:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, September 07, 2013

الثديان: تاريخ

على مدى قرون، تحدّث العلماء والكتّاب من الرجال، من سيغموند فرويد إلى ديف باري وروبيرت بول سميث وآخرين، عن ثديي الأنثى فامتدحوهما وقدّسوهما كموضع للحنان وللإثارة الجنسية.
الكاتبة والفيلسوفة النسوية ايريس يونغ أشارت ذات مرّة إلى هذه الثنائية في وظيفة الثديين عندما كتبت تقول: الثديان فضيحة، لأنهما يحطّمان الحدود بين الأمومة والجنسانية''.
والحقيقة أن لا شيء يذكّرنا بالثديين وروعتهما وتألّقهما التطوّري وتأثيرهما على تفكيرنا الجمعي أفضل من التحديق في الجبال.
فلورانس وليامز، وهي كاتبة علمية جسورة تعيش بالقرب من جبال روكي في كولورادو، صرفت من وقتها وجهدها الشيء الكثير لتخرج لنا بهذا الكتاب المثير للاهتمام بعنوان "الثديان: تاريخ طبيعيّ وغير طبيعيّ".
في بداية الكتاب، تؤكّد المؤلّفة أن ثديي المرأة تطوّرا في الأساس استجابة لمتطلّبات بقاء الإنسان على قيد الحياة. أما هاجس الرجال بهما فلم ينشأ إلا في مرحلة متأخّرة. وتشير إلى أن أجيالا عديدة من الباحثين الذكور ركّزوا دراساتهم العلمية على افتراض خاطئ مؤدّاه أن وظيفة الثديين في المقام الأوّل هي زيادة الجاذبية الجنسية للمرأة. لكن في ما بعد ظهرت دراسات أخرى تعترف أن الوظيفة المركزية والأكثر أهميّة للثديين هي الرضاعة.
وتورد الكاتبة قصّة عن هنري دي موندفيل، الجرّاح الفرنسي الشهير، الذي سُئل مرّة عن السبب في أن موضع ثديي المرأة هو صدرها بخلاف ما عليه الحال في المخلوقات والحيوانات الأخرى. وقد أورد دي موندفيل سببين رئيسيين: الأوّل لأن الصدر مصدر للنبل والعفاف، وبالتالي يمكن إظهار الثديين هناك بشكل لائق. والثاني لأنهما يستمدّان الدفء من اقرب عضو منهما، أي القلب، ثم يبثّان ذلك الدفء ثانية في جسم الرضيع.
فكرة هذا الكتاب ظهرت عندما شعرت فلورانس وليامز بالانزعاج بعد أن قرأت مقالا يتحدّث فيه كاتبه عن السموم والموادّ الكيماوية التي وُجدت في حليب الثدي. ولأنها ترضع طفلا فقد قرّرت أن تُخضع ثدييها لفحص طبّي. وحدثت المفاجأة عندما اكتشفت أن ثدييها محشوّان بالسموم التي كانت ترضعها مباشرة لطفلها، مثل مثبّطات اللهب ومخفّفات الدهان والسوائل المنظّفة والموادّ الحافظة ومزيلات العرق والموادّ المضافة إلى مستحضرات التجميل ومشتقّات البنزين ووقود الصواريخ والسموم الحشرية، بالإضافة إلى موادّ أخرى مماثلة للقنّب الذي يدخل في تركيب الماريوانا.
وتعلّق الكاتبة على ما حدث باقتباس عبارة منسوبة لأحد الممثّلين الفكاهيين الذي قال ذات مرّة: إن الوظيفة الأساسيّة للثديين هي جعل الرجال أغبياء". وتصف كيف أن تلك الملاحظة التي قيلت أصلا على سبيل الدعابة تبدو حقيقية من الناحية العلمية وعلى ضوء الأبحاث التي أجريت على الثديين. فالسموم والمخلّفات القاتلة في حليب الثدي مرتبطة، ليس فقط بنقص المناعة والمشاكل السلوكية والسرطان، وإنّما أيضا بانخفاض معدّلات الذكاء.
وتؤكّد وليامز انه على الرغم من دور الثديين المركزي في بقاء الجنس البشري وحقيقة أنهما يتعلّقان بنصف سكّان العالم البالغين، إلا أننا لا نعرف في الواقع سوى القليل جدّا عن البيولوجيا الأساسية لهما.
