:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, September 26, 2009

الحاجة إلى لغة جديدة للجسد


لغة الجسد المقصودة في العنوان ليست الإشارات والإيماءات والحركات كما قد يتبادر إلى الذهن، وإنّما الكلمات الشفهية التي تأخذ مادّتها من أعضاء جسم الإنسان ويردّدها الناس في أحاديثهم ومعاملاتهم اليومية. وهي، في هذا المقام بالذات، تلك الكلمات التي تستخدم أعضاء الجسد الأنثوي في مقام لعن الآخر والانتقاص منه والحطّ من كرامته.
اعتقد أن القارئ يعرف ما اقصده دونما حاجة إلى مزيد إيضاح.
وأبدأ بالقول إن من المسيء فعلا أن يتحوّل عضو المرأة إلى أداة للعن وتسفيل الخصم عندما يلجأ الرجال إلى تحقير بعضهم البعض مستخدمين تلك الكلمة التي تتكوّن من حرفين.
والسؤال الذي يطرح نفسه: ترى كيف تحوّل هذا العضو العظيم والبالغ الأهمية إلى لعنة أو شتيمة مع أنه أصل العالم والحياة بدونه مستحيلة؟!
وما السبب الذي يجعل الرجل العربيّ، من بين كلّ الرجال في العالم، يتحدّث عن عضو الأنثى في معرض اللعن والإهانة. الغربيون قد يتحرّجون من ذكر اسمه الدارج على الملأ. لكنهم، برغم تاريخهم الطويل مع أحزمة العفّة وهواجس العذرية في القرون الغابرة، لا يستخدمون هذا النوع من اللغة. ونحن نعرف أن نوعية التربية ونمط تفكير المجتمع هما عاملان مؤثّران في تشكيل انساق الكلام ومفردات اللغة المتداولة.
صحيح أن معظمنا يأنف من استخدام هذه الكلمة. بل إنها قد لا تخطر على بال الكثيرين منّا. لكنّ المشكلة أنني اسمعها من الآخرين أثناء احتدام الخصومة في ما بينهم، وأحيانا تقال على سبيل الدعابة والمزاح. بل انه حتى الأطفال هذه الأيّام يستخدمون تلك الصيغة المبتذلة في مشاجراتهم وخصوماتهم متأثّرين بما يسمعونه من الكبار. والأنكى من هذا وذاك أنني علمت انه حتى النساء يستخدمنها أيضا في خناقاتهن خلافا للاعتقاد السائد بأنها لغة خاصّة بالرجال. هل هذا يعني أن المرأة انطلت عليها الخدعة وأصبحت هي أيضا تتعامل مع عضوها بطريقة تخلو من الاحترام والتبجيل؟
قد يقول قائل إن النساء يجب أن يشعرن بالزهو والفخر عندما يكتشفن أن الرجال يستخدمون تلك الكلمة في معاركهم ونزاعاتهم ويرين في ذلك دليلا على أهميّة أعضائهنّ.
لكن الإشكال يكمن في أن ذلك العضو لا يُذكر في أيّ من سياقات اللغة الشفهية اليومية إلا مقترنا بالشتم والازدراء. وفي المقابل، لا يجري توظيف أو استخدام العضو الذكري في سياق الذمّ واللعن بين الرجال المتخاصمين، لأسباب لها علاقة بأفكار المجتمع الذي يُعلي من قدر الرجل ويحطّ من قيمة المرأة.
ترى لماذا أصبح عضو المرأة العربية، الذي هو رمز الحياة وعنوان الخصوبة والنماء، لا يتمتّع في لغة الذكور العرب بأيّ احترام أو مراعاة أو اعتبار؟!
قد يكون للأمر علاقة بفكرة الشرف التي ترتبط في ذهن وعقلية العربي بالمرأة تحديدا وحصراً. ومنذ زمن الجاهلية كان الرجل عندما يريد إهانة رجل آخر وإلحاق العار به يغتصب زوجته أو إحدى قريباته. وهو نفس السبب الذي يدفع بعض الرجال هذه الأيّام إلى قتل زوجاتهم أو بناتهم في ما يُعرف بجرائم الشرف. الرجال يزعمون أنهم يريدون حماية شرف المرأة حتى لو كان الثمن قتلها وحرمانها من حرّيتها وحقّها في الحياة. والأمر الأكثر بشاعة وخزياً أن المرأة تُجبر أحيانا على أن تتزوّج من نفس الرجل الذي اغتصبها وأهدر إنسانيّتها.
ومع مرور الأيّام أصبح عضو الأنثى يشكّل جماع ما ترمز إليه فكرة الشرف في ذهنية الرجل العربي. والأولى في هذه الحالة أن يُحترم هذا العضو وأن يُحيّد عن صراعات الرجال ويُحال دون توظيفه في لغة الخطاب الشعبي في مقام السّباب واللعن والشتيمة. وفي نفس الوقت، قد نكون بحاجة فعلا إلى لغة جديدة للجسد وإلى ابتكار أنواع جديدة من اللعنات والشتائم.
وأنا أكتب هذه الملاحظات، لم استبعد أن يخرج عليّ قارئ رصين فيتهمّني بالسطحية أو الخواء الفكري. ومع أن للموضوع جانبا طريفا لا يمكن إنكاره، إلا أنني حاولت أن أناقشه من منظور اللغة والتربية وعلاقات الجندر ونظرة المجتمع إلى المرأة. فإن أصبت فبها ونعمت، وإن أخطأت فيكفيني شرف المحاولة.

