:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Wednesday, October 18, 2017

بابا هايدن

من أهمّ الشخصيات التي تركت أثرا كبيرا في عالم الموسيقى الكلاسيكية المؤلّف الموسيقيّ النمساويّ جوزيف هايدن. ويُعزى إلى هايدن الفضل في ابتكار الرباعيات الوترية، وحتى السيمفونيات بالإضافة إلى عدد آخر غير قليل من الأشكال الموسيقية.
كان هايدن معلّما وصديقا لموزارت. وهو أوّل من تنبّأ لوالده بأن ابنه سيكون له شأن في الموسيقى. كما علّم بيتهوفن، رغم أن علاقتهما تخلّلتها فترات من الخصومة والجفاء بسبب عصبية بيتهوفن وميله للشكّ في كلّ شيء. لكن بيتهوفن ظلّ على الدوام يعبّر عن تقديره واحترامه الكبيرين لمعلّمه.
ترك هايدن تراثا موسيقيا عظيما. التسجيل الكامل لرباعياته الوترية وحدها يربو على العشرين ساعة من الموسيقى المتواصلة. والكثير من موسيقاه لا تخلو من روح الدعابة والمرح، لأنه ضمّنها قفلات طريفة و مفاجآت إيقاعية لا تخطر أحيانا على البال.
الغريب انه بعد وفاة هايدن بفترة قصيرة، تسلّل إلى قبره مجموعة من الأشخاص الذين كانوا يبحثون في علاقة شكل جمجمة الإنسان بملكاته العقلية، فنبشوا قبره وقطعوا رأسه ثم أعادوا دفن جثّته من جديد. ولعدّة سنوات لم يلاحظ السرقة احد، وبعد مرور مائة وخمسين عاما على الحادثة أعيد الرأس ليُدفن مع الجثّة مرّة أخرى.
ولد هايدن في مارس من عام 1732. في ذلك الوقت، كانت تهيمن على أوربّا مجموعة من السلالات الملكية: عائلة هانوفر في انجلترا، والبوربون في فرنسا، وهابسبيرغ في النمسا. وكانت أسرة هايدن تعيش في بلدة على الحدود بين النمسا والمجر.
وقد تأثّر منذ طفولته بحبّ والده للموسيقى الشعبية. رئيس مدرسة الموسيقى في كاثدرائية البلدة لاحظ موهبة الصبيّ الموسيقية، فقرّر ضمّه إلى فرقته. ثم اشترى له والده "ارغن" مستعملا وبدأ يتعلّم عليه العزف. وفي تلك الأثناء تعرّف على موسيقيّ ايطاليّ يُدعى نيكولا بوربورا الذي علّمه التأليف الموسيقيّ.
وفي عام 1759، استدعاه وجيه يُدعى الكونت مورزين كي يشرف على الاوركسترا الخاصّة بقصره. وهناك ألّف هايدن أولى سيمفونياته. وقد اجتذبت موسيقاه اهتمام الأمير بول ايسترهازي الذي عيّنه نائبا لمدير الفرقة الموسيقية لديه.
ثم انتقل إلى بلاط آيزنستات التابع لهذه العائلة الهنغارية المشهورة بنفوذها وثرائها. الأمير نفسه كان يجيد العزف على التشيللو والكمان. وقد أراد أن يحسّن صورة البلاط بتشجيع الموسيقى الاوركسترالية والاوبرالية، لذا عهد إلى هايدن بتلك المهمّة.
وبعد موت بول ايسترهازي خلفه أخوه نيكولاس الذي كان هو الآخر محبّا للموسيقى، فأمر هايدن بأن ينتج المزيد من الأعمال الموسيقية. وكان الأمير الجديد يجيد العزف على آلة الباريتون، وهي آلة موسيقية مقوّسة الشكل وذات ستّة أوتار. وقد أتقن هايدن نفسه العزف على هذه الآلة وألّف أكثر من مائة وخمسين لحنا قدّمها إلى الأمير كي يعزفها.


في عام 1764، زار نيكولاس ايسترهازي قصر فرساي الفرنسيّ، وقد ألهمته تلك الزيارة أن يبني لعائلته قصرا مشابها. وبالفعل بنى ما أصبح يُسمّى بـ قصر ايسترهازي العظيم . كان القصر يحتوي عند إكماله على أكثر من مائة وعشرين غرفة للضيوف، مع حدائق فسيحة شُيّدت فوق منطقة من المروج الممتدّة على ضفاف بحيرة نوسيدلر. وأصبح القصر مقرّا لإقامة هايدن.
المكانة المتعاظمة لأسرة ايسترهازي كانت تعني أن على هايدن أن ينتج المزيد من الأعمال الموسيقية، فألّف على مدى سنوات أكثر من أربعة عشر عملا مسرحيا.
وفي عام 1768، بنى الأمير مسرحا يتّسع لأربعمائة شخص كي تقام عليه العروض المسرحية وغيرها من الفعاليات التي ما تزال تقام إلى اليوم.
غير أن الذين يخدمون في القصر، ومن بينهم هايدن نفسه، أصبحوا يعانون من الإحساس المتزايد بالعزلة في تلك المساحة الشاسعة من المروج المملّة بعيدا عن عائلاتهم. وقد ألهمت تلك الأجواء هايدن تأليف مجموعة من الألحان الكئيبة والمظلمة من بينها رباعيته الوترية رقم عشرين .
ومن خلال تلك الألحان، تكرّست شهرة هايدن كمؤلّف مبتكر للرباعيات الكلاسيكية. وإحدى تلك القطع، وهي الرباعية الوترية رقم 33 ، نالت إعجاب موزارت لدرجة أن الموسيقيّ الصغير ألّف، هو الآخر، مجموعة من الرباعيات المماثلة وأهدى ستّاً منها لهايدن.
في عام 1784، كُلّف هايدن بتأليف سيمفونيات في فرنسا، وهي ما أصبحت تُسمّى بسيمفونيات باريس. وقد أدّى ذلك إلى انتقال شهرته إلى اسبانيا، فدعته إحدى الكاثدرائيات في قادش لتأليف مجموعة من الأعمال الدينية. وقد كوفيء على عمله بإهدائه كعكة شوكولاتا ضخمة مُلئت بالعملات الذهبية.
في عام 1790، توفّي الأمير نيكولاس ايسترهازي. وبعد الثورة الفرنسية، قام ابنه الذي خلفه، ويُدعى انطون، بتسريح الاوركسترا، لكنه أمر بأن يُدفع لهايدن راتب تقاعديّ تقديرا منه لخدمته الطويلة والمتميّزة لعائلته.
وفي عام 1791، ذهب هايدن إلى لندن، وهناك عُومل كضيف مهمّ، ومنحته جامعة اوكسفورد درجة شرفية. وردّ هايدن على التحيّة بتأليف سيمفونية اسماها سيمفونية اوكسفورد أو السيمفونية رقم 92.
وأثناء إقامته في لندن التي دامت بضع سنوات، شعر هايدن بارتباط خاصّ بالمدينة. وقد أُعجب كثيرا بالنشيد الوطنيّ الانجليزيّ وبتأثير ذلك النشيد في توحيد الانجليز وتقوية مشاعرهم الوطنية. وكان يدرك حاجة بلده النمسا إلى نشيد وطنيّ يوحّدها في وجه تهديدات نابليون بغزو أراضيها. وقد ألف فعلا نشيدا أصبح في ما بعد هو النشيد الوطنيّ للنمسا وألمانيا.
ويقال أن هايدن كسب في لندن في سنة واحدة ما كسبه في عشرين عاما من خدمته في قصر ايسترهازي. وقد بذل الانجليز محاولات عدّة لاستبقائه في انجلترا. لكن بعد موت الأمير انطون ايسترهازي وتولّي الأمير نيكولاس الثاني الحكم، أمر الأخير بأن يعود هايدن إلى النمسا وأن يُعيَّن مستشارا موسيقيّا له.


في سنّ التاسعة والخمسين، عاد هايدن إلى بلاط آيزنستات وبدأ عملية إعادة ترتيب الحياة الموسيقية في البلاط الجديد. وفي عام 1796، كتب كونشيرتو الترومبيت المشهور. غير أن الأمير الجديد لم يكن مغرما بالموسيقى الآلاتية، فأمر هايدن بتأليف عدد من الأناشيد الدينية، وقد ضمّنها الأخير معرفته الواسعة بالأوبرا والسيمفونيات.
من بين أعمال هايدن التي كتبها في تلك الفترة سيمفونيته السادسة والتسعين . وكان تقديمها للجمهور مناسبة عظيمة، ليس لأن السيمفونية كانت تحفة فنّية فحسب، وإنما لأن نجفة ضخمة سقطت من السقف أثناء الحفل. وقد اكتسبت السيمفونية اسمها الآخر، أي المعجزة، لأن أحدا من الحضور لم يُصب بأذى في تلك الحادثة.
في تلك الأثناء، عزف هايدن وموزارت معا عددا من الرباعيات في فيينا. كان موزارت يحترم هايدن كثيرا ولطالما دعاه لحضور حفلاته. وكان هايدن يردّ بالتعبير عن إعجابه الشديد بالعبقريّ الصغير. وفي الحقيقة كانت الموسيقى التي عُزفت في جنازة هايدن في ما بعد هي القدّاس الجنائزيّ الذي كتبه موزارت قبيل وفاته.
في عام 1804، غادر هايدن نهائيا أسرة ايسترهازي بعد خدمة دامت أربعين عاما. وأقيم على شرفه حفل حُمل إليه على أريكة خاصّة وعُزفت خلاله سيمفونيّته الخليقة .
كان عمر هايدن آنذاك قد شارف على السادسة والسبعين. وقد حضر الحفل عدد من كبار الموسيقيين، كان من بينهم بيتهوفن وسالييري الذي قاد الاوركسترا. وقد دُهش هايدن من حرارة الاستقبال الذي حظي به، ثم أمر بأن يُنقل إلى بيته، ولم يظهر بعد ذلك على الملأ أبدا.
وعندما بدأ نابليون غزو الأراضي النمساوية في عام 1809، كان هايدن يقضي أيّامه الأخيرة في منزله في إحدى ضواحي فيينا . كان وقتها قد أصبح شخصية محترمة ومعروفة في عموم أوربّا. وكبادرة احترام، أمر نابليون بوضع حارسين خارج منزله كي يقوما على خدمته في سنّه المتقدّمة تلك.
كان هايدن معروفا بتواضعه وحسّه الأبويّ تجاه كلّ من عرفه، ولهذا كان يُكنّى "بابا هايدن". وكان من عادته أن يبدأ كلّ حفلة له بقوله "باسم الربّ". لكنه أيضا كان معروفا بحبّه للدعابة وقد نقل ذلك الإحساس إلى العديد من مؤلّفاته.
المعروف أن هايدن عانى طوال حياته من التهاب الجيوب الأنفية، وكان هذا وضعا غير مريح له وأدّى إلى إصابته باعوجاج في عظمة أنفه.
واعترافا بما تركه من إرث موسيقيّ عظيم، أُطلق اسمه على كويكب سيّار يقع بين المرّيخ والمشتري اكتشفه العلماء عام 1973.

Credits
classicfm.com

Saturday, October 14, 2017

الروميّ بعيون أمريكية


  • سلام على أولئك الذين رأوا جدار روحك يوشك أن ينقضّ، فأقاموه ولم يفكّروا في أن يتّخذوا عليه أجرا.
    - الروميّ

    أصبح محمّد بن جلال الدين البلخيّ، المعروف بالروميّ، الشاعر الأكثر انتشارا والأفضل مبيعا في الولايات المتحدة اعتبارا من عقد التسعينات.
    والأقوال المنسوبة إليه تتردّد يوميّا على شبكات التواصل الاجتماعيّ بوصفها أفكارا محفّزة وإضاءات على طريق الرحلة الروحية..
  • إستمع إلى صوت الناي كيف يبثّ آلام الحنين. يقول مذ قُطعتُ من الغاب وأنا احنّ إلى أصلي.
  • لا تجزع من جرحك، وإلا فكيف للنور أن يتسلّل إلى باطنك.
  • وضع الله أمامنا سلّما علينا أن نصعده درجة درجة. لديك قدمان فلمَ التظاهر بالعرج؟!
  • بالأمس كنت ذكيّا فأردت أن أغيّر العالم. واليوم أنا حكيم ولذلك سأغيّر نفسي.
  • قد تجد الحبّ في كلّ الأديان. لكنّ الحبّ نفسه لا دين له.
  • ما تبحث عنه يبحث عنك.
  • دع الماء يسكن، وسترى نجوما وقمرا ينعكس في كيانك.
  • مهمتّك ليست البحث عن الحبّ، بل البحث بداخلك عن تلك الجدران والحواجز التي تبقيه بعيدا عن روحك.
  • هذه الحياة اقصر من شهقة وزفيرها، فلا تغرس بها سوى بذور المحبّة.
  • لكَمْ تمنّيت أن أشدو حرّا مثل هذه الطيور، غير مبالٍ بكيفية تلقّي الناس لما أقول ولا بأيّ نغم أصوغه.
  • أينما كان النور فأنا الشغوف، وأينما كانت الزهرة فأنا الفراشة، وأينما كان الجمال فأنا العاشق، وأينما كانت الحكمة فهي ضالّتي.
  • ❉ ❉ ❉

    إن كنت قرأت الرومي في الولايات المتّحدة بترجمة انجليزية، فأغلب الظنّ أن ما قرأته كان بترجمة كولمان باركس. وباركس شاعر وأستاذ جامعيّ من تينيسّي، كما انه يزاول التدريس في جامعة جورجيا.
    والواقع أن معظم مترجمي الأعمال الأدبية، والشعرية خاصّة، لم يحظوا بشهرة عالمية. لكن باركس لمع نجمه في العديد من المناسبات والمنتديات الأدبية، وقام برحلة إلى أفغانستان حيث ولد الروميّ، وإلى إيران التي عاش فيها شطرا من حياته. وقد مُنح باركس درجة دكتوراة فخرية من جامعة طهران تقديرا له على الثلاثين عاما التي قضاها في الاشتغال على ترجمة أشعار الروميّ.
    الجاذبية الكبيرة للروميّ في الولايات المتحدة يمكن أن تُعزى إلى ترجمات باركس بالذات. وقد بيع أكثر من نصف مليون نسخة من كتبه، بينما من النادر أن يباع أكثر من عشرة آلاف نسخة من أيّ كتاب للشعر سواءً كان أصليّا أو مترجما.
    بدأ كولمان باركس ترجمته للروميّ عام 1976، عندما سلّمه معلّمه الشاعر والمترجم روبرت بلاي نسخة من ترجمة للروميّ أعدّها أ. اربري قائلا له: هذه القصائد بحاجة إلى من يحرّرها من أقفاصها". وكان يقصد أن تلك الأشعار المترجمة ذات صبغة أكاديمية جافّة، وهي بحاجة إلى من يعيد تكييفها بحيث تصبح مفهومة كي تروق للذوق الشعبيّ العام.