التجربة الشخصية للمؤلّفة دفعتها إلى تتبّع تاريخ الثديين ودورة حياتهما، من سنّ البلوغ إلى مرحلة الحمل والرضاعة الطبيعية ثمّ انقطاع الطمث أو ما يُسمّى بسنّ اليأس، في محاولة للإجابة على بعض الأسئلة مثل: من أين جاء الثديان، وإلامَ انتهى بهما المطاف، وما الذي يمكننا فعله لإنقاذهما.
تقول وليامز في معرض حديثها عن تشريح الثدي وكيف انه يربطنا بأطفالنا وماضينا ومحيطنا: البشر هم تقريبا الثدييات الوحيدة التي لديها أعضاء متدليّة ومكوّرة تُسمّى الثديين. ومعظم الثدييات ليس لديها، أو ليست بحاجة إلى ثديين لإرضاع صغارها.
وتضيف: الثدي البشريّ فريد من نوعه في الطبيعة لحجمه وشكله. وقد تطوّر في مرحلة مبكّرة من تطوّر فصيلتنا. ومن اجل فهم أعمق لتشريح الثديين، درست المؤلّفة التاريخ التطورّي للثدييات وذهبت إلى أماكن شتّى لمقابلة المزيد من خبراء الثدي. وهي تصف الثديين بأنهما بيئة مجهولة إلى حدّ كبير تؤوي أنظمة معقّدة وقابلة للتكيّف، مع قدرة فريدة على الاستجابة والتفاعل مع العالم المحيط. لكن هذه القدرة تتضاءل الآن مع كلّ هذه الاعتداءات على البيئة والتي يكمن فيها دمار الإنسان.
في احد فصول الكتاب، تذكر المؤلّفة أن الدراسات التطوّرية والأنثروبولوجية الأكثر حداثة تؤكّد وبشكل مقنع أن الثديين أخذا شكلهما الخارجي ومكانهما في الجسم كي يكون لدينا أطفال اصغر بأدمغة اكبر، ولتسهيل مهمّة الإرضاع في مختلف الأوضاع ومساعدة الرضّع في تطوير الحركات وبناء الفكّين وتعزيز مهارات الفم الحركية والضرورية للكلام.
ووفقا للأبحاث التي تستشهد بها الكاتبة، فإن الثديين الكبيرين ليسا بأفضل من الصغيرين في صنع الحليب ولا ينتجان حليبا أكثر. وبصرف النظر عن حجم الثديين، فإن الأمّ الجديدة تنتج في المتوسط ستّ عشرة أوقية من الحليب يوميّا من كلّ ثدي.
وفي فصل آخر تشير وليامز إلى أن الثديين مصنوعان من أنسجة دهنية تمتصّ الملوّثات مثل زوج من الإسفنج الليّن. كما أنهما العضوان الأكثر حساسية للموادّ الكيميائية، خاصّة تلك التي تؤثّر سلبا على الغدد، والموجودة في كلّ مكان تقريبا، في الهواء الذي نتنفّسه وفي الماء الذي نشربه وفي السيّارات التي نقودها. ونتيجة لذلك، أصبح سرطان الثدي هو السرطان القاتل رقم واحد للنساء في جميع أنحاء العالم. كما أصبح على نحو متزايد مشكلة للرجال أيضا. وقد تضاعفت حالات الإصابة بسرطان الثدي في العالم منذ عام 1940، وهي مستمرّة في الارتفاع.
وبسبب عوامل مختلفة من بينها السمنة والملوّثات الصناعية، فإن الثديين يصبحان أكبر حجما، وفي كثير من الأحيان يمكن أن يصلا إلى درجة لا تُحتمل من البشاعة.
بالمناسبة، هذا الكتاب لا يهمّ النساء فقط. الرجال أيضا مدعوّون لقراءته، ليس لأنه سيجعلهم أقلّ ميلا لمشاهدة الأعضاء الغريبة والمحسّنة صناعيا لنجمات الأفلام المثيرة، ولكن بسبب الأخطار التي تفصّلها وليامز والتي لا تقتصر على النساء بل تشمل الرجال أيضا. تسرد، مثلا، قصّة رجل شخّص الأطبّاء حالته وتوصّلوا إلى انه مصاب بسرطان الثدي. وقد واجه الرجل الخبر الصادم بقوله: ليس لديّ ثديان، فكيف يمكن أن أصاب بورم؟! إنني أعمل دائما وآكل جيّدا وأمارس الرياضة ولم أدخّن يوما كما لم أتعاط أيّة مخدّرات". لكن الأطباّء عزوا سبب الورم الخبيث إلى تسرّب نفطي من خزّان وقود امتزج بالمياه الجوفية وجلب معه ثلاثي كلور الايثيلين ومذيبات الشحوم وغيرها من المواد الكيميائية الخطرة.
