:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, December 09, 2006

بقايـا صـور: 2 من 2

تحدّثت في بداية الحلقة السابقة عن القدرية، وكيف أن الإمعان في الاحتجاج بها وتوظيفها في كل أمر، من شأنه أن يعلمنا التواكل ويمنعنا من اتّخاذ القرار الصحيح والصائب.
ومناسبة هذا الكلام أنني بعد أن انخرطت في دراسة الإدارة اكتشفت – ولكنْ متأخّرا – أن ذلك القرار كان خاطئا لانه لم يكن نابعا عن رغبة حقيقية أو اختيار شخصي، وإنما لأن شخصا قرّر بالنيابة عنّي أن ذلك التخصّص أصلح لي وأنسب.
وأعتقد أن الكثير من الطلبة في ذلك الوقت وقعوا في نفس الخطأ، بعضهم غيّر تخصّصه بعد السنة الثانية، وضحّوا بالكثير من الساعات والموادّ التي كانوا قد أكملوها للتوّ، والبعض الآخر دفعوا ثمنا أكبر عندما تعذّر عليهم مواصلة الدراسة وانسحبوا كليّا من الجامعة بعد أن ووجهوا بالكثير من المشاكل والعقبات.
كانت مادّة اللغة العربية إحدى الموادّ الإجبارية التي يتعيّن على كلّ طالب أخذها. وقد لاحظت وجود عدد غير قليل من الطلبة غير العرب معنا في تلك الشعبة وكان معظمهم من الأخوة الأفارقة الذين تلقوا منحا تعليمية ليدرسوا على حساب الجامعة.
وفي أحد الأيام وبينما كان الأستاذ المحاضر يشرح لنا قصيدة عربية قديمة تمجّد العرب وتثني على سجاياهم الحميدة من كرم وفروسية وشجاعة إلخ، إذ بطالب أفريقي يقاطع المدرّس بطريقة فجّة وهو يضحك، ثم قال وهو يهزّ رأسه ساخرا: أنتم هكذا يا عرب، دائما تمدحون أنفسكم بما ليس فيكم فأنتم كذا وأنتم كذا بينما غيركم يدرك أن هذا كله كذب والله لا يحبّ الكذابين والمنافقين"!
فوجئ الأستاذ بتعليق الطالب ودهش الطلبة في القاعة من فجاجة الأفريقي وسلاطة لسانه. وقبل أن يتفوّه الأستاذ بكلمة تعليقا على ما حدث دوّى في القاعة صوت صفعة قوية نزلت على وجه الأفريقي وكان مصدرها الكرسي الذي بجواره.
كان الطالب الذي سدّد الصفعة بدويا قحّا ولم يكن يكفّ عن التفاخر بالانساب والاحساب، غير أنه مع ذلك كان معروفا بالاتّزان والرصانة وحسن الخلق. لكن يبدو أن كلام زميلنا الأفريقي أغضبه كثيرا وأخرجه عن طوره وألجأه إلى استخدام العنف الجسدي.
في تلك الأثناء كانت الأنظار متّجهة نحو المدرّس بانتظار معرفة كيف سيعالج الأمر. زميلنا الأفريقي ما لبث أن عاد إلى كرسيّه والتزم الهدوء، بينما اتّجه نحوه المدرّس وأخذ يعنّفه ويلومه على الكلام الذي صدر عنه. وأضاف أنه من غير اللائق أن يتهجّم على العرب ويسئ إليهم بينما هو يقيم في كنفهم وينعم بضيافتهم وطيب معاملتهم.
وكان من المثير للاهتمام أن المدرّس لم يوجّه كلمة نقد واحدة للطالب المهاجم بل لقد أعطى انطباعا بأنه كان راضيا ضمنا عمّا حدث.
وقد كانت تلك الحادثة الغريبة والطريفة موضوعا لنقاشات مطوّلة بين الطلبة. وكنت مع الفريق الذي رأى أن المدرّس لم يحسن التصرّف ولم يتعامل مع الحادثة تعاملا مسئولا بل إن موقفه كان أسوأ من موقف الطالبين.
وكان هناك من يرى أن اللجوء إلى العنف الجسدي داخل الفصل أو خارجه مسألة لا تحتمل التساهل أو التسامح معها أبدا وأيّا تكن الأسباب والمبرّرات، وأن الأولى بالعقوبة كان الطالب صاحب الصفعة لانه فعل ذلك دون اكتراث بالمعلم ولا اعتبار لحرمة الفصل.
