفي ميزان القراءة فإن كتابه ثقيل، لكنه بنفس الوقت محلّق عاليا في تأمّلاته عن الحياة. وقراءته كفيلة بأن "تصيب روحك بالبرد" كما يقول بيسوا نفسه في واحدة من عباراته الرائعة.
    وبعض مقاطع الكتاب هي عبارة عن سطر واحد، والأخرى أطول قليلا، والقليل منها يحتلّ مساحة صفحتين. والأفكار غالبا عميقة، وأحيانا عصيّة على الفهم.
    "كتاب اللاطمأنينة" مليء بالجمل المدهشة، وهو لا يشبه أيّ كتاب سبق لك أن قرأته. ومن الغريب أن أعمال الشاعر غير معروفة على نطاق واسع. وإذا كنت شخصا ذا طبيعة تأمّلية، فإن هذا الكتاب سيغيّر طريقة رؤيتك للأشياء.
    ولعلّ أفضل ما يمكن أن يوصف به الكتاب هو عبارة بيسوا التي يقول فيها: أحدّق إلى الخارج من نافذة غرفتي، وأرى عددا هائلا من النجوم. لكن لا شيء هنا غير ذلك العدد الهائل من النجوم".

    Credits
    poetrysociety.org

    Friday, March 16, 2018

    موسيقى للكمان والبيانو والأوبو


    من الموسيقيين الموهوبين، ولكن الأقل شهرةّ في العالم، المؤلّف النمساويّ فريتز كريسلر الذي كان معروفا خلال العقد الأوّل من القرن العشرين.
    كان كريسلر على معرفة شخصية بيوهان برامز، وكانت موسيقاه مشبعة بروح فيينا، مع انه كان أيضا مواكبا للموسيقى الحديثة في زمانه.
    ولد في فيينا عام 1875 لعائلة يهودية من الطبقة الوسطى. لكنه كان دائما يقلّل من أهمية الدين في حياته. وفي ما بعد أظهر مقاومة لا تلين للفاشية الألمانية.
    درس كريسلر الموسيقى في معهد فيينا للموسيقى وهو في سنّ السابعة. وكان اصغر تلميذ آنذاك. وقد تعلّم الهارموني والتأليف والعزف على البيانو على يد انطون بروكنر الذي كان أشهر موسيقيّ في النمسا وقتها.
    في مرحلة تالية، أسّس مع آخرين فرقة موسيقية للهواة كان من بين المتردّدين على حفلاتها طالب طبّ وعازف كمان يُدعى سيغموند فرويد، الذي سيصبح في ما بعد مؤسّس علم النفس.
    ثم تعرّف على عازف البيانو الروسيّ انطون روبنشتاين وعازف الكمان النمساويّ يوسف يواكيم. واعتبر لقاءه بهذين الاثنين أهمّ حدث في حياته وقال انه يَعدِل دراسة خمس سنوات كاملة.
    في عام 1889، زار كريسلر أمريكا وذُهل لرؤيته نيويورك. وقد أقام هناك حفلا بمشاركة عازف البيانو الروسيّ سيرغي رحمانينوف.
    بدأ كريسلر يكتب الموسيقى مستلهما أساليب مؤلّفين من الماضي مثل الفرنسيّ فرانسوا كوبيرين والألمانيّ كارل ديترز.
    وأفضل مؤلّفاته هي عبارة عن قطع قصيرة لا تتجاوز مدّة الواحدة منها الثلاث دقائق، ويغلب عليها الطابع العاطفيّ. لكنّها أصبحت مشهورة جدّا وما تزال من بين المقطوعات الأكثر شعبية في العالم. وهي بالنسبة للكثيرين تختصر كلّ تراث آلة الكمان.
    من بين تلك المعزوفات مجموعة من ثلاث قطع صغيرة اسماها "نزوات من فيينا". القطعة الأولى بعنوان متعة الحبّ ، والثانية احزان الحبّ ، أما الثالثة، وهي أشهرها (الفيديو فوق)، فقد اختار لها اسم "روزماري الجميلة".
    نُشرت هذه المجموعة عام 1905 وعُزفت بآلات شتّى، كما عُزفت بمصاحبة الاوركسترا مع كمان، وأحيانا مع بيانو.
    عاش فريتز كريسلر حياة طويلة ومنتجة. وخدم في الجيش الألمانيّ مرّتين. ورفض أن يعزف في ألمانيا بعد تولّي النازيين السلطة فيها عام 1933. ثم غادر النمسا نهائيا إلى فرنسا بعد أن تعرّض للتهديد رغم تقدّمه في السنّ وقتها.
    وفي باريس، حصل على الجنسية الفرنسية، لكنه فضّل الذهاب إلى أمريكا. وفي احد شوارع نيويورك، صدمته حافلة وقضى أسابيع عديدة في غيبوبة. لكنّه شُفي من إصابته ثم حصل على الجنسية الأمريكية عام 1943.
    واستمرّ يقيم حفلات موسيقية هناك كان آخرها في قاعة كارنيغي عام 1947. وتوفّي في يناير من عام 1962 عن ستّة وثمانين عاما.

    ❉ ❉ ❉


    من الآلات الموسيقية ذات الصوت الجميل الاوبو. يمكنك سماع أنغام هذه الآلة في العديد من أغاني فيروز مثل هذه ، وفي الكثير من المقطوعات الكلاسيكية مثل هذه القطعة المشهورة لتشايكوفسكي.
    والاوبو آلة نفخية ذات مبسم مزدوج مصنوعة من الخشب غالبا، وهي تُستخدم كثيرا في الاوركسترا وفي موسيقى الغرفة وموسيقى الأفلام.
    ولا يُعرف أصل هذه الآلة ولا منشؤها أو من ابتكرها. لكن يرجَّح أن أوّل ظهور لها كان في منتصف القرن السابع عشر.
    وكان الاوبو هو الآلة المعتمدة في موسيقى الفرق العسكرية إلى أن حلّت مكانها آلة الكلارينيت. والعزف على الآلة أو تعلّمها يعتبر مهمّة صعبة وتتطلّب الكثير من المران والتدريب. ومن أشهر من ألّفوا أعمالا لهذه الآلة "كونشيرتوهات غالبا" جوزيف هايدن وسامويل باربر وباخ وألبينوني وغيرهم.
    ومن الموسيقيين المعاصرين الذين ألّفوا أعمالا للاوبو الموسيقيّ الايطاليّ اينيو موريكوني الذي كتب قطعة احتفى بها النقّاد والجمهور طويلا ووُصفت "بالخالدة".
    وقد ألّفها لتكون الموسيقى التصويرية الأساسية لفيلم "المهمّة" (1986) الذي يتناول أعمال المبشّرين اليسوعيين الإسبان في أمريكا الجنوبية في القرن الثامن عشر.
    اسم القطعة "اوبو غابرييل"، وهي موسيقى حزينة ولا تخلو من وقار وروحانية. في الفيلم، تبدأ الموسيقى بوصول البطل ، وهو كاهن يُدعى غابرييل، إلى طبيعة تضمّ شلال مياه، ثم يبدأ العزف على آلته الاوبو في محاولة لاستمالة وخطب ودّ السكّان المحليين من الهنود الحمر.
    كانت قبائل غوراني الهندية تراقب الراهب عن بعد. وعندما سمعوا صوت الآلة الموسيقية التي يعزفها بدؤوا في الاقتراب منه وهم مذهولون من أنغامها المجهولة. وكان الهنود يعرفون الآلات الهوائية ويستخدمونها، لكن ترتيب ونظام النوتات الغريب في عزف الكاهن أزعج زعيمهم لأنه لا يتناسب مع موسيقاهم القبلية. وكان ذلك بالنسبة لهم نذير شؤم بالتغيير الوشيك الذي سيطرأ على أسلوب حياتهم.
    وهنا يتقدّم زعيمهم ويأخذ الآلة من الكاهن ويكسرها. والغريب أن تلك الحادثة مثّلت بداية العلاقة بين الكاهن والقبائل الهندية.
    موريكوني هو ولا شكّ احد أعظم مؤلّفي موسيقى الأفلام. وكان قبل "المهمّة" قد ألّف موسيقى لمئات الأفلام. لكن موسيقاه لهذا الفيلم هي التي جلبت له شهرة عالمية واسعة بعد أن فازت بجائزة أفضل موسيقى فيلم. وقد مزج في هذه القطعة عدّة أساليب وتأثيرات موسيقية، ففيها مثلا كورال دينيّ وقرع طبول قبليّ وما إلى ذلك.
    عُزفت هذه القطعة عديدا من المرّات وأدّتها الكثير من الفرق السيمفونية، بقيادة موريكوني نفسه أحيانا. كما استخدمت المغنيّة سارا برايتمان هذه المقطوعة لأغنيتها نيللا فانتاسيا . ونظرا للمرّات الكثيرة التي قُدّمت بها الموسيقى على آلات غير الاوبو، صارت تُسمّى أحيانا تشيللو غابرييل أو اورغن غابرييل الخ.
    مدّة الموسيقى في الفيلم حوالي دقيقتين وهي تعطي انطباعا بالشاعرية مع شيء من الرسمية، لذا لم يكن مستغربا أن أصبحت تُعزف بكثرة في حفلات الزواج حول العالم.

