:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Thursday, April 13, 2017

رائحة الكتب

تخيّل نفسك جالسا في مكتبة تراثية، تمدّ يدك وتأخذ كتابا قديما، تفتح صفحاته فتنعشك رائحته وتستنشقها بعمق.
بعض الكيميائيين يقولون إن تلك الرائحة هي مزيج من النوتات العشبية: فانيليا فوق طبقة من المسك، بالإضافة إلى موادّ عضوية كالحبر والورق والغراء والنسيج.
وما يحدث هو أن كلّ هذه الأشياء تتفاعل مع الضوء والحرارة والرطوبة، ومع مرور السنوات تطلق مركبّات عضوية تلتقطها أنوفنا بينما تترجمها أدمغتنا إلى روائح.
وإحساسنا بالرائحة قريب جدّا من مركز الذاكرة في الدماغ. ومن هنا الارتباط الوثيق بين الذاكرة والروائح. والعلماء يحاولون، ليس فقط معرفة الآثار الكيماوية للكتب، وإنما أيضا كيف تؤثّر الروائح في الأشخاص الذين يشترونها.
ورائحة الورق تختلف من كتاب لآخر تبعا لاختلاف الموادّ الكيماوية المصنوع منها. لكن يُعتقد أن لرائحة الكتب ثلاثة مصادر: الورق والحبر المستخدم في الطباعة والموادّ اللاصقة المستخدمة في تجليد الكتاب كالغراء والجلد وما في حكمهما.
في بعض الأحيان تتأثّر الكتب بالبيئة المحيطة، وهذا هو السبب في أن لبعضها رائحة التبغ أو القهوة وأحيانا رائحة فراء القطط.
وبعض الروائح يمكن أن تضيف لكتاب ما قيمة مالية وأهميّة تاريخية. مارك توين، مثلا، كان يمتلك قاموسا، وما يزال حتى اليوم ينفث رائحة تبغ مميّزة، والسبب هو أن توين كان مشهورا بتدخينه للسيغار والغليون.
ذات مرّة قال فلاديمير نابوكوف: ما من شيء ينعش ذكريات زمن معيّن مثل رائحة مرتبطة به".
وبالنسبة لالبيرتو مانغويل، فإن لرائحة الكتب دورا مهمّا في العلاقة الحميمة بين الإنسان والكتاب. ويقول انه كان على الدوام ينجذب لرائحة البسكويت الطازجة التي تفوح من صفحات الطبعات الشعبية للكتب.
وإشارة مانغويل لرائحة البسكويت ليست بعيدة عن الواقع. فعلميّا يتألّف البسكويت من عنصرين: الفورفورال أي رائحة الخبز، والفانيللين أو الفانيليا. وهذان هما العنصران المسئولان عن رائحة البسكويت. ووصْف مانغويل يشي بعشق صاحبه للكتب، كما يمكن أن يعني أن الكتاب الذي له هذه الرائحة يمكن أن يكون بحالة تآكل واهتراء.
وبعض الخبراء يقولون إن الكتب المصنوعة قبل عام 1850 لها رائحة مختلفة عن الكتب المصنوعة ما بين عامي 1850 و 1990، لأن معظم طباعة أواخر القرن التاسع عشر ومعظم القرن العشرين كانت تهتمّ بتقليل إشباع الورق بالماء كي يمكن الكتابة عليه.
ومن المعروف علميّا أن حياة الكتب، وخاصّة المخطوطات، تؤثّر على رائحتها، وهذا يتضمّن عوامل مختلفة من قبيل المدى الذي سافر إليه كتاب ما وظروف تخزينه في أماكن رطبة أو جافّة. وبعض الكتب كانت تُنقل في خزانات خشبية أو على ظهور الخيول أو على متن سفن أو طائرات. وكلّ هذه العوامل لها تأثيرها على رائحة كتاب ما.
ومعظم زوّار المكتبات القديمة يصفون رائحة الكتب فيها بأنها رائحة خشب أو دخان أو تراب أو فانيليا أو شوكولاتا أو قهوة.
وعندما يتآكل كتاب، فإنه قد يطلق رائحة تشبه رائحة المزارع أو الملابس البالية أو الغرف القديمة. والسبب هو وجود مركّب كيماويّ يُدعى الهكسانول.