    قبل ذلك لم يكن باركس قد سمع باسم الروميّ، أي أن قصّته مع الشاعر بدأت خلال لقاء بالصدفة. ويقول انه عندما بدأ ترجمته للروميّ رأى في الحلم معلّما صوفيّا اخبره بأن يستمرّ في عمله.
    وبعد سنتين على بدء عمله قُدّم إلى المعلّم الذي كان قد رآه في الحلم. ولم يكن ذلك المعلّم سوى باوا محيي الدين، وهو صوفيّ سريلانكي يعيش ويدرّس في فيلادلفيا. وينسب باركس فهمه للصوفية وعشقه لشعر الروميّ لهذا الرجل، حيث كان يزوره أربع أو خمس مرّات في العام إلى حين وفاة محيي الدين في عام 1986.
    والبعض يشبّه علاقة باركس بمحيي الدين بعلاقة الروميّ وشمس التبريزي التي كانت علاقة غامضة بين أستاذ وطالب أو بين عاشق ومعشوق أو بين عارف ومُريد.
    والمعروف أن الروميّ لم يبدأ حياته كمتصوّف، وإنّما كشاعر. وهو يوصف عادةً كداعية وعالم مسلم، تماما كما كان والده وجدّه. لكن في سنّ السابعة والثلاثين، قابل شمس الذي ربطته به علاقة صداقة متينة لثلاث سنوات.
    وبعد وفاة شمس التبريزي، مقتولا على الأرجح، بدأ الروميّ كتابة الشعر. ومعظم شعره الذي بين أيدينا اليوم نظمه ما بين سنّ السابعة والثلاثين والسابعة والستّين. وقد كتب معظم قصائده إلى الرسول الكريم وإلى شمس نفسه. وديوانه "المثنوي" ما يزال يُتلى ويُغنّى ويُستخدم كمصدر للإلهام في الروايات والأشعار والأفلام والموسيقى.
    يقول باركس إن ترجماته لأشعار الروميّ تجتذب الجمهور الحديث لأنها تقرّبهم من روح الرومي. غير أن منتقديه يتساءلون: هل هي روح الروميّ فعلا أم روح باركس التي ترى في أشعار الروميّ نوعا من الروحانية الحديثة؟
    وبنظر هؤلاء، فإن باركس اغرق السوق بـ "روميّ" مختلف أصبح يرمز إلى شخص لا يلتزم بأيّ تراث خاصّ ويبحث عن الحبّ قبل بحثه عن الإيمان. وهذه السّمة مألوفة كثيرا في الأدب الأمريكيّ خاصّة.
    ويبدو أن ترجماته المعدّلة لأشعار الرومي صُنعت كي تناسب أذواق الجمهور الواسع والباحث عن حلول روحية سريعة. والنتيجة، كما يقول منتقدوه، ظهور شاعر من العصر الجديد متخفّف من إسلام القرن الثالث عشر ومن أفكار وصور العصر الذهبيّ للشعر الفارسيّ الكلاسيكيّ.
    غير أن ما يترجمه، برأي البعض، ليس الروميّ. وهو لا "يفبرك" الترجمات كما هو شأن العديد من المترجمين الشعبيين الذين يستلهمون أعمال شعراء فارس الكلاسيكيين كالخيّام وحافظ. فترجمات باركس يمكن تصنيفها على أنها ترجمات ثانوية، أي أنها إعادة تصوير لترجمات أوّلية عن النصوص الأصلية.
    ولهذا السبب، يقول باركس أن ترجمته للروميّ اقلّ أكاديميةً وأكثر عاطفية. وهو بهذا، كما يقول منتقدوه، يحرّر نفسه من قيود النصّ الأصليّ، بينما يسمح لنفسه بالاستفادة مادّيّا من اسم الروميّ.
    لي شميت مؤلّف كتاب "أرواح حائرة" الذي يناقش فيه الروحانية في أمريكا يضع باركس في سياق سرديّ يتضمّن البروتستانتية وشعراء التسامي الأمريكيين أمثال ويتمان وثورو وإيمرسون.
    وشميت يعلّل شعبية ترجمات باركس للروميّ بالقول أنها تتماهى مع أفكار أيّ شاعر من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين أكثر من كونها تعبيرا حقيقيا عن أفكار الروميّ الأصلية.
    ترجمات باركس تقدّم حلولا للجوع الروحيّ في أمريكا، لأنها تجرّد شعر الروميّ من تعقيداته. لكن هذا لم يكن بلا ثمن. فأحد النقّاد كتب مؤخّرا يقول إن ترجمات باركس كانت مشوّهة، إذ انه أزال المفردات الغريبة من النصّ الأصليّ وحوّل مولانا، أي الروميّ، إلى شخص آخر مختلف.
    وقيل أيضا أن باركس فعل مثل الكثير من الشعراء الذين تعمّدوا تبسيط ترجماتهم كي يفهمها الناس العاديّون، بدلا من أن يبحثوا عن جوهر شعريّ عالميّ. والنتيجة انه قلّص النَفَس الشعريّ المميّز للروميّ بتحويل شعره إلى معالجات روحية مألوفة ومتفائلة وجاهزة.
    لكن بصرف النظر عما يقال، فإنه بفضل باركس أصبح الروميّ الشاعر المفضّل والأكثر شعبية عند الأمريكيين. وفي وسائل الإعلام يعتبره الكثيرون الرجل الذي قدّم الروميّ إلى الغرب.

    Credits
    colemanbarks.com
    openculture.com

    Monday, October 09, 2017

    لعبة المرايا

    أعظم رسّامَي بورتريه في تاريخ الرسم لم يكن أيّ منهما يعرف عن وجود الآخر، رغم أنهما عاشا في عصر واحد. الأوّل رمبراندت (1599-1660) والثاني دييغو فيلاسكيز (1606-1669).
    والسبب في أنهما يتصدّران قائمة رسّامي البورتريه في العالم هو أن أيّ وجه رسماه لم يُكتب له الخلود فحسب، وإنّما أيضا اكتسب سمة ميتافيزيقية وغامضة. ثمّة جاذبية فلسفية واضحة في طريقة رمبراندت وفيلاسكيز في النظر إلى البشر. ومع ذلك فإنهما - كرسّامَين - مختلفان.
    رمبراندت في بورتريهاته التي رسمها لنفسه ينظر إليك بمعرفة عميقة للحياة. أما شخوص فيلاسكيز فينظرون بطريقة تخاطب المشاعر، لكنها لا توصل أيّ حكمة. ورمبراندت يؤكّد على الكرامة الإنسانية، أما فيلاسكيز فغير متأكّد. لكنه ينظر بعين محايدة ومتحرّرة من المجاملة والفانتازيا، وهي صفة طالما امتدحه عليها الايطاليون.
    اطلب من أيّ فنّان أو فيلسوف أو شاعر اليوم أن يسمّي لك أعظم لوحة في العالم، والأرجح انه سيقول لك أنها وصيفات الشرف ، أكثر من عشاء ليوناردو الأخير وليلة فان غوخ المرصّعة بالنجوم ومدرسة أثينا لرافائيل.
    ولو ذهبت إلى مدريد وزرت متحف برادو، فستلاحظ وجود غرفة عالية مثمّنة الأضلاع في وسط المتحف حيث تُعلّق الوصيفات. والزوّار يمرّون جيئة وذهابا من أمام اللوحة متأمّلين ودارسين.
    الثقافة المعاصرة تمجّد هذه الصورة كثيرا، لأنها تجد فيها مرآة للوعي الحديث بالذات أكثر من كونها أيقونة فتنت أجيالا عديدة متعاقبة.
    وصيفات الشرف لوحة ضخمة بما يكفي لأن تنافس الحياة. وهي تطلب منك أن تتأمّلها في فراغ ثلاثيّ الأبعاد. وهي تفعل هذا بخلق اتصال متوهّم بين الغرفة التي أنت فيها والغرفة التي في الصورة نفسها، كما لو انك تنظر إلى الوراء عبر الزمن؛ إلى داخل الغرفة الطويلة في قصر الكازار الاسبانيّ حيث نصب الرسّام عدّة الرسم قبل أكثر من ثلاثة قرون، وحيث ينظر إليك من زاوية في يسار اللوحة.
    غير أن فيلاسكيز لا يكتفي بدعوتك للدخول في الصورة، وإنّما يعتبرك أيضا شخصية خاصّة في مسرحية. المرايا والتأثيرات البصرية تلعب دورا مهمّا في معظم لوحات فيلاسكيز المشهورة.
    في فينوس أمام المرآة مثلا، تنظر ربّة الجمال إلى وجهها في مرآة، لكن انعكاسها المعتم لا يكشف شيئا عن مشاعرها.
    وفي أسطورة اراكني المستمدّة من تحوّلات اوفيد، يظهر مِغزل يدور بسرعة فائقة لدرجة انك يمكن أن ترى من خلاله ما وراءه. الطريقة التي يُمسك بها فيلاسكيز بالتأثير البصريّ هي بلا شكّ لعبته المفضّلة في فنّ الرسم.
    لقد رسم رمبراندت نفسه مرارا وتكرارا. لكن صورة فيلاسكيز الوحيدة هي هنا في تحفته "الوصيفات" الغامضة والمثيرة، والتي رسمها قبل أربع سنوات فقط من وفاته.
    فيلاسكيز في غرفة العائلة في القصر يعمل أمام القماش بصحبة ابنة الملك وحاشيتها. وأوّل شيء يمكن ملاحظته هو أن الجميع متجمّدون، واهتمامهم مركّز على وجودٍ ما خارج الإطار. نظرة الذين يعرفون عن ذلك الحضور هي باتجاهنا، أي باتجاه الملك والملكة المنعكسة صورتهما على الجدار الخلفيّ.


    أنت الملك، وأنت تقف بصبر من اجل أن يرسمك فنّان القصر الذي ينظر إليك من وراء رقعة الرسم. هذه هي الوضعية التي يتعامل بها فيلاسكيز مع الناظر إلى اللوحة. البورتريه الضخم لا يصوّر فحسب ملك وملكة اسبانيا اللذين لا يظهر منهما غير انعكاس صورتهما في المرآة، وإنّما يصوّر أيضا مشاعر التوتّر والقلق الذي تنطق به عيون الملك والملكة وبقية الجلساء في الغرفة. وفيلاسكيز بمعنى ما يرينا العالم من خلال عيني ملك.
    في اللوحة، الوصيفات اللاتي يرتدين ثياب خادمات، يقمن على رعاية الفتاة الصغيرة انفانتا مارغريتا ابنة الملك الصغرى التي ترتدي ملابس نفيسة حتى وهي تلعب أمام والديها. لكنها تنظر إليهما بقلق، بينما يباشر اثنان من أقزام البلاط مهمّة الترفيه عنها.
    انه عالم صغير، بارد وخطير. ولا احد في اللوحة يبدو في حالة استرخاء باستثناء المرأة التي تركل الكلب بقدمها.
    المشهد لا يخلو من طابع مسرحيّ. فالجميع يرتدون ملابسهم الرسمية، وسلوكهم يبدو في غاية النظام والانضباط. لكن عند الباب في الخلفية يظهر رجل. انه يحمل الأخبار المستجدّة عن إمبراطورية اسبانيا الشاسعة والموشكة على الأفول عندما كان فيلاسكيز يرسم لوحته.
    الملك الاسبانيّ فيليب الرابع كان من المفترض أن يكون سعيدا بهذا البورتريه العبقريّ والمفاهيميّ المبتكر. أما فيلاسكيز فقد أمطرت عليه السماء أوسمة ومكافآت من كلّ صوب.
    غير أن هذه اللوحة تجرح نسيج الواقع ووهم الهويّة من خلال لعبة المرايا التي وظّفها الرسّام ببراعة. هل الملوك والملكات يوجدون فقط في أعين الآخرين؟ وإذا كان هذا يصدق على الملوك، فمن نكون نحن؟ أنت وأنا والآخرون؟!
    فيلاسكيز ينظر إلينا من اللوحة بأدب وانضباط وبكثير من الصرامة. ذات مرّة، كتب الناقد الفرنسيّ ميشيل فوكو دراسة عن هذه اللوحة قال فيها إن النظرة الفولاذية للرسّام تحيل كلّ شيء آخر في الصورة إلى خواء.
    ترى ألم يلاحظ فيليب كيف شُوّهت ملامحه؟ صورته المنعكسة مع الملكة في المرآة الخلفية تبدو متلاشية وشبحيّة. لقد كان فيلاسكيز ببساطة يمسك بمرآة ليعكس من خلالها أوقاتا عصيبة. فقد كانت اسبانيا آنذاك تمرّ بحالة انهيار في كلّ شيء، وكان فيليب يدرك هذا جيّدا.
    هل يكون هذا هو السبب في أن الملك أمر بأن توضع اللوحة في غرفته الخاصّة وبعيدا عن الأنظار؟ المملكة التي كان فيليب يحكم أراضيها من بيرو إلى هولندا كانت تتضعضع شيئا فشيئا مع انعدام الأمن وتفشّي الفقر واندلاع الثورات في أطرافها. وربّما هذا هو السبب في أن وجه الملك يبدو حزينا مكفهرّا.
    إنها حقيقة مذهلة عن عالم كلّ شيء فيه له وجهان، وكلّ حقيقة هي في نفس الوقت كذبة، وكلّ مرآة هي تذكير قاسٍ بتقلّبات الزمن.
    عاش فيلاسكيز قريبا من الأحزان والمفارقات في القصر. وكثيرا ما تكون لوحات الرسّامين العظام شهادات على الواقع وعلى الخرائط السياسية الضائعة أو المتغيّرة. وهنا في هذه اللوحة، تتجمّع أشباح أسرة هابسبيرغ الملكية من وراء قارّة كاملة.
    إننا كثيرا ما نجد أشياء تجذبنا في بعض الرسّامين وفي لوحاتهم. والأكيد أن الوقت الذي نقضيه بصحبة دييغو فيلاسكيز ليس بالوقت الضائع أبدا.

    Credits
    diegovelazquez.org
    velazquezlasmeninas.com

    Friday, October 06, 2017

    السُّلطانة قُسم


    المسلسلات التركية التي تتحدّث عن حكم السلاطين العثمانيين وعن نفوذ الحريم ودورهنّ في السياسة وفي صنع الحكّام ترسم صورة عن فخامة الحياة وأبّهتها في قصور العثمانيين.
    لكن هذه المسلسلات أيضا تخلق انطباعا عامّا بأن الحكّام العثمانيين كانوا في حالة صراع دائم لحماية أنفسهم وأطفالهم من القتل على أيدي أعضاء منافسين في الأسرة يحاولون انتزاع العرش.
    ونماذج الحريم أو النساء كما تقدّمها هذه المسلسلات توحي بأن الإمبراطورية العثمانية ارتبطت بالقوّة والغلبة والبطش أكثر من ارتباطها بالفخامة والمباهاة والترف.
    بعد النجاح الكبير الذي حقّقه مسلسل "حريم السلطان" في جزئه الأوّل، توقّع الناس جزءا ثانيا منه. وكان الجزء الأوّل يتمحور حول حياة السلطانة هيام إحدى حريم السلطان العثمانيّ سليمان القانونيّ.
    ولأن هيام أصبحت أوّل جارية تتحوّل إلى زوجة رسمية لسلطان عثمانيّ، فقد دشّنت بنفوذها وسطوتها عهدا جديدا في الإمبراطورية سُمّي بعهد السلطانات. وفي الجزء الثاني من المسلسل، تستمرّ حكايات الجواري والثورات والإثارة والرومانسية والحروب من القرن السابع عشر.
    وخليفة هيام التي تظهر الآن على الشاشة هي السلطانة "قُسم" التي كانت إحدى أقوى النساء في التاريخ العثمانيّ. وقد عاشت في عصر اتّسم بعدم الاستقرار والثورات المستمرّة.
    ومثل هيام، لا يُعرف الكثير عن حياة "قُسم" المبكّرة. لكن يقال أنها ولدت في مكان ما من أوربّا الشرقية. ومعظم المؤرّخين يرجّحون أنها من أصول يونانية أو شركسية.
    بعد موت والدها، أتت الفتاة الشابّة، وكان اسمها آنذاك انستازيا، إلى قصر الحاكم العثمانيّ للبوسنة كجارية. وعندما رأى الحاكم جمالها وذكاءها اشتراها ثم أرسلها إلى رئيس الحريم في قصر طوب كابي في اسطنبول.
    وقد جرت العادة على أن كلّ امرأة تأتي حديثا إلى قصر الحريم يجب أن تُمنح اسما جديدا، وهو تقليد مستمدّ على ما يبدو من بلاد فارس. لذا فإن انستازيا أصبحت تُسمّى ماهبيكار، أي وجه القمر.
    لكن السلطان احمد الأوّل خلع عليها اسم ""قُسم"" بعد أن لمس صفاتها القيادية ومقدرتها على توجيه النساء الأخريات في الحريم. و"قُسم" تعني العنزة التي تقود القطيع. وصفات القيادة هذه كانت مفيدة جدّا في السنوات التي ستلي ذلك.
    كان السلطان احمد قد ارتقى العرش وهو طفل، وترك لامّه السلطانة هوندان مهمّة إدارة شئون البلاد فعليّا. وكانت أمّه أيضا هي من تختار النساء اللاتي يُقدّمن إلى السلطان للتسرية عنه. و"قُسم" كانت من بين المحظيات. ولم تلبث أن حملت منه بولد هو شاهزاد محمّد. وبذا صعدت "قُسم" من كونها مجرّد محظية بسيطة لتنال لقب "هاسيكي" الذي يعني أمّاً لأمير يمكن أن يصبح السلطان القادم.
    وعلى العكس من علاقة سليمان مع هيام، لم يكن هناك ما يؤكّد أن "قُسم" وأحمد متزوّجان رسميّا. وسواءً كانت زوجة أو محظية، فإنها في السنوات التالية حملت له بخمسة أبناء وخمس بنات.