    Credits
    classicfm.com

    Sunday, March 11, 2018

    ديرسو اوزالا


    ترك المخرج اليابانيّ الكبير اكيرا كيروساوا العديد من الأفلام المهمّة، مثل "راشومون" و"الساموراي السبعة". لكن له أفلاما أخرى اقلّ شهرة، لكنّها لا تقلّ تميّزا عن بقية أفلامه شكلا ومضمونا.
    من هذه الأفلام واحد بعنوان "ديرسو اوزالا" من إنتاج يابانيّ روسيّ مشترك. كنت قد شاهدت الفيلم قبل عشرين عاما وما أزال أتذكّر حتى الآن قصّته الجميلة ولقطاته الرائعة وأجواءه المعبّرة. والفيلم يعود إنتاجه إلى عام 1975، وهو أوّل فيلم لكيروساوا ناطق بغير اللغة اليابانية.
    موضوع الفيلم يستند إلى كتاب بنفس الاسم لمستكشف روسيّ يُدعى فلاديمير ارسينييف يحكي فيه عن رحلاته العديدة في مطلع القرن الماضي إلى مناطق شرق روسيا النائية، حيث صحراء سيبيريا المثلجة طوال العام. كان يرافق ارسينييف في رحلاته تلك عدد من الجنود، وكانت مهمّته رسم خرائط للجبال والطرق التي يسلكها هو ورفاقه.
    وديرسو اوزالا هو اسم دليل عجوز ينتمي إلى جماعة عرقية من البدو الرحّل الذين يعيشون على الحدود الصينية الروسية. وكان ارسينييف ورفاقه قد التقوا بهذا الرجل بالصدفة في إحدى الغابات التي توقّف فيها المستكشف للبحث عن قبر زميل له كان قد دفنه هناك قبل عدّة سنوات.
    كان ديرسو اوزالا يعيش لوحده في تلك البرّية. في البداية ظنّوه شخصا ساذجا وغريب الأطوار. لكن في ما بعد تبيّن لهم انه ذكيّ جدّا برغم بساطته وتحفظّه.
    وقد اتخذوه دليلا لهم في تلك المجاهل الخطيرة، وبعضها لم تكن قد وطأته قدم إنسان من قبل. وأثناء تلك الرحلات الطويلة والمضنية، نشأت بين ارسينييف وديرسو اوزالا علاقة احترام ومحبّة. وقد أنقذ الرجل حياة ارسينييف أكثر من مرّة، كما حاصرتهما العواصف الثلجية معا عددا من المرّات وكُتبت لهما النجاة بفضل ذكاء ديرسو اوزالا وشجاعته.
    واوزالا يفهم الطبيعة جيّدا بعد أن عاش فيها طويلا وأصبح واعيا بطريقة عملها. فهو يتحدّث إلى الماء والنار والمطر كما لو أنها بشر من لحم ودم. كما انه مرتبط روحانيّا بالظواهر الكونية كالشمس والقمر والمطر والرياح.
    يضاف إلى ذلك أن ديرسو اوزالا إنسان عطوف وشهم، فهو يصلح الأكواخ وينظّفها جيّدا ثم يترك فيها طعاما ومؤنا قبل أن يغادرها الفريق، كي يستفيد منها المسافرون الذين سيمرّون بالغابات لاحقا.
    صُوّر الفيلم على مدى أربع سنوات في نفس الأماكن الجميلة والموحشة التي تحدّث عنها ارسينييف في كتابه. وكيروساوا يصوّر جلال ورهبة سيبيريا في لقطات فخمة وطويلة ومعبّرة. كما انه يصوّر البرد والعواصف كما لم يفعل مخرج من قبل.
    عندما ساءت صحّة ديرسو اوزالا وضعُف بصره ووهنت قواه وحواسّه الأخرى نتيجة تقدّمه في السنّ، عرض عليه ارسينييف أن يأخذه ليعيش معه في مدينته. وقد وافق على الفكرة بعد تمنّع، وعاش مع المستكشف لعدّة أشهر في مدينة خاباروفسك.
    لكنه لم يتكيّف مع أسلوب الحياة الحديثة في المدينة، إذ لم يكن مسموحا له بإشعال النار أو قطع الأخشاب أو بناء كوخ، ففضّل في النهاية أن يعود إلى الطبيعة وحياة العيش في الغابات.
    وقبل أن يرحل، يقدّم له ارسينييف هديّة هي عبارة عن مسدّس جديد. وبعد أيّام، يتلقّى المستكشف برقية تحمل خبر العثور على جثّة رجل عجوز ملقاة على الطريق وأن عليه الحضور كي يتعرّف على صاحب الجثّة، لأنهم وجدوا في جيب سترته بطاقة مكتوبا عليها اسم ارسينييف.
    وهناك يكتشف أن الشخص الميّت هو صديقه ديرسو اوزالا وأن شخصا ما، قد يكون لصّا أو قاطع طريق، كَمُن له في الطريق وقتله طمعا في المسدّس الذي كان يحمله.
    فيلم "ديرسو اوزالا" هو عن قيمة الصداقة وعن الروح الإنسانية العصيّة على الكسر. وهو في نفس الوقت عن الحبّ والبراءة والتقاء ثقافات مختلفة.
    وهو لا يشبه الأفلام التي اعتدنا مشاهدتها، حيث التابلوهات والديكورات الضخمة. فأنت لا ترى فيه سوى الغابات والجبال والثلوج والمطر والعواصف. وكلّ هذه العناصر يوظّفها المخرج بشاعرية وحرفية كإطار لقصّة إنسانية رائعة.

