:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, November 21, 2009

ثقافة الصورة وصورة الجسد


الصورتان أعلاه هما لإحدى عارضات الأزياء. الصورة إلى اليسار هي صورتها الحقيقية. أما الصورة إلى اليمين فهي نفس الصورة لكن بعد تعديلها وتحويرها باستخدام تكنولوجيا التصوير الرقمي. والهدف من هذا المونتاج معروف وكثيرا ما تلجأ إليه مجلات الموضة والأزياء التي تضع صور النساء المشهورات على أغلفتها وذلك لزيادة مبيعاتها وجذب اكبر عدد من القرّاء.
طبعا الفرق واضح بين الصورة الأصلية للمرأة وصورتها المعدّلة. لكن خطر لي وأنا اتأمّل الصورتين أن المرأة في الصورة الأصلية ما تزال أجمل بل وأكثر نضارة. صحيح أنها تبدو في الصورة المعدّلة أكثر شبابا وأصغر سنّا لأن الوجه جرى تنحيفه والبثور اختفت من بشرتها. كما تمّ تصغير الفم والأنف قليلا. لكن المونتاج قضى على ملامحها الطبيعية الأصلية وحوّلها إلى ما يشبه إحدى شخصيّات أفلام الخيال العلمي التي تُعالَج هي الأخرى بالكمبيوتر وبرامج الغرافيكس.
صورة الجسد أصبح موضوعا مطروحا للنقاش بكثرة هذه الأيام. فهناك من يرى في تعديل ملامح وجه الإنسان وتغيير هيئته نوعا من الخداع وتزييف الواقع وخلخلة القيم. ولهذا بادرت بعض الحكومات الغربية إلى صوغ مشاريع قوانين تلزم مجلات الموضة بوضع تنبيه يقول للقرّاء إن هذه النوعية من الصور معدّلة رقميا، ما يذكّر بالتحذير الذي يظهر على أغلفة بعض الأطعمة المحفوظة والذي يشير إلى أنها معالجة كيميائيا.
سبب هذا الإجراء هو ما يقال من أن الفتيات المراهقات أصبحن مهووسات بتقليد نجمات الموضة والممثّلات والمغنّيات، ليس فقط في تعديل صورهن كي يظهرن بهيئة أجمل وأكثر شبابا، بل وفي اللهاث وراء جراحات التجميل مع ما يعكسه ذلك من مشاعر الدونية وفقدان احترام الذات وما يجلبه من آثار سيكولوجية وسلوكية خطيرة.
وقد تذكّرت للمناسبة بعض الممثّلات والمذيعات العربيات اللاتي اجرين لأنفسهن عمليات تجميل في الفترة الأخيرة. والحقيقة انه تشكّل لديّ انطباع بأنه ولا واحدة من هؤلاء أصبحت بعد التجميل المزعوم أجمل مما كانت عليه. بل العكس هو الصحيح. فملامحهن تبدو غريبة واصطناعية إلى حدّ كبير وملامح بعضهن أصبحت أشبه ما تكون بسحنات المخلوقات الفضائية التي تظهر بوجوه بلاستيكية وعيون زجاجية.
عمليات التجميل من اجل الظهور بهيئة أكثر شبابا أصبحت رائجة كثيرا هذه الأيّام مع أن نتائجها غير مضمونة دائما.
أذكر قبل فترة أن موقع ياهو نشر تحقيقا غريبا عن مغنّ أمريكي اسود متزوّج من عارضة أزياء بيضاء. هذا الرجل يظهر انه لم يكن راضيا عن لونه وشكله. وتحت تأثير شعوره بالدونية والنقص، وهو شعور لم يكن له ما يبرّره من الأساس، قام بإعادة تلوين بشرته من خلال نوع من العمليات التجميلية المثيرة للجدل. وبعد العملية أصبح وجهه بلون التراب. بل إن من يتأمّل صورته بعد العملية قد يتخيّل أن الرجل بُعث من مكان تحت الأرض. وصورته عندما كان اسود البشرة كانت أفضل بكثير من صورته الجديدة البيضاء. وأكثر من هذا انتفخ وجهه وأصبح مخيفا. وقد أشار كاتب التحقيق إلى أن الرجل توارى عن الأنظار بعد العملية. وليس من المؤكّد ما إذا كان سيتمتّع برضا زوجته وميديا الزيف والنميمة بعد تلك الجراحة الكارثية.
وقبل ذلك بأيّام نشر نفس الموقع صورة لـ موديل مشهورة شاركت في حفل لإحدى دور الأزياء. كانت العارضة حاملا في شهرها التاسع بينما ارتدت فستانا ضّيقا للغاية يكاد يخنق الجنين الذي في بطنها. وقد شدّتني تعليقات القرّاء على الصورة وكانت في معظمها تستهجن تصرّف العارضة وتسخر من طريقة لباسها وتلومها لأنها قدّمت اعتبارات الشهرة ووهَج الصورة وسحر الميديا على حساب القيم العائلية والإنسانية.
الثقافة الاستهلاكية والجري المحموم وراء التقليد والزيف الذي تقدّمه ثقافة الميديا والصور المبهرجة أفقدت الناس اتزانهم ورشدهم.
صحيح أن كلّ إنسان حرّ في أن يفعل بنفسه ما يريد. هذا أمر لا خلاف عليه من حيث المبدأ. لكن إذا كان من الضروري أن يغيّر الإنسان نفسه، فمن الأولى أن يُغيَّر المجتمع وتتغيّر قيمه بحيث لا تطغى أهمّية الشكل على الجوهر ولا تصبح المظاهر البرّاقة والمصطنعة مرادفا للكمال ومعيارا لرضا الإنسان عن نفسه أو تقبّل الآخرين له.