Wednesday, September 23, 2009

مراحل الحياة

في هذا العصر، ازداد متوسّط العمر المتوقّع للإنسان من الجنسين ليبلغ أحيانا السبعين عاما. وربّما لهذا السبب، فإننا لا نميل إلى التفكير كثيرا في الحياة والموت.
لكن عندما يقترب الإنسان من سنّ الأربعين، فإن مثل هذه الأفكار تصبح أكثر حضورا. طبعا من المستحسن، وبصرف النظر عن العمر، أن لا ندع مثل هذه الأفكار تهيمن على تفكيرنا أو تفسد علينا أوقات صفونا.
لكن قبل مائتي عام، أي عندما كان ابسط الأمراض يهدّد بوضع نهاية مبكّرة لحياة الإنسان مهما كان عمره، فإن هذه الأفكار التي تتناول هواجس الحياة والموت كانت أكثر شيوعا وانتشارا.
كان الناس وقتها يشعرون بأن لا سيطرة لهم على أمور صحّتهم وحياتهم. لذا كانوا يميلون إلى فلسفة الأمور ويناقشون مكان الحياة والموت في الخطّة الكبيرة التي وضعها الخالق للأشياء.
كان كاسبار ديفيد فريدريش رسّام طبيعة ألمانيّاً عاش في بدايات القرن التاسع عشر. ويبدو، من خلال طبيعة لوحاته، انه لم يكن يفكّر في شيء آخر غير الحياة والموت.
ولد فريدريش عام 1774 لأب كان يعمل في صنع الشموع. ورغم انه ولد في بوميرانيا على ساحل بحر البلطيق، إلا انه نشأ في دريسدن بألمانيا حيث تلقّى تربية بروتستانتية صارمة أفسدتها في بواكير حياته حادثة مأساوية تمثّلت في سقوطه في إحدى البحيرات الجليدية.
وقت الحادثة، هبّ شقيقه الأكبر لإنقاذه. غير أن الشقيق مات غرقا أثناء تلك المحاولة. وكان لموت شقيقه المفاجئ اثر عميق عليه لازمه حتى نهاية حياته. كان فريدريش شخصا مكتئبا وحزينا بعمق. وقد آثر حياة الوحدة إلى أن بلغ الأربعين من عمره عندما قرّر أن يتزوّج من فتاة تصغره باثنين وعشرين عاما حملت له في ما بعد بثلاثة أطفال.
قضى فريدريش حياته كلّها في ألمانيا ورسم فيها لوحاته عن الطبيعة ذات التفاصيل الدقيقة والمحمّلة بالرموز التي كان دافعها إدراكه العميق لحتمية الموت.
لوحته مراحل الحياة رسمها في العام 1835، أي قبل وفاته بخمس سنوات فقط. ورغم انه رسم جميع لوحاته من مخيّلته، إلا انه استند فيها على اسكتشات من مواقع فعلية.
في هذه اللوحة يرسم فريدريش شاطئ ميناء غرايفسفالد حيث ولد. وقد رسم خمس سفن تقف على مسافات مختلفة وتمثل مراحل الحياة.
ساري السفينة الوسطى التي تواجه الناظر يشكّل علامة الصليب الذي يرمز إلى الإيمان الديني العميق عند الفنّان. وعلى الشاطئ يقف رجل عجوز يتوكّأ على عصا وظهره إلينا. العجوز هو الرسام نفسه، وهو يمثل الشيخوخة. وعلى مقربة منه يقف شابّ يرتدي قبعة هو ابن أخيه الذي يمثّل مرحلة النضج.
وخلفهما يلهو مجموعة من الأطفال على الشاطئ بينهم فتاة شابة هي ابنته الكبرى، وتمثّل مرحلة الشباب. والى جوارها يظهر طفلان يلعبان بعلم هما طفلاه الأصغر سنّا، ويمثّلان مرحلة الطفولة.
اللوحة بسمائها الذهبية المضيئة والغيوم التي تأخذ لون أزهار الخزامى توفّر منظرا يثير الهدوء والسكينة.
ومع ذلك، عندما تتأمّل اللوحة أكثر لا بدّ وأن يساورك شعور بالحزن وأنت تراقب السفن التي ترمز إلى الحياة وهي تبحر بعيدا باتجاه الغروب. "مترجم".