وليامز تتتبّع أيضا تاريخ حبوب منع الحمل والعلاج الهرموني على امتداد أكثر من نصف قرن وتخلص إلى أن الهرمونات التي نمتصّها طوال دورة حياتنا هي الجاني المرجّح والسبب الأوّل في الارتفاع الكبير في نسبة الإصابة بسرطانات الثدي.
ثم تتحدّث عن ظاهرة إقبال النساء على عمليات تكبير الثديين، وهي جراحة ذات تاريخ قبيح وخطير، لأن دافعها الأوّل كان وما يزال الجشع. وطوال القرن الماضي، أدخل الجرّاحون إلى ثدي المرأة كلّ شيء، من البارافين إلى رقائق الخشب، وذلك لجعلهما اكبر. لكن النتائج كانت في الغالب إمّا مميتة أو مشوّهة.
وفي أواخر الخمسينات حدثت أوّل زراعة لثدي. وفي العمليات المبكّرة استُخدم الإسفنج والبولي فينيل والبولي إيثيلين. ثم وُظّف السيليكون الذي كان يُستخدم في الأساس لعزل أجزاء الطائرات وتليين الآلات. ثم استُخدمت لحشو الثديين موادّ أخرى كالدهانات والموادّ اللاصقة والأنابيب الطبّية. ومع بداية الستّينات، تعزّزت شعبية زراعة ثدي السيليكون من قبل جرّاحي التجميل. وعلى الرغم من أن السيليكون يوصف عادة بأنه المادّة الأكثر أمانا، إلا أن استخدامه ما يزال يؤدّي إلى مشاكل صحّية مثل انكماش وضمور الثدي، مع ما يستتبع ذلك من دعاوى ومنازعات قضائية وجدل طبّي كبير.
وتقول المؤلّفة أن زراعة الثديين تتضمّن موادّ مثل كرات الزجاج والعاج ورقائق الخشب وزيت الفول السوداني والعسل وحليب الماعز وغضاريف الثور. وتضيف إن ذهاب المرأة إلى أقصى حدود الخطر من اجل الجمال ليس بالأمر الجديد. فلآلاف السنين، تُشوّه النساء الصينيات أنفسهنّ وبناتهنّ كي يكتسبن أقداما صغيرة ومشوّهة، في حين تختنق النساء الغربيات بارتدائهنّ الكورسيهات التي تتسبّب أحيانا في ثقب أعضائهن الداخلية. كما أن النساء يلطّخن وجوههنّ بالرصاص والزرنيخ ويمزّقن شعورهنّ بالشمع الساخن، وما زلن يفعلن ذلك".
حديث المؤلّفة عن زراعة الثدي قد يتركك تتساءل في استغراب: ترى هل يمكن أن يُخضع الرجال أنفسهم لحقن صدورهم برقائق الخشب وبالكرات الزجاجية أو غضروف الثور وذلك لأسباب تجميلية أو لأيّة أسباب أخرى؟!
هذا الكتاب لن تندم على قراءته أبدا. فهو يجمع إلى جانب المعلومة الجادّة.. الحكمة والطرافة. هل تعلم، مثلا، أن أكثر جراحات التجميل رواجا اليوم هي عمليات تكبير الثديين؟! وأن حليب الثدي يباع عبر الإنترنت بسعر يفوق سعر النفط بمائتين وستّين ضعفا؟!
الثديان - تكتب وليامز في نهاية الكتاب - يحتاجان عالما أكثر أمانا وأكثر اهتماما بمواطن الضعف فيهما. كما أنهما بحاجة إلى من يستمع إليهما جيّدا وليس فقط لمن يحدّق فيهما باهتمام.

