:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Friday, February 27, 2015

خواطر في الأدب والفن

بين الدبلوماسية والفنّ


تقول القصّة إن هنري الثامن ملك انجلترا كان يبحث لنفسه عن زوجة جديدة. وقد اخبره بعض المقرّبين منه عن أرملة جميلة، هي كريستينا ابنة ملك الدنمارك الذي تربطه علاقة قربى مع بعض أباطرة روما القدماء.
في ذلك الوقت، أي حوالي منتصف القرن السادس عشر، لم يكن من المتيسّر دائما أن يرى الرجال النساء اللاتي يريدون الاقتران بهنّ. وكان الملوك والأمراء كثيرا ما يقرّرون زيجاتهم بناءً على صورة للمرأة المراد الزواج منها.
كان عمر هنري وقتها يقترب من الخمسين، وكان متزوّجا من ثلاث نساء، لكنه كان يفكّر في الاقتران بامرأة رابعة. والأميرة الدنماركية لم تكن قد تجاوزت الثامنة عشرة من عمرها.
لكن كان على الملك أن يعرف أوّلا مستوى جمالها ونوعية شخصيّتها. وكان قد سمع عنها كلاما مشجّعا من بعض أفراد حاشيته. لكنه كان بحاجة لشيء ما أكثر من مجرّد السماع. لذا أرسل رسّام البلاط هانس هولبين في مهمّة إلى الدنمارك كي يرى الزوجة الموعودة ويرسمها.
كانت الدنمارك في ذلك الوقت ما تزال منتمية إلى أفكار القرون الوسطى وكانت فيها طبقة نبلاء قويّة وثقافة فروسية.
وقد ذهب هولبين إلى الدنمارك ومكث فيها بضعة أسابيع رسم خلالها لوحة من الواقع للأميرة. الصورة التي رسمها لها كانت بديعة بالفعل وتبدو فيها كامرأة جميلة من عصر النهضة ترتدي ملابس حداد وعلى وجهها ابتسامة تشبه الموناليزا.
ويبدو أن هنري فُتن بملامح المرأة وبجمالها. وعلى الفور طلب يدها، غير أن كريستينا لم تكن في عجلة من أمرها.
والفكرة التي يتناقلها الناس جيلا بعد جيل وردّدها المؤرّخون وكتّاب السيَر من تلك الفترة هي أن كريستينا رفضت في النهاية الاقتران بالملك البدين والمريض.
بورتريه كريستينا لهانس هولبين يُعتبر اليوم احد أشهر الصور الملكية في تاريخ انجلترا، وهو من مقتنيات الناشيونال غاليري بلندن. والبورتريه مثال على امتزاج الدبلوماسية باللغة البصرية، وأيضا على المكانة السياسية العالية التي كان الرسّامون يتمتّعون بها في عصر النهضة.

❉ ❉ ❉

استهلالات روائية


أحيانا تقرأ رواية فيأسرك الاستهلال أو الكلمات الأولى فيها، تجد أنها تضرب على وتر خفيّ ومن ثمّ تحرّضك على الاستمرار في القراءة. العبارة الأولى في أيّة رواية تُعتبر حاسمة ومهمّة جدّا لأنها تثير اهتمام القارئ من جهة، وكثيرا ما توحي بشيء ما من الأسلوب الخاصّ أو المتفرّد للكاتب من جهة أخرى.
أعظم استهلال قرأته لرواية هو كلمات غارسيا ماركيز التي بدأ بها روايته "مائة عام من العزلة". يكتب ماركيز في مستهلّ هذه الرواية قائلا: بعد سنوات طويلة، وأمام فرقة الإعدام، تذكّر الكولونيل أورليانو بوينديا عصر ذلك اليوم البعيد الذي اصطحبه فيه والده كي يتعرّف على الثلج لأوّل مرّة. كانت ماكوندو يومئذ قرية صغيرة من حوالي عشرين بيتا من القصب بُنيت على ضفّة نهر".
لاحظ هذا المزج الفريد بين ما هو شخصي وتاريخي، ثم المفارقة بين دلالتي النار "أي الإعدام بالرصاص" والثلج وكيف أن ماركيز جمع بين هذين العنصرين في لحظات الموت، أي تلك اللحظات التي تذوب فيها الفوارق بين المتضادّات.
هذا الاستهلال حادّ وصادم، ومن الطبيعي أن يطرح القارئ تساؤلات عن السبب في إعدام الكولونيل مثلا، وكيف يمكن أن يكتشف الإنسان شيئا هو في الأصل معروف وموجود في الطبيعة منذ الأزل؟
ومن أفضل الاستهلالات الأخرى أيضا تلك الجملة الشهيرة التي يبدأ فيها ليو تولستوي روايته "آنّا كارينينا" متحدّثا عن الفرق بين العائلات السعيدة وغير السعيدة بقوله: كلّ العائلات السعيدة تتشابه. لكنّ لكلّ عائلة تعيسة طريقتها الخاصّة في التعاسة."
فكرة تولستوي مثيرة للاهتمام مع أنها تتطلّب لحظات لاستيعابها وفهمها. واستهلاله الرائع يخبرنا بأن هذه الرواية هي عن الذكريات والعزلة وعن تقلّب الأحوال وتبدّل الأزمنة.

