:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Thursday, December 05, 2013

نجمة الشمال

رغم كثرة الكتب التي اُلّفت عن حياة وحكم كاثرين العظيمة، إلا انه ما يزال هناك دائما شيء ما غامض يحيط بسيرة هذه الإمبراطورة التي كانت تفضّل بأن تخاطَب بكاثرين الثانية فقط.
مثلا، كيف تسنّى لفتاة من عائلة ألمانية غامضة وأبوين لا يتميّزان بشيء ويعوزها أيّ تدريب في فنّ الحكم، أن تصبح واحدا من أنجح الحكّام الذين عرفتهم روسيا؟ ثمّ كيف استطاعت أن تترك كلّ هذا التعاطف في نفوس الكثيرين ممّن عرفوها، وهو عامل أضاف لشخصيّتها المزيد من الافتتان الذي ما تزال تتمتّع به بعد مرور أكثر من مائتي عام على وفاتها.
استمرّ عهد كاثرين العظيمة ما يقرب من ثلاثة عقود ونصف. وقد جرت العادة على اعتبار فترة حكمها "العصر الذهبيّ" لروسيا، على الرغم من أن المؤشّرات السياسية والاقتصادية في ذلك الوقت لم تكن تبدو مشرقة. وبعض المؤرّخين يعتقدون أن "الحكم المطلق المستنير" للإمبراطورة أسهم في إبطاء وتيرة التنمية السياسية وفاقم الإقطاع.
لكنّ أسطورة الملكة العظيمة والعادلة التي كانت تحرص على رفاهية رعاياها وتعمل على ازدهار الدولة راجت بكثرة خلال عهود من أتوا إلى الحكم في ما بعد من أعضاء سلالة رومانوف. وقد استخدم هؤلاء صورة كاثرين في الدعاية الرسمية كمثال نموذجيّ للحكم.
وعندما توفّيت كانت تحمل لقب "المرأة الروسية الحقيقية"، "ونجمة الشمال" التي لم تكن تتسامح أبدا مع حركات العصيان والانتفاضات الشعبية طوال فترة حكمها.
في هذا الكتاب بعنوان "كاثرين العظيمة: صورة امرأة"، يسرد روبيرت ماسي، الكاتب الحائز على جائزة بوليتزر ومؤلّف العديد من الكتب مثل "بطرس الأكبر" و"نيكولا والكسندرا" و"سلالة رومانوف"، القصّة غير العادية للأميرة الألمانية الغامضة التي أصبحت إحدى أكثر النساء قوّة وجاذبية في التاريخ.
ولدت كاثرين عام 1729 باسم "صوفيا فون أنهالت". وعندما كبرت كان أمامها العديد من فرص الزواج بفضل أسلاف والدتها ذوي الدماء النبيلة.
وفي عام 1744، دُعيت صوفيا البالغة من العمر وقتذاك 15 عاما إلى روسيا من قبل القيصرة إليزابيتا ، ابنة بطرس الأكبر والتي كانت قد تولّت العرش الروسي في انقلاب حدث قبل ذلك بثلاث سنوات فقط . كانت إليزابيتا غير متزوّجة وبلا أطفال. وقد اختارت ابن أخيها بطرس وريثا للعرش. وكانت تبحث له عن عروس.
وقد شاء القدر أن تحكم هذه المرأة، أي كاثرين، روسيا بفضل عزيمتها وذكائها. وعلى مدى أربعة وثلاثين عاما، كان الحكم والسياسة الخارجية والتنمية الثقافية ورفاهية الشعب الروسي في يدها. كما تعاملت مع الثورات الداخلية والحروب الخارجية والموجة العارمة من التغييرات السياسية والعنف الذي أنتجته الثورة الفرنسية.