Credits
textpublishing.com.au
wsj.com

Thursday, September 05, 2013

!الحقيقة فعلا .. يعني

هل راقبت نفسك يوما وأنت تتكلّم مع احدهم أو مع مجموعة من الأشخاص؟ لو فعلت ستكتشف انك تردّد، بشكل متواتر وغالبا دون أن تشعر، كلمة أو صيغة أو لازمة معيّنة في وسط الكلام. كلمات مثل "فعلا"، "طبعا"، "ربّما"، "بطبيعة الحال"، "بالفعل"، "يمكن" .. إلى آخره.
حاول أن تشاهد هذا الفيديو ابتداءً من الدقيقة الرابعة، ثمّ لاحظ كم مرّة ردّد ضيف البرنامج، وبسخاء، لازمة بعينها خلال حديثه، وغالبا دون أن يشعر. هذه هي نوعية الكليشيهات اللغوية التي نردّدها كثيرا في كلامنا اليومي دون أن ننتبه إلى أنها قد تكون غير ذات صلة بسياق الموضوع وقد لا تضيف للمتلقّي أيّة معلومة أو فكرة جديدة.
ومن الصيغ اللغوية الأخرى التي تتكرّر في أحاديثنا اليومية عبارتا "في الواقع" و"في الحقيقة". وهناك من يظنّ أن ترديد هاتين العبارتين بالذات هي محاولة من الشخص المتحدّث لإعطاء انطباع عن نفسه بأنه إنسان مثقّف وعلى درجة عالية من التعليم والمعرفة. لكن من واقع التجربة، أصبحت مقتنعا بأن استخدام هاتين الصيغتين غالبا ما يأتي بطريقة عفوية أو للتأكيد على رأي ما أو فكرة محدّدة، ولا يراد منه بالضرورة تضخيم الذات أو ادّعاء العلم والثقافة.
ولأنني كنت ما أزال واقعا تحت تأثير ذلك الفيديو الطريف، فقد قرّرت أن أضع نفسي تحت المراقبة وأنا أتكلّم كي أعرف نوعية الكلمات والصيغ التي أكررها لا إراديّا ومن ثمّ كي أنقّي حديثي من أيّ حشو أو مفردات زائدة أو غير ضرورية. وفوجئت عندما اكتشفت لأوّل مرّة أنني أُكثِر من ترديد كلمة "يعني" في سياق الكلام. ثم اكتشفت أيضا تكراري، وإن بوتيرة اقلّ، لمفردات مثل "بالفعل" أو "طبعا" دون أن يكون لذلك مبرّر منطقيّ أو سند لغويّ.
ثم فكّرت متسائلا: هل هذه الصيغ التي نكرّرها في أحاديثنا اليومية ونملأ بها فراغات الكلام هي دائما من قبيل الحشو اللغويّ؟ وهل هي بالضرورة تعبير عن كسل ذهني أو عقلي؟ ثمّ هل هي مؤشّر على انحدار مستوى لغة الخطاب اليومي؟
كلمة "يعني" التي أزعجني اكتشاف أنني اردّدها في كلامي بطريقة مبالغ فيها وليس لها لزوم، وجدت في النهاية أنها كلمة مريحة وليست بتلك الدرجة من السوء. فأنا أستخدمها عندما أكون متشكّكا أو غير متأكّد تماما من فكرة أو استنتاج ما. والأمر أشبه بأن تخرج عن الطريق الرئيسيّ وتسلك ممشى جانبيّا كي تصل بطريقة أكثر أمانا إلى نقطة محدّدة. واستخدام "يعني" قد يكون وسيلة للتقليل من قوّة أو تأثير فكرة أو رأي ما، أو للإشارة إلى معنى قريب من المعنى المقصود نظرا لتعذّر العثور على كلمة أكثر دقّة أو لأن تلك الكلمة، ببساطة، غير موجودة.
صحيح أن هناك حاجة لاستخدام مفردات لغة الخطاب اليومي بطريقة محسوبة وصحيحة. لكن استخدام بعض تلك المفردات بوتيرة متكرّرة قد يؤشّر، من جهة أخرى، إلى أننا مسيطرون على مشاعرنا وواعون بذواتنا وأننا نتعامل مع اللغة بارتياح ووعي.