    لمشاهدة الفيلم:
    الجزء الأوّل
    الجزء الثاني

    Credits
    sovietmoviesonline.com

    Wednesday, March 07, 2018

    جياكوميتّي: سارتر النحت


    في عام 1939، وفي احد المقاهي الليلية في باريس، كان يجلس النحّات السويسريّ البيرتو جياكوميتّي (1901-1966). كان المقهى شبه فارغ في تلك الساعة المتأخّرة من الليل. ثم جاء رجل وجلس على المائدة المجاورة.
    ولم يلبث أن أمال رأسه ناحية جياكوميتّي وقال: المعذرة، لقد رأيتك هنا مرارا وأظنّ أننا نفهم بعضنا جيّدا". ثم صمت قليلا وأضاف: ليس معي نقود، ولا ادري إن كان بمقدورك أن تطلب لي كوبا من القهوة".
    ولم يكن من عادة جياكوميتّي أن يرفض مثل ذلك الطلب. ثم تلا ذلك حديث طويل بدا أثناءه أن الرجلين يفهمان بعضهما بالفعل.
    كان جياكوميتّي قد سمع عن جان بول سارتر من قبل، لكن كانت تلك أوّل مرّة يراه فيها عيانا. وسارتر من ناحيته كان قد سمع الكثير عن جياكوميتّي ورأى بعضا من منحوتاته. وكان ذلك اللقاء بداية لعلاقة وثيقة وممتدّة بين الفيلسوف والنحّات.
    وقد كتب سارتر بعد ذلك اللقاء مقالا مشهورا بعنوان "البحث عن المطلق"، تحدّث فيه عن جياكوميتّي وامتدح فنّه وأشار إلى انه يطرح أسئلة وجودية عن البشرية وعن هشاشة وغربة الإنسان. وكان النحّات نفسه قد بدأ يرى في أفكاره وفنّه امتدادا للتقاليد الوجودية التي أرساها سارتر.
    وبالنسبة للأخير، كانت تماثيل جياكوميتّي مليئة بالمعاني، كما أنها تقف دائما في منتصف المسافة بين الكينونة والعدم.
    وقد كتب في مقاله ذاك أن لا احد يشبه جياكوميتّي في إحساسه بسحر الوجوه والحركات ومحاولته أن يغيّر الطريقة التي ننظر بها إلى الآخرين. وأضاف أن النحّاتين ولأكثر من ثلاثة آلاف عام كانوا صامتين دون أن يثيروا ضجيجا وأنهم كانوا ينحتون جثثا لا أكثر.
    كما أشار سارتر إلى أن التماثيل الجامدة في المتاحف، بأعينها البيضاء وهيئاتها الساكنة، تتظاهر بأنها تتحرّك، لكن أجزاءها ملحومة بقضبان من حديد. وختم مقاله بالقول: بعد ثلاثة آلاف عام من النحت، فإن مهمّة جياكوميتّي وزملائه المعاصرين ليست أن يضيفوا أعمالا جديدة إلى ما هو موجود في المتاحف، بل أن يثبتوا أن النحت ممكن فعلا".
    عندما ترى عملا لجياكوميتّي، ينتابك إحساس بأن هذا الفنّان يتعارك مع نفسه في محاولته العثور على شكل مناسب يعبّر من خلاله عن رؤاه. ومعظم منحوتاته تمنح شعورا بأنها خاصّة ولم تُصنع لكي يراها عامّة الناس.
    كان يهتمّ بكل تفصيل في عمله، وطالما دمّر العديد من منحوتاته بعد أن يكون قد اشتغل عليها لأسابيع وأحيانا لأشهر. وكثيرا ما نجح أصدقاؤه في استنقاذ رأس أو ذراع أو ساق تمثال. وكان يتركهم يفعلون هذا ويعود إلى عمله من جديد. وطوال خمسة عشر عاما لم ينظّم معرضا واحدا لأعماله.
    ويمكنك تمييز منحوتات جياكوميتّي بلا عناء وبنفس سهولة التعرّف على تماثيل النحّات البريطانيّ هنري مور التي تتّسم بكثرة الفتحات والتجاويف فيها. فرجال ونساء جياكوميتّي دائما طوال القامة ورفيعو القوام وبالغو الهشاشة. أطرافهم رفيعة جدّا مثل عيدان الثقاب، ورؤوسهم متناهية الصغر لدرجة أنها تبدو بعيدة جدّا في الفراغ. ولمسات أصابع النحّات على أسطحها تمنحها ملمسا خشنا كما لو أنها محروقة أو متآكلة.
    وجياكوميتّي لا يتحدّث عن الخلود، بل ولا يفكّر فيه أبدا. وقد قال ذات مرّة لسارتر بعد أن اتلف بعض تماثيله: لقد كنتُ سعيدا بها، لكنها صُنعت لتعيش فقط لبضع لساعات، مثل ومضات الفجر الخاطفة ولحظات الحزن العابرة".
    شخصيات جياكوميتّي هي عبارة عن بشر مجهولين ومعقّدين ومنعزلين بشكل لا يُحتمل. وهذا هو جوهر ما تقول به الفلسفة الوجودية. وتماثيله تعكس رؤية حداثة القرن العشرين والتي تتلخّص في أن الحياة الحديثة خاوية بشكل متزايد وخالية من المعنى. وهذه النظرة يؤكّدها قول الفنّان ذات مرّة: إذا جلستَ أمامي لأنحتك، فإنك ستصبح غريبا بالكامل، حتى لو كنت أعرفك".
    وقد اختار جياكوميتّي لعمله مادّتين خفيفتين هما الجبس والطين، وهما من أكثر المواد روحانيةً وقابليةً للاختراق. "ليس هناك مادّة اقلّ خلودا وأكثر ضعفا وشبها بالإنسان من الطين".
    كان جياكوميتّي مهجوسا برؤوس ووجوه الناس الذين كان يراهم حوله، وهو يتعامل مع الوجوه بعاطفة قويّة وكما لو أنها آتية من عالم آخر.
    وقد كان له معجبون كثر، مثل الشاعر جان جينيه الذي كان مفتونا بفنّه وبتقشّفه الغريب واحتقاره للراحة والبذخ. لكن اقرب أصدقائه إلى نفسه كان الروائيّ سامويل بيكيت الذي طالما رافقه أثناء مغامراتهما الليلية في أحياء باريس. ومثل شخصيّات بيكيت، كانت تماثيل جياكوميتّي تعكس نظرة إلى عالم معزول ومغرق في فردانيّته وأنانيّته.
    كان جياكوميتّي يتمتّع بروح دعابة عالية، وكان شخصا ناجحا في حياته. لكن عندما تنظر إلى صوره في الانترنت، ستلاحظ انه نادرا ما يبتسم، وكلّ صوره ومقابلاته تحيل إلى شخصية متحفّظة وخجولة.
    وبعد مرور أكثر من خمسين عاما على رحيله، ما يزال جياكوميتّي يتمتّع بحضور كبير في المشهد الفنّي العالمي وفي سوق الفنّ اليوم. ففي عام 2010، بيعت إحدى منحوتاته بمبلغ خمسة وستين مليون جنيه استرليني. ثم بيعت منحوتة أخرى له بعنوان رجل يؤشّر بيده بمبلغ مائة وستّة وعشرين مليون دولار، لتصبح أغلى منحوتة بيعت في العالم حتى الآن.