كانت كاثرين امرأة مثقّفة وذكيّة. وقد عرفت فولتير وتبادلت معه الرسائل لمدّة خمسة عشر عاما، منذ صعودها إلى العرش وحتى وفاته في عام 1778. فولتير من جهته كان يشيد بإنجازاتها، وأطلق عليها ألقابا مثل "نجمة الشمال" و"سميراميس روسيا" في إشارة إلى ملكة بابل الأسطورية. وعلى الرغم من أنها لم تلتق به وجها لوجه، إلا أنها نعته بمرارة عندما مات ثم اشترت مجموعة كتبه من ورثته ووضعتها في مكتبة روسيا الوطنية.
كما كانت الإمبراطورة المستنيرة على علاقة مع الفيلسوف الفرنسي دونيه ديدرو . وقد دعته إلى بلاطها للتحادث معه لمدّة ستّة أشهر. لكنها تجاهلت بعض نصائحه. ومع ذلك نجحت تلك الدعوة في تغيير صورة روسيا كمكان ليس فيه سوى الثلج والذئاب.
الجزء الأوّل من كتاب ماسي الممتع يفصّل رحلة كاثرين الطويلة من ميناء على بحر البلطيق إلى البلاط الإمبراطوري في سانت بطرسبورغ. كما يتناول علاقتها المعقّدة مع الإمبراطورة إليزابيتا التي رأت في الفتاة المشاكسة نسخة من نفسها.
عُمّدت كاثرين وهي طفلة باسم صوفيا. كانت ابنة لأمّ مراهقة وانتهازية تدعى جوانا. أما والدها فكان جنديّا ألمانيا بلا انتماء يُدعى الأمير كريستيان اوغستوس وكان يّلقّب بالأحمق.
كان عمر كاثرين أربعة عشر عاما عندما استدعتها الإمبراطورة إليزابيتا لتُزفّ كعروس لابن أخيها. كاثرين، التي سبق وأن التقت بطرس من قبل مرّة واحدة عندما كانت في العاشرة وكان هو في الحادية عشرة، تتذكّر بطرس كسكّير كان يعذّب الحيوانات الأليفة. كان بطرس وقتها فتى صغير السنّ مع عينين جاحظتين وشعر قليل. وكان، على حدّ وصف ماسي، شخصا جبانا ومخادعا وعدوانيا ومتبجّحا وقاسيا".
في الكتاب، يأخذنا المؤلّف عبر شبكة واسعة من النبلاء الكبار والصغار، وكلّهم مرتبطون ببعضهم البعض، ومعظمهم من الألمان مع عدد قليل من السويديين والنمساويين والفرنسيين والإنجليز، بالإضافة إلى تواريخ كثيرة وأمراء ودوقات وأباطرة وفلاسفة وجنود.
كانت كاثرين قد التزمت بأن تتخلّى عن قناعاتها اللوثرية وتعتنق الأرثوذكسية الروسية وأن تتخذ اسم كاثرين "أو ايكاترينا كما يُنطق الاسم بالروسية". كاثرين، المدرّبة جيّدا على يد والدتها الطموحة، مارست تأثيرا فوريّا على إليزابيتا. وقد أجريت مراسم الزواج في أغسطس من عام 1745.
وبما أن تحضيرات الزفاف لم تكن تتضمّن أيّ تثقيف جنسيّ، فقد ذهب الزوجان إلى الفراش بلا دليل في الليلة الأولى. وظلّت الأمور على هذه الحال "دون أدنى تغيير خلال السنوات التسع التالية" كما كتبت كاثرين في مذكّراتها في ما بعد. بطرس، الذي كان يخفّف وقت الملل في السرير باللعب بدمى الجنود، ذكر لأوّل مرّة كلمة حبّ لزوجته عندما أعلن لها أنه وقع في حبّ إحدى وصيفاتها.
كان الزواج فظيعا. تقول كاثرين انه لم يدخل عليها قط. فعكفت على قراءة الكتب وغمرت نفسها في أعمال عصر التنوير.