Sunday, September 01, 2013

الرجل الذي ابتكر التاريخ

اعتاد المؤرّخون على أن يتعاملوا مع هيرودوت بشيء من التعالي، لأنه كان ميّالا لأن يسلّي قرّاءه بحكايات عن بشر لهم رؤوس كالكلاب وعن نمل يحفر بحثا عن الذهب وعن ثعابين تطير في الهواء. شيشرون، المؤرّخ الروماني، أطلق عليه لقب "أبو التاريخ"، لكن بلوتارك وصفه في وقت لاحق بـ "أبو الأكاذيب".
في هذا الكتاب بعنوان "طريق هيرودوت: رحلات مع الرجل الذي ابتكر التاريخ"، يتتبّع الكاتب والرحّالة البريطاني جستين ماروتزي خطى هيرودوت عبر الشرق الأوسط والبحر المتوسّط، ويدرس ملاحظاته التي كتبها قبل ألفين وخمسمائة عام عن الثقافات والأماكن التي زارها.
قبل أكثر من ألفي عام، كانت المدن اليونانية تتناثر على سواحل تخوم آسيا. ولم يكن اختيار أيّ من تلك المدن كنقطة انطلاق أمرا صعبا بالنسبة لرجل مثل هيرودوت كان يعشق السفر والترحال. كانت مصر تبعد أقلّ من أربعمائة ميل إلى الجنوب. وكانت جزر بحر إيجه ومدنها تقع على بعد أمتار من عتبة منزله. وعبر الماء، كانت أثينا العظيمة تتلألأ مثل منارة. وإلى الشرق، يقع مركز الإمبراطورية الفارسية وبابل وما وراءها.
ومثل مستكشف من القرن التاسع عشر ينفض الغبار الأفريقيّ عن حذائه بينما يحاضر في قاعات الجمعية الجغرافية الملكية عن قبيلة غامضة، فإن هيرودوت يأخذنا إلى العالم الغامض لليبيين والفرس والمصريين والإثيوبيين والبابليين والهنود. وهو يتساءل: من هم هؤلاء الناس، ومن أين جاءوا، وما هي عاداتهم وبماذا يختلفون عنّا من حيث أحوالهم السياسية والاجتماعية والمعمارية والدينية والتجارية، وماذا يمكننا أن نتعلّم منهم؟
يقول ماروتزي في مقدّمة الكتاب: قد يكون هيرودوت عاش قبل أربعة وعشرين قرنا، لكنه ينتمي إلى عالمنا المعاصر، عالم القرن الحادي والعشرين. انه ليس أبا للتاريخ فحسب، بل كان أيضا أوّل كاتب رحلات في العالم، وكان عالم جغرافيا وعالم أنثروبولوجيا ومستكشفا وفيلسوفا وأخلاقيا ومحقّقا صحفيا دءوبا وداعية متنوّرا لتعدّد الثقافات حتى قبل أن توجد الكلمة. وبالإضافة إلى ذلك، كان هيرودوت حكواتيا رائعا ورحّالة لا يعرف الكلل ومراقبا بارعا لأحوال البشر".
ماروتزي نفسه رحّالة مخضرم وصحفيّ مقدام وعابر للحدود الثقافية. وهو يعامل بطله بكثير من الإنصاف في هذا الكتاب المسلّي والمثير للفكر.
وهو يرى أن هيرودوت أكثر انتماءً إلى عصرنا من كثير من الكتّاب. فقد كان يكتب نثرا سهلا ورائعا، كما كان يحبّ السرد الجيّد الذي تتخلّله تعليقات جانبية محبّبة وطريفة. في كتابه "التواريخ" قصص مسهبة عن رجال برؤوس كلاب وثعابين تطير كما لو أنها تبحث عن فضاء داخل سرد هيرودوت الفتّان عن الحروب الفارسية التي خرجت منها اليونان منتصرة في العام الخامس قبل الميلاد مفسحة المجال أمام ولادة الحضارة الغربية.
وماروتزي ينسب الفضل لهيرودوت في اختراع مصطلح "الغرب" كمفهوم سياسيّ ويأسف لأنه لا بوش ولا بلير رأيا انه من المناسب أن يقرءا كتاب "التواريخ" قبل غزوهما للعراق.