Monday, September 21, 2009

صورة الفنان عن نفسه

ليوناردو دافنشي، غوغان، فيلاسكيز، دافيد، بيكاسو، سيزان، كارافاجيو، ديغا، ايغون شيلا، مونك، بيكون، لوسيان فرويد، فيجي لابران، روبنز، انجيليكا كوفمان، بيتر بريغل، جوشوا رينولدز، غويا، رافائيل، جيمس ويسلر، اوجين ديلاكروا، ماتيس، جون سارجنت، دانتي غابرييل روزيتي، سلفادور دالي، وارهول، رينوار، ديورر .. إلى آخره. كلّ هؤلاء وغيرهم رسموا صورا لأنفسهم. ومن دون تلك الصور ما كان بالإمكان اليوم تصوّر ملامحهم أو سماتهم الشخصية.
إن البورتريه الذي يرسمه الفنان لنفسه، سواءً كان واقعيا أو تجريديا أو غامضا، يمكن أن يوفر أفكارا ومعلومات مثيرة عن صاحبه.
وقبل ظهور التصوير الضوئي كان البورتريه الشخصي ضروريا لأنه يظهر للناس كيف كان يبدو هذا الرسّام أو ذاك. كان رسم البورتريهات الشخصية يشير أيضا إلى رغبة الفنان في إثبات الدليل على براعته وأصالة موهبته.
والبورتريهات الشخصية كانت وما تزال جزءا من التعليم الرسمي للفنّ، رغم أن هذا المفهوم أصبح اليوم أكثر اهتماما بإبراز تعبيرات الرسّام أكثر من ملامحه الشخصية.
رمبراندت وفان غوخ رسما لنفسيهما العديد من البورتريهات الشخصية. في الحقيقة، كان رمبراندت من خلال بورتريهاته الشخصية يسجّل مراحل نضجه الفنّي مرحلة بعد أخرى.
في حين أن فان غوخ كان في بورتريهاته يطرح التساؤلات عن هويّته ويحاول استكشاف المزيد من الأساليب الفنية الجديدة.
فنّانة عصر النهضة ارتيميزيا جينتيليسكي رسمت نفسها وبيدها الفرشاة وأمامها رقعة الرسم.
الفنانة المكسيكية فريدا كالو رسمت هي الأخرى العديد من البورتريهات الشخصية التي حاولت فيها النفاذ إلى مشاعرها الداخلية وطرح بعض الأسئلة المتعلقة بالثقافة والحبّ والجنس.
وفي بعض الحالات فإن الفنان عندما لا يضمّن البورتريه ملامحه بوضوح، فإنه يكشف فيه عن بعض سمات شخصّيته بطريقته الخاصّة.