    وقد أصبح اثنان من الأبناء سلطانين على الإمبراطورية، بينما أدّت المناورات السياسية في الحريم ومؤامرات القصر إلى موت الأبناء الثلاثة الآخرين في سنّ مبكّرة.
    وقد قُتل ابن "قُسم" إبراهيم الأوّل أيضا وهو على العرش، تاركا ابنا واحدا هو مراد الرابع الذي مات ميتة طبيعية.
    ومثلما فعلت والدة احمد الأوّل عندما كان طفلا، تولّت "قُسم" مسئوليات إدارة الدولة عندما تسلّم ولداها الصغيران دفّة الحكم. كانت تلعب دور السلطان في اجتماعات الوزراء في قصر طوب كابي وتستمع إلى المداولات من وراء حاجز مذهّب. وقد توفّي ولدها مراد الرابع وهو في سنّ السابعة والعشرين، تاركا العرش لأخيه الأصغر إبراهيم.
    وكان إبراهيم قد قضى حياته قبل ذلك سجينا في قسم الحريم في ما يُعرف بـ "القفص"، وهو عبارة عن مكان كان يوضع فيه الأمراء الصغار إلى أن يصعدوا إلى العرش.
    وعندما تولّى إبراهيم الحكم كان قد شهد مقتل شقيقيه قاسم وسليمان على يد أخيهم الأكبر مراد. الحياة في القفص كان لها تأثيرات سلبية على الصحّة العقلية لبعض الأمراء. فقد عاش إبراهيم في حالة خوف دائم من الاغتيال وهو ما أفضى به إلى حالة من الجنون.
    وحدث أن استُدعي احد طاردي الجان كي يشفيه من مرضه، لكن تلك الخطوة لم تؤدّ سوى إلى ازدياد تمسّكه بالسلطة واستبداده. وكانت القشّة الأخيرة عندما قرّر فرض المزيد من الإتاوات على الناس كي يشتري له يختاً مطعّما بالذهب. وعندها قرّر الأعيان ورجال البلاط الإطاحة بإبراهيم ثم إعدامه بموافقة من والدته "قُسم" نفسها.
    ظروف موت "قُسم" غير معروفة، لكن يبدو أنها ذهبت ضحية جريمة قتل دُبّرت في جناح الحريم على يد ابنتها تُوران ضمن لعبة الصراع على السلطة. وقد ماتت بنفس الطريقة التي تخلّصت بها هي من أعدائها الكثيرين. كان مشهد مصرعها داميا، فقد قُتلت بعنف ومُزّق جسدها إلى أشلاء على يد جنود من الانكشارية.
    كانت "قُسم" امرأة قويّة الإرادة، وقد واجهت جزّاريها بشجاعة رغم مرضها وتقدّمها في العمر. ورغم انخراطها كليّاً في السياسة، إلا أنها كانت معروفة بأعمالها الخيرية في كافة أنحاء الإمبراطورية. وأكبر صرح شيّدته كان المسجد المبلّط في اوسكوندار والمبنيّ عام 1638. وسبب تسمية المسجد بهذا الاسم يعود إلى العدد الضخم من بلاط الإزنك الثمين الذي يزيّنه من الداخل.
    كان ذلك النوع من السيراميك الزينة التقليدية للمباني المهمّة مثل طوب كابي وجامع السلطان محمود. وفي ما بعد أضيف إلى مسجد السلطانة مدرسة ونافورة. أما قبرها فيقع إلى جوار ضريح زوجها السلطان احمد الأوّل في المقبرة الملحقة بمسجده.
    بعد مقتل السلطانة "قُسم"، قرّر الباشاوات المتنفّذون في القصر أن يضعوا حدّا لتولّي النساء أمور الحكم في الإمبراطورية العثمانية. وكانت تلك نهاية لفترة هيمنت خلالها حريم السلطان على مقاليد الأمور في طوب كابي، بدءا من السلطانة هيام التي حكمت الإمبراطورية اعتبارا من منتصف القرن السادس عشر.

    Credits
    ancient-origins.net

    Sunday, October 01, 2017

    موسيقى الماء

    عندما سمعت هذه الموسيقى لأوّل مرّة، لم أكن اعرف شيئا عن خلفيّتها ولا عن مناسبتها. لكني تخيّلت منظرا لبحر وسفن حربية وتمرينات وربّما ألعاب نارية.
    هذه هي بعض عناصر الصورة المشهدية كما تعكسها أجواء موسيقى الماء لجورج فريدريك هاندل. موسيقى فخمة واحتفالية بامتياز. وما يؤكّد هذه الصفة، بشكل خاصّ، هو غلبة الآلات النفخية على نسيجها الأوركستراليّ.
    حتى إن كنت مثلي لا تستسيغ سماع أصوات هذه الآلات الحادّة في كلّ حين، إلا انك ستقدّر عاليا براعة المؤلّف في اختيار كيف ومتى تدخل كلّ آلة ومتى تتوقّف.
    موسيقى الماء يمكن أن توحي بانتصار عسكريّ، كما أنها تصلح لأن تكون نشيدا وطنيّا لبلد ما. لذا لم استغرب عندما لاحظت أن محطّة البي بي سي اختارت هذه الموسيقى بالذّات كإعلان عن بدء بثّ برامجها كلّ يوم.
    لكن، أوّلا، ما هي قصّة ظهور هذه الموسيقى؟
    في عام 1717، طلب الملك الانجليزيّ جورج الأوّل من الموسيقيّ جورج فريدريك هاندل أن يؤلّف قطعة موسيقية كي تُعزف على متن يخت الملك الذي سينقله هو وضيوفه من قصر الوايتهول في رحلة عبر نهر التيمز تنتهي عند تشيلسي.
    كان عمر هاندل وقتها لا يتجاوز الثانية والثلاثين. وقد شرع في تنفيذ تلك المهمّة على الفور وأنجزها قبل الموعد المضروب بأسابيع. وقد أسمى عمله "موسيقى الماء" لسببين: الأوّل أنه كُتب ليُعزف فوق الماء. والثاني: أن أنغام العمل تحاكي في ارتفاعها وانخفاضها حركة الماء.
    في اليوم المحدّد، أخذ هاندل مع أفراد الفرقة الموسيقية أماكنهم على متن قارب مجاور ليخت الملك. وكان النهر ممتلئا بالقوارب التي جاء أصحابها ليستمعوا إلى الموسيقى.
    وقد سُرّ الملك جورج الأوّل كثيرا بهذه الموسيقى لدرجة انه طلب من الفرقة أن تعيد عزفها أربع مرّات في ذلك اليوم. واستمرّ العزف إلى ما بعد منتصف ليل ذلك اليوم، ما شكّل إرهاقا كبيرا للعازفين.
    وقد حدث بعد ذلك أن تحوّلت هذه القطعة إلى واحدة من أشهر الأعمال الموسيقية الكلاسيكية في جميع العصور.
    ويقال أن الملك كان قبل ذلك غاضبا على هاندل لسبب ما. وكان تأليف الأخير لهذه الموسيقى وسيلة لاسترضاء الملك وتطييب خاطره.
    الأصل الألمانيّ للملك ولهاندل كان من العوامل التي قرّبت بين الرجلين. وقد أصبحا من أهمّ الشخصيّات التي عرفتها انجلترا. وظلّ هاندل إلى اليوم الموسيقيّ المفضّل لدى الانجليز عموما. أما جورج الأوّل فقد نجح في تأسيس سلالة ملكية ما تزال تحكم انجلترا إلى اليوم في شخص حفيدة حفيد جورج، أي الملكة الحالية اليزابيث الثانية.
    وهناك إشارات كثيرة تؤكّد أن الملك أراد أن تكون موسيقى الماء أداة دعاية سياسية له. كان بحاجة إلى عمل ما يعزّز صورته كحاكم جديد على انجلترا، بعد أن أثارت بعض قراراته وتصرّفاته جدلا واسعا بين الناس.
    في السنوات الأولى من حكمه، لم يكن جورج الأوّل يحظى بأيّة شعبية تُذكر، لافتقاره إلى أيّ قدر من الذكاء أو الكاريزما. وكان معارضوه يدعمون ابنه الأكبر جورج الثاني الذي سيصبح ملكا في ما بعد.
    وقد أشار عليه مستشاروه بأن ينظّم حدثا ملكيّا فخما يلفت إليه الأنظار ويثير إعجاب سكّان لندن، وفي نفس الوقت يسرق الأضواء من ابنه الساخط عليه والذي رفض حضور العرض الموسيقيّ.


    اختار هاندل لموسيقى الماء شكل "السويت" الذي يعني بالعربية فاصل أو وصلة أو متوالية موسيقية، وفي لغة الموسيقى الكلاسيكية مجموعة من الحركات الموسيقية المتتالية التي يربط بينها وحدة الفكرة والنغم.
    وأصل هذا النوع من الموسيقى يعود إلى القرن الرابع عشر، وبلغ أوج ازدهاره خلال عصر الباروك، وبرع فيه موسيقيّون كثر من أشهرهم باخ وهاندل وآخرون.
    وموسيقى الماء هي أيضا عبارة عن قطع صغيرة مؤلّفة لأوركسترا مصغرّة لا يتجاوز عدد أفرادها الخمسين عازفا. وكتبها هاندل لآلات الفلوت والباسون والكمان والبوق والترومبيت والاوبوا. أي انه استخدم للموسيقى جميع الآلات الموسيقية المعروفة في عصر الباروك، باستثناء الهاربسيكورد والتيمباني لأنه كان من المستحيل جلبهما فوق القارب.
    يتألّف سويت موسيقى الماء من ثلاث حركات رئيسية يتفرّع عنها واحد وعشرون لحنا وتتضمّن مجموعة من المينويتات والأنغام الراقصة.
    وفي تلك الرحلة النهرية، عُزفت بعض أجزائها فقط، لكنها لم تُطبع كمجموعة كاملة إلا بعد وفاة هاندل بسنوات.
    وبعد ثلاثين عاما، أي في 1749، سيؤلّف هاندل موسيقاه المشهورة الأخرى الألعاب الناريّة في عهد الملك جورج الثاني. وكثيرا ما تظهر هاتان المقطوعتان معا في التسجيلات كمجموعة واحدة.
    المعروف أن هاندل ولد في هالي بألمانيا في فبراير عام 1685 وتوفّي في لندن في ابريل 1759. وقد عاش في البداية أربع سنوات في ايطاليا حيث عمل هناك وألّف بعض الأعمال الاوبرالية والموسيقى الدينية.
    وفي سنّ الخامسة والعشرين، ذهب إلى لندن باحثا عن وظيفة. وكان جورج الأوّل قد سمع بعض موسيقاه، فاستدعاه وعيّنه مديرا للموسيقى في القصر، ثم لم يلبث أن أصبح الموسيقيّ الرسميّ للبلاط.
    صحيح أن موسيقى الماء عند ظهورها وُظّفت كأداة للدعاية السياسية. لكن كان هناك سبب آخر في نجاحها الفوريّ وفي شهرتها المستمرّة إلى اليوم، وهو أنها كانت تحفة موسيقية حقيقية.
    أما هاندل نفسه فقد كان معروفا بمزاجه العنيف وباعتزازه الشديد بنفسه واحتقاره لزملائه من الموسيقيين الانجليز. ومما يُروى عنه أن هدّد ذات مرّة بإلقاء سوبرانو زميلة من النافذة إن لم تنفّذ تعليماته وتفعل بالضبط ما يقوله.
    بيتهوفن وصف هاندل ذات مرّة بأنه أعظم مؤلّف موسيقيّ. وأضاف: أمام قبره لا املك إلا أن احني ركبتي وأخفض رأسي احتراما".
    واليوم وبعد مرور ثلاثمائة عام على ظهورها، ما تزال موسيقى الماء تحتفظ بجاذبيّتها وسحرها القديم. وقد أصبحت أجزاء كثيرة منها مشهورة جدّا ومألوفة كثيرا، مثل مقطع اللا هورن بايب (الفيديو فوق) والذي وُظّف كثيرا في الإعلانات والتلفزيون والراديو وفي أعمال سينمائية مثل فيلم "قوى الطبيعة" وفيلم "جمعية الشعراء الموتى" وغيرهما.

    Credits
    classicfm.com

    Thursday, September 28, 2017

    مدن في البال

    إسمها شيفشاون. ومن المستحيل أن تنطق الاسم بشكل صحيح. لكن الناس يسمّونها أحيانا وعلى سبيل الاختصار "شاون" أو المدينة الزرقاء. وهي بنظر الكثيرين أجمل مدن الريف المغربيّ بلا منازع وواحد من أكثر الأماكن فتنةً في العالم.
    وشيفشاون مختبئة في أعالي جبال الريف على مسافة نصف يوم من فاس. وكلّ شيء فيها مختلف، لدرجة أن سكّانها يتكلّمون الاسبانية وليس الفرنسية أو العربية.
    وأنت تمشي في أزقّة المدينة القديمة والمزدحمة، ستلمح رجالا مسنّين ينزلون ويصعدون درج البيوت وعلى رؤوسهم العمائم. كما ستلاحظ وجود العديد من القطط التي تقبع أمام أبواب البيوت المطليّة باللون الأزرق.
    والمدينة القديمة ليست بالكبيرة ولكنها من تلك النوعية من المدن التي تحسّ بالسعادة وأنت تذرع شوارعها وتتمشّى في أسواقها مرّة بعد مرّة دون أن تملّ.
    ويقال أن لشيفشاون تاريخا طويلا من ثقافة الحشيش. ولطالما اجتذبت المدينة الزوّار الذين يأتون باحثين عن الماريوانا الأسطورية، حتى قبل أن تقوم شركات الطيران بإدراج المدينة على جداول رحلاتها.
    وجبال الريف التي تحيط بالمدينة تشكّل مركز زراعة الكيف بالمنطقة، وهذه سمة فريدة لشيفشاون التي يتعايش فيها الإسلام والثقافات البوهيمية جنبا إلى جنب. لذا لا تندهش إذا سمعت نداء الصلاة ينطلق من المسجد، بينما يتصاعد من مكان مجاور دخان لفائف الحشيش المحترقة.
    وفي الصباح الباكر لا بدّ وأن يلفت انتباهك منظر الأفران التي توزّع الخبز الساخن على الأهالي، بينما تهبط النساء من المزارع الجبلية القريبة ليبعنَ حليب الماعز في أسواق المدينة.
    وعندما تستدير قليلا يمكنك رؤية المسجد الاسبانيّ ذي الألوان البيضاء السّاطعة فوق تلّة في شرق المدينة. وقد بنى الأسبان هذا المسجد عندما قدموا إلى شيفشاون في عشرينات القرن الماضي.
    وبيوت المدينة كلّها زرقاء في كلّ الاتجاهات ومن مختلف الظلال والتدرّجات. هناك ازرق خفيف وأزرق داكن وأزرق مشتعل وأزرق مملّ. أزرق في كلّ مكان.
    وبينما تتأمّل ألوان البيوت، ستشعر وكأنك في عالم سحريّ متجمّد أو كما لو انك مستغرق في حلم يقظة. ومع اختلاف الضوء في كلّ ساعة من ساعات النهار، يتغيّر لمعان الأزرق وترى الأزقّة من جديد بظلال مختلفة من هذا اللون الذي يحيل كلّ شيء إلى حالة من النقاء والشفافية.