يقال أحيانا انه لا يمكن الحكم على كتاب من غلافه. لكن الباحثين يعتقدون أننا يمكن أن نتعلّم الكثير من رائحة كتاب. وقد أصبح بالإمكان اليوم تحديد حالة وعمر أيّ كتاب باستخدام معدّات شمّ خاصّة تحلّل مزيج الموادّ المصنوع منها.
ومثل هذه الطريقة يمكن أن تساعد المكتبات والمتاحف على تقييم ومراقبة سلامة مجموعاتهم من الكتب والاهتمام بخزنها والعناية بها.
الكتب القديمة تحتوي عادةً على قدر اكبر من مركّب نسيج الخشب، وهذا هو السبب في أنها تميل إلى الاصفرار مع مرور السنوات بسبب التفاعلات الكيماوية التي تؤدّي إلى تدهور حالة الورق.
ولتلافي هذه المشكلة أصبحت دور الطباعة اليوم تعمد إلى تقليل استخدام هذا المركّب للمحافظة على سلامة الورق لأطول فترة ممكنة.
لكن أكثر ما يميّز الكتب القديمة هي رائحة الفانيليا التي تُستخدم بكثرة في صناعة الكعك والشوكولاتا والايسكريم. لذا يمكن القول إن رائحة الكتب القديمة تذكّرنا بالطعام.
وبالنسبة للكتب التي تُطبع هذه الأيام، فإن الروائح الغالبة فيها مصدرها الموادّ الكيماوية مثل الايثيلين وبيروكسايد الهيدروجين. لذا ليس من المؤكّد ما إذا كانت هذه الكتب سيكون لها رائحة بعد خمسين أو مائة عام من الآن.
وممّا لا شكّ فيه أن الشغف بالقراءة هو ما يقود الإنسان إلى الإمساك برائحة الكتب والمكتبات. ذات مرّة، كان احد الكتّاب يتجوّل داخل مكتبة قديمة. وقد كتب عن تلك التجربة يقول: شعرت بحنين لم اشعر به منذ فترة طويلة. رائحة الورق والحبر يمكن أن تثير ذكريات عن يوم صيفيّ على الشاطئ، أو عن ظهيرة خريفية في مقهى، أو عن جلسة على كرسيّ وثير بجانب المدفأة بينما ينهمر المطر على زجاج النافذة".
ووسط هذا التأمّل الصامت، اخذ يفكّر في مزايا أجهزة القراءة الاليكترونية مثل كيندل وايباد وغيرهما. وتذكّر وظيفة البحث السهل وسهولة النقل من مكان لآخر والقدرة على مشاركة أصدقائه في الفقرات المفضّلة من كتاب.
ثم غادر المكتبة دون أن يشتري شيئا، على الرغم من اعترافه بأن مزايا القراءة الاليكترونية لا يمكن أن تعوّض متعة تصفّح كتاب ورقيّ.
وقال كاتب آخر واصفا الكتب الاليكترونية: هذه ليست كتبا لأنها لا تصدر رائحة. والكتاب ينبغي أن تكون له رائحة".
وربّما لهذا السبب ابتكر بعض المصمّمين مجموعة من العطور والكولونيا والشموع المعطّرة التي تساعد على استثارة رائحة الورق القديم لدى القارئ. فإذا كنت مثلا تفضّل قراءة الكتب الاليكترونية، لكنّك ما تزال تريد رائحة تذكّرك بالورق، فيمكنك استخدام بعض هذه العطور التي تحاكي روائح الكتب القديمة.
وأشهرها عطر اسمه كتّاب ميّتون (Dead Writers)، وهو مزيج من نكهات الشاي والمسك والفانيليا والتبغ. وتقول عنه الشركة المصنّعة انه يثير شعورا بالجلوس في مكتبة قديمة وتقليب صفحات صفراء من كتاب لهمنغواي أو شكسبير أو فيتزجيرالد.
وهناك أيضا عطر اسمه في المكتبة (In The Library)، وثالث اسمه الشغف بالورق (Paper Passion)، ورابع باسم طبعة شعبيّة (Paperback). والأخير يوصف بأن له رائحة ورق قديم مع نفحات بنفسج ومسك وأوراق ورد مجفّفة.
وكلّ هذه العطورات تتضمّن معنى اكتشاف مغامرة التنوير والمعرفة والتوق إلى التراث القديم من خلال القراءة.