وربّما كان سبب ردّ فعل المدرّس الذي أتى باهتا وضعيفا هو عجزه عن معاقبة الطالب الثاني على جموحه واستهتاره ففضّل أن يختار الهدف الأسهل، تحوّطا وربّما تفاديا لإثارة المزيد من المشاكل.
والحقيقة أن غالبية الطلبة الأفارقة الذين عرفناهم في الجامعة لم يكونوا مختلفين كثيرا عن زميلهم لجهة نظرتهم إلى العرب. فالكثير منهم يؤمنون في قرارة أنفسهم بأن العرب حوّلوا الإسلام فعلا إلى أداة للعنصرية والتعالي على الغير. وعندما يتمعّن المرء في هذه الصورة الذهنية التي تكرّست في عقول بعض الأفارقة عن العرب فلا بدّ أن يربطها بتلك الحمولة الثقيلة من تاريخ الرقّ والعبودية الذي شهدته سواحل أفريقيا في الأزمنة الغابرة والذي يختصّ العرب بنصيب وافر منه كما يذهب إلى ذلك بعض الأفارقة.
انتهت تلك المشكلة بصلح وباعتذار متبادل بين أطرافها وانهمك الجميع بالاستعداد للاختبارات الفصلية. وكان أكثرنا دأبا واجتهادا طالب تخطى عمره التسعين عاما. كان ذلك الشيخ الجليل مثالا للانضباط والمثابرة، ولطالما رأيته قاطعا المسافة الطويلة ما بين المكتبة وقاعات المحاضرات ماشيا على قدميه وحاملا حقيبته التي كانت تنوء بالكتب والكراريس والمذكّرات. وكان الطلبة والمدرّسون يقدّرونه ويحترمونه كثيرا، إذ لم تمنعه ظروف التقاعد والشيخوخة من التحصيل العلمي، لا من أجل منصب أو جاه أو سلطان، وإنما ابتغاء اكتساب المزيد من العلم والمعرفة.
في مستهلّ الفصل الدراسي الثاني من ذلك العام، كان هناك إعلان يشير إلى أن شخصية فكرية بارزة سيحلّ ضيفا على الجامعة. ولم يكن ذلك الضيف سوى روجيه غارودي المفكّر الفرنسي الذي أثارت آراؤه ومواقفه بشأن إسرائيل والصهيونية عاصفة من الجدل آنذاك.
وقد حرص الكثيرون على حضور المحاضرة التي حظيت باهتمام كبير داخل أروقة الجامعة وخارجها. وقد حرصت على ألا تفوتني المحاضرة، لكني مثل الكثيرين غيري لم أخرج منها بأية فائدة تذكر.
وبالرغم من أن غالبية من تحدّثوا في تلك الأمسية أثنوا على جهد المترجم ومقدرته في نقل الكثير من المفردات والمصطلحات إلى العربية بتمكّن واضح، فإن مضمون المحاضرة الفلسفي الثقيل ولغتها الجافة والمغرقة في الأكاديمية فوّت علينا فرصة فهم واستيعاب الكثير من الأفكار التي أثارها المحاضر في كلامه.
وقد خطر لي وقتها أن حديث غارودي لا يمكن أن يفهمه سوى بعض الأكاديميين الذين ألمّوا بشيء من الفكر اللاهوتي المسيحي واطلعوا على الاتجاهات والمدارس الفلسفية السائدة في الغرب.
وأزعم أن كثيرا من المشايخ والمتديّنين الذين سجّلوا الحضور الأبرز في تلك الأمسية لم يكونوا بأحسن حالا منّا نحن الطلبة العاديّين. ومع ذلك فقد كانت وجوههم تتهلّل فرحا واستبشارا لأن غارودي أصبح مسلما ولانه أثخن إسرائيل والصهيونية بالتهم والانتقادات الشديدة.
بعد ذلك بفترة كانت هناك أمسية أخرى للشاعر العراقي عبد الوهاب البيّاتي الذي قرأ على الحاضرين بعضا من قصائده الجميلة واستعرض طرفا من تجربته في الأدب والديبلوماسية. ولم يفسد تلك الأمسية سوى مناكفات أنصار الحداثة وخصومها من الأدباء السعوديين الذين تنافسوا في ما بينهم، وبطريقة طفولية، في تبادل النعوت والاتهامات الشخصية، الأمر الذي أثار استياء الحضور واستهجانهم.

Tuesday, December 05, 2006

بقايـا صـور: 1 من 2

من أهم سمات تفكيرنا، أفرادا وجماعات، إيماننا الذي لا يتزعزع بالقدرية؛ أي أن قدر الإنسان سابق على مجيئه إلى هذه الدنيا وكلّ ما يحصل له في الحياة مكتوب ومقرّر سلفا.