    ومن هذه الناحية، تُعتبر شيفشاون مختلفة كثيرا عن العديد من مدن المغرب الأكبر مثل مرّاكش وفاس وغيرهما. فبيئتها الملوّنة وتلالها الخضراء لا تشبه الألوان البرتقالية والبنّيّة التي تميّز معظم طبيعة المغرب.
    والمدينة محاطة بطبيعة جبلية يمكن أن يستغرق المشي فيها يوما أو أكثر. كما أن هناك دروبا في الجبال تخترق حقول الماريوانا، وهذا سبب آخر في أن السيّاح يفضّلون القدوم إلى شيفشاون والإقامة فيها أشهرا طويلة.
    وقلّة المناظر في هذه المدينة هي جزء من سحرها. ومن السهل أن تقضي يوما في التجوال وتنظر إلى الأزرق من زوايا جديدة فوق الدرج وتحته وعلى طول الشوارع وعبر الممرّات الصغيرة.
    والسماء الزرقاء مغطّاة غالبا بغلالة من السحب الرمادية الثقيلة. يقول زائر معلّقا: هناك الكثير من الأزرق على الأرض، لذا لا حاجة للمزيد منه في السماء".
    وليست هناك أيّة إشارات عن أصل اللون الأزرق الجميل أو من أين جاء إلى هنا. لكن هناك من ينسبه إلى جماعة جاءت إلى شيفشاون في القرون الوسطى ثم فُقدت آثارها منذ زمن طويل.
    وفي الأصل تأسّست المدينة كي تكون معسكرا للاجئين المسلمين واليهود الذين طُردوا من اسبانيا في منتصف القرن الخامس عشر. وعندما بدأ هتلر باضطهاد اليهود وطردهم من ألمانيا في ثلاثينات القرن الماضي، هرب العديد منهم وانتهى بهم المطاف إلى هنا.
    وإلى ما قبل عام 1948، كانت العائلات اليهودية في شيفشاون تعيش بسلام مع جيرانها من العرب والأمازيغ، لكن معظمهم هاجروا بعد ذلك إلى فلسطين.
    ورغم تعدّد النظريات عن أصل اللون الأزرق، إلا انه يظلّ الاختيار المناسب. إذ من السهل أن تضيع في بحر من الأزرق وأن تقضي فيه ساعات طويلة وأنت فاقد لمفهوم الزمن والاتّجاه. والسكّان لا يستمتعون برمزية هذا اللون فحسب، لكنهم أيضا يقولون انه يحافظ على برودة بيوتهم ويبعد عنها الحشرات الضارّة.
    ويمكن القول أن شيفشاون نسخة أخرى من مدينة سانتوريني اليونانية، لكن من دون بحر ومع الكثير من الأشجار الخضراء التي تحيط بها. وهناك أيضا من يشبّهها بمدينة جودبور الهندية التي يغلب على مبانيها، هي أيضا، اللون الأزرق.
    المغرب بلد الألوان الرائعة، ومدنه تقترن عادة بألوان محدّدة، فمرّاكش هي المدينة الحمراء وفاس مغمورة في وهج شمس يميل ضوئها إلى الاصفرار.
    وإذا فكّرت في زيارة المغرب ضع في أولوياتك أن تزور شيفشاون، المدينة التي تغتسل في ألف ظلّ رائع من الأزرق والتي يعتبرها الكثيرون أحد أكثر الأماكن في العالم إمتاعا للعين والحواسّ.

    Credits
    lonelyplanet.com

    Saturday, September 23, 2017

    قراءة الحرب والسّلام

    ربّما تكون قد قرأت رواية "الحرب والسلام" لـ ليو تولستوي. وإن لم تكن قد قرأتها من قبل وتنوي الآن قراءتها، فلا شكّ أن قرارك صائب وفي مكانه.
    لكن ثمّة احتمال بأن تجد من لا يغبطك على اختيارك لهذه الرواية، على أساس أنها طويلة جدّا وفي نفس الوقت صعبة إلى حدّ ما. بالإضافة إلى أنها تتضمّن عددا كبيرا من الشخصيات، ومن المستحيل أن تتذكّر جميع أسمائهم. بل قد تجد من يقول لك إن قراءة تولستوي عموما تجلب الإحباط والملل.
    لكن يمكن الردّ على هؤلاء بأنهم يفوّتون على أنفسهم قراءة احد أفضل الكتب التي اُلّفت على مرّ العصور. وليس صدفة أن كتّابا كبارا مثل بروست وفوكنر ونابوكوف وغيرهم اعتبروا تولستوي كاتبهم المفضّل.
    "الحرب والسلام" نصّ أدبيّ مميّز. صحيح أن قراءة كتاب من أكثر من ألف صفحة تتطلّب جهدا ووقتا. لكن عندما تبدأ في قراءتها ستشعر انك أصبحت مشدودا إلى أحداثها ابتداءً من الصفحات الأولى. وإن كنت قارئا مثابرا، فقد لا تحتاج لأكثر من عشرة أيّام لإكمالها. والمهمّ أن تدوّن أسماء الشخصيّات منذ البداية كي لا تتوه في زحامها.
    لكن لماذا "الحرب والسلام" رواية مهمّة وممتعة في الوقت نفسه؟
    أوّلا: أسلوب تولستوي رائع ومشوّق. وأوصافه للطبيعة والأشخاص والبيوت ليست مجرّد أوصاف ولا حتى مجرّد رموز، بل يمكن أن تكون محطّات في رحلة، أو أعباءً ينبغي التخفّف منها، أو عقبات يتعيّن إزالتها، أو دروسا ينبغي تعلّمها.. وهكذا.
    كما أن تصويره للشخصيات وعلاقاتها البينية جذّاب ومدهش. وكلّ شخصية من شخصيّاته لها حياتها المستقلّة وفضاؤها الخاصّ، وليست مجرّد دمية بيد الكاتب يوجّهها حيث يشاء. والشخصيّات تتوازى وتتقاطع ويؤثّر كلّ منها في الآخر بطريقة منطقية ومقنعة.
    وتولستوي يتحدّث بحرّية، مع حسّ تنبّؤي واستشرافيّ. كما انه يعطي القارئ معلومات أكثر ممّا يطلب، لكنه بنفس الوقت يترك له مجالا لإعمال مخيّلته.
    ثانيا: قصص الحبّ في هذه الرواية جميلة وملهمة. بل إن أفضل القصص الحميمة بين رجال ونساء على الإطلاق ستجدها في "الحرب والسلام". وهناك أيضا التأمّلات العميقة لتولستوي في مسائل الحياة والموت والحبّ والحرب والقدَر. ويقال انه كان هناك على الدوام بداخل الكاتب صراع بين الفنّان الذي يؤمن بظرفية الحياة وبين الداعية الأخلاقيّ الذي يريد أن يعطي للحياة معنى.
    ثالثا: بعض شخصيات الرواية رائعة وتستحقّ التأمّل. مثلا شخصية بيير بيزوكوف، وهو شخص يمكن أن تتماهى معه وأن ترى في نفسك الكثير من سمات شخصيّته. تحوّلاته عظيمة، وهو يعلّمك أن الإنسان خُلق من اجل أن يكون سعيدا، وأن السعادة تكمن في داخلنا، وأن لا أحد ولا شيء في هذا العالم قادر على أن يسلب منّا سعادتنا أو شغفنا بالحياة.

    رابعا: "الحرب والسلام" تخلّد حادثة تاريخية مهمّة، وهي حرب روسيا ضدّ نابليون التي انتهت بهزيمة الأخير عام 1812م. والرواية لا تقدّم صورة وردية عن الحرب، لكنها أيضا لا تصوّرها بطريقة مرعبة. كما أنها تعلّمنا بعض الأشياء والدروس عن التاريخ. وتولستوي يصف نابليون من زوايا متعدّدة. وعليك أنت أن تستكشف السياقات التاريخية وتحكم على الأشخاص والأحداث من منظورك الخاصّ.
    خامسا: شخصيات الرواية ليست جامدة بل تتطوّر باستمرار. وستلاحظ وأنت تقرأ كيف أنها تنمو وتتغيّر بتأثير الأحداث والمشاعر والمواقف المختلفة. والكاتب يضع ببراعة كلّ التفاصيل الصغيرة في إطار الصورة الكبيرة.
    سادسا: كلّ شخصية في هذه الرواية تنتشل الأخرى من هاوية العدمية والسقوط. والسعادة تُصوّر على أنها عدوى، والأشخاص الحزانى والمكسورون يستعيدون تفاءلهم وحبّهم للحياة بفعل تعاطف الآخرين ومؤازرتهم.
    سابعا: تولستوي نفسه كان إنسانا فاتنا بحقّ. شخصيّته المركّبة والثريّة تؤهّله لأن يكون هو نفسه بطلا لرواية خيالية. وبلا شكّ كان هو احد الشخصيّات المهمة التي أسهمت في صوغ العالم كما نعرفه اليوم.
    كان تولستوي وطنيّا، لكنه لم يكن قوميّا ولا شوفينيّا. وكان يؤمن بالعبقرية المتفرّدة لكلّ ثقافة وبكرامة كلّ إنسان بصرف النظر عن خلفيّته.
    في شبابه، عاش الكاتب حياة متفلّتة، ثم خضع لمراقبة الأمن الروسيّ. وبعد ذلك أصبح داعية للاعنف والعدالة الاجتماعية. ومع انه ينتمي إلى عائلة ارستقراطية بالغة الثراء، إلا انه كان يحبّ جميع البشر بلا تمييز، وتنازل عن معظم ما يملكه هو وعائلته لصالح الفقراء والمعوزين.
    كان تولستوي دائما يبحث عن الكمال الأخلاقيّ، ودعا إلى مجانية التعليم وحرّية المرأة، كما وقف ضدّ طغيان الدولة والكنيسة وضدّ استعباد الإنسان لأخيه الإنسان.
    ثامنا: في هذه الرواية، يتعامل تولستوي مع الغزاة الفرنسيين كبشر محترمين، فلا يسخر منهم ولا يحطّ من شأنهم. صحيح انه يكره نابليون، لكنه يرسم له صورة مثيرة، بل انه يسمح لك بالنفاذ إلى عقل القائد الفرنسيّ، فتحسّ بألمه عندما يزور ميدان المعركة ويرى آلاف الجثث المكدّسة فيشعر بمدى وحشيّته.
    وتولستوي يرى انه لا توجد عظمة في غياب الخير والحقيقة. كما انه يؤمن أن عظمة الأوطان لا تنبع من القوّة، بل من التواضع والاحتفاظ ببوصلة أخلاقية سليمة حتى في أسوأ الأوقات.
    وأخيرا من أروع ما سطّره تولستوي في "الحرب والسلام" عبارته التي أصبحت مشهورة جدّا: أعلى مراتب الحكمة أن يعرف الإنسان انه لا يعرف شيئا".

    Credits
    tolstoytherapy.com

    Friday, September 15, 2017

    شروق الأرض

    قد تكون هذه الصورة أشهر صورة التُقطت حتى اليوم في تاريخ العلم. وقد حدث هذا بالصدفة في صباح يوم 24 ديسمبر 1968، عندما وجّه احد روّاد مركبة الفضاء ابوللو 8، واسمه بيل آندرز، كاميرته باتجاه جرم سماويّ ازرق ولامع كان يرتفع في أفق القمر.
    وكان الروّاد الثلاثة قد رأوا المنظر نفسه ثلاث مرّات من قبل بينما كانوا يدورون بمركبتهم حول الجزء الخلفيّ للقمر. لكنهم لم يكونوا في وضع يساعدهم على التقاط صورة لما رأوه.
    كانت تلك صورة الأرض كما تبدو من أفق القمر الذي يبعد عنّا مسافة 380 ألف كيلومتر. ولأوّل مرّة استطاع البشر رؤية كوكبهم من مسافة بعيدة وفي لمحة سريعة أشبه ما تكون بالمعجزة.
    ورغم أن نظرية كروية الأرض كانت معروفة من قبل وقال بها اليونانيون القدامى منذ فيثاغوراس، إلا أنها ظلّت ولمئات السنين مجرّد نظرية غير مثبتة. بل إنها بالنسبة للكثيرين ما تزال حتى اليوم فكرة غير قابلة للتصوّر.
    لكن في الصورة تبدو الأرض فعلا مثل كرة ساطعة في الفضاء ولا تختلف عن شكل القمر الذي نراه من على الأرض. والصورة نفسها ليست صورة شروق حقيقية، فالأرض لا تشرق ولا تغرب، لكنّها معلّقة دائما في بقعة واحدة من سماء القمر. ولا يمكن رؤيتها في حالة شروق "أو صعود" إلا عندما يكون الإنسان في حالة حركة حول القمر نفسه، كما حدث لروّاد الفضاء.
    وبحسب العلماء، فإن أبعد نقطة في الفضاء يمكن أن نرى الأرض منها بالعين المجرّدة هي الأطراف الخارجية لنظامنا الشمسيّ على بعد حوالي أربعة عشر بليون كيلومتر من الأرض. لكن بعد هذه النقطة تصبح رؤية الأرض بالعين المجرّدة متعذّرة إلا من خلال المنظار أو التلسكوب.
    وعلى الرغم من أن الأرض تبدو لنا فسيحة وواسعة بلا انتهاء، إلا أن هذه اللقطة أظهرتها فجأة كما هي فعلا: مجرّد كوكب متوسّط الحجم في نظام شمسيّ واحد وفي مجرّة واحدة تسبح في كون لا تحدّه حدود ولا يحيط بوسعه إلا من خلقه.
    المسافة من القطب الشماليّ إلى الجنوبيّ لكوكبنا قد تبدو لأيّ منّا بعيدة جدّا ومنهكة. لكنها بحساب الخطّة العظيمة للخالق عزّ وجلّ أشبه ما تكون بومضة سريعة وخاطفة في عمر الزمن.
    وصورة "شروق الأرض" وفرّت للبشر فرصة أن ينظروا إلى كوكبهم الصغير بشيء من الاهتمام وحتى الحبّ. فصورة الأرض من الفضاء تقرّب إلى الأذهان كيف أن الأرض محميّة من خطر المذنّبات والأشعّة الكونية والشمسية، بما يجعلها مكانا صالحا للسكنى. ولم يتسنَّ ذلك إلا بفضل غشاء رقيق جدّا يجهد البشر اليوم في محاولة تدميره.
    الغلاف الجوّيّ الغنّي بالأكسجين، والذي يظهر في الصورة مثل هالة غامضة، هو الذي جعل كوكبنا الجميل والغنيّ بالخضرة والوفرة مختلفا عن كوكب صحراويّ جافّ وقاحل مثل المرّيخ.
    وصورة الأرض كما تبدو من ذلك الارتفاع الكبير يمكن أن تجعلنا أكثر تراحما وكرما وأكثر صبرا مع بقيّة البشر الذين يدورون معنا في ظلام لا نهائيّ ويشاركوننا العيش في هذه النقطة الزرقاء الباهتة والضائعة في متاهة الكون.
    صورة الأرض من الفضاء لا تساعد العلماء فقط على فهم كيف يبدو عالم مأهول من مسافة بعيدة، ولكنها أيضا تذكّرنا بحقيقة باردة ومزعجة في آن: أننا نعيش على صخرة صغيرة وهشّة ضائعة في الفراغ الكونيّ اللامحدود.
    على ارض كوكبنا الآن، ثمّة أطفال يولدون، وكبار يناضلون من اجل البقاء، وآخرون يصلّون ويبتهلون من اجل الخلاص والسلام. وصورة "شروق الأرض" تذكّر البشر بالحاجة إلى مزيد من الحبّ والتسامح. وهي تستحقّ أن توضع على شاشاتنا المنزلية وأن تُثبّت في عقولنا كتذكير دائم بقوّتنا كبشر، وفي نفس الوقت بهشاشتنا وضعفنا، وأيضا بمسئوليتنا الكبيرة تجاه بعضنا البعض وتجاه هذا المكان الصغير الذي نسكنه.

