:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Friday, May 06, 2011

الثورات العربية وأشباح الماضي


أخبار الربيع العربي والمسيرات والمظاهرات المنادية بتغيير الأنظمة الاستبدادية أصبحت زادا يوميا بالنسبة للمواطن العربي. وقد بدا واضحا منذ بداية هذه السنة الغريبة والاستثنائية أن الشعوب العربية قد طفح بها الكيل ولم تعد تحتمل مزيدا من الطغيان والفساد والتهميش وأصبحت تتوق إلى الحرّية والكرامة مهما كان الثمن وأيّا تكن التضحيات.
إن رؤية أحداث التاريخ المصيرية وهي تسفر عن نفسها أمام عينيك على شاشة التلفزيون أمر نادر ومثير للاهتمام. وهذا ما حدث معي طوال الأشهر القليلة الماضية وأنا أتابع حلقات هذا المسلسل الدرامي والمثير والسريع بكلّ ما أثاره ويثيره من تكهّنات غامضة ومتناقضة. أخيرا هذه شعوب تنزع عن كاهلها رداء الخوف والعبودية وتفصح عما لا تحبّه وتسمّي الظلم باسمه ولا تقبل شيئا اقلّ من الانعتاق وامتلاك مصيرها بيدها.
المثالان الحضاريان اللذان قدّمتهما ثورتا مصر وتونس لم يتكرّرا في حالات أخرى كاليمن وليبيا وسوريا وغيرها، حيث تعاملت الحكومات مع المحتجّين المطالبين بالحرّية بالرصاص الحيّ والقمع المتجاوز. وسيكولوجية الاستبداد وفّرت لبقيّة الحكومات درسا مهمّا من حالتي مصر وتونس مفاده أن مبارك وبن علي تعاملا مع الاحتجاجات المطالبة بتغيير النظام بالكثير من الرقّة والنعومة.
الحالة الليبية، من جهة أخرى، وما رافقها من عنف وقتل قدّمت درسا إضافيا في طريقة إسكات الاحتجاجات. لذا والحالة هذه، كان لا بدّ للحكومات من تجربة الخيار الثاني وهو اللجوء إلى العنف والقتل لإرهاب الناس وثنيهم عن مطالبهم.
الشباب الذين رأيناهم على شاشات التلفزيون كانوا يدركون أنهم بلا حول ولا قوّة أمام السلطة الغاشمة للحكومات. لكن الحكومات تدرك مدى قوّتهم وهم يتصدّون مجتمعين ضدّ استبداد النخب الفاسدة. المصريون والتوانسة كانوا طليعة هذا التغيير التاريخي المشهود. اليمنيون كانوا حضاريين في ثورتهم السلمية. النساء اليمنيات، على وجه الخصوص، فاجأن الجميع بجسارتهن ووعيهن وروحهن النضالية العالية. وعي اليمنيين بحقوقهم، وإصرارهم على مطالبهم رغم الرصاص والقتل البارد، والفعل الحضاري الذي ميّز انتفاضتهم يجعل منهم مثالا يُحتذى.
في الأسابيع الأخيرة بدا أن الثورات العربية بدأت تفقد زخمها. وقيل أن ما سُمّي بالربيع العربي قد أوشك على الانتهاء في مواجهة الرصاص الحيّ والقنابل والغازات المسيلة للدموع. صحيح أن الثوّار المطالبين بالديمقراطية اظهروا بسالة منقطعة النظير في تصدّيهم لبطش الحكومات وقمعها. لكن المحصّلة النهائية لما يجري تتحكّم فيها عوامل أخرى من أهمّها المواقف الدولية والإقليمية والخوف مما يخبّئه المستقبل في حال ما إذا سقطت الأنظمة الحالية وحلّ مكانها أنظمة دينية متشدّدة.