❉ ❉ ❉

بارت: موسيقى متقشّفة


قبل سبعينات القرن الماضي، كان الايستوني آرفو بارت موسيقيّا ثوريّا يعيش تحت رحمة النظام السوفياتي. ومن وقت لآخر، كان يختبر مستوى الحرّيات الجديدة لعصر ما بعد ستالين من خلال التجريب الموسيقيّ.
واليوم أصبح بارت معروفا بأسلوبه الموسيقيّ الذي يطلق عليه البعض "التقليلية الصوفية"، والذي يمزج فيه بين أهمّ سمات التقليلية كالتكرار والبساطة النغمية مع إحساس عميق بالتوق الروحي.
معزوفة بارت بعنوان "مرآة في المرآة" تأخذ السامع إلى عالم من التأمّل والسموّ الروحي من خلال توظيف آلات موسيقية أساسية كالبيانو والكمان والتشيللو.

❉ ❉ ❉

فالادون: من موديل إلى رسّامة


عندما يتقاطر على منزلك أشخاص مثل تولوز لوتريك ورينوار وبيير دو شافان ليرسموك، فمن المرجّح انك تمتلك شيئا يستحقّ أن ينظر إليه الآخرون.
وإذا درست أعمال هؤلاء الروّاد الفرنسيين الثلاثة، فسرعان ما سترى الملامح المقدّسة لسوزان فالادون وهي تحدّق فيك وجها لوجه أو ترمقك بنظرة جانبية خفيفة.
ولدت سوزان فالادون في فرنسا في سبتمبر من عام 1865 لعائلة متواضعة. وقد أجبرتها الظروف على أن تبحث لنفسها عن عمل وهي ما تزال في سنّ المراهقة. وعندما بلغت الخامسة عشرة من عمرها، عملت بهلوانة في سيرك. وقد اضطرّها سقوطها من إحدى المراجيح لأن تغيّر مهنتها، فعرضت نفسها على الرسّام بيير بوفي دو شافان لتعمل عنده كموديل في مرسمه في حيّ مونمارتر.
تخيّل فتاة جميلة وشابّة تعمل لوحدها مع رسّام عاطفي. لنتذكّر انه خلال أعوام الطفرة الانطباعية في باريس القرن التاسع عشر، كانت الموديلات في كثير من الأحيان يؤدّين دور العشيقات لأرباب عملهن. وسوزان لم تكن مختلفة عن البقيّة. كانت معروفة على الخصوص بعلاقاتها الحميمة مع كلّ من رينوار و دو شافان.
غير أن الآنسة فالادون لم تكن تكتفي بدور الجميلة والمغرية بالنسبة للرسّامين. فخلال الوقت الذي كانت تعمل فيه كموديل، كانت أيضا تولي اهتماما بالموادّ والأساليب التي يستخدمها أرباب عملها. واكتشفت في النهاية أنها تجيد استخدام الألوان وممارسة الرسم. وشيئا فشيئا صارت فنّانة معروفة.
ومع مرور السنوات، أصبحت مشهورة بسبب استخدامها للألوان الحيّة والتوليف الجذّاب وتمثيلها الجريء للأنثى العارية. كانت ترسم غالبا بالباستيل والألوان الزيتية. واستطاعت أن تحصل على دخل ثابت وسمعة محترمة. وكانت تعرض لوحاتها باستمرار. ثم أصبحت أوّل رسّامة أنثى تلتحق بالجمعية الوطنية للفنون الجميلة.
إذا لم يكن هذا كلّه كافيا لإقناعك بموهبة وشهرة سوزان فالادون، فقد يفاجئك أن تعرف أن هناك فوّهة بركان خامد على كوكب الزهرة سُمّيت على اسمها تكريما لها واعترافا بمكانتها وموهبتها.