    Credits
    universetoday.com

    Monday, September 11, 2017

    موزارت: رباعيّة الناي


    الرباعية هي عبارة عن فرقة موسيقية تتألّف من أربعة مغنّين أو عازفين. وقد تكون أيضا قطعة موسيقية يؤدّيها أربعة أصوات أو أربع آلات موسيقية. وعادةً الرباعية الوترية هي الأكثر أهمّيّة وشيوعا في الموسيقى الكلاسيكية، وتتألّف في الغالب من آلتي كمان وفيولا وتشيللو.
    لم يكن اماديوس موزارت عاشقا للناي "أو الفلوت" كثيرا، بل كان تركيزه الأوّل منصبّا على التأليف للأوبرا. لكن كانت لديه الثقة بالنفس والذائقة العالية كي يجرّب كتابة شيء مختلف، للفلوت هذه المرّة. وقد قال لأحد أصدقائه ذات مرّة: أريد أن أؤلّف شيئا لا اشعر بالخجل من حمله لاسمي".
    في تلك الفترة، كان موزارت عاطلا عن العمل وعلى وشك التطواف مع والدته في أرجاء أوربّا بحثا عن وظيفة. وتصادف أن اتّصل به ثريّ هولنديّ وعازف فلوت هاوٍ يُدعى فرديناند دي جين. وتقابل الاثنان في مانهايم في شتاء عام 1777.
    كان الرجل قد سمع عن موزارت ذي العشرين عاما وقتها وعن موهبته الاستثنائية من صديق مشترك كان يعمل هو أيضا عازف فلوت في اوركسترا مانهايم.
    وقد كلّف دي جين موزارت بأن يؤلّف له رباعية للفلوت مع بضعة أعمال أخرى. وكان موزارت بأمسّ الحاجة إلى المال كي يحقّق رغبته في السفر إلى فرنسا وألمانيا بحثا عن وظيفة دائمة.
    وكتب موزارت إلى والده في ديسمبر من ذلك العام يخبره بأنه باشر للتوّ كتابة رباعية للفلوت لمصلحة دي جين الذي وصفه "بالصديق الإنسان".
    لكن ذلك التكليف كان مرهقا. وعندما غادر دي جين إلى باريس، اضطرّ موزارت لأن يوافق على نصف المبلغ الأصليّ الذي كانا قد اتفقا عليه في البداية.
    كان الإلهام النغميّ حاضرا عندما بدأ موزارت كتابة الرباعية، كما توحي بذلك البداية الرائعة للحركة الأولى منها.
    وعلى الأرجح، كتب موزارت هذه الرباعية ما بين عامي 1777 و 1778 لآلات الفلوت والكمان والفيولا والباسو. وهي تتألّف من ثلاث حركات: الليغرو وأداجيو وروندو. وقد اقتبس بيتهوفن أجزاءً من الحركة الأولى لثنائيّته للكلارينيت والباسون التي ألّفها عام 1792.
    في السيرة التي كتبها الفريد اينشتاين لموزارت، تحدّث المؤلّف عن حركة الاداجيو ووصفها بأنها ممزوجة بشيء من الحزن النبيل وأنها قد تكون أجمل معزوفة كُتبت لآلة الفلوت على الإطلاق.
    بُنية الرباعيّة تشبه كونشيرتو الغرفة. وهناك عدد من الطبقات المختلفة فيها. والنسيج شفّاف مع تباين قويّ للألوان. والموسيقى محكمة على ثلاث حركات خفيفة. الأولى عبارة عن سوناتا، والثانية لها طابع السيرينيد مع مزاج تأمّليّ.
    ويمكن القول أن هذه الحركة، أي الثانية، تشبه إلى حدّ كبير أغنية تروبادور من العصر الرومانسيّ. ويلاحَظ أن الحركتين الثانية والثالثة مترابطتان دونما توقّف. والحركة الأخيرة، أي الروندو، يمكن وصفها بأنها عبارة عن حوارية بديعة بين آلتي الكمان الأوّل والفلوت.
    رباعية الفلوت تحتلّ اليوم مكانة مهمّة للغاية في مجموعة أعمال موزارت التي كتبها لهذه الآلة. وبعض النقّاد يصفونها بأنها صورة مثالية عن روح ومشاعر عصر الروكوكو مع نكهة ألمانية ومع شيء من طابع موسيقى الباروك التي كانت في طريقها آنذاك إلى الأفول.

    Credits
    mozart.com

    Friday, September 08, 2017

    الفلسفة والسياسة في لعبة العروش


    السمة المميّزة لمسلسل أغنية الثلج والنار أو "لعبة العروش"، عدا عن رغبة مؤلّفه في قتل الشخصيّات المهمّة، هي نظرته المختلطة إلى العالم. إذ لا يوجد خير بالكامل ولا يوجد شرّ بالمطلق.
    والمسلسل يثير أسئلة فلسفية وسياسية وأخلاقية مثل: هل الشرف والفضيلة ضروريّان لتحقيق السعادة، أم أنهما أحيانا معوّقان؟ وهل البشر أحرار في أن يختاروا حياتهم، أم أنهم مجرّد أوراق تعصف بها رياح القدر؟ ولماذا تحدث أشياء سيّئة للناس الطيّبين؟ ولماذا الأشخاص الرديئون ينتصرون أحيانا في الحياة الواقعية؟ وهل يوفّر الحكم الوراثيّ ضمانا للحرّية أفضل مما يوفّره البارونات والأمراء المتصارعون؟
    منذ بداية موسمه الأوّل، اجتذب مسلسل "لعبة العروش" أرقاما قياسية من المشاهدين ونال حتى الآن عددا كبيرا من الجوائز. وبعض منتقديه يأخذون عليه إغراقه بمشاهد العنف والعري. وهناك من قال إن مضمون المسلسل لا يعدو كونه تجسيدا لعبارة فيلسوف القرن السابع عشر الانجليزيّ جون هوبز الذي قال: إن الإنسان يعيش منذ الولادة حياة منعزلة وفقيرة وقذرة ومتوحّشة وقصيرة".
    لكن هناك من امتدح المسلسل قائلا إن إحداثه وشخصياته والأفكار التي يثيرها، كالحرب والشرف والمعرفة والأخلاق والجندر، يمكن أن نجد لها صدى في كتابات وأفكار مشاهير الفلاسفة مثل ميكيافيللي وديكارت وأفلاطون وأوغستين وأرسطو وغيرهم.

    ❉ ❉ ❉

    العالَم المتخيَّل الذي صاغه الروائيّ جورج مارتن في "لعبة العروش" مليء بالشخصيّات المركّبة التي تجد نفسها في حالة صراع مع ذواتها ومع الآخرين، وتواجه معضلات أخلاقية، وتتعامل مع حالات متطرّفة من الخداع وعدم اليقين والاضطرابات السياسية والاجتماعية.
    وقد اختار الكاتب أن تجري أحداث روايته ذات الأجزاء الثمانية في قارّتين متخيّلتين، هما ويستيروس وإيسوس. وخطُّ السّرد يتمحور حول عرش الممالك السبع ويتتبّع شبكة التحالفات والصراعات بين مجموعة من السلالات التي تتنافس على امتلاك العرش أو تقاتل من اجل الاستقلال عنه.
    وهناك من يقول إن أحداث المسلسل تذكّر بصراعات ملوك أوربّا في القرون الوسطى، حيث مؤامرات القصور والنظام الإقطاعيّ والقلاع والحصون ومغامرات الفرسان.. إلى آخره.
    ومن بين المصادر الأخرى التي استلهمها الكاتب في الرواية الصراع الذي نشب في القرن الخامس عشر بين عائلتي لانكستر ويورك الانجليزيّتين، وملحمة الفايكنغ، وبعض قصص أباطرة المغول، وحرب المائة عام، وأسطورة اتلانتيس المفقودة وعصر النهضة الايطاليّ.
    وجزء من الشعبية الكاسحة التي يتمتّع بها المسلسل تُعزى إلى نجاح المؤلّف في مزج كلّ هذه العناصر معا وتحويلها إلى تاريخ بديل ويمكن تصديقه.
    ويبدو أن مارتن كتب روايته لأن جي توكين في رواية "سيّد الخواتم" ركّز على موضوع الصراع بين الخير والشرّ وأهمل مشكلات الحكم. ومارتن في "لعبة العروش" يركّز على الجانب الأخير. وهو يرى بأن الحكم المرغوب فيه هو وسط بين نهايتين متطرّفتين.
    فمن ناحية، هناك فلسفة الحكم كما تراها عائلة ستارك. فـ إيدارد "نِد" ستارك وابنه الأكبر روب، كلاهما زعيمان مثيران للإعجاب بطريقة ما. وهما يتصرّفان بشرف ويلتزمان بالقواعد الأخلاقية. ورغم هذا فإنهما لا ينجوان من الكوارث. إذ يُقتل نِد في النهاية بسبب جهله السياسي وافتقاره للحزم، ولأنه لم يدرك أن الشرف والكرامة لا معنى لهما في غياب التبصّر والحكمة، ما يؤدّي في النهاية إلى دماره هو وعائلته وحاشيته.
    وروب أيضا إنسان وقائد شريف. لكنه يقضي على نفسه وعلى والدته وأتباعه بسبب سذاجته عندما يأمر جيشه بالتخلّي عن مواقعه لكي يحضر جنازة. ثم يأمر بتنفيذ حكم الإعدام في احد أهمّ قوّاده لأنه ارتكب خطأ في ميدان المعركة. ثم لا يلبث أن يمنح ثقته لقائد آخر فتكون نهايته على يديه. والنتيجة هي أن القادة الشرفاء وغير الاستراتيجيين هم صفقة خاسرة وسيّئة في عالم مارتن الفانتازيّ.


    من الشخصيات الأخرى المثيرة والمؤثّرة في هذا المسلسل أفراد عائلة لانيستر الثلاثة، جيفري وتيوين وسيرسي، وكلّهم يتّسمون بالضَّعة والنذالة. وجيفري يّقتل في النهاية على يد سيّدة قويّة بسبب سوء أخلاقه. وتيوين يُقتل أيضا، ولكن على يد ابنته التي تنتقم منه بسبب سلوكه المهين لوالده.
    كانت قبضة تيوين لانيستر على الحكم حديدية وقاسية وتقوم على تحقيق المكاسب وتعزيز السّلطة. ولهذا السبب فإن ميكيافيللي هو أوّل اسم يأتي إلى الذهن عند الحديث عن تيوين وحكمه. ولأنه يؤمن بأن الغاية تبرّر الوسيلة، فقد دخل بوّابة قصر الملك المجنون اريس تارغاريان متظاهرا بولائه له. لكنه في النهاية يستولي على مدينته ويقوم بنهبها بلا رحمة ثمّ يذبح أحفاده.
    كان تيوين شخصا متوحّشا ومخطّطا داهية بالفطرة. وليس أدلّ على هذا من قوله وهو يخطّط لقتل روب ستارك في الزفاف الأحمر: بعض المعارك تُكسب بالسيوف والرماح، والبعض الآخر بالتآمر والدهاء". كان تيوين يرى أن ما فعله في الزفاف يحقن دماءً أكثر بكثير من تلك التي يمكن أن تُسفك فيما لو حسم الصراع في ميدان المعركة.
    وعلى العكس منه، تقف دانيريز "داني" تارغاريان فوق أرضية أخلاقية عالية. فهي تحرّر العبيد وتكسر الأغلال، كما أنها امرأة تقيّة وخيّرة.
    جان جاك روسّو بدأ كتابه "العقد الاجتماعيّ" بقوله: يولد البشر أحرارا لكنّهم يُستعبدون أينما ذهبوا". كان روسّو يتحدّث عن مجتمعه الذي جرّد الناس من حرّيّتهم وإنسانيّتهم. وكان يعتقد أن المِلكية الشخصيّة هي أساس ومنبع كلّ الشرور.
    في رحلة دانيريز تارغاريان في إيسوس، تكتشف أن الأثرياء أناس أشرار وأنانيون، وهو ما لا يتّفق مع نظرتها المثالية إلى العالم. ومع أنها كانت تتبنّى قضية عادلة بمطالبتها باستعادة عرش عائلتها، إلا أنها تكتشف أن ذلك غير ممكن من دون اللجوء إلى القوّة.
    وفي النهاية تقوم بذبح "السادة العظام" في "ميرين"، مع أنها لم تكن بحاجة إلى فعل ذلك. لكنها الغاية عندما تبرّر الوسيلة. كما أن إحساسها بالواجب والعدالة يتناقض مع شهوتها الجامحة للسلطة والتي تدفعها لإحراق أعدائها بنيران التنّين وهم أحياء.

    ❉ ❉ ❉

    المؤلّف جورج مارتن لا ينظر إلى القرون الوسطى برومانسية كما فعل توكين، وهذا شيء يُحمد عليه. لكن ليس من الواضح ما إذا كان سبب ذلك انه يحبّ العالم الحديث أكثر. والمرجّح انه يرى العالم كلّه كظلال متعدّدة من الرماديّ، لذا لا يستطيع أن يصف أيّ جزء من هذا العالم برومانسية واضحة.
    وهو يرى أيضا أن بعض الرجال لا يمكن أن يمارسوا السلطة لأنهم يفتقرون إلى النظرة الميكيافيلية في علم السياسة. كما انه يعتقد بأن المرء لا يحتاج لأن يكون طيّبا أو سيّئا لكي يحكم بفاعلية. وما يحتاجه فقط هو أن يفهم كيف يعمل العالم.
    ويبدو أن مارتن يدعو إلى نمط وسيط من القيادة. وهو ذلك الذي يجسّده تيريان لانيستر، فهو مفكّر استراتيجيّ ولديه القدرة على توقّع تصرّفات الآخرين وقراءة سلوكيّاتهم مسبقا. لكنه أيضا رجل طيّب من الأساس ويضع مصالح الآخرين في اعتباره.
    وهناك شخص آخر في المسلسل ينتمي إلى هذه الفئة هو فاريز، الذي برغم كونه استرتيجيّا بارعا إلا انه يُبدي اهتماما كبيرا بالسلام والعدالة. وربّما هذا هو المطلوب في عالم اليوم: قادة يسعون لتحقيق الأهداف النبيلة والترويج لها بطريقة فعّالة حتى لو اضطرّوا أحيانا للتضحية بقيم اقلّ لضمان تحقيق قيم اكبر. العالَم من منظور مارتن لا يحتاج لقادة استراتيجيين ومُقنِعين ولكنهم في الوقت نفسه أشرار وعدوانيون، ولا يحتاج لقادة شعورهم بالشرف مبالغ فيه وفي نفس الوقت فاشلون في فهم العالم.


    أحيانا وأنت تشاهد "لعبة العروش" تنسى انك أمام قصّة صراع سياسيّ لكثرة العناصر الأسطورية في المسلسل، مع أنها جزء لا يتجزّأ من قصّة ويستيروس والعالم.
    وأهمّ المخلوقات في المسلسل هو التنّين. والمؤلّف يفترض انه قبل نشوب حرب الملوك الخمسة بآلاف السنين، لم تكن مخلوقات التنّين مخيفة، فقد استطاع أهالي فاليريا استئناسها وتسخيرها كأدوات في الحرب مكّنتهم من الاستيلاء على كلّ العالم المعروف آنذاك.
    لكن فجأة وقع حادث سُمّي وقتها بـ "هلاك فاليريا" وغيّر كلّ شيء. فقبل حرب الملوك بحوالي أربعمائة عام، تسبّب ثوَرَان بركان هائل في غمر امبراطورية الفاليريين وأباد كلّ العائلات النبيلة فيها ما عدا عائلة تارغاريان وثلاثة حيوانات تنّين كانوا يملكونها. وهذه الحيوانات الناجية سمحت مرّة أخرى للإمبراطورية بأن تسيطر على الآخرين عندما وحّد آغون الأوّل الممالك السبع في ويستيروس قبل أن تموت تلك الحيوانات وتنقرض.
    لكن هذه الحال تغيّرت مرة أخرى عندما أهديت لدانيريز تارغاريان ثلاث بيضات متجمّدة لتنّين، ومن ثم فقست بما يشبه المعجزة. وقد قامت الملكة الشابّة برعاية التنّينات الصغيرة إلى أن كبرت. ثم استخدمتها كأسلحة فتّاكة في الحرب وفتحت بها مدنا بأكملها ودمّرت جيوشا وأساطيل كثيرة.