Wednesday, November 18, 2009

اللوحة الكاملة

هذه اللوحة تختصر كلّ معاني الكمال. "امرأة شابّة مع إبريق ماء" هي نموذج للوحة الكاملة، بتوليفها المحكم وتنفيذها البديع والرائع.
حتى أفضل النسخ منها لا يمكن أن تنقل لنا الإيقاع الدقيق لضوئها الأزرق والأبيض الجميل. بل وحتى أكثر الكلمات المختارة بعناية لا يمكن أن تصف جمال هذه اللوحة الصامت والمدهش.
ومن الواضح أن قوّة اللوحة لا تتناسب مع حجمها. إذ لا توجد قطعة قماش مغطّاة بالأصباغ وعلى هذا النحو من الصغر يمكن أن تكون أكثر إثارة للإعجاب من هذه اللوحة.
الكلام هنا لا لزوم له. فما الذي يمكن أن يقال عن شيء هو كامل في ذاته؟
أتذكّر عبارة قالها نيتشه في كتابه "أفول الأصنام" عن أيّ شخص يحاول الكتابة عن الفنّ العظيم. قال: أيّا تكن الكلمات التي عندنا، فإن الواقع يتجاوزها".
في لوحة فيرمير نرى كيف أن الاعتيادي والمألوف يسمو إلى درجة الشِعر بما يتجاوز الكلمات. ثمّة جمال وغموض هنا لا نستطيع أن نلمسه. الصيغة البلاغية القديمة صحيحة: الكلمات تفشل. وهي حالة غير مريحة للشخص الذي ينوي الكتابة عن الرسم.
عندما نواجه المطلق أو اللانهائي يمكن أن نستسلم للصمت أو نصاب بالجنون. الأمران معا حدثا لـ نيتشه. والبديل هو أن نستمرّ في الحديث في محاولة للفهم.
إن غموض لوحة فيرمير لا يمكن فصله عن غموض الرجل. فنحن لا نعرف الكثير عن الرسّام. وما زلنا لا نعرف شيئا مهمّا عنه؛ شيئا قد يساعدنا على أن نفهم لوحاته. إن الباب إلى حياة فيرمير موصد، وسيظلّ كذلك طالما لا يُعرف عنه وعن حياته الكثير. لذا يجب أن نقبل غموض الرسّام ونتحوّل إلى لوحاته محاولين فهمها.
لوحة "امرأة شابّة مع إبريق ماء" هي عبارة عن سوناتا بالمفتاح الأزرق. كتبت هذه الكلمات في دفتر ملاحظاتي في ظهيرة احد الأيّام بينما كنت أقف في مواجهة اللوحة. تلك الكلمات لا أقلّ ولا أكثر. رغم أنني وقفت هناك حوالي ثلاثين دقيقة.
اللوحة مشبعة بضوء أبيض وأزرق بارد هو الذي يحدّد طابع اللوحة بأكملها، ويثير في النفس صورة رائقة عن صباح يوم ربيعي صافٍ. الضوء يمرّ عبر نافذة ذات زجاج ازرق ليضرب ثوب المرأة الأزرق الداكن ثم يسقط على كومة القماش الأزرق وعلى الشريط الأزرق الرفيع الذي ينبثق من علبة المجوهرات.
هذه الألوان المسيطرة يقابلها اللون الأصفر الذي يقطع اللوحة في الاتجاه المعاكس. الخارطة الصفراء تُوازن النافذة الزرقاء وتتناغم مع واجهة صندوق المجوهرات الأصفر. الإبريق النحاسي يعكس صفرته على سترة المرأة وصولا إلى القطاع العمودي من ضوء الشمس الذي يصبغ حافة إطار النافذة بالأصفر.
القماش الأحمر الدافئ فوق المائدة يحتوي بوضوح على أزهار زرقاء وصفراء في تصميمه. لذا يمكن النظر إليه على انه رمز للتناغم الكلّي للألوان التي تربط اللوحة بعضها ببعض.
وبالمثل، فإن الانعكاسات على حوافّ الإبريق الخارجية وعلى الماء يبدو أنها تحتوي على كامل اللوحة وتعكس كلّ ألوانها البيضاء والزرقاء.
لكنّ أوضح وأهمّ عنصر تناغم وانسجام في اللوحة هو المرأة نفسها. ملابسها الزرقاء والصفراء توحّد اللونين في شكل واحد. بينما ياقتها الشفّافة البيضاء تقع فوق هذا المزيج من الأزرق والأصفر، تماما مثلما تستقرّ كامل اللوحة على طبقة الضوء المكوّنة من الأزرق والأبيض.