ويتوقّف المؤلّف عند كتاب بلوتارك بعنوان عن خبث هيرودوت والذي تحوّل فيه هيرودوت إلى أبي الأكاذيب. وماروتزي يرفض هذا الوصف ويرى بأنه وصف خياليّ ومؤسف ولا يختلف كثيرا عن الذين سخروا من هيرودوت في وقت لاحق باعتباره ناشرا ومروّجا للخرافات. "أيّا ما كانت عيوب هيرودوت كمؤرّخ، وهو عادة ما يُتّهم وبطريقة غير منصفة أحيانا باختلاق بعض القصص، إلا انه يظلّ أكثر قابلية للقراءة من معظم من أتوا بعده من الرحّالة".
أحد مصادر المتعة في هذا الكتاب هو أن المؤلّف يسافر بصحبة القارئ إلى الأماكن والبلدان التي ذهب إليها هيرودوت أو عاش فيها، ويقرن ذلك بالأوصاف الجميلة والملاحظات الذكيّة والممتعة. ويبدأ رحلة الاكتشاف تلك بزيارة لبلدة بودروم مسقط رأس هيرودوت؛ تلك المدينة القديمة الواقعة على ساحل بحر إيجه والتي كانت تُسمّى في زمن هيرودوت بـ هاليكارناسوس.
ثمّ يذهب المؤلّف إلى بغداد التي لم تكن موجودة على أيّام هيرودوت، وإلى بابل وهي مكان لحضارات سبقت هيرودوت بأكثر من ألف وثلاثمائة عام. ثمّ يحلّ في مصر قبل أن يعود إدراجه إلى سالونيك وأثينا والأرخبيل اليونانيّ. وبين كلّ مكان وآخر، يورد ماروتزي تلميحات ثمينة ذكرها هيرودوت في "التواريخ" عن أسفاره وتنقّلاته.
في مصر، كان هيرودوت أكثر اهتماما بنهر النيل وتقنيات التحنيط من اهتمامه بالأهرام مثلا. ولا ينسى المؤلّف أن يزور أعجوبة العالم الثامنة، أي نفق يوبيلينوس في جزيرة ساموس. ويقول معلّقا: من الصعب أن يتحمّس الناس من اجل نفق. لكنّه يتحدّى الخفافيش والفئران". وبمساعدة مجموعة من خرائط الرسم، يحاول الكاتب بناء قضيّة لإدراج هذا النفق الأسطوري ضمن عجائب الدنيا القديمة.
وماروتزي ملاحظ دقيق للتفاصيل وهو يستخدم كتاب "التواريخ"، ليس كمصدر للمعلومات فحسب، وإنما كأداة للمقارنة والقياس والترفيه أيضا. وبالنسبة له، فإن الأرض والناس هما جزء لا يتجزّأ من بحثه عن هيرودوت، تماما كما كان هذا العنصران مهمّين بالنسبة للمؤرّخ.
أحد الأشياء التي يعلّمنا إيّاها هذا الكتاب هو أن التاريخ القديم ليس بالضرورة منقطع الصلة بعالم اليوم. فالعداء العرقي والجغرافي ما يزالان موجودين في هذا العالم ويتدثّران بحجج وأغراض وذرائع كثيرة ومختلفة.
وعلى الرغم من أن نظرة هيرودوت للعالم مضى عليها أكثر من ألفين وخمسمائة عام، إلا أنها ما تزال حديثة بشكل مدهش: احترموا العادات والثقافات الغريبة، وابقوا ضمن الحدود الطبيعية الخاصّة بكم، واحترسوا من التوسّع الإمبراطوري المفرط، وحذار من الغطرسة التي قد تقودكم إلى الانتقام، ولا تركنوا إلى أمجادكم القديمة وتذكّروا نصيحة الحكيم سولون إلى ملك ليديا الثريّ كرويسوس: أحيانا يمنح الله إنسانا لمحة من السعادة ثم لا يلبث أن يدمّره بعد ذلك".
كتاب "الرجل الذي ابتكر التاريخ" هو مزيج فاتن من الرحلات والتاريخ والقصص المسلّية التي وضعها كاتب موهوب وذو أسلوب مرهف، خاصّة عندما يصف الأماكن التي تشرّبت على مدى قرون طويلة بالكثير من الدم والشمس والعرق والبؤس البشري. وإذا أعجبك موضوع هذا الكتاب فاحرص على أن تقرأ كتابا آخر لا يقلّ أهمية وشهرة هو رحلات مع هيرودوت للصحفيّ البولندي ريشارد كابوشتنسكي.

Credits
atravelerslibrary.com
popmatters.com