    ❉ ❉ ❉

    لا يمكن الحديث عن "لعبة العروش" دون أن نطرح هذا السؤال: إلى أين تتّجه البوصلة الأخلاقية في هذا المسلسل/الرواية؟
    بعض النقّاد وجدوا فيه جنسانية مبتذلة وذكورية مغالية وترويجا لنظرية تفوّق العرق الأبيض. بل إن هناك من رأى فيه صدى لأفكار دونالد ترمب واليمين المتطرّف، وحتى محاولة لإضفاء هالة من الجمال على النزعة الاستعمارية كما تجسّدها شخصيّة دانيريز تارغاريان.
    لكن المدافعين عن المسلسل يرون أن كاتبه نجح في ما اخفق فيه "سيّد الخواتم" و"هاري بوتر". ففي عالم توكين ورولينغ، يوجد بشر محض أخيار في مقابل بشر أشرار بالمطلق. والمرء يعرف مسبقا من سينتصر في النهاية.
    لكن في "لعبة العروش" فإن كلّ تصرّف أو حدث محمّل بالمضامين الأخلاقية النسبية. والمؤلّف لا يرى أن القضيّة تكمن في انعدام وجود رجال نبلاء أو أخيار أو أبرياء في روايته، بل في وجود حكّام قابلين لأن يكونوا طغاة وفاسدين.
    وكلّ شخصية في "لعبة العروش" تحتوي على الخير والشرّ معا. ولهذا السبب تتحوّل شخصيات المسلسل على طول أجزائه من أوغاد إلى أبطال وبالعكس. والمؤلّف واثق من أن المشاهد سيلاحظ هذه التحوّلات بوضوح.
    وأحد دروس "لعبة العروش" هو انه على الرغم من أن من الحماقة أن تكون إنسانا طيّبا مثل نِد ستارك، إلا أن الحكّام الطيّبين يمكن أحيانا أن يصطنعوا لأنفسهم أعداءً اقلّ ويصوغوا تحالفات أقوى، وبذا يتجنّبون المصير المشئوم الذي آل إليه البطل.
    لقد قُتل نِد ستارك لأنه أسَرّ إلى الملكة بخططه رغبةً منه في مساعدتها في إنقاذ أطفالها. لكن الطريقة الوحيدة لإنقاذهم كانت أن تستولي هي على العرش، وهذا ما فعلته. كان ستارك إنسانا شريفا، لكن كان مقتله بسبب طيبته وسذاجته السياسية وافتقاره للحدّ الأدنى من الميكيافيلية السياسية.
    وأخيرا، من الأشياء اللافتة في روايتَي/مسلسلَي "سيّد الخواتم" و"هاري بوتر" أن الخلاص فيهما إما حتميّ أو مستحيل أو غير مرغوب فيه. أما في كون جورج مارتن الخياليّ، فإن الخلاص، ببساطة، هو غاية لا يتمّ بلوغها إلا من خلال المكابدة والتضحية.

    Credits
    winteriscoming.net
    georgerrmartin.com

    Sunday, September 03, 2017

    كهف أفلاطون


    من طبيعة الكهوف أنها أماكن مظلمة وباردة، وأحيانا خطرة. وإذا وَجد إنسان نفسه محشورا داخل كهف يفتقر إلى مصدر للضوء، فإنه غالبا لا يستطيع أن يجد طريقا للخروج، وقد يتعرّض لخطر الموت إن لم يجد من يأخذ بيده وينقذه.
    الفيلسوف اليونانيّ أفلاطون (427-347 قبل الميلاد) يورد في كتابه "الجمهورية" قصّة أراد من خلالها أن يوضح الفرق بين الحقيقة والوهم. والقصّة تتحدّث عن ثلاثة رجال عاشوا حياتهم كلّها، ومنذ أن ولدوا، داخل احد الكهوف.
    كانوا مقيّدين إلى صخرة ولا يستطيعون رؤية شيء عدا الظلال المنعكسة على جدار الكهف من نار مشتعلة خلفه.
    وكانوا مع ذلك يفاخرون بقوّة إبصارهم وبقدرتهم على تفسير الأشياء. لكنهم طوال الوقت كانوا ينظرون إلى الظلال التي لم تكن أكثر من نوع من الخداع البصريّ.
    تخيّل انك احد هؤلاء الرجال الثلاثة. أنت مشدود الوثاق بحيث لا تستطيع أن تنظر خلفك أو إلى جوارك، فقط تنظر إلى الجدار الذي أمامك. وكلّ ما تستطيع أن تراه هو ظلال الأشياء التي يحملها الناس المارّون فوق باب الكهف المرتفع منعكسةً على الجدار. وإذا لم تكن قد رأيت أبدا الأشياء على حقيقتها فإنك ستظنّ أن ظلالها حقيقة.
    تمضي القصّة فتقول إن احد الرجال الثلاثة، وبطريقة ما، تمكّن من الإفلات من قيده، ثم شقّ طريقه إلى خارج الكهف، وهناك اكتشف عالما جديدا بالمرّة.
    السجين الهارب يُصدم من العالم الذي اكتشفه خارج الكهف. ولبعض الوقت، يعتقد بأن ما رآه غير حقيقيّ، لكنه عندما يعتاد عليه يدرك أن نظرته السابقة إلى الواقع كانت خاطئة. ثم يبدأ في فهم عالمه الجديد ويعرف بأن الشمس هي مصدر الحياة. ثم يباشر رحلة فكرية يدرك في نهايتها أن حياته الماضية كانت بلا جدوى أو غاية.
    وعندما يعود إلى الكهف ليخبر زميليه عن العالم العجيب الذي رآه لأوّل مرّة خارج الكهف يرفضان كلامه بغضب. وعندما يحاول أن يحرّرهما من قيودهما يهدّدانه بالقتل.
    كان أفلاطون يريد من خلال هذه القصّة المعبّرة أن يشير إلى حياة معلّمه سقراط الذي حكمت عليه أثينا بالموت سنة 399 قبل الميلاد لاعتراضه على أفكار اليونان القديمة. الرجل الذي خرج من الكهف ورأى الشمس لأوّل مرّة يرمز لسقراط. بينما الرجلان الآخران يرمزان لمجتمع أثينا في ذلك الوقت.
    وعلى مستوى اشمل، فإن الكهف في القصّة يمثّل الأشخاص الذين يعتقدون أن المعرفة تأتي مما يرونه ويسمعونه في العالم، في حين أن ما يرونه أو يسمعونه قد لا يكون أكثر من ظلّ الحقيقة.
    والسجين الهارب يمكن أن يمثّل الفيلسوف أو المفكّر الباحث عن المعرفة خارج الكهف أو خارج الحواسّ. بينما الشمس تمثّل الحقيقة والمعرفة الفلسفية. أما رحلة الرجل خارج الكهف فتمثّل رحلة الفيلسوف عندما يقرّر البحث عن الحكمة والحقيقة. وردّة فعل السجينين على زميلهما العائد تشير إلى أن الناس يخافون من معرفة الحقيقة ولا يثقون بالفلاسفة والمفكّرين.
    هناك أيضا دروس إضافية يمكن استخلاصها من القصّة. فأفلاطون أراد الحديث عن قصور نظرتنا إلى العالم وحاجتنا لأن نتخيّل أكثر مما نراه. إذ أننا في الكثير من الأحيان ننظر فقط إلى ظلال الأشياء التي يتشكّل منها العالم. ورفيقا الرجل لم يصدّقاه لأنهما لم يكونا يتخيّلان عالما آخر وراء الظلال التي تخيّم على وجودهما. وهنا يمكن أن تكون القصّة استعارة قويّة عن أهميّة التفريق بين الجهل والاستنارة.
    ويمكن أن تكون القصّة وصفا جيّدا للتلفزيون والإعلام. إذ نحتاج أيضا لأن نعرف سادة الظِّلال الذين يحرّكون الأشياء بخلق ظلال خادعة تُوهم المتلقّي بأن ما يراه أو يقرؤه هو حقيقة. لكن إذا ما شاهدنا أو قرأنا بحذر وفكّرنا بطريقة نقدية، فإن فهمنا للإعلام وأفكارنا عن العالم من حولنا ستزداد اتساعا، ومن ثم ستعتمد معرفتنا على الجوهر وليس على الظلّ أو ما نراه على السطح.
    أيضا من الرسائل القويّة التي توصلها هذه القصّة أن من السهل على الإنسان تبنّي ايديولوجيا دينية أو سياسية معيّنة، خاصّة عندما لا يتحدّث إلا إلى الأشخاص الذين يتّفقون معه أو يوافقونه في أفكاره. لكن هذا يحرمه من الاستفادة ممّا لدى الآخرين من أفكار مختلفة ومغايرة.
    لاحظ أن السجين الهارب ووجه بالرفض القاطع، بل والتهديد بقتله من قبل زميليه. وهذا يثبت أن الحوار المفتوح غير مُجدٍ، بل وغير وارد، عندما تكون العقول مغلقة. ويستتبع هذا ضرورة أن نحافظ على حياتنا وسلامتنا في ما نقوله أو نفعله، خاصّة إن كان لا يوافق السّلطة الأبويّة ونظرة العوامّ أو أفكار القطيع.
    من الدروس الأخرى أيضا أن البشر يميلون بطبعهم إلى مقاومة التغيير ويرتاحون أكثر للأفكار الجاهزة والأعراف الراسخة. وأحيانا هم غير قادرين على معرفة الحقيقة، لأن العلاقات والأواصر القويّة تكبّلهم وتمنعهم من أن يديروا رؤوسهم ويلتفتوا حولهم.
    وهناك درس آخر تُعلّمنا إيّاه القصّة وهو أن الناس، لكي يتعلّموا، ينبغي أوّلا أن يتحرّروا من أغلالهم وسجونهم الخاصّة، كالجهل وضيق الأفق والتحامل والمكابرة والعناد والتباهي الأجوف.
    والدرس الأخير هو أن البحث عن الحقيقة يمكن أن يستمرّ حتى في البيئات المعادية أو غير المواتية. حتى في الكهوف المظلمة أو التي لا يتوفّر فيها سوى ضوء بسيط، يمكن أن يستمرّ التفكير رغم أن الناس هناك قد يتبنّون أفكارا دوغمائية أو مطلقة.
    أمثولة كهف أفلاطون فتنت أجيالا من الفلاسفة والعلماء والروحانيين على مرّ العصور وحرّضتهم على تجاوز ما هو ظاهريّ وسطحيّ إلى البحث عن الجوهريّ والحقيقيّ. وواقع الحال هو أن كلّ واحد منّا يقضي وقتا طويلا داخل كهفه الخاصّ، لذا فإننا نحتاج من وقت لآخر لأن ننظر خارج الكهف وباتجاه الضوء.
    لاحظ أيضا كيف أن أفلاطون يشير إلى أن الرجال الثلاثة مسجونون في الكهف منذ طفولتهم، وكأنه يوحي بأن الظرف الإنسانيّ نفسه هو عبارة عن ظلام دائم منذ الولادة، لأن المجتمع عادةً يقمع الفردانية ويصرّ على صهر الأفراد في قالب واحد ونسخ متطابقة.
    صحيح أن بعض الناس يصعب عليهم العيش مع حالات الجدل والنقاش والمحاورة، غير أن أسلوب المحاججة وإثارة الأسئلة يظلّ أفضل بكثير من العيش داخل كهف مظلم إلى ما لا نهاية.

    Credits
    eduref.org

    Tuesday, August 29, 2017

    صيغ وأساليب لغوية


    من الأشياء اللافتة أن اللغتين العربية والانجليزية تشتركان في استخدام بعض الصيغ والعبارات التي تصف حالات ومواقف معيّنة من باب الاستعارة والمجاز.
    ومثل هذا أن يقول احدهم: لن اترك حجرا إلا قلبته (I will leave no stone unturned). ومعناها انه لن يدّخر جهدا لحلّ إشكال أو انجاز هدف ما.
    ومثله أيضا قول شخص لآخر: يجب أن تقطع ميلا إضافيّا (You should go the extra mile). ومعناها انه يجب أن يبذل جهدا خاصّا وإضافيّا لفعل شيء أو تحقيق غرض ما.
    وأيضا هناك العبارة التي تصف مكانا أو أمرا ما بأنه على مرمى حجر (A Stone's throw). ومعناها أن المكان قريب جدّا أو أن الهدف أصبح سهل التحقّق.
    ثم هناك العبارة التي ترد كثيرا على ألسنة الناس كأن يقول احدهم لآخر: لا تحاول أن تلوي ذراعي (Do not twist my arm). والمعنى لا تحاول إجباري على شيء لا ارغب في فعله.

    من ناحية أخرى، هناك في الانجليزية الكثير من العبارات الجميلة والدالّة الأخرى التي تُستخدم عادة في لغة الخطاب اليوميّ لتصف بعض المواقف والحالات، وهي أيضا تُستخدم من باب المجاز ولا تؤخذ بحرفيّتها.
    هنا بعضها..

  • تخيّل، مثلا، مجموعة من الأشخاص وهم يناقشون مسألة ما. وأحدهم يسأل عن موقف زميل غائب من تلك المسألة فيردّ آخر: فلان ما يزال جالسا على السياج (He is still sitting on the fence). ومعناها أن ذلك الشخص غير مستعدّ بعد، أو لا يريد الآن أن يتّخذ قرارا أو موقفا من المسألة لسبب أو لآخر.

  • أحدهم يقابل صديقا قديما لم يره منذ سنوات، فيسأله عن أحواله ويجيبه بحزن: الحال ليست على ما يرام، فقدتُ وظيفتي مؤخّرا وأعباء الحياة أصبحت ثقيلة ومرهقة.
    فيقول له صاحبه مواسياً: لا تقلق، فلكلّ سحابة بطانة من فضّة (Every cloud has a silver lining). ومعناها انك لا يجب أن تشعر باليأس، فالأوقات الصعبة يعقبها غالبا أيّام أفضل، وكلّ شدّة أو ابتلاء ينطوي على بوادر انفراج. وإذا كنت قد فقدت وظيفتك أو خسرت تجارتك فسيعوّضك الله بفرص أفضل.
    وأصل هذه العبارة مأخوذ من طبيعة الغيوم الداكنة التي تمرّ في السماء وترمز إلى متاعب الحياة. لكن إذا نظرت عن قرب إلى حوافّ تلك الغيوم، فسترى خيوط ضوء الشمس وهي تتسرّب من خلالها كبطانة فضّيّة.
    وبالنتيجة فإن الأيّام الصعبة تشبه الغيوم التي تعبر في السماء وتحجب الشمس، لكن ما يزال بالإمكان رؤية بعض الضوء الذي يتخلّلها كرمز للأمل والتفاؤل.
    وهذه العبارة تُنسب إلى الكاتب الانجليزيّ وليام غيلبيرت الذي قالها حوالي عام 1885. وأصبحت تقال لكلّ من يواجه مصاعب في الحياة ولا يرى منها مخرجا. وأفضل مرادف لها بالعربية الآية الكريمة: إن مع العسر يسرا".

  • هناك أيضا العبارة التي تقول: لا تحكم على كتاب من عنوانه (Do not judge a book by its cover). والمعنى هو انك لا يجب أن تحكم على إنسان أو شيء من مظهره الخارجيّ أو بناءً على انطباع سريع أو عابر.