    Credits
    fondation-giacometti.fr/en
    theartstory.org

    Thursday, March 01, 2018

    برامز: رقصات هنغارية


    كان يوهان برامز مؤلّفا موسيقيّا وعازف بيانو من الحقبة الرومانسية في ألمانيا. وقد قضى وقتا طويلا في فيينا وعمل مع مشاهير الموسيقيين في زمانه، مثل كلارا شومان ويوسف يواكيم.
    منذ صغره اكتشف برامز جمال الموسيقى الفولكلورية لشعوب وسط أوربّا. وفي عام 1850، قابل موسيقيّا وعازف كمان هنغاريّا مهاجرا يُدعى ادوارد ريمني. وقد عرّفه الأخير على الموسيقى الغجرية وأصبح عاشقا لها.
    وقد كتب برامز بعد ذلك مجموعة من إحدى وعشرين رقصة كي تُعزف على آلتي بيانو، ونشرها ما بين عامي 1869 و 1880 تحت اسم "رقصات هنغارية".
    واتّبع في تأليفها اتّجاها موسيقيا كان سائدا آنذاك ويقوم على مزج الثقافة الموسيقية للأقليات، وخاصّة الغجر، بأنواع الموسيقى الأخرى. والمعروف أن موسيقى الغجر أسهمت في إثراء الثقافات الموسيقية لكلّ من هنغاريا والنمسا وتشيكوسلوفاكيا.
    وضع برامز نفسه التوزيع الموسيقيّ لبعض تلك الرقصات، بينما أشرك زميله الموسيقيّ التشيكيّ انطونين دفورتشاك في توزيع البعض الآخر.
    كان برامز توّاقا لتأليف قطع هنغارية الطابع. وكان يعرف أن هناك من الجمهور من يستهويه سماعها. وقد لفتت هذه الرقصات الأنظار عند نشرها لأوّل مرّة وأصبحت تُقدّم بآلات موسيقية متنوّعة غير البيانو.
    وجميع هذه الرقصات الإحدى والعشرين تتّسم بسرعة إيقاعاتها وهي تحاكي نشاط وطاقة الفولكلور الهنغاريّ. كما أنها تشبه إلى حدّ كبير الرقصات السلافية التي ألّفها دفورتشاك.
    ومدّة كلّ قطعة منها لا تتجاوز الدقائق الخمس. وقد صارت من بين أكثر مؤلّفات برامز شعبية، كما حقّق من ورائها كسبا ماديّا كبيرا.
    وإحداها، وهي الرقصة رقم خمسة (الفيديو فوق)، أصبحت الأكثر شهرة وانتشارا. ولحنها مقتبس من لحن لمؤلّف موسيقيّ هنغاريّ يُدعى بيللا كالار.
    كان روبرت شومان صديقا لبرامز. وقد أبدى الأوّل إعجابه بموهبة برامز عندما التقيا لأوّل مرّة. وعندما توفّي شومان عام 1856، ذهب برامز إلى دوسلدورف ليحضر جنازته وليقف إلى جانب زوجته كلارا شومان.
    وقيل وقتها أن علاقة ما نشأت بينه وبين أرملة صديقه. لكن ليس بالإمكان تأكيد أو نفي تلك القصّة لأن الاثنين اتلفا جميع الرسائل التي تبادلاها في تلك الفترة.
    المعروف أن نزاعا موسيقيّا اُسمي بحرب الرومانسيين نشب بين كلّ من فاغنر وفرانز ليست من ناحية، واللذين كانا يمثّلان النهج الثوريّ في الموسيقى آنذاك، وبين المحافظين من ناحية أخرى الذين كان يمثّلهم برامز وكلارا شومان وآخرون.
    وبشكل عام، كان يُنظر إلى موسيقى برامز وقتها على أنها موضة قديمة، مع أنها تتمتّع بشعبية كبيرة هذه الأيّام.
    كان ابرامز شخصا متواضعا ومؤمنا بالأفكار الإنسانية. وكان يحبّ السفر والترحال، خاصّة إلى تلال ايطاليا حيث كان يزاول المشي وحياة العزلة كي يؤلّف موسيقاه.
    وقد توفّي في ابريل عام 1897 بعد إصابته بالسرطان. وفي نفس تلك السنة، كتب موسيقيّ انجليزيّ يُدعى هيوبيرت باري مرثية موسيقية إكراما لذكراه.
    إن كانت موسيقى برامز "فوق" قد أعجبتك، فربّما تعجبك أيضا بعض موسيقاه الأخرى المشهورة مثل هذه أو هذه أو هذه .

    Credits
    allmusic.com

    Tuesday, February 27, 2018

    عُمَر العظيم

    عندما غرقت سفينة التايتانيك، في ليلة الرابع عشر من ابريل عام 1912، في البحر قبالة ساحل العالم الجديد، كان أهمّ ضحايا تلك المأساة كتاب.
    الروائيّ الفرنسيّ من أصل لبنانيّ أمين المعلوف قد يكون توسّع في هذه القصّة بعض الشيء عندما تناولها في روايته التاريخية سمرقند (1988). أما الكتاب المقصود فكان مخطوطا لديوان الرباعيّات للشاعر الفارسيّ عمر الخيّام من القرن الحادي عشر الميلاديّ.
    وفي الحقيقة كانت توجد وقتها نسخ متعدّدة من ذلك الديوان. غير أن المخطوط الذي حملته التايتانيك في رحلتها المشئومة تلك كان الأكثر فرادة وتميّزا، ليس من حيث مضمونه ولكن بسبب مظهره الغريب. وهذا المخطوط الحقيقيّ هو الذي ألهم المعلوف كتابة روايته المشهورة والتي يستهلّها بهذا السطر: في قاع التايتانيك، كان هناك كتاب. وسأروي لكم تاريخه".
    يقول مثل فارسيّ مشهور: من يبتغِ طاووسا عليه أن يذهب إلى الهند". والمثل يشير إلى ملك فارسيّ قديم يُدعى نادر شاه كان قد استولى في منتصف القرن الثامن عشر على الهند ونهب، من ضمن أشياء أخرى، عرش الطاووس المشهور فيها. وقد استُنسخت صورة ذلك الطاووس في لندن في وقت لاحق.
    كان كلّ من جورج ساتكليف وفرانسيس سانغورسكي مشهورَين في انجلترا بتصميماتهما الباذخة في تجليد الكتب وترصيعها بالمجوهرات، مدفوعَين برغبتهما القويّة في إحياء تقاليد القرون الوسطى. وفي احد الأيّام، قصدهما صاحب مكتبة مشهورة في لندن يُدعى هنري سوثران كي يكلّفهما بتصميم وتجليد كتاب لا يشبه أيّ كتاب آخر.
    حدث هذا في السنوات الأولى من القرن العشرين. وبدأ المصمّمان عملهما واستخدما في تصميم وتجليد الكتاب ألف حجر ثمين ما بين ياقوت وتوركواز وزمرّد وخمسة آلاف قطعة من العاج والجلد والذهب والفضّة.
    ولم تكن تلك التكلفة الباهظة تمثّل أيّة مشكلة، فقد مُنح ساتكليف وسانغورسكي شيكا على بياض كي يطلقا مخيّلتهما لصنع أفخم وأغلى كتاب سيراه العالم.
    وعندما أنجزا مهمّتهما في عام 1911، بعد عامين من الجهد المكثّف، صدر الكتاب العجيب حاملا عنوان "عُمَر العظيم". وكان يضمّ بين دفّتيه ترجمة ادوارد فيتزجيرالد لقصيدة الرباعيّات لعمر الخيّام مع رسوم توضيحية وضعها الفنّان ايلياهو فيدر. وكان يزيّن الغلاف الأماميّ للكتاب ثلاثة طواويس رُصّعت ذيولها بالمجوهرات وأحيطت بعناقيد كروم وبأنماط زهرية معقّدة مثل تلك التي تزيّن المنمنمات الفارسية من القرون الوسطى، بينما رُسم على غلافه الخلفيّ صورة لآلة بوزوكي يونانية.
    كان سوثران ينوي شحن الكتاب إلى نيويورك. وعندما وصل إلى هناك، رفض باعة الكتب أن يدفعوا الضريبة الثقيلة التي فرضتها سلطة الجمارك الأمريكية على الكتاب. فأُعيد شحنه إلى انجلترا، حيث اشتراه غابرييل ويلز من احد مزادات سوثبي بمبلغ أربعمائة وخمسين جنيها إسترلينيّا. ومثل سوثران، كان ويلز يُزمع إرسال الكتاب-التحفة إلى الولايات المتّحدة.
    لكن لسوء الحظ، لم يُقدَّر للكتاب أن يُشحن على السفينة الأصلية، فاختيرت السفينة التالية، وكانت التايتانيك، للقيام بالمهمّة. وما حدث بعد ذلك أصبح تاريخاً.