وبعد سبع سنوات من الزواج، فشلت كاثرين في إنجاب وريث العرش المنتظر. وعندما أصبحت عذريّتها المستمرّة مصدر قلق للدولة، جلبت أوساط القصر فحلا يُدعى سيرغي سالتيكوف كي يحلّ المشكلة. وبعد تسعة أشهر ولدت كاثرين صبيّا. وفي العام التالي، أنجبت طفلها الثاني وكان أبوه غريغوري اورلوف، وهو بيدق وسيم وقويّ العضلات. وعندما ولدت كاثرين طفلها الثالث بعد ذلك بعامين، ازدادت حالة الغباء عند بطرس وتساءل متعجّبا: الله وحده يعلم من أين أتت زوجتي بكلّ هؤلاء الأطفال"!
وقد أعطت كاثرين مصداقية لهذه الشائعات في مذكّراتها، حيث أشارت إلى أن الإمبراطورة إليزابيتا تواطأت في السماح لها، أي لكاثرين، بأن تقيم علاقة مع سالتيكوف.
وفور ولادة كل طفلّ من الأطفال الثلاثة، كان يتمّ تهريبه بناءً على أوامر إليزابيتا التي عهدت بهم إلى من يتولّى رعايتهم وتربيتهم.


في بعض أجزاء الكتاب، يذكر ماسي الطموح الفولاذيّ الذي سيدفع بكاثرين إلى بعض أهمّ وأبرز لحظات التاريخ. فبعد أن ماتت إليزابيتا، تمّ تتويج بطرس إمبراطورا. لكنه كان ضعيفا ولم يكن يحظى بأيّ دعم أو تعاطف من الشعب.
ومع ذلك، كان بطرس حريصا على وضع بصمته على الأمّة، فأنهى بسرعة حرب روسيا مع بروسيا، وهو قرار ثبت انه لم يكن يحظى بشعبية لدى الطبقة العسكرية في روسيا. كما بدأ في تطبيق برنامج للإصلاحات الداخلية يهدف إلى تحسين حياة الفقراء، ما أدّى إلى نفور واستياء طبقة النبلاء.
ومع تصاعد حدّة التوتّر، كان هناك من يخطّط ضدّ بطرس في الخفاء. وعندما تكشّفت خيوط المؤامرة في يوليو من عام 1762، تحرّكت كاثرين بسرعة للحصول على دعم أقوى فوج عسكريّ في البلاد.
كانت كاثرين تعتبر نفسها أكثر تأهيلا من زوجها للحكم. لذا تقبّلت فكرة الانقلاب عليه. وقادت فرقة من خمسة عشر ألف جنديّ لإلقاء القبض على بطرس، وأصدرت تعليماتها إلى الجند وهي تركب حصانا أبيض وترتدي الزيّ العسكري وتتوشّح سيفا. وانصاع بطرس وتنازل عن العرش دون قتال بعد ستّة أشهر فقط من تنصيبه قيصرا. ثم سُجن بعد ذلك في احد القصور المهجورة. لكنّه قُتل بعدها بأسبوع في ظروف غامضة.
وفي ما بعد راجت تكهّنات تقول إن بطرس اغتيل من قبل الكسي أورلوف، شقيق احد عشّاق كاثرين آنذاك. وعلى الرغم من أنه لا يوجد دليل على أن كاثرين كانت تعلم عن الجريمة مسبقا، إلا أن تلك الواقعة ألقت بظلال قاتمة على حكمها منذ البداية.
وفي عام 1762، اعتلت كاثرين العرش الروسيّ ونودي بها حاكما أوحد على البلاد. كان "الاستبداد الخيّر"، حسب تعبير فولتير، هو ما طبّقته كاثرين عندما أصبحت إمبراطورة بعد اغتيال بطرس. وقد شهد عهدها توسّعا لأراضي روسيا أدّى إلى مضاعفة خزائن الإمبراطورية، لكن ذلك لم يؤدّ إلى تخفيف معاناة شعبها. وحتى محاولاتها لإصلاح الحكم كثيرا ما تعثّرت بسبب البيروقراطية الروسية المتجذّرة. ومع ذلك، كانت كاثرين تعتبر نفسها واحدة من الحكّام الأكثر استنارة في أوروبّا. والعديد من المؤرّخين يتّفقون على ذلك.
