:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Sunday, October 08, 2006

محطّات

تشوّش ذهني


يحار المرء أحيانا وهو يرى ويقرأ هذا السيل المنهمر من الأخبار والتحليلات والقصص الإخبارية التي يقصفنا بها كل دقيقة، بل كلّ لحظة، هذا الجيش العرمرم من القنوات الفضائية والمحطّات الإذاعية والمواقع الاليكترونية التي لا ُتعدّ ولا ُتحصى.
ومبعث الحيرة كامن في حقيقة أن الإنسان لا يعود يثق كثيرا بأحكامه ولا باستنتاجاته التي يكوّنها عن حدث ما أو قضيّة معيّنة.
فالتحليلات والتفسيرات متضاربة والآراء والروايات متعدّدة ومتباينة، وهي حال تجعل ذهن المتلقي عرضة للتشوّش والارتباك والحيرة ومن ثمّ العجز عن تحليل الأمور وفهمها من خلال وضعها في سياقها المنطقيّ الصحيح.
قد لا يكون من المناسب استدعاء نظريّة المؤامرة في كلّ حين، غير أنّ المرء لا يسعه سوى أن يتساءل: هذا الضخّ الإعلامي الصاخب والرهيب الذي يحكم قبضته علينا آناء الليل وأطراف النهار والذي يشلّ بزخمه وكثافته قدرة الإنسان العاديّ على التركيز والفهم، هل ُيراد من ورائه تغييب الحقيقة أو طمسها وإخفاؤها؟
هل هناك ثمّة جهة ما أو لعلّه أخ أكبر أو شبكة من القوى يهمّها أن تتوارى الحقيقة في زاوية بعيدة بحيث لا يعلم الناس بالضبط ماذا جرى ولا كيف جرى، ولا سبيل إذن لتحقيق هذا الهدف سوى بإشغال الناس وصرف أنظارهم بعيدا عن طريق غمرهم بهذا الطوفان الذي لا ينقطع من التغطيات المشوّشة والقصص الغامضة والتحليلات المتناقضة التي لا تسهم سوى بتزييف الوعي وسلب الإرادة ومن ثم إفقاد المتلقّي قدرته الواعية والرشيدة على التمييز والفهم.
إننا نعيش الآن عصر ثورة تكنولوجيا الاتصالات وجبروت الإعلام الذي يسيّر الإنسان كالآلة ويصوغ حياته بل ويشكّل عالمه الداخليّ كلّه، بما في ذلك عقله وروحه من خلال ما يستقبله من رسائل وإشارات تجعله يتكيّف لا إراديا مع الواقع من حوله وتسلبه - وهذا هو الأخطر - قدرته الواعية على التفريق بين الخير والشرّ والحقّ والباطل والعدل والظلم.

❉ ❉ ❉

ميتافيزيقيا الحزن


صور "مايكل كينا" من النوع الذي يدفعك إلى تأمّلها لمحاولة فهمها واستكشاف عوالمها وأجوائها الداخلية.
ولقطاته الفوتوغرافية التي يصوّر فيها طبيعة منعزلة وهادئة بأقلّ العناصر والتفاصيل تثير في النفس إحساسا بالهدوء والسكينة في عالم يتسم بالتشوّش والفوضى.
وأهم ما يلفت الانتباه في صوره، من حيث الشكل، هي أنها جميعا باللونين الأبيض والأسود.
ربّما يعود السبب إلى أن هذين اللونين هما الأكثر قدرة على إبراز التباين بين الضوء والعتمة وعلى استثارة الحواسّ والنفاذ إلى روحانية المشهد.
في بعض مناظر هذا المصوّر حزن ممزوج بألم الغياب والفقد. وفي بعضها الآخر نوستالجيا، تأمّل، وانسحاب من عالم الأشياء المحسوسة إلى مناطق الرؤى الخفيّة والضاجّة بصور التوق والكآبة.
تشعر أحيانا وأنت تتأمّل بعض صور مايكل كينا انه يخلع على الحزن إحساسا جماليا، وبأن عناصر الطبيعة وتفاصيلها، كما يصوّرها، ليست في الحقيقة سوى بوّابات أو نوافذ تطلّ على لحظات الحزن الهاربة.
في بعض اللقطات لا نتبيّن ملامح الأفق أو السماء أو البحر. فالأبعاد تختفي والحدود التي تفصل بين الأشياء تتلاشى لتتّخذ مظهرا شبحيا مغرقا في التجريدية والإبهام.
وفي صوره الليلية تكثر الظلال وتتعدّد اتجاهات وزوايا الضوء، ربّما لتكثيف الإحساس بما يثيره الليل من صور الخطر والتكتّم والجمال والغموض والخوف والانكشاف.
وأحيانا تحسّ بأن الصور تتحوّل إلى ممرّات أو مناطق عبور في منتصف المسافة بين الواقع كما نعرفه ونحسّه وبين عالم آخر أشبه ما يكون بالحلم.

❉ ❉ ❉

استراحة موسيقية



❉ ❉ ❉

بساطة الشكل وقوّة التأثير


إن حكمت على هذه اللوحة من ناحية أصالة موضوعها، فلا شكّ أنها تفتقر للأصالة إلى حدّ ما، بمعنى أن هناك رسّامين كثر سبق وأن رسموا موضوعها من قبل.
لكن إن حكمت عليها من حيث جودة الرسم، فإن تفاصيل اللوحة تشي بأن من رسمها كان فنّانا من طراز خاصّ.
وما يميّز اللوحة هو حالة الخشوع التي تظهر عليها المرأة من خلال حركة عينيها المتّجهتين إلى أسفل. لاحظ أيضا طريقة الرسّام في تمثيل الأقمشة المنسدلة بشكل ناعم، كالخمار الأبيض والعباءة الزرقاء اللامعة.
الرسّام هو جيوفاني باتيستا سالفي المعروف اختصار بـ ساسوفيراتو. كان هذا الفنّان متأثّرا في الأساس بأسلوب مواطنه الرسّام الايطالي رافائيل. لكنه اقتبس أيضا من أساليب رسّامين آخرين مثل ديورر ودومينشينو وغويدو ريني.
كان ساسوفيراتو كثير الترحال في شبابه، خاصّة إلى المناطق القريبة من اومبريا وبيروجيا. كما كان مرتبطا بدير سانت بييترا الذي رسم في سقفه عددا من المناظر التي تحكي قصصا دينية.
وقد ظلّ يرسم على مدى عشر سنوات صورة بعد الأخرى للعذراء لصالح رعاته الخاصّين أو للكنائس العامّة كجزء من حركة الإصلاح المضادّة آنذاك. وهناك خمس عشرة لوحة رسمها للعذراء في أوضاع شتّى ونالت الكثير من الشعبية والانتشار في زمانه.
أن يكرّر فنّان رسم لوحة بذاتها يُعدّ اليوم أمرا غير مألوف. لكنّنا نحتاج لأن نرى هذه الصور من خلال عيون مشتريها وصانعها والجمهور الذي كانت تستهدفه وقتها.
المشتري كان في الغالب الكنيسة التي كانت تريد للصور أن تكون ذات تأثير قويّ على جمهور المؤمنين. والرسّام من ناحيته كان يفصّل فنّه على مقاس ورغبات المشتري. أما الجمهور فكان يريد صورا مبسّطة، لكنْ قويّة، ويمكن أن تداعب أوتار النفس بسهولة.
وقد حقّق لهم ساسوفيراتو كلّ هذا من خلال هذه السلسلة من الصور التي أودع فيها بعضا من لحظات الدفء الإنسانيّ التي يمتزج فيها الدينيّ بالدنيويّ.