    لكن القصّة لم تنتهِ بغرق التايتانيك، ولا حتى بالموت الغريب لسانغورسكي الذي قضى غرقا بعد ذلك ببضعة أسابيع.
    فابن شقيق ساتكليف، واسمه ستانلي براي، قرّر أن يحيي ذكرى عُمَر الشاعر من خلال بعث الكتاب إلى الحياة مرّة أخرى. وباستخدامه الرسومات الأصلية التي كان قد وضعها سانغورسكي، تمكّن بعد ستّ سنوات من العمل المضني من استنساخ الكتاب ثم أودعه في سرداب احد البنوك.
    ويبدو أن كتاب "عُمَر العظيم" وُلد وهو يحمل علامة شؤم. وربّما لأنه كان رمزا لهشاشة الإنسان، فقد أتى عليه حريق لندن الذي اندلع خلال الحرب العالمية الثانية وحوّله إلى رماد.
    لكن براي لم ييأس ولم يستسلم، بل شمّر عن ساعديه وبدأ العمل من جديد على إنتاج نسخة أخرى من كتاب عمّه. لكن في هذه المرة لم يستغرق صنع الكتاب سنوات بل عقودا. وقد أُكمل بعد أربعين عاما من العمل المتقطّع. وقبيل موته، أوصى براي أن تؤول ملكية الكتاب إلى المكتبة البريطانية، حيث يمكن رؤيته اليوم. وكان قد قال قبل رحيله: لا أؤمن بالخرافات رغم أنهم يقولون إن الطاووس يرمز للكوارث".
    ترى ما هي الرباعيات؟ ومن هي هذه الشخصية الغامضة التي فتنت سوثران والكثيرين غيره؟
    ينتمي عمر الخيّام إلى بلدة في شرق إيران. وأثناء حياته، كان يحظى بالتقدير الكبير بسبب اكتشافاته المبتكرة في الفلك والرياضيات. وكما هو الحال مع غيره من الموسوعيين الفرس، مثل ابن سينا، كان الخيّام شاعرا أيضا. لكن قصائده لم تكن تشبه قصائد أيّ شاعر إيراني أتى قبله.
    فَهِمَ الخيّام الطبيعة الموقّتة للحياة وحتمية الموت ودعا لأن يستمتع الإنسان بالوقت القصير الممنوح له على هذه الأرض. يقول في إحدى رباعياته:
    لا تشغل البال بماضي الزمان : ولا بآتي العيش قبل الأوان
    واغـنم مـن الـحاضر لـذّاته : فـليس في طبع الليالي الأمان
    ولطالما عبّر الشاعر عن حيرته وعن تشكّكه في الكثير من الأفكار التي اعتاد الناس أن يتقبّلوها دون نقاش.
    أطال أهل الأنفس الباصرة : تفكيرهم في ذاتك القادرة
    ولـم تـزل يـا ربّ أفهامهم : حيرى كهذي الأنجم الحائرة
    والمعروف أن الخيّام عاش في ظروف اتّسمت بالاضطراب السياسيّ، فإيران في زمانه كانت تحت احتلال الأتراك بعد أن فتحها العرب، وستأتي جيوش المغول بعد وقت قصير لتنشر فيها الموت والخراب.
    كان غوته محبّا لحافظ، وفولتير معجبا بسعدي. أما فيتزجيرالد فوجد في "صانع الخِيَام العجوز" رفيقا لروحه. وكان قبل ذلك قد ترجم بعض نصوص الأدب الفارسيّ ومن ضمنها كتاب "منطق الطير" للشاعر فريد الدين العطّار. لكن الرباعيات أصبحت تحفته الكبيرة بلا منازع.
    ورغم أن ترجمته لها كانت فضفاضة إلى حدّ ما، إلا انه نقل فيها روح الرباعيات ونَفَس شاعرها. في البداية، لم يلفت الكتاب انتباه الكثيرين، لكنه سرعان ما أصبح يتمتّع بشعبية جارفة لم يكن فيتزجيرالد نفسه يتخيّلها أبدا.


    وفي أواخر القرن التاسع عشر، عمد صالون أدبيّ تؤمّه النخبة في لندن إلى تغيير اسمه إلى عمر الخيّام. وما يزال الصالون يحمل هذا الاسم إلى اليوم. كما كانت ترجمة فيتزجيرالد للخيّام مصدر إلهام للفنّانين ما قبل الرافائيليين، مثل وليام موريس وادوارد بيرن جونز.
    وطُبعت من الرباعيات نسخ كثيرة مع صور توضيحية وضعها فنّانون آخرون مثل ادموند دولاك وادموند سوليفان وغيرهما. كما اقتبس مارتن لوثر كنغ بعض كلمات الخيّام في خطبته المناوئة للحرب عام 1967. وفي احد الأوقات، أنتجت هوليوود فيلما عن الشاعر، وظهرت العديد من عباراته ضمن كتاب اوكسفورد للاقتباسات.
    وما من شكّ في أن شعر الخيّام صمد أمام امتحان الزمن. وفي بلده إيران، ما يزال يتمتّع بشعبية كبيرة، إذ لا يكاد يخلو بيت من نسخة من الرباعيات. وعلى الرغم من أن فيتزجيرالد عدّل كثيرا في ترجمته، إلا أن الرباعيات ما تزال أشهر نسخة انجليزية من الديوان حتى اليوم. وفي أنحاء أخرى متفرّقة من العالم، ما تزال هذه القصائد تُقرأ وبمختلف اللغات.
    ربّما كان ساتكليف وزميله سانغورسكي قد تنبّئا مسبقا بالأهمية الكبيرة التي سيحظى بها كتاب الرباعيات عندما اختارا له ذلك التصميم العجيب. لكن كيف أمكن لكلمات كتبها شاعر قبل عشرة قرون أن يكون لها كلّ هذا الذيوع والانتشار المستمرّين، من العصر الفيكتوري إلى عصر القرن الحادي والعشرين؟
    الإجابة تكمن في خلود الرباعيات نفسها وفي حديثها عن الحقائق الكونية العامّة التي لا تقتصر على ثقافة أو دين أو عقيدة بعينها.
    وفي وقتنا الحاضر، حيث يعيش العالم حالة من التوتّر وعدم اليقين، قد تكون الرباعيات ذات صلة بعالمنا أكثر ممّا كانت خلال العصر المضطرب الذي كُتبت فيه أوّل مرّة.
    تُرى ما الذي يمكن أن يقوله مؤلّف ديوان الشعر الأكثر بذخا عن عالمنا المجنون لو كان ما يزال حيّا إلى اليوم؟
    ثمّة الكثير مما يمكن اقتباسه من شعر الخيّام ممّا يناسب واقع الحال اليوم كقوله مثلا:
    لا توحش النفس بخوف الظنون : واغنم من الحاضر أمن اليقين
    فـقد تـساوى فـي الـثرى راحـل غـدا : وماضٍ من ألوف السنين
    أو قوله:
    زخـارف الدنيا أساس الألم : وطالب الدنيا نديم الألم
    فكن خليّ البال من أمرها : فكلّ ما فيها شقاء وهمّ
    أو قوله:
    عش راضيا واهجر دواعي الألم : واعدل مع الظالم مهما ظلم
    نـهـايـة الـدنـيـا فــنـاء فــعـش : فـيـهـا طـلـيـقا واعـتـبـرها عــدم