detail

التركيز. هذه الكلمة بكلّ ما تحويه من معنى هي المفتاح لفهم هذا العمل. كلّما ركّزنا على اللوحة، كلما قدّرنا الكيفية التي استجمع بها فيرمير كلّ قواه الصُوَرية كي يركّز اهتمامنا على المرأة الشابّة في وسط اللوحة.
إن قصّ الطاولة والخريطة والنافذة يفتح اللوحة ويضيف إليها إحساسا بعدم الاستقرار؛ إحساسا بأن هذه الأشياء ممتدّة خارج الإطار وأبعد من المدار الذي تشغله المرأة.
هذه اللوحة التي تبدو مستقرّة إلى الأبد هي في الحقيقة قريبة وبشكل خطير من الذوبان. والشيء الوحيد الذي يواجه حالة عدم الاستقرار هذه هو الحركة الغامضة للمرأة.
غير أن أحدا لا يعرف على وجه اليقين ما الذي تفعله هذه المرأة بإبريق الماء. هل ستغسل بالماء يديها؟ شعرها؟ تسقي بعض الأزهار خارج النافذة؟
قد لا تكون الإجابة متاحة لنا. غير أنها موجودة بالتأكيد بذهن شخص هولندي عاش في القرن السابع عشر.
من منظور التوليف، فإن حركة المرأة في اللوحة يمكن تفسيرها بسهولة. فهي عامل ربط بين جميع عناصر اللوحة. ومثلما أن رداءها يخلق تناغما بين الألوان الرئيسية، فإن حركتها تعطي اللوحة توازنا محكما. المرأة هنا عنصر استقرار وتهدئة في حركة انسياب وجريان الحياة في المشهد.
هناك أيضا التناغم بين المنحنيات والأطراف والزوايا والظلال في كلّ جزء من هذه اللوحة. القوّة الحقيقية لهذا العمل هو الجمال الذي لا مثيل للحظة عاديّة تمّ الإمساك بها ورفعها إلى مستوى الفنّ. امرأة، مائدة، زاوية وغرفة. انه "نثر" الحياة عندما يتحوّل إلى شعر حقيقي.
والتوازن هنا هشّ للغاية. الكمال شيء حسّاس. لو حُرّك أيّ عنصر في هذه اللوحة من مكانه بضعة سنتيمترات فسيضيع كل شيء. وهذا النوع من الفنّ مسألة سنتيمترات وثوانٍ. إن وضع كل شيء من هذه الأشياء في مكانه الدقيق منفّذ بحساسية عالية لا نظير لها سوى عنصر الإيهام المتمثّل في محاولة الإمساك بلحظة متجمّدة في الزمن قد لا تتعدّى جزءا من الثانية.
أعمال فيرمير ليست مرايا منصوبة على العالم. إنها أشبه ما يكون بالانعكاسات الظاهرة على إبريق وصحن السيّدة الشابّة.
فيرمير يرينا الواقع مصفّى، تماما مثلما يعكس الإبريق القماش الأزرق في هيئة خطوط عمودية تجريدية من الأحمر والأزرق.