وربّما لهذا السبب لا نجد للتخطيط أهميّة تذكر في حياتنا والكثير من أمورنا تمشي بالبركة ولسان حال كلّ منّا: "الله يختار اللي فيه خير"..
ولا بدّ وأن هذه الفكرة كانت ماثلة في ذهني وأنا أخطو أولى خطواتي نحو الجامعة.
قدّمت أوراقي إلى المسجّل الأكاديمي وقمت بتعبئة النموذج الخاص وكنت قد كتبت في خانة الاختيارات: "آداب – إعلام" قبل أن أدفع بالأوراق إلى الموظّف المسئول.
ألقى الرّجل نظرة متفحّصة على الشهادات والدرجات ثم قال: إسمع يا إبني، معدّلك عال ومن الظلم أن تدفن نفسك في قسم الإعلام، أنا أنصحك بأن تختار الإدارة وأنا متأكّد بأنها تناسبك.
قلت دون تردّد أو تفكير: خلاص اللي تشوفه حضرتك وعسى الله يختار اللي فيه خير..
في الجامعة، بدأت تجربة مختلفة لم أعهدها من قبل. في تلك الفترة بالذات تشكّلت الكثير من تصوّراتي وأفكاري عن الناس وعن الحياة عموما، وزاد اهتمامي بالقراءة والاطلاع خاصةً بعد أن تعرّفت على بعض الزملاء الذين كانوا يقضون جلّ وقتهم في المكتبة وبين الكتب.
ومثل الكثير من زملائي آنذاك كنت حريصا على ألا اسجن نفسي في دائرة المناهج والمحاضرات والتخصّص بل أن أحاول توسيع مجال اهتماماتي وتطوير قدراتي المعرفية بحسب الإمكان.
كان أوّل مدرّس ألتقيه في الجامعة أستاذ الثقافة الإسلامية.
والحقيقة أنني قبل بداية الدراسة أجهدت نفسي في تصوّر طبيعة منهج الثقافة الإسلامية، وكنت أتساءل ما إذا كانوا سيعيدون تدريسنا كتاب التوحيد الذي تشرّبناه حتى الثمالة خلال المرحلتين المتوسطة والثانوية دون أن نفهم منه شيئا.
بعد أن استقرّ بنا المقام داخل القاعة الكبيرة، دخل علينا المدرّس لأوّل مرّة، وكان شخصا ملتحيا طويل القامة يرتدي الثوب والغترة والعقال ويتكلّم بلهجة أهل الشام.
قال بعد أن ألقى السلام: أرجو بعد أن تنتهوا من المحاضرة أن تمرّوا على المكتبة الفلانية وأن تبتاعوا منها المذكّرة التي ألّفتها خصّيصا لهذه المادّة. ثم أضاف متصنّعا الحرص على جيوبنا: لا تدفعوا اكثر من أربعين ريالا للنسخة، وأريد أن ألفت أنظاركم إلى أن المذكّرة هي المنهج المقرّر عليكم في هذه المادّة، لذا رجاءً إنسوا الكتاب الأصلي وركّزوا على المذكرة.
ومنذ المحاضرة الأولى شنّ الأستاذ هجوما عنيفا على ما أسماها بالفرق الضّالة وكان من بينها الماسونية والقاديانية والشيوعية والاشتراكية. لكنه كان يخصّ الشيعة "أو الروافض كما كان يسمّيهم" من اثني عشرية وزيدية واسماعيلية وغيرهم بالنصيب الأوفر من الهجوم والتحقير.
ذهبنا إلى المكتبة واشترينا المذكّرة ووجدناها هي الأخرى مليئة بصيغ التكفير والاتهام والإساءة لكافّة الفرق والمذاهب الإسلامية تقريبا، والشيعة منها بشكل خاص.
وتوالت المحاضرات واحدةً بعد الأخرى ومعها كانت تتزايد وتيرة الاتهام والتبديع والتفسيق. وقد لاحظت تبرّم بعض الطلبة مما يحصل، خصوصا زملاءنا الشيعة الذين قادهم سوء حظّهم للتسجيل في شعبة ذلك الأستاذ دون أن يفطنوا إلى شغفه الشديد بخوض المعارك المذهبية واصطناع الخصوم.