  • وهناك عبارة ترد كثيرا في كتب الأدب وفي الصحافة ونشرات الأخبار وتُستخدم في العربية والانجليزية في نفس الوقت، وهي تلك التي تتحدّث عن القشّة التي قصمت ظهر البعير (The straw that broke the camel's back). وهذه العبارة تصف ما يبدو وكأنه فعل صغير وروتينيّ، لكنّه يتسبّب في نتائج مفاجئة وكبيرة وغير متوقّعة، بسبب الأثر التراكميّ للأفعال الصغيرة التي سبقته.
    والعبارة لها أصل في كلام منسوب إلى الفيلسوف الرومانيّ سينيكا عندما قال: إن الموت لا يأتي إلينا بغتةً بل نسير نحن باتجاهه بخطى قصيرة". أي أننا نموت كلّ يوم، وعندما تأتي اللحظة الأخيرة، نكون قد وصلنا إلى نهاية الطريق الذي كنّا نمشيه لفترة طويلة.
    ويقال أن أصل العبارة عربيّ، إذ يُحكى أن جملا أثقله صاحبه بكميّة من القشّ بأكثر مما يستطيع تحمّله. ومع ذلك لم يكن راضيا عن الحمولة الثقيلة، فأضاف قشّة أخيرة انهار على إثرها الجمل وكُسر ظهره. والقشّة الأخيرة لم تكن السبب في انهيار الحيوان، بل القشّ الذي تراكم على ظهره لدرجة انه ما عاد بإمكانه تحمّل المزيد.
    ومثله قولنا أن فلانا كان مجهدا عندما رسب في الامتحان ونال درجة سيّئة. لكن حادث السيّارة الذي وقع له بعد ذلك كان القشّة التي قصمت ظهر البعير.

  • وهناك عبارة تتردّد كثيرا في تصريحات السّاسة عندما يقول أحدهم: سنمنح فلانا فائدة الشكّ (We will give him the benefit of doubt). والمعنى هو أننا سنأخذ كلامه على محمل الجدّ والصدق من باب التجاوز، حتى عندما لا يكون هناك برهان أكيد لتصديقه. وتشبه هذه العبارة القول العربيّ الدارج: إلحق الكذّاب إلى باب بيته.

  • شخص ما ظلّ يتجنّب باستمرار مواجهة وضع ما واتخاذ قرار بشأنه لأنه غير متأكّد من نتائجه. فيأتيه من يقول له: كفى تأجيلا، وعليك أن تواجه الموسيقى الآن (You must face the music now).
    لو أخذنا هذه العبارة بحرفيّتها فقد لا تعني شيئا، لكن معناها المجازيّ هو أن عليك أن تواجه الواقع الآن وتحسم المسألة وتتقبّل نتائج قرارك سواءً كانت جيّدة أو سيّئة (غالبا ما تكون سيّئة).
    مثلا، إن كنت قد كذبت على رئيسك فعليك أن تواجه الموسيقى، أي أن تقبل بالعقوبة المترتّبة على ذلك. وإن كنت قد رسبت في الامتحان فعليك أن تواجه الموسيقى، أي أن تعيد المادّة إن كنت تريد أن تتخرّج فعلا.
    منشأ العبارة أمريكا في مطلع القرن التاسع عشر. وهناك أكثر من نظرية عن أصلها. واحدة تقول أن العادة تقتضي من العازف القليل الخبرة أن يستجمع شجاعته ليواجه الجمهور، وهذا يتطلّب منه بنفس الوقت أن يواجه الموسيقى أي الاوركسترا. وهناك رأي آخر يقول إن أصلها يعود إلى تقليد في الجيش، إذ حسب الأصول فإن الجند المقصّرين يتمّ فصلهم على إيقاع طبول الفرقة الموسيقية. وهناك احتمال آخر بأن تكون لفظة الموسيقى استعارة مخفّفة لضجيج ميدان المعركة.

  • وهناك عبارة أخرى تقول: لا تزعج الكلاب النائمة (Let the sleeping dogs lie). والمعنى هو أن لا تفعل شيئا إزاء حالة أو مشكلة معيّنة، بل اتركها على حالها، لأنك إن فعلت فقد يؤدّي ذلك إلى ظهور مشاكل وتعقيدات إضافية.

  • تخيّل حديثا بين شخصين، احدهما الأصغر سنّا يطلب من الآخر الأكبر عمرا والأكثر تجربة نصيحة تعينه في حياته، فيحدّثه عن تجربته في الحياة ويسدي إليه عددا من النصائح يختمها بقوله: ولا تنسَ أن تشدّ عربتك إلى نجم (Hitch your wagon to a star).
    والمعنى هو أن عليك أن تطلب المشورة من شخص ناجح يمكن أن تتّخذ منه مثلا أعلى وتقتدي بأعماله وتصرّفاته، وأن تضع لنفسك أهدافا عظيمة إذا رغبت في النجاح في حياتك.
    وأوّل من قال هذه العبارة هو الفيلسوف الأمريكيّ رالف ايمرسون في مقال نشره عام 1812.

  • عندما تسمع شخصا يتحدّث عن آخر بقوله: لقد فقد فلان لمسته (He has lost his touch)، فالمعنى هو أن ذلك الشخص فقد قدرته وموهبته التي كان يتمتّع بها يوما عندما كان يتعامل مع الأشياء والناس بحكمة ورويّة.

  • صديقان يجلسان إلى بعضهما البعض ويتجاذبان أطراف الحديث. احدهما يتحدّث عن كثرة الأخبار هذه الأيّام وعن تناقضاتها التي تصيب العقل بالتشوّش والحيرة. فيردّ عليه الآخر معلّقا: لا تصدّق شيئا ممّا تسمعه وصدّق فقط نصف ما تراه (Believe nothing of what you hear, and only half of what you see).
    ومعنى العبارة انك يجب أن لا تصدّق أيّ شيء بلا دليل، فالكثير من الأخبار عبارة عن أكاذيب وشائعات. وحتى بعض الأشياء التي نراها يمكن أن تكون مضلّلة وخادعة. لذا كن دائما متشكّكا ممّا تراه أو تسمعه، ما لم يكن هناك دليل أو برهان مؤكّد على صحّته.
    وقد دخلت هذه العبارة التداول ابتداءً من منتصف القرن التاسع عشر. وهي تُنسب إلى بنجامين فرانكلين، وأحيانا إلى إدغار آلان بو.

  • مجموعة من الأشخاص يتحدّثون في عدد من الأمور. ومع استمرار النقاش يسأل احدهم: وماذا عن الفيل في الغرفة؟ (What about the elephant in the room?). والمعنى أن ذلك الشخص كان يسأل عن مسألة ضاغطة ومُلحّة يعرفها الجميع، لكنّ البتّ فيها ظلّ يُؤجّل باستمرار بسبب طبيعتها الحسّاسة والشائكة.

  • شخصان كلّ منهما يعرف الآخر. الأوّل يبدو واجما مهموما. وبعد حديث مختصر، يفهم الثاني أن صديقه منشغل في التفكير في مشكلة أو أزمة يتوقّع أن تحدث له بعد شهر أو سنة. فيقول له محاولا تهدئته: لا تعبر الجسر قبل أن تبلغه (Do not cross the bridge before you come to it).
    والفكرة هي أننا كثيرا ما نقلق بشأن مشاكل نتخيّل أنها ستقع لنا في المستقبل ونضيّع الكثير من وقتنا وطاقتنا في التفكير فيها. لذا فالأصوب هو أن ننتظر ظهور المشكلة التي يُفترض أنها ما تزال غير واضحة تماما لكي نتعلّم شيئا عن طبيعتها قبل أن نفكّر في حلّها. والمشاكل غالبا لا تُحلّ ما لم نكن مهيّئين للتعامل معها.
    ويمكن فهم العبارة بشكل أفضل عندما نتذكّر أن الجسور في الماضي كانت تُصنع من الخشب، والمشي من فوقها كان ينطوي على خطورة، لدرجة أن المسافرين كانوا يتهيّبون عبورها.
    في بعض الأحيان كثيرا ما نضيّع وقتنا في الاستعداد لمشكلة ما، في حين أن معظم المشاكل قد لا تكون مشاكل عندما تنشأ فعليّا، لأن الظروف تكون قد تغيّرت. لذا لا تعبر الجسر قبل الأوان، ولا تشغل نفسك بالمشاكل أو الصعاب التي ما تزال في علم الغيب. وهذه العبارة تُعزى للكاتب هنري لانغفلو الذي ذكرها في أحد كتبه عام 1851.

  • Credits
    thesaurus.com

    Thursday, August 24, 2017

    فنّ الإنشاد الدينيّ


    من الأصوات الجميلة التي لا تُنسى صوت الشيخ المرحوم حمزة شكّور. كنت أواظب على سماع أناشيده وابتهالاته وموشّحاته من تلفزيون سوريا، وكانت تُبثّ عادةً وقت السحر في شهر رمضان الكريم من كلّ عام.
    وصوت الشيخ حمزة جميل بما لا يوصف، قوّته الروحية تجتذب السامع إلى التقاليد الصوفية القديمة. وأنت تسمعه لا بدّ أن يثير في نفسك شعورا بالصفاء والسكينة.
    ولد الشيخ حمزة شكّور في دمشق عام 1947. وكان والده يعمل آنذاك مؤذّنا في احد المساجد، وقد علّمه أصول التلاوة والإنشاد الدينيّ. ثم أصبح الشيخ حمزة مقرئا للقرآن الكريم ومنشدا. وفي ما بعد عُيّن كبيرا للمنشدين في الجامع الكبير في دمشق. كما كان يشارك بفاعلية في المناسبات الدينية، ما أكسبه قبولا وشعبية إضافية لدى الناس.
    وعلى الرغم من أن الشيخ لم يتلقَّ تعليما نظاميّا في الموسيقى، إلا انه استطاع أن ينتج آلاف الأغاني والمقطوعات ما بين ابتهالات وتقاسيم وبشارف وأدوار ومقامات وموشّحات.
    وقد ارتبط اسم الشيخ حمزة شكّور بفرقة أميّة للفنون، ثم بفرقة الكندي التي أسّسها مع الموسيقيّ الفرنسيّ جوليان جلال الدين فايس عام 1983.
    كان جوليان جلال الدين عاشقا للموسيقى العربية الكلاسيكية. وقد أتى إلى سوريا واستقرّ فيها بعد أن اشترى قصرا مملوكيّا قديما في وسط حلب يعود تاريخه إلى القرن الرابع عشر. وكان قبل ذلك قد تعلّم العزف على القانون وأصبح من أشهر العازفين على هذه الآلة. ثم تحوّل إلى الإسلام واختار لنفسه اسم جلال الدين تيمّنا بالروميّ مؤسّس المولوية.
    ومن خلال فرقة الكندي، استطاع الاثنان تقديم الغناء العربيّ والأندلسيّ إلى الجمهور الغربيّ من خلال الحفلات العديدة التي أقامتها الفرقة في أمريكا وبريطانيا وفرنسا وهونغ كونغ والبرازيل وغيرها.
    حمزة شكّور كان إنسانا متديّنا بعمق. وكان يمثّل إسلاما مستنيرا ومنفتحا وبعيدا جدّا عن التحجّر والغلو. وقد أدّى أناشيد دينية مع العديد من الفرق العالمية، ومنها فريق غريغوريان للإنشاد الكنسيّ.
    كما اشتهر الشيخ بارتجالاته التي تعلّمها من تراث يعود إلى مئات السنين عندما كانت الأدعية والابتهالات تُمزج بالموسيقى والأنغام.
    في القرن التاسع الميلادي، تبنّى المتصوّفة الموسيقى كطريقة للوصول إلى حالة من النشوة الروحية، أو ما يسمّونه بالحبّ الإلهيّ. وفي ذلك الوقت أيضا بدأت تقاليد "السَّماع"، وهي مفردة تعني إضفاء بعد روحيّ على الموسيقى والشعر حتى عندما لا يكون مضمونهما دينيّا خالصاً.
    وقد بدأ ذلك التقليد في قونية بالأناضول على يد الشاعر الفيلسوف جلال الدين الروميّ مؤسّس الطريقة المولوية. ورغم أن طقوس تلك الطريقة مرتبطة في الأساس بتركيا، إلا أن تقاليدها انتشرت في البلدان المجاورة مثل سوريا ومصر والعراق منذ القرن السادس عشر.
    وكان الشيخ حمزة متأثّرا بتراث الصوفية وبتقاليد المولوية. ورغم قلّة عدد أفراد هذه الطريقة في سوريا، إلا أن الناس كانوا منجذبين إلى سماع أدعيتهم وموسيقاهم.
    وقد هُدّدوا بإغلاق زواياهم وحفلاتهم في عدد من المناسبات، لكن المكانة الشخصية الكبيرة للشيخ حافظت على وجودهم. وكان قد وصل إلى درجة من النجومية سمحت له بأن يحتفظ بمجموعته الصغيرة من المنشدين والعازفين.
    ومن الأشياء التي ابتكرها الشيخ شكّور انه أضاف إلى الأذان مقامات أخرى كالبياتي والسيكا والراست بعد أن كان مقتصرا على مقام الحجاز. ولذا قيل انه في سوريا فقط يمكنك أن تسمع الأذان بأربعة مقامات متنوّعة.
    وهناك أيضا المدائح النبوية وأسماء الله الحسنى التي طالما أدّاها الشيخ حمزة بنغمات عميقة ومتأمّلة، بينما المنشدون يردّدون خلفه بتبتّل وخشوع. وموهبة الشيخ لم تكن تتمثّل في صوته الشجيّ والحسّاس فحسب، بل في قوّة ذلك الصوت أيضا، لدرجة أنه قيل أن أداءه المنفرد يمكن أن يعادل اوركسترا كاملة ويملأ فراغ غرفة كبيرة.
    وكان الشيخ حمزة أيضا يعرف كيف يخاطب أحاسيس جمهوره كي يأسرهم، وهذه موهبة إضافية لا يتمتّع بها سوى القليل من المنشدين.
    توفّي الشيخ حمزة شكّور في دمشق في فبراير من عام 2009 عن ستّة وستّين عاما. وبعده بستّ سنوات، توفّي في باريس صديقه وشريكه في تأسيس فرقة الكندي جوليان جلال الدين. لكن جهودهما في إثراء الموسيقى العربية التراثية وفي نشر الإنشاد الدينيّ في العالم ما تزال ماثلة للعيان من خلال ما تركاه من سيرة طيّبة وإرث ضخم.

