:تنويه

تنويه: كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة للمؤلف ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. .


الأربعاء، يناير 17، 2024

محطّات


  • قصّة حياة هذا الرجل تعلّمنا أن البشر لا يولدون وحوشا او سفّاحين بالفطرة. البيئة التي يعيشون فيها هي التي تحوّلهم أحيانا إلى مجرمين. وهذا ينطبق على الصبيّ الجورجي الذكيّ والفخور يوسب، الذي أراد فقط إنهاء الفقر في مسقط رأسه، لكنّه أصبح فيما بعد سببا في موت ملايين الأبرياء.
    والكثيرون لا يعرفون أن يوسب "جوزيف"، أو "ستالين" كما يُلقّب، كان من أصل جورجي، وأنه كان جورجيّا فخورا وحتى قوميّا جورجيا نشطا خلال سنوات مراهقته.
    وفي العادة، ومثل معظم الناس، نشأ ستالين مع والدته وأبيه في مدينة غوري في شرق جورجيا. كانت والدته امرأة صارمة، لأن والده كان مدمنا على الكحول وعنيفا، وكان يسيء معاملتهما لدرجة أن أمّه أخذت يوسب بعيدا، هربا من قسوة الأب.
    وقد نشأ ستالين فقيرا، لكنّه تفوّق في المدرسة. وتربّى في بيئة مسيحية متديّنة للغاية، وكانت والدته امرأة قويّة الإيمان. كان يحبّ قراءة الكتب وكتابة الشعر، وكان معجبا بأعمال الكاتب القومي الجورجي رافائيل إريستافي، وكتب بنفسه العديد من القصائد الوطنية. كما كان رسّاما موهوبا وشاعرا بارزا. وكان يقضي ساعات طويلة من يومه في قراءة الكتب، بل وتعلّم لغات أخرى غير لغته الأم، كالألمانية لغة كارل ماركس.
    وعندما بلغ الثانية عشرة، اختطفه والده وأجبره على العمل في مصنع. ومن هناك تشكّل في ذهنه انطباع سيّئ عن الرأسمالية. وفي مدرسته، اصطحبه معلّمه وبعض الطلاب الآخرين ليشهدوا شنق بعض قطّاع الطرق من الفلاحين الفقراء. وعندما رأى موتهم تعاطف معهم وتمنّى أن يصبح مسئولا كي يصلح مشاكل بلده ويبحث عن حلّ لفقر الناس. وأدّى غضبه وحنقه المكتوم والمبكّر إلى العديد من اعتداءاته وقسوته اللاحقة.
    وعندما سجّل في مدرسة تبليسي، كان الكهّان الذين يعملون هناك من القوميين الروس الذين حظروا اللغة الجورجية والملابس والتعابير التقليدية القوقازية. وهنا بدأ يصبح متمرّدا وأخذ يقرأ الكتب القومية الجورجية، كما قرأ كتاب "رأس المال" لكارل ماركس وكتاب تشارلز داروين "أصل الأنواع".
    وسرعان ما أصبح ملحدا وأعلن عن نفسه بتلك الصفة. ثم بدأ بسرقة الكتب من المكتبة ونشر الدعاية الماركسية بين زملائه من الطلاب. ثم قرأ رواية "قاتل الأب" للكاتب الجورجي ألكسندر كاسبيجي، وبدأ يطلق على نفسه اسم "كوبا" نسبة إلى البطل قاطع الطريق في الرواية، بل وطلب من أصدقائه أن ينادوه بهذا الاسم.
    وتدريجيا بدأت درجات يوسب تنخفض في الامتحان، وفي النهاية ترك المدرسة اللاهوتية. وأصبح ماركسيّا وانضمّ إلى مجموعة اشتراكية جورجية كانت تعقد اجتماعات سرّية، وكان معظم أعضائها من الروس.
    ومع تزايد نشاطه الماركسي، أصبح مراقَبا من قبل الشرطة السرّية الروسية. ثم قابل الماركسي الروسي فلاديمير لينين، ومع مرور الوقت أصبح رجل عصابات وقرصانا وثوريّا عدوانيّا. ثم بدأ في تنفيذ عمليات سطو وهاجم القوزاق وعقد اجتماعات ماركسية كبيرة في جميع أنحاء الإمبراطورية الروسية. ثم قُبض عليه ونُفي الى سيبيريا، واستطاع أن يهرب من المنفى خمس مرّات.
    وكان يوسب كلّما أصبح أكثر ثورية، صار أقلّ جورجيةً. وعندما طالب البلاشفة الجورجيون بالحكم الذاتي لجورجيا ومقاومة السياسات القومية البلشفية والحفاظ على لغتهم وثقافتهم وتقاليدهم وتراثهم، عارض يوسب، الذي أصبح الآن "ستالين"، الفكرة وأصبح السبب الرئيسي لسقوط الحكومة الجورجية.
    ولو كانت الحياة أكثر رحمة ورياح التاريخ مختلفة، لكان يوسب رجلاً قوميّا ثوريّا جورجيّا ومقاوما للإمبراطورية الروسية. لكنه بدلاً من ذلك أصبح العامل الوحيد في التحويل القسري لجورجيا كي تصبح سوفيتية.
    وفي وقت تالٍ أصبح ستالين "الدكتاتور السوفييتي" وفعل أشياء فظيعة لإخوانه وقومه في القوقاز، وحتى لمواطنيه الجورجيين. والخوض في الفظائع المنهجية التي ارتكبها هذا الرجل ضدّ عشرات الملايين من الناس في إمبراطوريّته تحتاج لكتب ومجلّدات، وخاصّة تهجيره للشعوب والمجموعات العرقية في القوقاز.
    من القومي الجورجي "كوبا" إلى الماركسي الروسي "ستالين"، ومن مواطن جورجي فخور بقومه إلى ديكتاتور ماركسي سوفييتي يكره موطنه القوقاز! كان الطريق الذي سلكه ستالين طويلا ومليئا بالانحناءات والتعرّجات ونقاط التحوّل.
    والشيء المثير للاستغراب أن ستالين لم يفقد أبدا لهجته الجورجية السميكة أثناء تحدّثه بالروسية. وحتى يومنا هذا، هناك بعض الجورجيين الذين يحبّونه فقط لأنه كان من أصل جورجي، وخاصّة الجيل الشيوعي الأكبر سنّا والمتحدّرين من مسقط رأسه غوري.