مارسيل بروست كان سيّد الكيمياء التي تحوّل الواقع إلى فنّ. كان يحبّ فيرمير كثيرا. وكان يعتبر منظر لـ ديليفت اللوحة الأجمل في العالم. وإحدى رحلاته النهارية النادرة جدّا في أخريات حياته كانت رحلته إلى معرض للوحات فيرمير في باريس.
إحدى شخصيات روايته الضخمة "البحث عن الزمن الضائع" ينهار ويموت في معرض للوحات الفنية. هنا يقوم الراوي باصطحاب القارئ في رحلة تأمّل عن الخلود والفنّ.
إن خلود الكاتب لا تحقّقه روحه الأثيرية، بل كتبه والمنتجات المادّية لفنّه. وروح الفنان قد توجد أو لا توجد، قد تخلّد وقد لا تخلّد. لكن كتب بروست ولوحات فيرمير ومسرحيات شكسبير يمكن رؤيتها ودراستها والتحقّق منها. إن الحياة الطويلة للأثر أو العمل الفنّي هي النوع الوحيد من الخلود الذي يمكن أن يعرفه الفنّان.
الحياة قصيرة والفنّ يعيش طويلا. لكنّ الفنّ نفسه لا يعيش إلى الأبد. فقد ظهرت على امرأة فيرمير الشابّة بعض آثار التقدّم في السنّ. وقبل أكثر من عشر سنوات، لاحظ بعض المختصّين علامات تحلّل في بعض أجزاء هذه اللوحة، فتغيّرت بعض طبقات الطلاء وبهتت بعض التفاصيل. هل هذا كثير على لوحة يزيد عمرها عن 360 عاما؟
قد لا تكون مظاهر التقادم والبلى التي لحقت باللوحة واضحة جدّا اليوم. لكن بعد مائة عام ستكون واضحة بما يكفي لأن تشكّل تهديدا جدّيا لجمال هذا العمل وقوّته.
الأعمال الفنّية قابلة للفناء، تماما مثل البشر. لكن وتيرة اضمحلالها أبطأ من تلك التي للإنسان.
سيّدة فيرمير الشابّة هي لحظة عابرة تحوّلت إلى وهم بالخلود. والمعنى الكامن في اللوحة هو أن مثل لحظات الكمال هذه موجودة في كلّ مكان حولنا، في الزوايا وفي الردهات والغرف. لكن قد لا يلحظها احد. وهي تشبه إلى حدّ كبير بُنيان ذاكرة بروست حيث الفطائر المغمّسة بالشاي تنتظر مجيء الراوي كي يأخذ منها قضمة.
هذا هو التفاؤل الذي تشيعه صورة فيرمير، والوعد الذي تقدّمه واحدة من أفضل لوحاته. ولو تعلّمنا أن ننظر إلى الحياة بعينيه، فإن من شأن ذلك أن يجعلنا نمشي في عالم من الصور والرموز والتجليّات الشفّافة.
لوحة فيرمير هي صورة عن الجمال الذي يتخطّى الكلمات، سلام وتناغم كامل، موسيقى متجمّدة، سوناتا توقّفت في الزمن.