لوحة مارسيل دُوشان بعنوان "شابّ حزين في قطار" قيل انه صوّر فيها نفسه. وهي من اللوحات التي تستعصي على التفسير، شأنها شأن العديد من لوحات دوشان الأخرى.
بينما يظهر تشارلز شيلر في لوحته "الفنان" وهو ينظر إلى الطبيعة بينما يعطي ظهره للناظر وأمامه متاهة من العناصر التي جلبها من بعض لوحاته السابقة. وفي الحقيقة لا احد يعلم كيف كان شيلر يبدو، لكن ثمّة احتمال انه أراد أن يقول إنه يفضّل أن يتعرّف الناس على هويّته من خلال فنّه.
الرسّام الألماني البيرت ديورر رسم لنفسه بورتريها أصبح مشهورا جدا في ما بعد. ومن الواضح انه اعطى وجهه في البورتريه بعض ملامح وجه المسيح.
مايكل انجيلو رسم نفسه ايضا في سقف كنيسة سيستين عندما اعار ملامحه الشخصية لوجه القديس بارثولوميو.
الرسّام الانطباعي الأمريكي ويلارد ميتكالف رسم لنفسه بورتريها نصف مظلّل. وهناك من يظنّ أن ميتكالف لم يرد إظهار وجهه بالكامل، تعبيرا عن شكوكه بشأن مستقبله الفنّي والمالي. لكن آخرين يرون أن ميتكالف ربّما كان يشير ضمنا إلى جانب مظلم من شخصيّته يختفي خلف مظهره الهادئ.
الرسام الايطالي رافائيل اختار هو أيضا أن يرسم نفسه ضمن شخصّيات لوحته المشهورة "مدرسة أثينا".
مارك روثكو رسم هو أيضا لنفسه بورتريها تبدو فيه نظراته محجوبة بما يشبه العدسات الزرقاء والسوداء، ما يثير إحساسا بالهشاشة أو الانفصال.
وعلى النقيض من ذلك، رسم ادوارد هوبر لنفسه صورة واقعية إلى حدّ كبير. غير أن من المثير للانتباه أن وجه هوبر هنا يبدو أكثر تفصيلا وشخصيّته أكثر وضوحا من الشخصيات التي كان يرسمها.
اليس نيل رسمت لنفسها صورة عارية وهي في سنّ الثمانين. الصورة تُظهر آثار الزمن على وجهها وجسدها.
ستانلي سبنسر رسم هو أيضا بورتريها لنفسه في بدايات اشتغاله بالرسم يبدو فيه بهيئة شابّة وبشرة صافية.
لكن قبيل وفاته في العام 1959 رسم سبنسر لنفسه بورتريها ثانيا يظهر فيه بملامح شبحية كما لو انه تصالح مع فكرة موته الوشيك.


الرسّام الفرنسي غوستاف كوربيه كان احد أشهر من رسموا البورتريه الشخصي. وقد رسم لنفسه عدّة لوحات في أوضاع وحالات شتّى.
كوربيه، الذي اتسمت حياته بالمجون والاحتجاج والسجن، كان يعرف أن شخصيّته هي رصيده الأكبر وأن الابتكار هو المفتاح الذي من خلاله يستطيع أن يفاجئ جمهوره دائما وأن يثير اهتمامهم.
البورتريه الذي رسمه لنفسه عام 1844 بعنوان "الرجل اليائس" يُظهر كوربيه بأجلى درجات حيويّته ووسامته. يداه تحاولان ترتيب شعره الأشعث وعيناه تحدّقان مثل حيوان جريح وتومضان بالذهول أو الخوف.
لكنه في المراحل الأخيرة من حياته صوّر نفسه تصويرا رمزيا وغريبا، أي على هيئة سمكة ميّتة. في اللوحة تبدو السمكة وقد علقت في سنّارة الصياد. وقد أراد كوربيه من خلال هذا المنظر التعبير بطريقة مؤلمة عن إحساسه بالهزيمة بعد أن تضافرت ضدّه قوى لم يكن بمستطاعه التصدّي لها أو الوقوف في وجهها. كان في ذلك الوقت يستشعر دنوّ الموت وكان أخوف ما يخافه أن يذهب في غياهب التجاهل والنسيان بعد موته.
كان كوربيه يحاول على ما يبدو من خلال بورتريهاته الشخصية أن يحافظ على ذاته. فالإنسان قد يمرّ في حياته بالكثير من التقلبّات ولحظات الفرح والحزن ومع ذلك لا يستطيع أن يأخذ نفسه بعيدا عن محيطه.
ومثل صفحة الرسم البيضاء يمكن أن يكون الفنان الشخص الذي يريد. "مترجم"