  • الزمن عامل نسبيّ ومرتبط كثيرا بالظروف والسياقات. فلو سمعت مثلا كاتبا يقول انه كتب روايته في ثمانية او عشره أشهر فغالبا هو يقصد انه كتبها على مدى سنوات قد تكون طويلة. لكن تفاصيل الرواية من أحداث وشخصيات وتواريخ وخلافها لم تتبلور وتتّضح في ذهنه بشكل كامل الا في اخر عشرة أشهر أو نحوها.
    وأحيانا قد يعيش رجل مع زوجته بسعادة رغم انهما تزوّجا في سنّ متأخّرة. وربّما تمنّيا لو أن الله كتب لهما أن يلتقيا قبل زواجهما بعشرين عاما كي ينعما بالسعادة لفترة أطول. والحقيقة انهما قبل عشرين عاما لم يكن لديهما من خبرات وتجارب الحياة ما يتمتّعان به اليوم، وبالتالي ربّما ما كانا قد تآلفا وتزوّجا في ذلك الوقت. وفي الغالب فإن صعوبات ومشاقّ الحياة وتمكّن الزوجين من تجاوزها معا هو ما يقوّي العلاقة ويجعلهما يتمسّكان ببعضهما البعض بالرغم من كلّ المشاكل والتحديّات.
  • يقول نصّ بابليّ قديم: ليس المنفى هو الانتقال بين الحدود والجغرافيا واللغات. بل المنفى الحقيقيّ هو أن يصادَر الحاضر منك وتصبح مجبرا على تأمّل ماضيك او منشغلا بما سيحصل لك في المستقبل". وهناك اليوم شعوب بأكملها منفيّة في أوطانها لأن حاضرها مصادَر لسبب أو لآخر.
  • من أروع ما يُروى عن جلال الدين الرومي قوله: دخلت الى قلبي لأرى كيف هو، ووجدت شيئا ما هناك جعلني اسمع كل العالم يبكي". وغالبا يشير الشاعر الى كميّة الظلم الفادح المنتشر في هذا العالم نتيجة غياب العدالة والانسانية.
    ثم يقول في اقتباس رائع آخر: الذين يستسلمون للجوهر الإلهي يعيشون في طمأنينة وسلام حتى عندما يتعرّض العالم بأسره للاضطراب". والمعنى هو ان الذين يسلّمون أمرهم إلى الله هم الذين يعيشون في طمأنينة. ومهما اضطرب العالم من حولهم فإنهم يحتفظون بسلامهم الداخلي لأنهم في حمى الحقّ سبحانه.
  • وأخيرا للشاعر الآذاري جامي جملة بديعة يصف فيها الرومي بقوله: لم يكن نبيّا، لكنّه أُوتي كتاباً".