وقد كتبت كاثرين العديد من الكتب والموادّ التعليمية التي تهدف إلى تحسين نظام التعليم في روسيا. كما كانت محبّة للفنون والآداب. وقد احتفظت بسجلّ لمراسلاتها مع فولتير والعقول البارزة الأخرى في ذلك العصر، وأسّست واحدة من المجموعات الفنّية الأكثر إثارة للإعجاب في العالم في قصر الشتاء في سانت بطرسبورغ، أو ما أصبح يُسمّى اليوم بمتحف الارميتاج الشهير.
في احد أجزاء الكتاب، يتحدّث ماسي عن التحدّيات التي واجهتها كاثرين في أوقات مختلفة من ولايتها. وأخطر تلك التحدّيات كانت انتفاضة عام 1773، عندما تمردّت مجموعة من القوزاق والفلاحين المسلّحين بقيادة ايميليان بوغاتشوف ضدّ الظروف الاجتماعية والاقتصادية القاسية التي كانت تعاني منها الطبقات الدنيا في روسيا.
وكما هو الحال مع العديد من الانتفاضات التي واجهتها كاثرين، فقد تسبّب تمرّد بوغاتشوف في التشكيك في سلامة حكمها. وكان هذا الرجل، وهو ضابط سابق في الجيش، قد ادّعى أنه القيصر المخلوع "أي بطرس"، وبالتالي فإنه الوريث الشرعيّ للعرش الروسيّ. وفي غضون سنة، اجتذبت حركته الآلاف من المؤيّدين، ونجح في الاستيلاء على مناطق كبيرة من الأراضي. وقد ردّت كاثرين على ذلك التمرّد بقوّة هائلة. وفي مواجهة جبروت الجيش الروسيّ، تخلّى أنصار بوغاتشوف عنه في النهاية. وقد تمّ القبض عليه وحوكم وأدين وصدر ضدّه حكم سريع بالإعدام في يناير من عام 1775.
في أكثر من مكان من هذا الكتاب، يكتشف القارئ أن كاثرين تستمتع بالضحك، كما أنها امرأة فضولية ومنضبطة ومنظّمة ومفعمة جدّا بحبّ الحياة. وقد ألهمتها قراءة مونتسكيو وصداقتها لفولتير وديدرو سنّ مشاريع قوانين تنصّ على "سلامة كل مواطن".
كانت تُمضي من ساعتين إلى ثلاث ساعات يوميا لمدّة عامين في العمل على تلك القوانين. وبموجبها تمّ منع التعذيب، ليس فقط باعتباره عملا غير إنسانيّ، وإنّما أيضا لأنه لا يمكن التعويل عليه، إذ كثيرا ما يُجبَر الضحيّة على قول أيّ شيء لإيقاف الألم. وقد اختير أعضاء للجنة تشريعية أنيطت بها مهمّة مناقشة تلك القوانين التي لم تنتج في النهاية سوى الخلافات، ومن ثمّ تمّ نسيانها.
كان لطفولة كاثرين التعسة، ثمّ زواجها عن غير حبّ، وكذلك تهريب أطفالها بعيدا عنها تأثير سّيء عليها. وقد قضت حياتها كلّها وهي ترغب في أن تحِبّ وأن تحَبّ.
تقول الأسطورة إن كاثرين كانت تتمتّع بمئات العشّاق. كانت معروفة بشهيّتها الكبيرة للرجال، ونادرا ما كانت تُمضي وقتها دون رفيق. وعندما تقدّمت بها السنّ أصبحت تطلب شبّانا اصغر. شغفها بالحبّ والعلاقات الغرامية لم يخمد حتى آخر يوم في حياتها.