Credits
essentialvermeer.com
metmuseum.org

Tuesday, November 17, 2009

دورا مار

قبل أن آتي إلى بريطانيا منذ أكثر من ثلاثين عاما، تخلّصت من معظم ما كنّا نحتفظ به في منزلنا من لوحات فنّية، وذلك إمّا بإهدائها إلى بعض معارفنا أو وضعها في عهدة آخرين لحفظها.
وبعد سنوات، ندمت كثيرا على تفريطي في تلك اللوحات. إحداها ظلّت تؤرّقني دائما. كان قد أهداها لنا فنّان شابّ من غويانا. أتذكّر هدوء تلك اللوحة الغامض وألوان خلفيّتها الدافئة. الشخصيّة فيها ترتفع مثل أبي الهول من بين الأنقاض الزرقاء لجدار.
وعندما عدت لأرض الوطن بعد سنوات، بحثت عن اللوحة إلى أن وجدتها في بيت عائلتنا القديم. فأعدتها معي إلى انجلترا. وأصبحت اللوحة شاهدا على قوّة الفنّ الذي يلاحقنا ويلتصق بنا ويغذّي أرواحنا.
إن قدرة الفنان على تحويل ألوانه إلى أشكال ومشاعر كانت دائما تحيّرني وتدهشني. ولا يقلّ عن ذلك فتنةً ذلك التفاعل والعلاقة المتبادلة بين أشكال الفنّ المختلفة من شعر ونحت وموسيقى ورسم.
غير أن العلاقة بين الرسم والشعر، على وجه الخصوص، تتسم بالعمق والقوّة.
فالاثنان محصّلة لرغبتنا في أن نصنع من الاعتيادي والمألوف شيئا جديدا، وأن نلتقط تجربة أو خبرة معيّنة بطريقة حيّة ومركّزة.
وكلا الاثنين، أي الشعر والرسم، له تناغم وبنية ولون وإيقاع. ففي التوليف المتوازن للوحة ما، يمكن للمرء أن يتحدّث عن لون واحد تتناغم معه بقيّة الألوان.
قبل بضع سنوات، دُعيتُ لأكون الشاعر المقيم في تيت غاليري بلندن. كانت الإقامة تتضمّن التفاعل مع اللوحات من خلال الشعر وإقامة بعض ورش العمل مع أطفال من المدارس الابتدائية.
الأطفال الذين شاركوا في ورش العمل كتبوا قصائد يتفاعلون من خلالها مع بعض اللوحات بطريقة عفوية. وغالبا ما كانوا يضعون رسما إلى جانب قصائدهم.
كان الأمر أشبه ما يكون بالرسّامين الصينيين الذين كانوا يضعون بيتا من الشعر في المساحات الفارغة في لوحاتهم، ما سمح للرسم الصيني أن يتنفّس وأن يزدهر.
بالنسبة للأطفال، كان هذا الشيء أمرا طبيعيا جدّا. فليس هناك ثمّة انفصال بين الكلمة والصورة، أو بين الصفحة البيضاء ورقعة الرسم الفارغة.
وهناك العديد من الشعراء والرسّامين الذين مرّوا بهذه التجربة.
الشاعر الاسباني رافائيل البرتي بدأ حياته كرسّام واستمر كذلك. ثم صاغ في ما بعد مصطلح "ليريكوغرافيا" أو القصيدة المرسومة.
والشاعر الهندي رابندرانات طاغور كان على النقيض من ذلك. فقد بدأ كشاعر ثم وجد نفسه يرسم خربشات على هوامش قصائده. وفي ما بعد نال جائزة نوبل في الأدب وأدهش الكثيرين بتحوّله المتأخّر إلى الرسم.
والشاعر الكاريبي ديريك والكوت، وهو الأخر حاصل على نوبل للأدب، كان لسنوات يمارس الرسم باستخدام الألوان المائية. وكتابه الأخير يُعدّ بمثابة تكريم لـ كميل بيسارو الفنّان الانطباعي الفرنسي المولود في جزر الهند الغربية.