❉ ❉ ❉

أقوال


هنا بعض العبارات وقصاصات الورق التي قرأتها واحتفظت بها مؤخّرا. بعضها يثير الاهتمام والبعض الآخر يحرّض على التفكير والتأمّل..

  • الناس الذين يحاولون قراءة ما بداخلك لا ينصفونك، لأنهم لا يقدّرون الجهد الذي تبذله دائما كي تصبح إنسانا أفضل، وهي مهمّة صعبة تستحقّ أن تُلاحظ وأن تُقدّر.
    - مارلين روبنسون
  • بعض البشر لا يشعرون بأنهم يؤلمونك، لأنك تسامحهم دائما. ولأنك تسامحهم دائماً فإنهم لا يشعرون بخطئهم. أحيانا تكون صفاتنا الجميلة هي سبب مشاكلنا.
  • مفزع عدد تلك التعاليم الدينية مقارنة بما فعله أجلاف هذا الكوكب من البشر في المائة عام الأخيرة فقط.
  • وإنّي لأهوى النومَ في غيرِ حينهِ
    لعلّ لقاءً في المنام يكونُ
    تُحدّثني الأحلامُ أني أراكمُ
    فيا ليتَ أحلامَ المنامِ يقينُ!
    - قيس لُبنى
  • إذا لم يملأ المسلمون قلوبهم بالحبّ بدل الخوف والغضب، بالعشق بدل الحقد والرّعب، فسيمسون في آخر العهد أمّة بلا عهد؛ مجرّد جوقة من القتلة والمجرمين وقطّاع الطرق والمعتوهين.
  • لا تتعجّب من عصفور يهرب وأنت تقترب منه وفى يدك طعام له. فالطيور، على عكس بعض البشر، تؤمن بأن الحرّية أغلى من الخبز.
    - د. ابراهيم الفقي
  • من مصائبنا نحن العرب أن من يحارب طغاتنا أكثر منهم طغيانا وإجراما بما لا يقاس. لنتصوّر كيف تحارب كلّ من داعش والنصرة نظام الأسد ليقيموا نظاما من عندهم بدلا منه!
  • يا اللي بتبحث عن إله تعبده
    بحث الغريق عن أيّ شيء ينجده
    الله جميل وعليم ورحمن رحيم
    إحمل صفاته وانتَ راح توجده
    - صلاح جاهين
  • يتعلّم الطفل التمايل على أنغام الموسيقى والتصفيق قبل أن يتعلّم كيفيّة تركيب جُملة كاملة. الموسيقى حياة بعكس ما أوهمنا به أعداء الحياة!
  • كيف لأمّة تفكّر ليل نهار في الموت وعذاب القبر أن تنتج أو تتحرّك من مكانها، امّة كلما مسّها ضرّ قالت هذه عقوبة من الله وشرط من أشراط الساعة؟!
  • تعريف الديّوث هو الرجل السويّ المحترم الذي يمنح أسرته حقّ الاختيار وهامشا من الحرّية دون أن يكترث لكلام السعوديين.
  • لا يهمّني ما تؤمن أو ما لا تؤمن به. ما يهمّني هو كيف نستطيع أن نعيش سويّة في مجتمع واحد دون أن يقتل احدنا الآخر.
  • البارحة نايم وفي نومي حلمت
    شايب يناديني ويسألني بذوق
    ما دام ربّي في السما والبشر تحت
    حبّيت أنا اعرف ليه ما نسجد لفوق؟!
  • لماذا يجب أن نقتل الآخرين دفاعا عن الله؟ أليس الله بقادر على أن يتخلّص من أعدائه؟!
  • أجمل ما في حرّية الانترنت أنها في غياب أيّ رقيب عدا الله، تمنحك الفرصة للتعرّف على حصّتك من نبل السلوك وطهارة الضمير.
  • عندما تجد نفسك مضطرّا لإقناع الكثيرين بأن قتل المختلف عنك في الدين أو المذهب جريمة، فتأكّد بأنك تعيش وسط مجرمين.
  • من الواجب تحديد جنس الموت ومعرفة إن كان ذكراً أو أنثى. فإن كان ذكراً وجبت مقارعته حتى النهاية، وإن كان أنثى وجب الاستسلام لها حتى الرمق الأخير.
    - معمّر القذّافي
  • ترى ماذا لو قرّر حفنة من الطليان المتخلّفين إحياء الإمبراطورية الرومانية؟ وماذا لو قرّر أحفاد الاسكندر إحياء إمبراطورية جدّهم؟ هل لاحظتم مستوى الجنون الذي عندنا؟!
  • إن كنت لا ترى غير ما يكشف عنه الضوء ولا تسمع غير ما يعلن عنه الصوت، فأنت في الحقيقة لا تبصر ولا تسمع.
    - جبران
  • انتبه لله الذي في تصوّرك، فقد يكون فقيها وليس إلها!
  • لا تشارك في أيّة ثورة إلا إذا كان قادتها يحملون أقلاماً وآلات موسيقية وأدوات رسم.
  • العِناق هو أن تأتي بعطر وتعود بعطرين!