من جهة أخرى، تنشط قوى الثورة المضادّة في محاولة لإجهاض الحالة الثورية الحالية. وهناك الآن من يقول إن حالتي كلّ من مصر وتونس لم توفّرا بعد النموذج المنشود، لأن رموز العهد السابق أو الحرس القديم تحاول بأقصى استطاعتها الحفاظ على بنية النظام المنهار وإفراغ مطالب الثورة من مضمونها.
في بدايات هذه الثورات، وبالتحديد عندما حدثت الانعطافة الدموية للاحتجاجات في ليبيا والبحرين، كنت ممّن توجّسوا خيفة ممّا قد يخبّئه قادم الأيّام. ففي مثل هذه الأحداث المفصلية تكون أشباح التاريخ حاضرة. والذي يحدث عادة انه عندما يستشكل على الإنسان فهم طبيعة ما يحدث وتخامره الشكوك بشأن المستقبل فإنه يتحوّل إلى الماضي. وخُيّل إليّ وقتها أن العالم العربي مقبل على حروب وفتن أهلية وطائفية ومذابح ودماء على غرار عهود الرعب التي شهدتها أوربّا والصين وروسيا في بعض مراحل تاريخها، وأن الحلّ البديل في هذه الحالة هو أن تبادر الحكومات إلى الإصلاح الذي طال انتظاره فتعطي شعوبها حقوقها وبالتالي تضمن استمرارها في الحكم وفقا لقواعد الديمقراطية وآليات تبادل السلطة.
إن إسقاط أيّ نظام حكم مستبد لا يعني بالضرورة أن التغيير الايجابي أمر حتمي. أحيانا قد يخلف أنظمة الاستبداد حكومات ضعيفة وغير مستقرّة لا تستطيع استعادة النظام والأمن الاجتماعي ولا البدء في إصلاحات اجتماعية واقتصادية وسياسية حقيقية. مثل هذا حدث في فرنسا، ومعظمنا يتذكّر أسماء مثل دانتون وروبسبير ومارات، عندما فقد النظام الجديد مصداقيّته لدى الشعب بعد أن فشل في تحقيق مطالبه وحلّ مكانه في السلطة جماعات وقوى أكثر راديكالية ودموية جعلت الناس تترحّم على النظام القديم وتذكره بالخير وتحاذر من التغيير متذرّعة بالمثل الذي يقول إن الشيطان الذي تعرفه أفضل من الملاك الذي لا تعرفه. وأحيانا قد تتحوّل الثورات إلى حروب أهلية ثم إلى نزاعات إقليمية وربّما تؤدّي في النهاية إلى احتلال البلاد أو تقسيمها.
والذين يتفاءلون بالمستقبل يقولون اليوم انه إن صحّ أن الثورات العفوية العربية شارفت على نهايتها وأن حلم الشعوب في التحرّر والكرامة أطفئ أو وضع على الرفّ، فإن مفاعيل وآثار هذه الثورات مكتوب لها أن تدوم وأن تستمرّ طويلا. والشيء المؤكّد هو أن حاضر ومستقبل العالم العربي سيكون حتما اقلّ استبدادا وأكثر ديمقراطية.
ويجب أن لا ننسى أن الأسباب والعوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي أدّت إلى ما نشهده اليوم لن تنتهي في وقت قريب. والأمر الذي لا شكّ فيه هو أن النخب الحاكمة ستكون أكثر وعيا وإدراكا بالأسباب التي دفعت الشعوب للنزول إلى الشارع مطالبة بالديمقراطية والحرّية والكرامة.
إن دروس التاريخ تقول لنا أن من المستحيل سحق شعب يتوق إلى الحرّية والديمقراطية. فبذرة الحرية تسقيها دماء الشهداء، فتنمو وتقوى. وقد ثبت انه كلّما تعاملت الحكومات مع الشعوب بقسوة وعنف، كلّما انتشرت وتجذّرت قيم ومفاهيم الحرّية أكثر فأكثر.