Credits
smithsonianmag.com

Monday, April 10, 2017

إكسير الشباب

كثيرة هي القصص التي تتحدّث عن أشخاص عاشوا حياة طويلة وامتدّ بهم العمر أحيانا إلى ما يزيد عن المائة عام.
وفي العالم اليوم، هناك بالفعل مجموعات من البشر يعيش أفرادها أكثر من مائة سنة، وما يزال بعضهم على قيد الحياة ويتمتّعون بكامل قواهم الجسدية والعقلية.
ترى ما هو سرّ أو أسرار الحياة الطويلة والسعيدة؟
في الواقع هناك العديد من القصص عن أشخاص معمرّين. لكن تجاربهم وأساليب عيشهم مختلفة ومتباينة. ولا يمكنك الخروج منها باستنتاجات واضحة أو قاطعة عن سرّ العمر الطويل.
في ايطاليا، مثلا، عاشت امرأة مائة وخمسة عشر عاما. وقالت إن السبب في أنها عمّرت طويلا هو أنها ظلّت عزباء طوال حياتها لأنها "لم تكن ترغب في أن يسيطر عليها احد". وعلى امتداد حياتها الطويلة لم تعانِ من أيّة أمراض، باستثناء فقر الدم الذي عالجته بتناول البيض الطازج يوميّا.
وهناك "مئويّون" آخرون يقولون إن سرّ العمر المديد ربّما يكمن في تناول الحبوب والمكسّرات يوميّا.
وفي الولايات المتحدة، عاشت امرأة في مزرعة أهلها إلى أن جاوز عمرها المائة وعشر سنوات وظلّت محتفظة بلياقتها العالية وكانت لا تأكل إلا ما يُنبتونه في مزرعتهم من فواكه وخضار.
وهناك تحقيقات صحفية عديدة نُشرت على مدى سنوات عن شعب يقال له "الهونزا" يعيش أفراده على سفوح جبال الهمالايا عند تقاطع الحدود بين كشمير والصين والهند وأفغانستان وباكستان.
وهؤلاء لا يصابون بالسرطان ولا بغيره من الأمراض المستعصية ويعمّر الواحد منهم مائة عام أو أكثر.
وما يثير الانتباه في قصّة الهونزا هو أن نسبة التعليم بينهم تتجاوز التسعين بالمائة وكلّ فرد منهم تحصّل على التعليم الثانويّ على الأقلّ.
وعدد أفراد هذه القبيلة يربو على الثلاثين ألفا. والوادي الذي يعيشون فيه يرتفع ثلاثة آلاف متر عن سطح الأرض. كما انه مقطوع تقريبا عن العالم الخارجيّ. ووادي الهونزا موطن لأربعة أعراق وديانتين. لكن غالبيّتهم مسلمون على المذهب الاسماعيليّ.
وهم يعيشون حياة بسيطة جدّا ويُعتبَرون شعبا ودودا ومحبّا للآخرين. ولغتهم هي مزيج من المقدونية القديمة والفارسية.
وتاريخيّا يسود اعتقاد بأن الهونزا تزاوجوا مع جنود من جيش الاسكندر المقدونيّ ممّن قدموا إلى المنطقة من بلاد فارس واستقرّوا فيها حوالي القرن الرابع قبل الميلاد.
وكان للهونزا في الماضي مملكة مستقلّة وملك كان يُلقّب بـ "المير". وعلى مرّ قرون عديدة، شهدت منطقتهم هجرات كثيرة واستوطنتها قبائل وأعراق متعدّدة بسبب جمال طبيعتها وكثرة محاصيلها واعتدال هوائها.
ورغم أن الهونزا ليسوا نتاج أسطورة ولا يقطنون أرضا يوتيوبية، إلا أن الفرد منهم يمكن أن يعيش حتى سنّ العشرين بعد المائة أو أكثر من ذلك. والذين يبلغون منهم سنّ السبعين يبدون كما لو أنهم في الخامسة والأربعين. أما النساء فيمكن، كما قيل، أن يحملن ويلدن حتى بعد بلوغهنّ سنّ الستّين.
والهونزا يكتفون بوجبتي غذاء في اليوم، الأولى في منتصف النهار رغم أنهم يستيقظون عند الخامسة فجرا. وهذا أمر غريب بالنظر إلى أن معظم الأطبّاء يؤكّدون على أهميّة وجبة الفطور. أما الوجبة الثانية فيتناولونها في بدايات المساء.
وغذاؤهم طبيعيّ، أي ممّا يزرعونه في حقولهم من خضار وفاكهة. وهم لا يستخدمون أسمدة أو مخصّبات كيماوية لأن قوانينهم تحظر رشّ النباتات بالمبيدات.