    Credits
    theguardian.com
    archive.org
    books.google.com
  • Tuesday, February 24, 2015

    محطّات

    ايفازوفسكي في الشرق


    الشكر الجزيل لكلّ من كتب يسأل عن توقّف المدوّنة خلال الأشهر القليلة الماضية. والواقع انه لم يكن هناك سبب غير الرغبة في التقاط الأنفاس والابتعاد عن الانترنت ومواقع التواصل لبعض الوقت.
    أحيانا يحسّ الإنسان بالملل من كلّ شيء، فيبحث عن بعض التغيير الذي يمكن أن يكسر الرتابة ويضفي على الحياة بعض التنوّع والتجديد. ولمن سأل عن تويتر أقول أنني كنت أقوم بتعليق حسابي هناك شهرا بعد شهر. ويبدو أنني نسيت تنشيطه قبل انتهاء مهلة الثلاثين يوما الأخيرة، فتمّ إلغاؤه تلقائيا وتعيّن عليّ التسجيل هناك بحساب جديد. ومرّة أخرى شكرا لكلّ من اهتمّ أو سأل.
    في هذه المدوّنة وفي المدوّنة الأخرى، تحدّثت أكثر من مرّة عن فنّ الرسّام الأرمني ايفان ايفازوفسكي. كنت اعرف انه زار تركيا غير مرّة، ثم قرأت في ما بعد انه زار مصر أيضا.
    وقد ذهب ايفازوفسكي إلى مصر بصحبة إحدى بناته بعد أن تلقّى دعوة من الخديوي لحضور حفل افتتاح قناة السويس. وهناك رسم عدّة لوحات للنيل والواحات ولأهرامات الجيزة ومُنح شرف أن يكون أوّل رسّام يرسم القناة. وكما هو الحال في جميع أعماله، فإن لوحاته عن مصر مشبعة بالضوء الذي يُضفي على الطبيعة إحساسا عاطفيا وحالما.
    ذهب ايفازوفسكي أيضا إلى تركيا زائرا بدعوة من السلطان عبدالحميد. وقد زار اسطنبول بعد ذلك سبع مرّات ورسم فيها بورتريهات للمدينة وكذلك للسلاطين وحاشيتهم. ثم تلقّى ميدالية ذهبية من السلطان العثماني، لكنه رفضها احتجاجا على مذبحة الأرمن عام 1895.
    وبعض لوحاته التي رسمها بعد ذلك يمكن اعتبارها احتجاجا على سوء معاملة الأتراك للأرمن. وهناك اليوم أكثر من ثلاثين عملا من أعماله موجودة في القصر الامبراطوري العثماني وفي عدد من المتاحف التركية.
    ايفازوفسكي مشهور أيضا بكونه الرسّام المفضّل لمزوّري اللوحات. ولو زرت ييريفان عاصمة أرمينيا، سترى تمثالا طويلا من البرونز لايفازوفسكي في احد ميادين هذه المدينة. وعلى مسافة من التمثال يقع ضريحه الذي نُقشت على شاهده الرخامي عبارة تقول: هنا يرقد ايفان ايفازوفسكي الذي وُلد إنسانا فانيا وترك إرثا خالدا".