    Credits
    bbc.com

    Thursday, February 22, 2018

    ثيودوراكيس: زوربا اليونانيّ


    ما أن يُذكر اسم جزيرة كريت حتى تلتمع في الذهن بعض الصور: أمواج بحر ايجة وهي تتكسّر على الشاطئ الرمليّ الأبيض، والرائحة العذبة لأشجار الزيتون مختلطةً بهواء البحر المالح، وصورة مجموعة من الرجال الملتحين المتشابكة أذرعهم حول أكتافهم وهم منهمكون في الرقص.
    من السهل أن تتخيّل نوعية الموسيقى التي يرقص هؤلاء الرجال على إيقاعاتها. فهناك احتمال كبير بأنهم يرقصون على أنغام موسيقى زوربا التي تعزفها آلة البزق أو البوزوكي اليونانية.
    كتب ميكيس ثيودوراكيس هذه الموسيقى لفيلم "زوربا اليونانيّ" عام 1964. وكان الفيلم حدثا مهمّا في منتصف الستّينات حيث حصل على ثلاث جوائز اوسكار وظلّ في المخيّلة الشعبية زمنا طويلا كرمز للثقافة اليونانية المعاصرة.
    والفيلم يستند إلى رواية للكاتب الكريتيّ نيكوس كازانتزاكيس. وقد لعب دور البطولة في الفيلم الممثّل انطوني كوين الذي قام بدور اليكسيس زوربا، وهو شخص يونانيّ بسيط ومحبّ للحياة، يقابل في طريقه إلى كريت رجلا انجليزيّا متعلّما ومحافظا يُدعى "بازل" ويقوم بدوره الممثّل آلان بيتس.
    بازل المنهمك في قراءة كتاب لبوذا كان قد ورث عن والده منجما للفحم في اليونان. وبعد لقائه بزوربا، يُعجب بهذا الأخير ويستأجره للإشراف على المنجم. ومع الأيّام تنشأ بين الاثنين صداقة وثيقة، مع أن زوربا يحترم تجارب الحياة أكثر من الشهادات والثقافة.
    وزوربا يقول لبازل في احد أجزاء الفيلم: ما فائدة كلّ هذه الكتب اللعينة؟ أنت تفكّر كثيرا لأنك تقرأ وهذه مشكلة". ثم يحاول زوربا أن يشجّع صديقه الانجليزيّ على أن يخرج من شرنقته ويُقبِل على الحياة.
    وعلى الرغم من روح زوربا المتفائلة، إلا أن صداقتهما تتعرّض لعدد من النكسات، إذ تموت امرأتان مقرّبتان من بازل ميتة رهيبة، ويصبح من الخطير جدّا استخدام المنجم رغم كلّ المحاولات المبذولة لإصلاحه.
    ثم يقرّر بازل أن يعود نهائيا إلى انجلترا. وقبل أن يغادر يطلب من صديقه زوربا أن يعلّمه الرقص. وبرغم كلّ المآسي التي مرّ بها الاثنان، إلا أنهما يرقصان بجذل على الشاطئ ويستمتعان بوقتهما لمجرّد أن يعلما أنهما ما يزالان على قيد الحياة.


    نظرة كازانتزاكيس المتوسّطية إلى العالم كانت مصدر افتتان وإلهام للمجتمعات الغربية التي تعبت من المنطق ووفرة الأشياء وأُعجبت بزوربا البطل الجريء والعفويّ الذي رفض الأعراف الراسخة واحتضن عواطفه وأفكاره الخاصّة.
    والرواية بأكملها هي عبارة عن أسطورة عن العقل والجسد. فالبطل بيتس يمثّل ابوللو الذي يجسّد روح النظام والعقلانية، بينما يمثّل زوربا دايونيسيس الذي يجسّد روح إرادة العيش بتلقائية ومتعة.
    وقد أصبحت صورة زوربا وهو يعلّم بازل الرقص على شاطئ كريت ترمز لليونانيين كشعب عاطفيّ وتلقائيّ ومحبّ للحياة. والموسيقى التي يرقص عليها الاثنان والتي ألّفها ثيودوراكيس أصبحت تجسّد اليونان الحديثة. وأحد الأسباب المهمّة لاقترانها باليونان يمكن عزوه إلى حقيقة أن فيلم زوربا صُوّر بممثّلين من مواطني اليونان وقبرص، باستثناء أبطال الفيلم الثلاثة، أي انطوني كوين وآلان بيتس وليلى كيدروفا.
    وثيودوراكيس نفسه لم يكن معروفا من قبل كمؤلّف لموسيقى الأفلام. فقد بدأ حياته المهنية في الخمسينات بكتابة الموسيقى الكلاسيكية في باريس وذلك قبل أن يعود إلى وطنه الأمّ اليونان ويمزج مؤلّفاته بالموسيقى التراثية لوطنه.
    وكان لتبنّي ثيودوراكيس للموسيقى الشعبية اليونانية دوافع سياسية، إذ كان قد أسّس مؤتمر الشباب الديمقراطيّ اليساريّ عام 1936، ثم انتُخب عضوا في البرلمان اليونانيّ، وفي نفس تلك السنة شاهد الناس فيلم زوربا الذي وضع موسيقاه.
    لكن بعد ذلك بفترة قصيرة، قامت الحكومة اليمينية بحظر موسيقاه، وقضى سنوات أواخر الستينات في السجن، قبل أن يُنفى إلى بباريس. وفي عام 1974، تمكّن من العودة إلى اليونان، وهو اليوم يُعتبر أعظم موسيقيّ حيّ في البلاد.
    وعلى الرغم من كثرة مؤلّفات ثيودوراكيس السيمفونية والأوبرالية، إلا أن موسيقى زوربا ظلّت هي تحفته الأولى بلا منازع. وقد تصدّرت قوائم الموسيقى في العالم أكثر من مرّة وظلّت تُعزف باستمرار في العديد من الحفلات والفعاليات الموسيقية حول العالم.

    Credits
    rebeatmag.com

    Sunday, February 18, 2018

    أبو نواس الصينيّ


    لو سألت أيّ صينيّ عن أعظم سلالة في تاريخ الصين فسيجيبك غالبا أنها سلالة تانغ. والسبب هو أن فترة حكمهم (618-907) اتّسمت بالتنوّع الثقافيّ والانفتاح على الحضارات الأخرى. كما أنهم نجحوا في إقامة أقوى إمبراطورية واقتصاد في العالم آنذاك.
    كانت تلك السلالة تتألّف من ستّ عائلات حكمت عشر ممالك. وكانت عاصمة ملكهم "شيان" أكثر مدينة مأهولة في العالم في ذلك الوقت.
    وقد تقبّل ملوك التانغ الأفكار الأجنبية، بما فيها الفنون والآداب، وكذلك الأديان كالبوذية التي انتشرت في زمنهم إلى بلدان آسيا. وتحت حكمهم ازدهرت الثقافة الصينية نفسها وعاش الشعر الصينيّ أزهى فتراته.
    وفي عصر التانغ، وبالتحديد قبل 1300 عام، أي في بدايات القرن الثامن الميلاديّ، ولد أشهر شاعرين في تاريخ الصين، هما لي باي ودو فو. وأهميّة هذين الشاعرين في الصين تشبه أهميّة شكسبير عند الانجليز وبوشكين عند الروس.
    ورغم أن اللغة تغيّرت منذ ذلك الحين، إلا أن قراءة قصائدهما ما تزال متيّسرة بالنسبة للصينيين اليوم، كما أن أفكارهما عن الصداقة والحبّ والطبيعة وفساد الحكّام ما تزال ذات صلة بالعالم الحديث.
    ولي باي هو الشاعر الأكثر شهرة. وأشعاره مصاغة بجمل مختزلة، وهي عموما تتحدّث عن العزلة وعن الحنين للوطن. والكثير من حياته منعكس في قصائده، كالأماكن التي زارها، والأصدقاء الذين ودّعهم ورحلوا إلى أماكن بعيدة وربّما لن يعودوا، بالإضافة إلى تخيّلاته الحالمة وأوصافه للأحداث والطبيعة.
    وشعر لي باي يشبه إلى حدّ كبير شعر أبي نواس في الشعر العربيّ من حيث تمجيده واحتفائه الكبير بالشراب، واستخدامه للخيال، والتطرّف في بعض صوره، وقدرته على مزج كلّ هذا لينتج شعرا خالدا يصعب تقليده. ومثل أبي نواس أيضا، لا احد كتب عن النبيذ في الشعر الصينيّ أكثر من لي باي. وكثيرا ما يصوّر الشاعر في الرسم وهو يحدّق في قاع كأسه النبيذيّ انتظارا للإلهام.
    والسُّكْر الذي يعبّر عنه في شعره ينسجم مع المبدأ الطاويّ الذي يدعو إلى تحدّي وكسر الأعراف الاجتماعية. والطاوية نفسها تنظر إلى السُّكْر كجزء من "الطاو" أو الطريق. وحتى الشخصيات الخالدة في الطاوية كثيرا ما تُصوّر وهي في حالة سُكْر. والطاوية ترى أن النبيذ في النهاية هو من نتاج الطبيعة. وهو لا يعني فقدان الوعي، بل هو وسيلة لإبعاد المرء عن المشاعر التي تُثقِل على عقله.
    يقول لي باي في قصيدة بعنوان "الصحو من السُّكْر في يوم ربيعيّ": الحياة في هذا العالم ليست أكثر من حلم كبير. لذا لن أهدر حياتي بتحميلها أيّة أعباء أو اهتمامات. أسكر طوال اليوم وأستلقي بلا حراك عند الرّواق أمام بابي. وعندما أصحو، انظر إلى أشجار الحديقة وألمح طائرا يغرّد بين الأزهار وأسائل نفسي: هل كان اليوم ممطرا أم صحواً؟".
    لكن الشاعر في مقطع آخر يقرّ بأن النبيذ ليس حلا ناجعا لكافّة المشاكل. يقول: تعود الأحزان ثانية رغم أننا نغرقها بالنبيذ. ولأن العالم لا يمكن أن يجيب على جميع تساؤلاتنا، سأحلّ شعري غدا وأنزل إلى قارب صيدي الصغير".
    ولـ لي باي أيضا قصائد أخرى تتضمّن أفكارا وتأمّلات عامّة. يقول مثلا: تسألني لماذا اتّخذت لنفسي بيتا في غابة جبلية، وأبتسم وأنا صامت. وحتى روحي تظلّ صامتة لأنها تعيش في عالم آخر لا يملكه احد، حيث الأشجار مزهرة دائما والماء لا يكفّ عن الجريان".