يقول رينيه تيلر مؤلّف كتاب اسمه "أسرار الصحّة عند الهونزا" إن حكومة باكستان أمرتهم برشّ مزارعهم بالكيماويات لاتقاء خطر الجراد. وقد رفضوا ذلك واكتفوا برشّها بالماء الممزوج بالرّماد لأنه يحمي الأشجار ولا يسمّم النباتات أو البيئة.
وطعام الهونزا متقشّف للغاية ويتألّف غالبا من الحبوب والخضار والفاكهة، كالبطاطس والفاصوليا والجزر والسبانخ والعدس والتفّاح والمشمش والخوخ والكرز واللوز والكستناء.
وهم لا يأكلون اللحم إلا في المناسبات الاجتماعية كالزواج والختان ونحوهما. والدجاج هو المصدر الطبيعيّ لحاجتهم من البروتينات.
أما مياه الشرب فيحصلون عليها من الأنهار الجليدية في أعالي الجبال، حيث الماء طبيعيّ وعذب ومنشّط. ومن عادتهم أن يُحدثوا حُفَرا وسط أنهار الجليد المتجمّدة ويعوموا تحت الثلج لما في ذلك من فوائد على الصحّة والمزاج.
وكان عالم أمريكيّ قد ذهب إلى مناطقهم وقضى معهم سنوات في محاولة للتعرّف على سرّ شبابهم الدائم وفي أنهم يعمّرون طويلا. وقام بتحليل المياه في الجبال ووجد أنها تحتوي على كميّات كبيرة من الهيدروجين وعناصر أخرى. ويقال إن سمات هذا الماء لا تتوافر إلا في أماكن قليلة من العالم، مثل ينابيع جبال القوقاز وبعض مناطق الصين والانديز.
وبحسب أطبّاء أجانب زاروا أرض الهونزا في فترات مختلفة، فإنه لم تُسجّل بين الأهالي حالات لمشاكل القلب أو الضغط أو السكّر أو الكولسترول.
وقيل إن احد الأسباب يمكن أن يُعزى إلى كثرة تناول ثمار المشمش، المجفّف خاصّة، المزروع هناك بكثرة. والهونزا لا يأكلون الأغذية المعلّبة ويكتفون بالفواكه الطبيعية. وهم يعملون في الحقول من شروق الشمس حتى غروبها.
ممّا سبق، يمكن أن نستنتج أن التعليم عامل مهمّ وسبب من أسباب الحياة الطويلة. فالإنسان بحاجة إلى تعليم جيّد يحفّزه على القراءة والتفكير. ومن المثير للانتباه أن الهونزا كلّهم متعلّمون، والحياة الصحّية تحتاج لعقل سليم وقابل للتطوّر. كما أن التعليم الذاتيّ والتأمّل يمكن أن يساعد الإنسان على تفهّم رغباته واحتياجاته.
كما يبدو أن لا صحّة لما يقال أحيانا عن أن كون الإنسان أعزب أو متزوّجا له دور في طول الحياة أو قصرها. فالمهمّ في نهاية الأمر هو العلاقات الصحّية وأسلوب العيش السليم.
وبعض الأطبّاء يؤكّدون على أهمّية أن يعبّر الإنسان عن مشاعره بلا قيود وألا يكبتها ويرون أن ذلك شرط أساسيّ لحياة سعيدة وخالية من الهموم. وفي كلّ الأحوال، على الإنسان أن يدرك أن ما يهمّ حقّا هو حياته وحياة الأشخاص القريبين منه والذين يحبّهم.
ومن محفّزات الحياة المديدة أن يتجنّب الإنسان كلّ ما يؤدّي إلى التوتّر والإجهاد الذهنيّ وأن يظلّ على تماسّ مع الطبيعة وأن يختار مكانا هادئا للعيش.
ودائما يجب أن تحرص على أن تتناول طعاما طبيعيّا، وإذا لم تجده فازرعه. وشعب الهونزا يزرعون طعامهم بأنفسهم ولا يعرفون البيتزا والوجبات الجاهزة والسريعة، لذا يندر أن يصابوا بالسرطان أو بأمراض القلب القاتلة.
كما أنهم يحرصون على أن يستمتعوا بمنظر شروق الشمس وغروبها كلّ يوم. وعندما يموتون فإنهم يموتون كبارا وسعداء ويرون من الحياة أكثر ممّا يرى الآخرون.
أيضا لوحظ أنهم يقضون ساعات طويلة في العمل بمزارعهم. صحيح انه عمل جادّ ومتعب أحيانا، لكنه يحافظ على قوةّ ومرونة العضلات ويمدّ الإنسان بالطاقة والحيوية اللازمة.
النشاط الجسديّ وتمارين المشي المنتظمة مهمّة جدّا للجسد والذهن معا. ومن الخطأ إهمال الرياضة أو التغافل عن أهميّتها، أخذا بقاعدة "العقل السليم في الجسم السليم".
وفي الختام أتمنّى للجميع الصحّة والعافية والعمر المديد.

Credits
independent.co.uk