    ❉ ❉ ❉

    ماذا تقرأ أو تشاهد؟


    خطّ يدك، طريقة مشيك، والألوان التي تختارها، كلّ ذلك يشي بطبيعة شخصيّتك ويدلّ عليك. وكلّ شيء تقوله أو تفعله هو بورتريه شخصيّ أو مفكّرة شخصيّة عنك.
    أيضا جزء من شخصيّتك، قد يزيد أو ينقص، تشكّله نوعية قراءاتك. أي أن كلّ ما نقرؤه يصبح مع مرور الوقت جزءا من قناعاتنا وسلوكياتنا ويصوغ مواقفنا وقراراتنا في الحياة سواءً كانت سلبا أم إيجابا.
    والحقيقة أن ما ينطبق على القراءة ينطبق على ما نشاهده في التلفزيون أو غيره من وسائل الإعلام والثقافة المختلفة، وحتى على ما نطالعه في الانترنت من أفكار وتصوّرات.
    ولهذا السبب، ينبغي ألا نستثمر وقتنا إلا في ما ينفعنا ويثري وعينا ويرقّي سلوكياتنا ويرقّق مشاعرنا. مثلا حاول أن لا تُكثر من مشاهدة نشرات الأخبار التي تعرضها المحطّات الفضائية هذه الأيّام والتي لا تحمل إلا صور عمليات القتل والذبح والتدمير التي يمارسها غالبا مجرمون يتخفّون بلباس الدين.
    وعلى جانب القراءة، من الأفضل أن لا نصرف وقتنا في قراءة كتاب ندرك بعد قراءة صفحات منه انه سيترك بصمة سيّئة علينا. وليس المقصود طبعا أن نمتنع عن قراءة الكتب التي تدفعنا إلى مراجعة قناعاتنا وأفكارنا، بل أن نتجنّب ما يعكّر صفونا ويخرّب مزاجنا ويزيد من مساحة التشاؤم في نفوسنا.
    ومن وقت لآخر، حاول أن تستمع لموسيقى هادئة أو اقرأ قصيدة شعر وأبهج ناظريك برؤية صورة أو لوحة جميلة.

    ❉ ❉ ❉

    سحر الرومي


    "لا أعرف من أنا، لست مسيحيّا ولا يهوديّا ولا زرادشتيّا، ولست حتى مسلما. لا ارض تمتلكني، لا بحر معروفا أو مجهولا. مكان مولدي هو اللامكان وعلامتي أن لا يكون لي علامة".
    وصل جلال الدين الرومي إلى مكان لا ينافَس في عالميّته التي تجاوزت كافّة العقائد والأديان. "قد تجد الحبّ في كلّ الأديان، لكن الحبّ نفسه لا دين له". قصائده مستمرّة في الانهمار مثل مطر أخضر. وقراءتها أو سماعها مغنّاة تجعل الإنسان أكثر حكمة وتواضعا وتسامحا وتفتح عينيه وتساعده على أن يرى العالم بطريقة مختلفة.
    "في بيت العاشقين، لا تتوقّف الموسيقى أبدا. الجدران مصنوعة من الأغاني، والأرض ترقص".