    وقوله أيضا: كلّ شيء يذهب إلى الأبد، الأحداث، البشر، كلّ شيء إلى زوال مثل أمواج اليانغتسي التي يبتلعها البحر". وقوله: تلاشت الطيور من السماء، وجفّت آخر غيمة. نجلس معا، الجبل وأنا، وفي النهاية أرحل أنا ويبقى الجبل".
    كان لي باي شاعرا ماجنا. وأحد الأسباب التي تفسّر شعبيّته الكبيرة هو عربدته التي كان يمازجها شيء من المرح الصاخب.
    وكلّ فرد في الصين ومنذ سنّ الطفولة يجب أن يتعلّم شيئا من أشعاره. وحتى الصينيين الذين يعيشون في الغرب يحرصون على تعليم أطفالهم بعض أشعاره، ومن ضمنها قصيدته المشهورة عن القمر.
    والقمر في الصين يكتسب معنى خاصّا. إذ عندما يكون مكتملا فإنه يرمز إلى اجتماع شمل العائلة. والفكرة هي أن الإنسان يرى نفس القمر مع عائلته أو أقاربه، رغم أنهم قد يكونون في أماكن متباعدة جغرافيّا. لذا فإن قصيدة لي باي هذه تلامس وترا حسّاسا في نفوس الصينيين. كما أن القمر يرمز للشعر والأحلام.
    والغريب أن القمر يلعب دورا مهمّا في موت الشاعر نفسه. إذ تقول القصّة أن لي باي غرق في مياه احد الأنهار عندما سقط من قاربه وهو يحاول احتضان صورة القمر المنعكسة فوق الماء. ربّما كان ثملا في تلك اللحظة، وعلى الأرجح كان هذا هو حاله معظم الوقت.
    البورتريه المرسوم لـ لي باي يصوّره مرتديا لباسا طويلا ابيض بينما يرفع كأس النبيذ باتجاه القمر. وبطبيعة الحال، وكما سلفت الإشارة، لم يكن للسُّكْر دلالات سلبية بالنسبة لشاعر من القرن الثامن الميلاديّ، بل كان هو الطريق للإلهام المقدّس. ولي باي وزميله دو فو كانا يشربان بشراهة، رغم أن حياة كلّ منهما كانت مختلفة كثيرا عن حياة الآخر.
    فـ لي باي كان نجما كبيرا تحفّ به آيات التبجيل والتكريم أينما ذهب لأنه عبقريّ. أما دو فو فكان منتهى طموحه أن يحصل على وظيفة في الحكومة، لكنه فشل ولم يظفر بمنصب جيّد.
    ثم وقع تمرّد في الصين قاده جنرال يُدعى "آن لوشان" وأعقبته ثمان سنوات من الحرب الأهلية. فهرب دو فو من شيان عاصمة الإمبراطورية، ثم اعتُقل، ثم تاه بعد ذلك وأصبح يتنقّل كلاجئ ومنفيّ إلى أن اغتيل قائد التمرّد على يد ابنه. وبعدها أصبح بإمكان كلّ شخص أن يعود إلى بيته.
    وقد تمكّن دو فو من الحصول على وظيفة حكومية، لكن هذه الحال لم تدم طويلا. إذ يبدو انه فعل شيئا ما اغضب الإمبراطور، أو ربّما كان قد تحدّث بجرأة عن موضوع محظور أو كتب أشعارا تنتقد النظام. لذا تمّ طرده من وظيفته. وهو في إحدى قصائده يعلن أن مهمّته هي تحريض الناس وأنه عازم على فعل ذلك إلى أن يغيّبه الموت.
    وفي نهاية حياته، أصبح دو فو إنسانا معدما، لدرجة أن احد أطفاله مات بسبب الجوع. وهو في إحدى قصائده المشهورة عن الظلم في العالم، يتحدّث عن عاصفة هوجاء تهبّ على كوخ تقطنه عائلة فقيرة فتقتلع سقفه وينهمر المطر بغزارة على رؤوس الأطفال بداخله. ثم يحلم الشاعر لو انه يمتلك بيتا صلبا كالجبال يضمّ آلاف الغرف ليؤوي فيه كلّ المشرّدين في العالم، ويقرّر انه سيكون سعيدا لو مات من البرد بعد ذلك في كوخه البسيط والمتواضع.
    والصينيون يتحدّثون كثيرا عن هذه القصيدة. وهم يستخدمونها مع شيء من التحريف لوصف فساد المسئولين البيروقراطيين الذين يهتمّون بأنفسهم وعائلاتهم وينسون بقيّة الشعب. ورغم أن معظم الصينيين لا يتوفّر لهم من الوقت ما يكفي لقراءة الشعر هذه الأيّام، إلا أنهم يتذكّرون لي باي ودو فو ويرون في أشعارهما انعكاسا لبعض تفاصيل واقعهم اليوم.