ولكن ماسي يقول لنا إن العدد كان في الواقع اثني عشر رجلا، وأن أربعة منهم فقط كانوا مهمّين، وأكثرهم أهميّة كان غريغوري بوتيمكين الذي وصفته كاثرين بأنه "واحد من أعظم الرجال المسلّين منذ العصر الحديدي".
التقت كاثرين غريغوري بوتيمكين لأوّل مرّة أثناء الانقلاب على بطرس. كان يعمل ضابطا بسلاح الفرسان ويصغرها بعشرة أعوام. وقد التحق بوتيمكين بدائرتها الخاصّة وأصبح من أفضل خلصائها. وماسي يصفه كما يلي: كان شخصا رائعا وضخما وقويّا. كان مهتمّا جدّا باللاهوت وبالموسيقى. وكانت لديه القدرة على تقليد الناس. في إحدى المرّات، وبناءً على طلب كاثرين نفسها، قام بوتيمكين بتقليدها وهي تتحدّث الروسية بلهجة ألمانية. وقد سمعته وهو يقلّدها ولم تتمالك نفسها من الضحك".
كان الاثنان يحتفظان بعلاقة عاطفية قويّة للغاية. لكنّ تلك العلاقة لم تستمرّ طويلا. إذ بدءا في العراك والشجار إلى أن انهارت علاقتهما تماما. "لكنّهما توصّلا إلى تفاهم بأن يتوقّفا عن العيش معا. ذهب هو، أي بوتيمكين، إلى الجنوب وضمّ كلّ ساحل البحر الأسود إلى أراضي روسيا وأصبح سلطانا هناك. كانا ما يزالان يحبّان بعضهما، ولكن من مسافة بعيدة".
وقد أدرج المؤلّف في الكتاب العديد من رسائلهما المتبادلة. وهو يقتبس بسخاء بعض ما ذكرته كاثرين في مذكّراتها المفصّلة وفي رسائلها الخاصّة. كتبت ذات مرّة إلى بوتيمكين بعد شجار معه تقول: حبيبي الغالي! أخذت حبلا مع حجر ولففتهما حول عنق شجاراتنا ثم قذفت بها جميعا في حفرة عميقة في الجليد".
وفي رسالة أخرى، تتظاهر بأنها في حالة صدمة من شدّة حبّها له وتعده بأن تحاول أن تتمالك نفسها: لقد أصدرت أوامر صارمة لجسدي كلّه، وحتى أصغر شعرة في رأسي، بأن تخفي عنك اقلّ علامة من علامات الحبّ. وحبست حبّي داخل قلبي وأوثقته هناك عشر مرّات وأخشى أن يختنق أو ينفجر". ثم تقول: شكرا لك يا حبيبي على كلّ القصص المضحكة التي رويتها لي بالأمس. لا أستطيع التوقّف عن الضحك كلّما تذكّرتها. لقد قضينا أربع ساعات معا دون أن يتسلّل إلينا أدنى قدر من الملل. وكالعادة كنت متردّدة في أن أتركك. لا توجد خليّة واحدة في جسدي لا تشتاق إليك. تذكّر أن هناك امرأة في هذا العالم تحبّك ومن حقّها أن تنتظر كلمة رقيقة منك أيّها التتاريّ القوقازيّ الكافر"!

على الرغم من كثرة الرجال الذين عرفتهم كاثرين، إلا أن أحدا لم يكن له نفس تأثير بوتيمكين على حياتها وروحها. كان الحبّ الأكبر في حياتها ولا شكّ. ولم يكن هناك حبّ اكبر منه سوى حبّها لروسيا نفسها.