وفي أحد الأيّام ولم يكن قد مضى على بدء الفصل الدراسي أكثر من أسبوع، وبينما كان الأستاذ منهمكا كما هي عادته في "فضح الروافض وتبيان خطرهم الأكيد على الأمّة" كما كان يردّد، إذ بطالب يقف في منتصف القاعة مقاطعا الأستاذ بحدّة ومتّهما إيّاه بإثارة الفتنة والكراهية ثم قال: ألا تتّقي الله يا دكتور، أليس حريّا بك أن تحرص على مراعاة واحترام مشاعر بعض طلبتك في هذه القاعة ممن كفّرتهم وشهّرت بهم بطريقتك في الكلام وبمضمون مذكّرتك التي أجبرتنا على شرائها لتعلّمنا كيف نكره بعضنا وكيف يكفّر بعضنا الآخر، هل هذه هي الثقافة وهل هذا من الإسلام في شئ؟
كان الدكتور المحاضر يحاول جهده إسكات الشاب أو على الأقل تهدئته، ولكن هيهات.
لم يسكت إلا بعد أن أيقن أنه قال كلّ ما عنده. في تلك الأثناء ساد المكان هرج ومرج جرّاء ما حدث ولم تهدأ القاعة إلا بعد أن خرج الأستاذ منها حاملا معه حقيبته وكتبه ومذكّراته.
ولم يكن ذلك الطالب الذي اعترض على المدرّس وتصدّى له وأفحمه سوى شابّ من أهالي القصيم، وهو أمر أثار دهشة الكثيرين منا ممّن كانوا يحملون تصوّرات معيّنة عن تلك المنطقة وأهلها.
حدثت هذه القصّة قبل اكثر من عشر سنوات. وعندما كنت أقرأ وأسمع ما قيل أو كتب مؤخّرا عن دور ما لجماعة الإخوان في تغذية التطرّف والإرهاب في بلدنا، تذكّرت ذلك المدرّس ومرّت بخاطري قصص أخرى لا مجال هنا لسردها ولكن يمكن وضعها في ذات السياق. إلا أنني مع ذلك ما أزال أعتقد أن التطرّف عندنا هو منتج محلي صرف وليس ظاهرة غريبة وفدت إلينا من الخارج. ويظهر أنه بولغ كثيرا في الحديث عن امتداد خارجي للعنف عندنا وذلك لاسباب إعلامية مفهومة ولها ما يبرّرها إلى حدّ ما.
وقد تساءلت وقتها عن السبب الذي دفع أستاذنا الفلسطيني الأصل لأن يركب موجة التكفير والكراهية بعد أن خبر هو نفسه الظلم وتجرّع مرارة التحامل والأذى والنفي. ثم هل ُيعقل ألا يكون الاستاذ على علم بأن ما يقوله وما يروّج له يصبّ في النهاية في مصلحة اسرائيل التي تسعى إلى تقسيم المنطقة طائفيا ومذهبيا لكي ينشغل العرب عن مخطّطاتها ويغرقوا في صراعات داخلية لا تنتهي؟
وأذكر أن زميلا آخر قال معلقا على ما حدث: هذا الرجل لا يمكن أن يكون إيجابيا في ظلّ ظروف قد يكون وضعها له غيره، وهو في الحقيقة لا يختلف عن أيّ شخص يسلّم عقله للغير كي يفكّروا له.
ومنذ بضعة أسابيع كنت جالسا بالبيت أشاهد بالصّدفة قناة إقرأ الفضائية عندما أطلّ من الشاشة وجه بدا وكأنّني أعرفه أو سبق لي رؤيته من قبل. ولم تمرّ لحظات حتى عرفت الرجل. وتأكّد صدق حدسي عندما ظهر اسمه أسفل الشاشة. كان هو نفسه أستاذ مادّة الثقافة الإسلامية العتيد الذي كان مولعا بإثارة المعارك المذهبية والمفاضلة بين الملل والنحل المختلفة.
كان هذه المرّة يرتدي مشلحا من النوع النفيس ويداعب بين أصابعه حبّات مسبحة أنيقة الألوان وكانت لحيته قد طالت كثيرا وكساها الشيب بالكامل. لكنّ صوته الجهوري وملامحه الصارمة ظلا على حالهما.
وتساءلت إن كان الأستاذ ما يزال على عهدنا به بعد كلّ هذه السنوات أم تراه ناله بعض ما نال غيره من بركات 11 سبتمبر فرقّقت طباعه وخفّفت من غلواء أفكاره وقناعاته القاطعة..
بالتأكيد لم تغب عن بالي صورة الرجل كعالم دين وأستاذ جامعي، ومع ذلك فقد استضافه مذيع القناة باعتباره محلّلا للأحداث وخبيرا بالشأن السياسي. وتلك إحدى مشاكل الفضائيات العربية التي لا تعترف بالتخصّص ولا تستضيف عادةً سوى من يتّفقون مع أفكارها ويتبنّون مواقفها.
لكن تلك قصّة أخرى..