    Credits
    chinese-poems.com

    Friday, February 16, 2018

    داخل الإطار الأصفر


    عرفتُ مجلّة ناشيونال جيوغرافيك لأوّل مرّة قبل أكثر من عشرين عاما عند بعض الزملاء ممّن لهم اهتمامات بيئية وعلمية. وكانت تُرسل لهم أعداد المجلّة مطلع كلّ شهر من خلال الاشتراك.
    كانت المجلّة تتميّز بإخراجها الأنيق وورقها المصقول وصورها اللامعة التي تشي بقدر كبير من الإتقان والاحترافية. أما من ناحية المضمون فكان واضحا نأي المجلّة بنفسها عن السياسة وتركيزها على كلّ ما له علاقة بالآثار والسفر والتاريخ والطبيعة وما إلى ذلك.
    لكن كيف ظهرت فكرة الناشيونال جيوغرافيك؟
    في عام 1888، عُقد في واشنطن اجتماع ضمّ ثلاثة وثلاثين شخصا بينهم مستكشفون ومعلّمون ومؤرّخون ومحامون ورحّالة ورسّامو خرائط وعلماء آثار. وكان ما يجمع هؤلاء هو اهتمامهم بالمعرفة العلمية والجغرافية، وكذلك اقتناعهم بأن الأمريكيين وبقيّة شعوب العالم توّاقون لمعرفة المزيد عن أحوال العالم من حولهم في زمن الاكتشافات والتغييرات الكثيرة.
    ولم يكن في مخيّلة أولئك المجتمعين انه بموافقتهم على تأسيس الجمعية الجغرافية الأمريكية فإنهم كانوا يضعون البذرة الأولى لمشروع ثقافيّ طموح سيكون مصدر إلهام للأجيال التالية وعلى مدى أكثر من قرن.
    وبعد تسعة أشهر من تأسيس الجمعية، وُلدت مجلّة ناشيونال جيوغرافيك، المعروفة اختصار بـ "نات جيو"، والتي أصبحت مع مرور الزمن احد أكثر الأسماء شهرة في عالم الصحافة. وتكرّست صورة المجلّة أكثر بسبب أسلوب معالجتها المبسّط لأعقد المواضيع العلمية والجغرافية والتاريخية والثقافية من خلال توظيف الصور والخرائط والرسوم التوضيحية.
    وعلى امتداد عقود طويلة، عرف القرّاء هذه المطبوعة بتحقيقاتها المعمّقة وصورها المثيرة، وقبل هذا وبعده بشعارها الأيقونيّ الذي يأخذ شكل إطار صورة اصفر اللون يظهر على الهوامش المحيطة بغلاف المجلّة. وقد رأت هيئة التحرير اختيار هذا الشعار المميّز لأنه يحثّ الناس على الاهتمام بكوكب الأرض، كما أن هذا اللون يرتبط منذ القدم بالمعرفة والحكمة.
    كان الغرض من إنشاء الجمعية والمجلّة هو زيادة المعرفة الجغرافية لدى شعوب الأرض. لكن الناشيونال جيوغرافيك أصبحت تتناول القضايا البيئية ومشاكل التصحّر والتلوّث الكيميائيّ والتسخين الحراريّ والكائنات المهدّدة بالانقراض وما إلى ذلك من قضايا. ومن وقت لآخر، كانت المجلّة تخصّص احد أعدادها لبلد معيّن أو لحضارة قديمة أو لمصدر طبيعيّ يتعرّض مستقبله للخطر.
    وفي إحدى الفترات، رأسَ الجمعية التي تُصدِر المجلّة "الكسندر غريهام بيل" مكتشف التليفون. وفي عهده أصبح التصوير يحظى بأهميّة فائقة في المجلّة، على الرغم من معارضة زملائه الذين كانوا يرون أن وفرة الصور هي مؤشّر على المفهوم غير العلميّ للجغرافيا. لكن وجهة نظره رجحت في النهاية وأصبحت الصور علامة فارقة ومميّزة للناشيونال جيوغرافيك.
    وبدأت المجلّة تعرض الصور الملوّنة ابتداءً من منتصف ثلاثينات القرن الماضي عندما كان التصوير بالألوان ما يزال في مراحله الجنينية. ومن بين أشهر الصور التي ظهرت في المجلّة صورة أيقونية لتاج محلّ بالهند يعود تاريخها إلى عدد شهر مارس من عام 1921.


    وهناك صورة أخرى مشهورة جدّا ظهرت على غلاف عدد يونيو 1985 من الناشيونال جيوغرافيك لصبيّة أفغانية تُدعى شربات غولا (12 سنة) التقطها مصوّر المجلّة ستيفن ماكوري. وقد أصبحت غولا تُعرف بـ "الفتاة الأفغانية" وظهرت على الغلاف وهي ترتدي وشاحا احمر اللون وتحدّق في الكاميرا.
    وبعد غزو الولايات المتحدة لأفغانستان عام 2002، ذهب المصوّر ماكوري إلى كابول كي يبحث عن الفتاة التي كان قد التقط صورتها قبل سبعة عشر عاما من ذلك التاريخ في معسكر للاجئين الأفغان في باكستان. واكتشف أن الفتاة عادت إلى قريتها في جبال تورا بورا أثناء هدنة بين المتحاربين وأنها تنتمي لقبيلة الباشتون القويّة. وقد وقفت أمامه ليصوّرها مرّة أخرى بعد موافقة زوجها.
    في البلدان الإسلامية المحافظة، كماليزيا والسعودية وإيران وباكستان وغيرها، جرت العادة على أن تُطمس صور المجلّة التي تَعرض مناظر عارية أو أشخاصا متخفّفين من ملابسهم، كما هو الحال في صور الناشيونال جيوغرافيك لمجتمعات القبائل البدائية في آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية. وما من شكّ في أن مثل هذا الإجراء كان يقلّل من القيمة الفنّية للصور، وهي ميزة اشتُهرت بها هذه المطبوعة عالميّا.
    في سنوات الحرب الباردة بين المعسكرين، التزمت الناشيونال جيوغرافيك بتقديم تغطية متوازنة عن الجغرافيا الطبيعية والبشرية للدول الواقعة خلف الستار الحديديّ، كألمانيا الشرقية والصين والاتحاد السوفياتيّ. وكانت مقالاتها وتحقيقاتها تتجنّب الخوض في شئون السياسة وتركّز على الثقافة والعلوم والتاريخ.
    أوّل أعداد المجلّة الصادر في سبتمبر من عام 1888 طُبع منه مائة وستّون نسخة، واليوم تصل الناشيونال جيوغرافيك إلى أكثر من سبعمائة مليون شخص حول العالم كلّ شهر. وهذا الرقم يتضمّن قرّاء النسخ المطبوعة من المجلّة بلغاتها المختلفة، وأيضا مشاهدي قنواتها التلفزيونية التي تبثّ هي أيضا بلغات متعدّدة من بينها العربية. والمجلّة اليوم تصدر في سبع وثلاثين لغة، من بينها العربية والفارسية والصينية والهولندية والرومانية والروسية وغيرها.
    وقد وصل دخل قناة الناشيونال جيوغرافيك التلفزيونية التي أُطلقت في يناير 2001 إلى مائتين وخمسة وثمانين مليون دولار، بينما وصل ريع الإعلانات إلى أكثر من مائة وخمسة وستّين مليون دولار. وفي عام 2010، أطلقت الجمعية المالكة للمجلّة قناة تلفزيونية جديدة عن الحياة الفطرية باسم (NatGeo Wild) وأرادت من وراء هذه الخطوة مجاراة منافستها الرئيسية، أي قناة التاريخ (History Channel).
    وفي عام 2015، وقّعت الجمعية الجغرافية اتفاقية شراكة مع شركة فوكس القرن الحادي والعشرين امتلكت الأخيرة بموجبها ثلاثة وسبعين بالمائة من أسهم الجمعية. وفي عام 2017، أعلنت شركة ديزني عن شرائها شركة فوكس، بما في ذلك أسهم الجمعية الجغرافية.
    الجدير بالذكر أن الجمعية الجغرافية الأمريكية موّلت منذ تأسيسها أكثر من مائة بعثة استكشافية لارتياد الأطراف القصيّة من الكوكب، من القطب الشماليّ إلى القطب الجنوبيّ ومن أعلى قمّة جبل إلى أعمق نقطة في المحيط.
    وقد أصبحت الناشيونال جيوغرافيك اكبر من الأرض عندما حمل رائد الفضاء الأمريكيّ نيل ارمسترونغ علم المجلّة في يوليو عام 1969 عندما أصبح أوّل إنسان يمشي على سطح القمر.
    وفي الذكرى المائة والثلاثين لتأسيسها، أصدرت الناشيونال جيوغرافيك شريط فيديو يتضمّن عرضا سريعا لجميع أغلفتها ، منذ إنشائها وحتى اليوم.

    Credits
    history.com