وقد توفّي بوتيمكين عام 1791 وهو في طريقه من سانت بطرسبورغ لإبرام معاهدة سلام مع الأتراك . لكنّه لم يتمكّن من إتمام تلك المهمّة، فقد عاجله الموت على جانب الطريق إثر إصابته بحمّى الملاريا والفشل الكبدي. وعندما بلغ كاثرين خبر موته بكته طويلا وبحرقة.
عُرف عن كاثرين وفاؤها الشديد لعشّاقها، سواءً أثناء علاقتها بهم أو بعد انتهائها. ودائما ما كانت تتركهم وهي على علاقة جيّدة معهم. وكانت تخلع عليهم الألقاب والأراضي والقصور وحتى البشر. فقد حدث أن أهدت إلى عشيق سابق أكثر من ألف من الخدم.
لكن ربّما لا أحد استفاد من كاثرين أكثر من ستانيسلاف بونياتوفسكي، احد أقدم عشّاقها ووالد أحد أطفالها. كان بونياتوفسكي نبيلا بولنديّا. وقد بدأت علاقته معها قبل أن تجلس على العرش، وكان وقتها يعمل موظّفا في السفارة البريطانية في سانت بطرسبورغ. وحتى بعد أن اُجبر على مغادرة البلاط، لأسباب كان من بينها علاقتها به، ظلّ الاثنان قريبين من بعضهما البعض.
وفي عام 1763، أي بعد فترة طويلة من انتهاء تلك العلاقة، ألقت كاثرين بثقلها العسكريّ والماليّ وراء بونياتوفسكي في جهوده كي يصبح ملكا على بولندا. ومع ذلك، فعندما استقرّ على عرش بولندا، شرع الملك الجديد الذي كانت كاثرين تعتقد أنه سيكون مجرّد دمية وممثّل للمصالح الروسية، في إجراء سلسلة من الإصلاحات التي تهدف إلى تعزيز استقلال بلاده.
وما كان ذات مرّة رابطة قويّة بين عاشقين سابقين تحوّل في النهاية إلى علاقة متوتّرة، ما دفع كاثرين إلى إجبار بونياتوفسكي على التنازل عن العرش، بينما قادت جهود تفتيت الكومنولث البولندي الليثواني الذي كان قد نشأ آنذاك.
خلافا للأسطورة الرائجة، توفّيت كاثرين وفاة هادئة. لكن بالنظر إلى سمعتها الصاخبة، لم يكن مستغربا أن تروج الأقاويل والشائعات حولها أينما ذهبت، حتى إلى القبر. وبعد وفاتها في السابع عشر من نوفمبر 1796، بدأ أعداؤها في البلاط وخارج روسيا في نسج إشاعات مختلفة حول أيّامها الأخيرة. وقد زعم البعض أنها ماتت بينما كانت في المرحاض. واستغرق آخرون في خيالاتهم وأخذوا الأمور ابعد من ذلك عندما روّجوا لأسطورة عاشت قرونا، وهي أن كاثرين، التي كانت حياتها الجنسية كتابا مفتوحا، لقيت مصرعها بينما كانت تعاشر أحد خيولها.
وبطبيعة الحال - يقول ماسي – كانت تلك مجرّد شائعة ولا تمتّ للحقيقة بصلة. وعلى الرغم من أن أعداءها كانوا يتمنّون لها نهاية مخزية، إلا أن الحقيقة البسيطة هي أن كاثرين أصيبت بجلطة دماغية وتوفّيت بهدوء على سريرها في صباح اليوم التالي.
ويضيف: كان الفرنسيون على الأرجح هم من روّج لقصّة الحصان، لكن تلك كانت محض شائعة سخيفة. وربّما أرادوا من ورائها أن ينتقموا من كاثرين بتشويه سمعتها، إذ لم ينسوا تعاطفها مع الأسرة الملكية الفرنسية التي انتهى أفرادها إلى الإعدام بالمقصلة. صحيح انه كان عند كاثرين الكثير من العشّاق، لكن لم تكن حياتها الخاصّة بأغرب من حياة بقيّة الملوك والحكّام. الفارق الوحيد هو أنها كانت ملكة امرأة. ولهذا راجت عنها الشائعات وأحاديث النميمة".