القصائد التي كتبتها أثناء إقامتي في تيت غاليري لم تكن محاولة لشرح اللوحات أو تناول سردها الخفيّ، بل كانت طريقة لرؤية اللوحة، وأحيانا محاولة لإعطائها صوتاً.
لكن، هل يمكن للقصيدة المعتمدة على لوحة أن تنمو من وجهة نظر المتفرّج أو من شخصية في داخل اللوحة نفسها؟ هل يقوم حوار بين الطرفين؟ لقد اكتشفت أن المنظور في الرسم وثيق الصلة بالصوت في الشعر.
"المرأة الباكية" لـ بيكاسو، بملامحها المنهكة والمكسورة وبصراع الألوان فيها، دفعتني لأن أعطي ذلك الوجه المؤرّق صوتا. وفي النهاية كتبت القصيدة التالية بصوت "دورا مار"، المرأة التي تصوّرها اللوحة.
يقولون انه بدلا من فرشاة، كان يستخدم سكّينا لرسمي.
نوعا من الهندسة الوحشية.
لكن، وكما أقول، حاول أن تنظر ثانية.
هذه اقرب نقطة يمكن أن يقترب فيها الإنسان من الألم.
الأخضر يعرفني. ليس لون البراعم الجديدة. بل الأخضر الشبحي للغانغرينا.
الأصفر يعرفني. ليس لون الشمس المبتهجة. بل الظلال المريضة لهذه الحرب.
الأزرق يعرفني. ليس لون السماء أو البحر الذي لا تحدّه حدود. بل كآبة المغنّي وحزنه العميق.
هذا الحزن يحكم قبضته عليّ. ومن مسافة بعيدة، اسمع صوت صراخي المكتوم".
كانت "دورا مار" مصوّرة وفنّانة موهوبة. وكانت إحدى عشيقات بيكاسو وملهماته الكثيرات. ويقال إنها كانت تعاني من انهيار عصبي بسبب تدهور العلاقة بينهما.
ودون وعي منّي، تطوّرت قصيدتي عن المرأة إلى سلسلة كاملة من القصائد.
كنت كما لو أنني ابحث في أسلوب بيكاسو التكعيبي المتشظّي عن صدى لصوت تلك المرأة الواهن الممزّق.
تجربتي في المتحف أعطت شغفي القديم بالرسم دفعة جديدة، وجعلتني أكثر معرفة بالتوازن والتوليف في اللوحة وبلعبة الضوء والظلّ والطاقة واللون.
والأهم من ذلك كلّه، أنني أصبحت أعي قوّة وحيوية الإيقاع الداخلي، بينما تتابع عيناي تلك المنحنيات والخطوط نزولا وصعودا ومن جميع الجهات. كما أصبحت الآن اقضي وقتا أطول مع الرسم.
إن التأثير البصري للوحة يمكن أن يكون فوريا. فكلّ شيء أمامنا: الصور والألوان والأشكال التي هي عبارة عن مهرجان مثير للعين.
في لمحة، يمكن أن نرى التوتّر في تمثال الراقصة الصغيرة لـ إدغار ديغا، والطاقة الهائلة في ضربات فرشاة فان غوخ والانفعالات المتناقضة الظاهرة على وجهه .
ورغم أن القصيدة تنتقل عادة بطريقة أكثر عمقا وتساميا، فإنها تكشف عن تجلّياتها من خلال الحواسّ ومع مرور الوقت. ومع ذلك، قد لا يصل إلينا المعنى إلا بعد انتهاء القصيدة بوقت قد يطول أو يقصر.
ورغم أهمّية الموسيقى في القصيدة، فإن قوّة الصور في الشعر؛ الصور التي تنشئها الكلمات، هي التي تبقى في الذاكرة وتسكن المخيّلة وتجلب لنا المفاجأة والبهجة.
- غريس نيكولز، شاعرة بريطانية "مترجم"