Wednesday, May 04, 2011

جَسر الهوّة من خلال الفنّ



كان تأثير العالم الإسلامي على عصر النهضة الايطالي حقيقيا، وإن كان هامشيا إلى حدّ ما.
في عصر ميكيل انجيلو وليوناردو دافنشي كان من الخطر عبور التقسيم الثقافي لمنطقة البحر المتوسّط. فـ ميكيل انجيلو الذي كان يؤمن بالمسيحية إيمانا عميقا رفض دعوة السلطان التركي لأن يبني جسرا في القسطنيطينية. وفضّل بدلا من ذلك أن يستمرّ في رسم سقف كنيسة سيستين.
في بداية القرن السادس عشر أسرّ ميكيل انجيلو لتلميذه اسانيو كونديفو انه دُعي من قبل حكّام القسطنيطينية الأتراك ليذهب إلى هذه المدينة الأسطورية شرق المتوسط كي يبني جسرا. لكن ميكيل انجيلو رفض الذهاب إلى اسطنبول، كما أصبحت تُسمّى اليوم، لأن ذلك كان بمثابة خيانة منه لإيمانه المسيحيّ.
وفي ذلك الوقت، أي حوالي العام 1506، كان لديه سبب وجيه لأن يهرب من ايطاليا. فقد كان على خلاف مع راعيه وربّ نعمته، أي البابا يوليوس الثاني، الذي كان رجلا مخيفا جدّا.
وكان بإمكان ميكيل انجيلو أن يتجنّب غضب البابا وذلك بالهرب من المسيحية نفسها. لكن ذلك كان ثمنا باهظا بالنسبة لهذا الفنّان الذي كان صاحب قناعات دينية عميقة.
وعلى ما يبدو، كان منافسه ليوناردو دافنشي أكثر تعرّضا للإغراءات. ويظهر انه استُشير، هو أيضا، حول مشروع الجسر من قبل نفس المبعوثين الأتراك الذين اقتربوا من ميكيل انجيلو في وقت سابق.
تصاميم الجسر باقية في مذكّراته التي تركها. وهناك وثيقة في أرشيف اسطنبول تُظهِر دافنشي وهو يدعو الله ويتعهّد بالعمل لمصلحة السلطان. كما توجد أيضا ملاحظات أخرى ترسمه وهو يحلم بالشرق.
لكنّ أيّا من الرجلين لم يذهب إلى اسطنبول أو إلى أيّ مكان آخر في الشرق. لقد بقيا في موطنهما. ومن السهل اليوم أن نتخيّل معرضا أو كتابا ينسج قصّة فاتنة عن ليوناردو في ارض الإسلام. لكن هذا لم يحدث أبدا، وإن كان الخط الفاصل بين الشرق والغرب قد تمّ عبوره في أزمنة تالية.
العلاقة بين عصر النهضة الايطالي والعالم الإسلامي علاقة مشوّقة. ويعتقد الكثيرون أن النهضة بدأت من خلال التقاء العلوم الشرقية والغربية عندما فرّ علماء الإغريق من وجه الغزو التركي لـ اسطنبول في العام 1453م.
لكن هناك من يعتقد أن هذه الفكرة مجرّد كليشيه. وأبلغ منها الفكرة التي تقول إن الجذور القروسطية لعصر النهضة تتضمّن تأثيرات عربية حقيقية من قبيل الأرقام الحديثة وبصريات المنظور والحكايات المثيرة لألف ليلة وليلة.
ورواج المعارض التي تركّز على رحلات رسّامي فينيسيا إلى البلاط العثماني يمكن اعتبارها ردا ليبراليا جديرا بالثناء على الصراعات الثقافية التي يشهدها عالمنا منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر. والرسالة الحضارية التي تحملها هي: دعونا نركّز، ليس على الحروب الدينية الدموية التي وقعت في الماضي، بل على الحوار وتبادل المصالح والمنافع.
في واقع الأمر، كانت ثقافة عصر النهضة خلاقة جدّا في داخلها بما يكفي لئلا ننسب انجازاتها المركزية إلى الخارج.
خذوا قصّة الحرير مثلا. في كتابه العظيم "اقتصاد فينيسيا في عصر النهضة"، يستكشف المؤرّخ ريتشارد غولدثويت طبيعة العلاقة التجارية التي ربطت ايطاليا بالشرق في القرون الوسطى. ويحلل المؤلّف عملية الابتكار المدهشة التي توصّل إليها التجّار الايطاليون آنذاك عندما بدءوا باستيراد السلع الحريرية من البلدان الإسلامية ليبيعوها إلى بارونات ومواطني الشمال الأوربّي. ولم يلبث أولئك التجّار أن بدءوا في إنتاج حريرهم الخاصّ. وأخيرا أصبحوا يصدّرون الحرير الممتاز إلى الشرق، أي أنهم قلبوا الطاولة.
ونفس الشيء حدث في فنّ عصر النهضة. فقد رسم فنّانو القرن السادس عشر السجّاد الشرقي الذي رأوا فيه تحدّيا بصريا مثيرا للاهتمام. وصوّروا تلك المنسوجات والأنماط المعقّدة بالألوان الزيتية، على نحو ما فعل هولبين.
كان عصر النهضة هو الفترة التي بدأت فيها أوربّا تحقّق قفزات في الداخل، وتضرب في الخارج بفضول وأحيانا بعدوانية، وفي مناطق بعيدة جدّا عن شواطئها وحدودها الخاصّة.
في فلورنسا القرن الخامس عشر، عاد مواطن من الشرق حيث كان يعيش. كان يرتدي جلبابا تركيا، وهو مشهد غير مألوف في ذلك الوقت. لكن هذا الشخص لم يكن مغامرا يعود ومعه الكثير من الحكايات الساحرة. في الحقيقة كان الرجل متآمرا حاول اغتيال لورنزو دي ميديتشي حاكم فلورنسا. وقد قُبض عليه في اسطنبول وجُرجر إلى وطنه ليموت فيها. وعندما تمّ شنقه كان ما يزال يرتدي جلبابه التركي. وقد صُورت الجثّة باهتمام كبير بالزيّ التركي من قبل الرسّام الشابّ في ذلك الوقت ليوناردو دافنشي.
لماذا شُنق هذا المجرم وهو يرتدي اللباس التركي؟
كان التجّار من فلورنسا يزورون الشرق باستمرار. لكنّ هذا الرجل اُظهِر بزيّه، ليس كرحّالة ولا تاجر، وإنما باعتباره خائنا لعالم المسيحية.
لقد كان ميكيل أنجيلو مدركا لعواقب قبوله مشروع الجسر التركي. إذ لم يكن آمنا عبور الفجوة الكبيرة التي كانت تفصل ما بين ضفّتي البحر المتوسط في ذلك الوقت. "مترجم".