ثم يتحدّث الكاتب عن العلاقة العاصفة التي ربطت كاثرين بابنها البكر بول "أو بافيل بالروسية". كان الصبيّ قد اُبعد عن رعاية والدته بعد فترة قصيرة من ولادته ونشأ في كنف القيصرة السابقة إليزابيتا. وبعد أن اعتلت والدته العرش، وخوفا من أن ينتقم لعزل بطرس وموته، اُبقي بول بعيدا عن شئون الدولة، ما أدّى إلى تنفيره من أمّه أكثر فأكثر.
وقد ازدادت العلاقة سوءا بين الاثنين لدرجة أن بول كان مقتنعا في بعض الأوقات بأن والدته كانت تخطّط لقتله. وفي حين انه لم يكن لدى كاثرين أيّ خطط مثل هذه، إلا أنها كانت تخشى من احتمال أن يكون حاكما غير كفء، لذا بدأت البحث عن مرشّحين بديلين لخلافتها. ومثل إليزابيتا من قبلها، سيطرت كاثرين على تربية وتعليم أبناء بول، وكثرت الشائعات التي تزعم أنها تعتزم تسمية أحفادها كوَرَثة لها متجاوزةً والدهم.
وهناك من يعتقد أن كاثرين كانت تهدف إلى جعل هذا الأمر موثّقا رسميّا في أواخر عام 1796. لكنها توفّيت قبل أن تتمكّن من فعل ذلك. ولأن بول كان يشعر بالقلق ممّا كانت تضمره والدته، فقد قام بمصادرة الوثيقة قبل الإعلان عنها رسميّا. ألكسندر، الإبن البكر لبول، كان على علم بخطط جدّته، لكنه انحنى للضغوط وقرّر أن لا يقف في طريق والده.
وقد أصبح بول قيصرا فعلا، ولكنه اثبت انه شخص غريب الأطوار ولا يحظى بشعبية لدى الناس، تماما كما كانت أمّه تخشى. ومن المفارقات الغريبة أنه، وبسبب شعوره بالاستياء من والدته، وافق على قانون يمنع النساء إلى الأبد من تولّي حكم روسيا. وبعد خمس سنوات من اعتلائه العرش، تمّ اغتياله في غرفة نومه على يد عصابة من الضبّاط الذين كان قد اصدر أمرا بفصلهم من الخدمة. وتولّى الحكم من بعده ابنه الكسندر الذي لم يكن حينها قد أكمل عامه الثالث والعشرين.
في نهاية الكتاب، يصرّح ماسي بأنه سيفتقد صحبة كاثرين العظيمة، الفتاة الصغيرة والمتطلّعة، والشابّة المحبطة المحاصرة بزواج غير سعيد، وفي نهاية المطاف الإمبراطورة القويّة التي كانت تجد عزاءها في الرجال الأصغر سنّا الذين ساعدوها على أن تنسى أنها كانت تتقدّم في العمر".
ويضيف: أعتقد أن كاثرين هي، بمعنى ما، كتاب حافل بالدروس. كانت هناك الكثير من لحظات اليأس في حياتها. لكنّها كانت تتابع طريقها وتقدّم نموذجا. كانت واحدة من الحكّام الأكثر تأثيرا في تاريخ روسيا. وظلّت تحكم لأكثر من ثلاثين عاما وسّعت خلالها حدود البلاد وحوّلتها إلى قوّة دولية يُحسب لها ألف حساب. كانت كاثرين، من نواح كثيرة، امرأة مستنيرة بقدر ما كانت ملكة مطلقة. وقد طوّرت التعليم ودفعت بعجلة التحديث والإصلاح إلى الإمام. وما حلم به بطرس الأكبر جعلته كاثرين حقيقة".

Credits
wsj.com
history.com