Monday, November 16, 2009

آدامز: شاعر الطيف الرمادي

في بدايات عهدي بالانترنت، كان أوّل ما وقعت عليه عيناي آنذاك صور آنسل ادامز عن الطبيعة باللونين الأبيض والأسود. كانت تلك الصور مليئة بالحيوية والدراماتيكية وكان لها تأثيرها البصري والجمالي الخاصّ.
كان ادامز يفضّل غالبا اللونين الأبيض والأسود، لأنه كان يعتقد بأنه يستطيع من خلالهما أن يرى الطبيعة بشكل أفضل دقة وتفصيلا ممّا يمكن للألوان الأخرى أن تحقّقه.
ومؤخّرا نُشر كتاب يتضمّن عددا من صوره الملوّنة والتي يراها الناس لأوّل مرّة.
آنسل ادامز لم يكن فقط مصوّرا أمريكيا مشهورا، بل كان أيضا احد أعظم المصوّرين في العالم.
المقال المترجم التالي يلقي بعض الضوء على حياته وأعماله.

كان آنسل ادامز احد أعظم فنّاني الطبيعة في القرن العشرين. وقد استطاع أن يحوّل التصوير الفوتوغرافي إلى شكل من أشكال الفنّ. وكان دائما مدافعا عن جمال الطبيعة والتنوّع البيئي.
كان يقول: إن العالم بالنسبة لي كيان حيّ. وأنا لا استطيع أن انظر إلى عشبة صغيرة في الأرض دون أن اشعر بمعنى الحياة. إن كلّ مفردات الطبيعة أحسّ بها في داخلي. ونفس الشيء يمكن أن يقال عن الجبل أو عن جزء من المحيط أو بقعة جميلة من غابة قديمة.
إن كلّ شيء فعلته أو أحسست به كان بتأثير من جمال الطبيعة. كنت أراقب تحوّل الشفق إلى ليل وأتمعّن في اللمعان الغريب للنجوم والبريق الواهن للسماء قبيل الفجر. وكنت اتأمّل شروق الشمس على القمم والقباب من حولي وتلك الرياح الباردة المنعشة التي تهبّ عند الفجر من جهة الجبال".
صور ادامز للجبال والوديان والغابات وغيرها من الأرض غير المأهولة رائعة وفخمة وتحبس الأنفاس.
كانت له عين كبيرة واستذكارية وكان يفهم بدقّة كيف يضمّن مناظر طبيعته الصامتة عنصرا سرديا.
كان حبّ ادامز للطبيعة جارفا، وكان من عادته أن يقضي كثيرا من وقته يجوب البراري والغابات مراقبا التغييرات التي تحدث للطبيعة وللحياة.
ويصف بعض النقاد ادامز بأنه كان المصوّر الذي غمس سموّ الطبيعة الأمريكية في حبر التصوير الفوتوغرافي بالأسود والأبيض، ومن خلال ذلك أضفى عليها معنى جديدا.
كان أسلوبه مقنعا جدّا لدرجة انه جعل الناس يعتقدون أن كلّ شيء في الطبيعة أتى من كتلة من رماد.
وقد ارتبط ادامز بالأسود والأبيض غالبا. وربّما يتفاجأ معظم الناس إذا علموا انه بدأ التصوير بالألوان بعد فترة قصيرة من اختراع آلات التصوير الملوّنة في منتصف ثلاثينات القرن الماضي، وانه عندما توفي عام 1984 كان قد ترك حوالي 3500 صورة بالألوان.