  • منذ القدم ارتبطت الحيوانات بمعانٍ رمزية وكان الانسان يقارن نفسه بها ويرى لها شبيها في الأشياء من حوله. وبدورهم أحبّ الرسّامون الحيوانات وضمّنوها في أعمالهم.
    ومن أشهر اللوحات التي تتضمّن صورا لحيوانات لوحة جورج ستبس "ويسل جاكيت" او سترة الصافرة، وهو اسم لحصان مشهور. وقد رسمه الفنّان بحجم طبيعي، ويظهر في اللوحة وهو يرتفع بجسمه الضخم على قائمتيه الخلفيتين أمام خلفية من لون بنّي بالكامل. ونظرا لأن الخلفية فارغة، فقد اعتقد الناس أن اللوحة غير مكتملة، لكن من المرجّح أن الفنّان رسمها متعمّدا بهذه الطريقة. وقد اشتهر ستبس بلوحاته عن الخيول، وكان يُدخل في صوره تفاصيل كثيرة كما يفعل معظم الفنّانين في تصاويرهم.
    وهناك أيضا لوحة دا فنشي "بورتريه سيسيليا جاليراني". كانت هذه المرأة خطيبة لدوق ميلانو، وهي التي كلّفت الفنّان برسم هذه اللوحة. كان دافنشي وقتها يعمل في بلاط الدوق. والحيوان الذي تمسك به المرأة هو من فصيلة ابن عرس، ومن فرو هذا الحيوان تُصنع المعاطف الشتوية الفاخرة، وأصبح استخدامه يرمز للطهر وضبط النفس، وهما الصفتان اللتان أراد الدوق أن ترتبط بهما خطيبته. وقد تمّ تكبيره للتأكيد على صفاته الرمزية. وقيل أيضا إن الحيوان رُسم ليكون إشارة إلى الدوق نفسه، وربّما رُسم ايضا كي يغطّي بطن المرأة الحامل.
    وهناك أيضا لوحة "الأرنب الصغير" لالبيرت ديورر المرسومة بالألوان المائية قبل أكثر من 500 عام. عندما رسم الفنّان اللوحة لم يكن العالم قد عرف التحنيط بعد، لذا كان على ديورر إما رسم العديد من الاسكتشات الأوّلية للأرانب البرّية أو الرسم من أرنب حيّ أو ميّت. ويقال أن بالإمكان رؤية انعكاس إطار نافذة في عين الأرنب، وهو ما دفع الكثيرين للاعتقاد بأن الحيوان كان يعيش في محترف الرسّام عندما رسمه.
    "كنيسة سيستين الخاصّة بالقدماء" وصف أطلق على واحدة من أكبر مجموعات الفنّ الصخري في العالم والتي تعود إلى عصور ما قبل التاريخ في غابات الأمازون المطيرة. وقد عثر علماء الآثار على عشرات الآلاف من اللوحات التي تصوّر بشرا وحيوانات رُسمت قبل ما يقرب من 12500 عام في المنحدرات القريبة من كولومبيا. وتضمّ الصور العديد من الحيوانات المعروفة، وحتى المخلوقات التي تُعتبر منقرضة مثل الباليولاما والمستودون وغيرهما.
    الرسّام الألماني فرانز مارك كان إنسانا ذا حسّ مرهف. وكان يجد في الطبيعة المكان الذي يُشعِره بالهدوء والسكينة. لوحاته تعكس التوتّرات التي عاشتها أوربّا في مطلع القرن الماضي بعد الحرب. لكنه كرّس جزءا من فنّه لدراسة تشريح الحيوانات التي كان يرى فيها رمزا مثاليا للحقيقة والنقاء والجمال. الثيران نادرا ما تُصوّر على أنها حيوانات مسالمة وضعيفة، ولكن في لوحة مارك هذه يمكننا رؤية الجانب الأكثر ليونةً من الحيوان الذي اعتدنا رؤيته وهو يقاوم بشجاعة عنف وقسوة الانسان.

  • Credits
    suite101.com