    ❉ ❉ ❉

    شيلا: الفنّ العنيف


    كان إيغون شِيلا لا يجد سلواه أو راحته في الكلمات رغم انه كان إنسانا شاعريّا. وعندما كانت زوجته تموت بسبب الأنفلونزا، لم يكن قادرا على وصف مشاعره بدقّة. وقد كتب رسالة إلى أمّه يتكهّن فيها بأن زوجته لن تعيش طويلا على الأرجح. لكنه استخدم الفنّ للتعبير عن إحساسه بالفجيعة، فعمل عدّة مخطوطات أوّلية لزوجته خلال آخر عامين من حياتها.
    كانت الخطوط في تلك الرسومات سائلة والألوان باهتة. وهذه السمات كانت غريبة على أسلوب شيلا الفنّي المعتاد. وكانت تعكس استقراره العاطفي الذي وجده في حياته مع زوجته. وآخر لوحة له كانت عبارة عن بورتريه لها. وقد ماتت في اليوم التالي، وكانت حاملا في شهرها السادس. وتوفّي هو بعدها بثلاثة أيّام.
    وحتى قبل تجربته القاتلة مع الانفلونزا، كان إيغون شيلا قد عرف التعاسة مرارا. فسنواته المبكّرة اتسمت بعلاقته المتوتّرة مع أمّه وبضعفه التعليمي وموت والده الذي كان يعمل مديرا لمحطّة قطار، ثمّ بمعاناة ايغون من مرض السفلس عندما كان في الرابعة عشرة من عمره.
    شيلا الأب كان قد أخفى مرضه بالسفلس عن خطيبته، أي والدة إيغون ذات السبعة عشر عاما وقتها. وأوّل ثلاثة أطفال حملت بهم ولدوا ميّتين. أما الطفل الرابع فقد توفّي في سنّ العاشرة بسبب مرض التهاب السحايا، أحد مضاعفات الإصابة بالسفلس.
    وكان إيغون أوّل ولد تُكتب له الحياة. وقد كتب إلى أمّه مرّة يقول لها: سأكون الفاكهة التي بعد أن تتحلّل ستترك وراءها حياة خالدة. لذا ينبغي أن تكوني مبتهجة لأنك حملتِ بي".
    ملامحه الجسدية، كما تظهر في بورتريهاته التي رسمها لنفسه في مراحل مبكّرة، دفعت البعض إلى الاعتقاد انه هو أيضا ربّما كان مصابا بالسفلس.
    عاش إيغون شيلا حياته بوتيرة سريعة. وقد بدأ الرسم وهو طفل، ثم التحق بأكاديمية فيينا للفنون وهو في سنّ السادسة عشرة. ثم أصبح تلميذا لغوستاف كليمت. وفي ما بعد، عندما ضربت الانفلونزا كليمت، رسم له إيغون عددا من البورتريهات وهو على سرير الموت.
    وفي مرحلة تالية، خدم في الجيش، ثم عاش قصّة حبّ تحدّث عنها الناس. ثم اعتُقل وأودع السجن، وقبل أن يموت قبل الأوان دخل في علاقة زواج مثمرة.
    كان شيلا ينمو دائما كفنّان. واتّبع أسلوبا تعبيريّا يركّز على المشاعر وتفسيرها. كما كان منجذبا إلى كلّ فكرة جدلية وغير تقليدية. والمئات من بورتريهاته الشخصية كانت مزعجة، ولكن عميقة وبليغة في مضمونها.
    خطوطه المبالغ فيها وأشكاله غير الواقعية وألوانه المتوتّرة تستدعي حالات إنسانية وجدها الكثيرون مربكة ومؤرّقة.
    وخلال مهنته القصيرة في الرسم، كان شيلا منعزلا وهشّا في ذروة احتدام الحرب العالمية الأولى وتفشّي وباء الأنفلونزا. وأشهر بورتريه رسمه لنفسه ربّما كان ذلك الذي يظهر فيه مع نبتة الكريز الأرضي. وقد رسم هذه اللوحة عندما كان في أوج عطائه وإبداعه، أي في عام 1912 عندما أصبح أسلوبه التعبيري في غاية النضج.
    هذا البورتريه يمكن قراءته من تعبيرات الوجه والحركات. وفيه قصّ شيلا ذراعيه وجسده. فقط الرأس والكتفان ظاهرة. التحديق بعين واحدة يتحدّى الناظر، وكذلك الشفتان. ربّما يتضمّن هذا البورتريه بعض الأدلّة المبعثرة عن الشخصية. غير أن هناك شيئا واحدا لن نعرفه أبدا، هو ما الذي كان سيحدث لو لم يمت شيلا في سنّ الثامنة والعشرين.
    على مرّ العصور، تمكّن الأدب والفنّ من الإمساك بالتوتّر الدرامي العنيف الذي يخلّفه الموت والأمراض الخطيرة عبر التاريخ. وإيغون شيلا أنجز حصّته الخاصّة من هذا بتخليده وجوه وملامح الأشخاص الذين أحبّهم.

    Credits
    archive.org
    artrenewal.org