ولم يكن ادامز يعتقد أن عملية الألوان في زمانه قادرة على أن تعطي نتائج يمكن أن تنافس الثراء البصري الذي كان يميّز صوره بالأبيض والأسود.
وكان يؤمن انه لا يمكن التحكّم في نتائج اللون. لكنه مع ذلك كان يقدّر ثراء الألوان الشفّافة ويتطلّع إلى اليوم الذي يمكن فيه طباعتها بما يتفق مع معاييره الخاصّة والعالية. وكان على وشك إخراج كتاب عن نظرية الألوان وتطبيقاتها وغير ذلك مما يمكن أن يتضمّنه الكتاب.
ويبدو انه لم يكن هناك كتاب يشبه ذلك الكتاب الذي كان في ذهنه. لكن بعد تسع سنوات من وفاته، تمّ نشر عدد لا بأس به من صوره الملوّنة للمرّة الأولى في مجموعة اختارها مصوّر فوتوغرفي عظيم آخر هو هاري كالاهان.
وسيعاد نشر الكتاب هذا العام مع عشرين صورة إضافية لم تنشر من قبل.
لكن أيّ نوع من الفنّانين كان ادامز من خلال صوره الملوّنة؟ في الواقع، لم يكن مختلفا كثيرا عن ادامز بالأسود والأبيض. كان متناغما مع الأسطح والتحويرات حتى وهو يعمل مع اشدّ البيئات الطبيعية عنادا وقسوة.
كان يزن ببراعة التباين ما بين الأبيض والأسود وكان يكره الألوان الصارخة.
كما كان يهتمّ بالألوان والظلال التي لا يمكن أن تجد لها اسما.
كان آنسل ادامز ذكيّا بما فيه الكفاية لأن يعرف أن الصور مجرّد تخيّلات تعيدنا إلى الواقع بعين جديدة، وأن على الفنان الحقيقي أن يعدّل ويحوّر تلك التخيّلات كي تتوافق مع هواه.
صُور ادامز لها حضور ماديّ قويّ يهزّ حتى الأسطح المستوية. في إحدى صوره نرى الشمس وهي مغطّاة بالغيوم التي تتحرّك فوق قمم جبال مكلّلة بالثلج. وفي أخرى يمرّ نهر متلويّا نحو مقدّمة صورة تفيض بالجمال والسكينة.
كان يقول: إذا كان التصوير فنّا فإنه لا يجب أن يستنسخ شكلا آخر من أشكال الفن".
وكان يعرف ما الذي تراه الكاميرا وما الذي نراه نحن. وهما أمران مختلفان جدّا.
كتب ادامز ذات مرّة يقول: لم أرَ بعد ولم أنتج صورة ملوّنة يمكن أن ترتقي إلى مفاهيمي ومعاييري الخاصّة عن غايات الفن".
ومن أقواله المشهورة: كثيرا ما ينظر الناس إلى الصورة ونادرا ما ينظرون فيها".
وأيضا: عندما تكون الكلمات غير واضحة أركّز على الصورة، وعندما تكون الصورة غير كافية اقنع بالصمت".
صور ادامز المشهدية والفخمة للطبيعة هي من بين أعظم الصور التي التقطتها الكاميرا.
كانت الغابات والوديان تعني بالنسبة له شروق الشمس ولمعان الألوان الزاهية والخضراء في الحجارة وانبثاق الفراغات الشاسعة في الصحراء.
وقد لا يختلف تأثير صوره عن لوحات الطبيعة الزيتية المشهورة مثل قلب الانديز لـ فريدريك تشيرش وعاصفة في جبال روكي لـ البيرت بيرشتادت.
وكلّ هذه الصور تكشف عن سموّ وجلال الطبيعة وتثير في المتلقي شتّى الانفعالات والمشاعر.