    Credits
    alkindi.org

    Sunday, August 20, 2017

    رمبراندت و ليستر: صورتان

    في حوالي منتصف القرن السابع عشر، رسم كلّ من رمبراندت وجوديث ليستر لوحتين ستصبحان في ما بعد من أشهر البورتريهات الشخصية المألوفة في تاريخ الفنّ الهولنديّ والعالميّ.
    للوهلة الأولى، يبدو البورتريهان متشابهين تماما. فكلّ من الرسّامَين رسم نفسه وهو ينظر مباشرة إلى المتلقّي. وكلا الصورتين مرسومتان بنصف طول. لكن نظرة مقرّبة من اللوحتين تكشف عن تباينات واضحة وتشير إلى واقعَين مختلفين.
    فصورة ليستر لنفسها يمكن تفسيرها على أنها ترويج للذّات، في حين يبدو أن دافع رمبراندت من رسم شخصه هو رغبته في فهم نفسه كإنسان أوّلا وأخيرا. أي أن الفنّانَين اختارا أن يرسما نفسيهما من منظورين مختلفين تماما.
    فرمبراندت رسم لنفسه صورة وهو يرتدي ملابس داكنة وغير مرتّبة إلى حدّ ما. قارن هذا بالطريقة التي رسمت بها ليستر نفسها بحيث لم تترك شكّاً حول طبيعة مهنتها. لقد رسمت نفسها وهي تعمل، يدها اليسرى تمسك بقماش الرسم وبأكثر من عشر فراشي للألوان. بينما يدها اليمنى تتأهّب لوضع اللون على القماش. ثم هناك ملابسها، فستانها الزهريّ والأسود الحديث بأكمامه وياقته الحريرية يوصل إحساسا بالثراء والرفاهية.
    وكلّ هذه التفاصيل توحي بأن ليستر تريد أن تُبرز في لوحتها نجاحها كرسّامة. وبالمقابل فإن رمبراندت أهمل تماما هذه الأشياء المساعدة وفضّل أن يركّز اهتمامه على نفسه كشخص وكإنسان.
    أيضا هناك استخدام كلّ من الرسّامين للألوان والأضواء بطريقة مختلفة. لاحظ كيف أن صورة رمبراندت لنفسه أحادية اللون تقريبا. الألوان المهيمنة على صورته هي عبارة عن درجات متفاوتة من البنّي القاتم مع لمسات خفيفة من الذهبيّ الذي يلمع من بين طيّات قبّعته. هناك أيضا ومضات ذهبية على شعره الرماديّ وعلى وجهه.
    شخص رمبراندت في اللوحة ذو نوعية ضبابية، وإلى حدّ ما مُشعّة. أما الجزء السفليّ من جسمه، بما في ذلك اليدان، فيقع في الظلّ على نحو يذكّرنا بأسلوب كارافاجيو. وهذا التفصيل وظيفته جذب انتباه الناظر إلى وجهه الذي يُعتبر أهمّ جزء في اللوحة.
    تركيز رمراندت على وجهه وملامحه يرمز للشخصية أكثر من المهنة. ولو انه أراد الإشارة إلى مهنته لركّز على رسم اليدين. أي انه أراد في هذا البورتريه أن يرسم نفسه كإنسان فحسب أكثر من كونه رسّاما.
    لاحظ أيضا كيف انه وظّف تناوله للألوان والظلال لكي يضفي على عمله إحساسا بالعمق. رمبراندت أراد أن يخلق صورة واقعية لنفسه في فراغ ثلاثيّ الأبعاد، وهو هدف لطالما ناضل لتحقيقه في معظم أعماله. وفكرته هنا تتمثّل في اختياره التركيز على نفسه كموضوع وليس الترويج لنفسه كرسّام.
    وبالمقابل، هناك الكثير من الألوان في بورتريه ليستر الشخصيّ، من الفستان الزهريّ والأسود، إلى أطراف الأكمام والياقة البيضاء. ثم هناك الطلاء الأخضر الخفيف لذراع الكرسيّ الذي تجلس عليه، بالإضافة إلى الأزرق الشاحب لزيّ عازف الكمان الذي يُفترض أنها ترسمه. وعلى جانب من ياقتها الواسعة يمكن رؤية لمحة من ظلّ خفيف.

    لكن اللوحة تفتقر إلى الإحساس بالبعد الثلاثيّ. وهناك أجزاء كبيرة من فراغ اللوحة تبدو مسطّحة بما فيها الجزء الأعلى من الفستان الأسود الناعم. وقلّة الأبعاد في لوحتها يوحي بأنها اهتمّت برسم التفاصيل التي تروّج لنفسها، مثل أدوات الرسم ووضعية الجلوس، أكثر من اهتمامها بإظهار فراغ إنسانيّ حقيقيّ.
    الألوان في لوحة ليستر تعزّز هذه الروح الحيّة التي تضفي على البورتريه فرحا وثقة. إتّكاؤها على كرسيّها وابتسامتها يُظهِرانها بمزاج مريح ومسترخٍ. فمها مفتوح وحتى بعض أسنانها ظاهرة كما لو أنها تتكلّم أو تضحك، وهذا أمر غير مألوف عادة في البورتريهات الرسمية.
    وعازف الكمان الذي يُفترض أنها ترسمه يبدو انه، هو الآخر، مستمتع بمزاجها الفرح والواثق. وكلّ هذه التفاصيل يمكن أن تقدّم لمحة عن شخصية الرسّامة، كما أنها تشير إلى رغبتها في استخدام هذه الصورة كنوع من الدعاية والإعلان لنفسها.
    من جهة أخرى، يبدو مزاج رمبراندت في لوحته حزينا إلى حدّ كبير. نظراته عميقة وقلقة مع تغضّنات بارزة في الجبين وبين الحاجبين وعلى الوجنتين. والانفعال العامّ في صورته هذه هو القلق والتوتّر. وفي تضادّ تامّ مع أجواء التفاؤل والثقة بالنفس في لوحة ليستر، يصوّر رمبراندت نفسه هنا ضعيفا وواهناً. ومن الواضح أن اهتمامه مُنصبّ على تصوير حالته الانفعالية أكثر من الدعاية لشخصه.
    هناك أيضا شي آخر لافت، فـ ليستر رسمت نفسها على يسار الناظر، وهي وضعية عادة ما تكون مقتصرة على الرجال في لوحات القرن السابع عشر، كعلامة على الأهمّية والنفوذ. أما رمبراندت فقد رسم نفسه على يمين الناظر، وهذا يتوافق مع إحساسه بالكرب والهشاشة. هذه الوضعية تحيل انتباه الناظر مرّة أخرى إلى أهمّ عنصر في اللوحة، أي وجه الرسّام الذي ينظر بتوتّر واضح.
    التفاصيل في كلّ من هاتين اللوحتين توحي باختلاف الواقع. ضربات الفرشاة في لوحة رمبراندت خشنة وقويّة، في الخلفية وعلى الوشاح. وهو لم ينسَ أن يرسم التجاعيد على جبهته، كما رسم خصلات شعره البيضاء التي تبدو غائمة ومشوّشة. وباختصار، صوّر رمبراندت ملامحه الخارجية تصويرا أمينا وواقعيّا.
    لكن ماذا عن ليستر؟ لقد رسمت يديها ووجهها بنعومة واضحة، حتى أنها قامت بإخفاء الثنيات التي تظهر على الوجه والفم أثناء الابتسام. واستخدمت نفس النعومة في تصوير شعرها وياقتها وغطاء رأسها.
    لكنها وظّفت فرشاة خشنة في أماكن أخرى، على تنّورتها الزهرية مثلا. ومن الواضح أنها استلهمت هذا النوع من ضربات الفرشاة من فرانز هولس الذي كان رسّاما مشهورا ومعاصرا للرسّامة.
    وهي بهذا تريد أن تثبت أنها أتقنت أسلوب رسّام هولنديّ كبير، واضعةً نفسها في مكانة أعلى من تلك التي لمنافسيها. كما أنها تريد أن تثبت لمن يرى صورتها أنها يمكن أن تنجح وأن تبرز في مجال يهيمن عليه الرجال تقليديّا، أي الرسم.
    أما رمبراندت فقد أراد من خلال ظلاله الثريّة والغامضة أن يكشف للناظر عن طبيعته الانفعالية والروحية بإبراز تفاصيل وجهه وملامحه التي نفّذها ببراعة وإحكام.

    Credits
    rembrandtpainting.net
    rijksmuseum.nl

    Tuesday, August 15, 2017

    شولوكوف والدون الهادئ


    عندما يُذكر اسم ميخائيل شولوكوف فإن الذهن ينصرف مباشرة إلى روايته "الدون الهادئ" التي عمل عليها طوال خمسة عشر عاما ونال عليها جائزة نوبل للآداب عام 1965.
    العنوان الحرفيّ للرواية الأصلية هو "هادئاً يفيض الدون"، وهو كما أظنّ عنوان أجمل من العنوان المعتمد في الترجمة العربية، أي "الدون الهادئ".
    لكن، أوّلا، لماذا أصبحت هذه الرواية مهمّة ومشهورة؟
    هناك سببان، أوّلهما أن شولوكوف، الذي كان عضوا في مجلس السوفيات الأعلى زمن خروتشوف، كتبها وعمره لا يتجاوز الحادية والعشرين. والسبب الثاني انه رغم انتماء الكاتب للحزب الشيوعيّ، إلا انه نأى بروايته تماما عن الايدولوجيا، وهذا هو سرّ النجاح الكبير للرواية.
    كان شولوكوف يشعر بأهميّته ككاتب وكإنسان، كما كان عصيّا على الطاعة والانقياد، لذا لم يكن يتردّد في انتقاد أيّ احد. وشخصيّته إجمالا تلخّص السمات التقليدية التي تميّز سكّان جنوب روسيا الذي ينتمي إليه أيضا غوغول. كان شولوكوف وطنيّا متطرّفا، وهو أمر ليس بالمستغرب أو النادر بين الكتّاب والروائيين الروس.
    وهو يصف منطقة نهر الدون بقوله: أحد شاطئي النهر جرف طباشيريّ اللون مرتفع، والشاطئ الآخر منخفض رمليّ تتناثر فيه برك صغيرة ماؤها دافئ أزرق لمّاع يستطيع المرء أن يسبح فيه لساعات".
    وفي ثنايا الرواية، يتحدّث عن الربيع المبهج في الدون والطيور في بدايات الصيف والإوزّات الهادئة على أسطح البرك كجواهر مبعثرة، وعن البطّ الوحشيّ الذي يرسل صياحه بين الغدران الطافحة بالماء المتدفّق في الوادي، وعن طيور الماء المزقزقة في سماء الخريف والمرسلة صراخها فوق الأراضي البور الشاسعة.
    تتألّف رواية "الدون الهادئ" من أربعة أجزاء كُتب أوّلها عام 1928، وهي تتناول ثلاثة أحداث رئيسية: الحرب العالمية الأولى والحرب الأهلية الروسية وثورة أكتوبر عام 1917.
    والمؤلّف يعتمد في سرده على حقائق تاريخية وأماكن جغرافية حقيقية وبشر واقعيين.
    تبدأ الرواية أثناء الحرب الأولى في قرية تقع على ضفاف نهر الدون. البطل، غريغوري مليكوف، يعيش هنا مع عائلته ذات الأصول التتارية والتي تتألّف من والديه وشقيقته وأخيه المتزوّج.
    وغريغوري واقع في هوى امرأة متزوّجة تُدعى اكسينيا ذهب زوجها إلى الجبهة للمشاركة في الحرب. لكن الأهالي غير سعداء بتلك العلاقة، كما أن والده يريد تزويجه من ناتاليا التي تنتمي إلى عائلة موسرة ومعروفة.
    وأخيرا يتزوّج غريغوري فعلا من ناتاليا، لكنه لا يشعر معها بالسعادة رغم كونها امرأة طيّبة ووفيّة. وبعد بضع سنوات يعود إلى اكسينيا.
    في تلك الأثناء، تبدأ طلائع الشيوعيين بالظهور في القرية معلنين أنهم يحاربون من اجل تحقيق العدالة والمساواة. ويقرّر غريغوري الهرب مع اكسينيا وينتهي بهما المطاف في حقل يملكه ضابط جيش متقاعد يستأجرهما للعمل في حقله.
    وبعد فترة تأتيه رسالة من زوجته ناتاليا تبلغه فيها بأنها وضعت مولودة أنثى وتطلب منه أن يهجر اكسينيا ويعود ليهتمّ بها وبطفلتهما. لكنه يرفض، فتحاول ناتاليا أن تقتل نفسها.


    تمرّ الأيّام ويتمّ تجنيد غريغوري في الجيش، لكنه يشعر بالقرف من عمليات القتل وسفك الدماء التي يراها، مع انه هو نفسه جُرح مرارا وتمّ تكريمه بسبب ما أبداه من بسالة. ثم تأتيه رسالة من ناتاليا تفيد بوفاة ابنته.
    اكسينيا التي تُركت لوحدها في الحقل تشعر الآن بالوحدة واليأس. لذا يقوم ابن صاحب الحقل بمحاولة التقرّب منها. لكن غريغوري يكتشف ذلك، فيقرّر إنهاء علاقته بها والعودة إلى قريته وزوجته.
    وبعد فترة تضع ناتاليا توأما، بنتا وولدا. وشيئا فشيئا يبدأ الجند بالشعور بالإنهاك ويعتقد الجميع أن الحرب توشك على أن تضع أوزارها. لكن تلك الآمال سرعان ما تتبدّد مع تفجّر الحرب الأهلية الروسية ثم ثورة أكتوبر الاشتراكية.
    وهنا يختار غريغوري أن ينضمّ إلى البلاشفة، لأنه هو نفسه يحارب مظاهر الظلم الاجتماعيّ وانعدام العدالة.
    ورغم إيمان غريغوري القويّ بتلك المبادئ، إلا أن آماله سرعان ما تنهار عندما يُصدم بمقتل ضابطين من المعسكر المعادي. وعندما يعود إلى البيت، يقرّر أن يقاتل في صفوف الطرف الآخر. ومع ذلك لا يشعر بالرضا، لأنه يرى أن كلا طرفي الحرب الأهلية مستمرّان في ارتكاب الجرائم.
    وفي تلك الأثناء، يتزوّج ابن الضابط المتقاعد امرأة أخرى ويهجر اكسينيا التي تعود بدورها إلى زوجها الذي عاد الآن من الأسر. ثم تكتشف ناتاليا أنها حامل للمرّة الثالثة، لكنها غير سعيدة بالحمل فتقرّر إجهاض نفسها وتموت أثناء محاولتها تلك.
    غريغوري الآن يشعر بالإحباط والحزن الشديد جرّاء وفاة زوجته. ثم يقابل ابن أخيه الذي أصبح قائدا لفرقة البلاشفة في قريته، ويقرّر غريغوري الانضمام إليهم. ثم لا يلبث أن يتركهم ويلتحق بإحدى العصابات، لكنه يترك العصابة أيضا.
    في نهاية الرواية، يقرّر البطل العودة إلى اكسينيا. وبسبب امتداد رقعة الحرب، يقرّر الاثنان الهرب إلى مكان آمن، لكن كمينا يُنصب لهما في الطريق فتُقتل اكسينيا. وبينما هو يدفن جثّتها، يدرك كم أن الحياة عبثية وتعيسة وغير منصفة.
    غريغوري مليكوف، الإنسان الطيّب والمحبّ للعدالة، كان يبحث عن السعادة طوال عمره، لكنه لم يجدها. زوجته الوفيّة كانت نهايتها مأساوية. وحبّه العظيم لاكسينيا انتهى بمقتلها، وتلك الحادثة أيضا أدّت إلى تدميره هو.
    وغاية شولوكوف من الرواية هي إظهار وحشية الحروب التي تحطّم حياة البشر وتشتّت العائلات وتباعد ما بين المحبّين.
    ذات مرّة، وصف خروتشوف شولوكوف بأنه فنّان لامع وواصف فذّ. وفي عيد ميلاد الأخير، جاءه خروتشوف بنفسه في حفل عظيم ووشّح صدره بوسام ومنحه جائزة مالية ثم صحبه معه في رحلته إلى أمريكا.
    المعروف أن رواية "الدون الهادئ" وجدت طريقها إلى السينما ثلاث مرّات، كانت آخرها في فيلم أخرجه سيرغي غيراسيموف ولقي ترحيبا عالميّا ونال العديد من الجوائز.

    Credits
    the-tls.co.uk

    Thursday, August 10, 2017

    تكبيليك: سُلطان القلوب


    من الأشياء الجميلة التي اكتشفتها في أوّل عهدي بالانترنت موسيقى الفنّان التركيّ عمر فاروق تكبيليك. عذوبة ألحانه وأناقة توزيعه الموسيقيّ ومزجه الرائع بين الموسيقى العربية والتركية والفارسية واليونانية والاسبانية، بل وحتى موسيقى الجاز الأمريكيّ، هي من أهمّ سمات موسيقاه.
    في تلك الفترة، لم يكن تكبيليك قد اصدر سوى ألبوم أو اثنين، وأتذكّر أن عنوان أحدهما "ألِف"، وهو عنوان جميل وذو دلالة خاصّة، فالألِف هو أوّل حروف الأبجدية العربية، كما انه أوّل أحرف لفظ الجلالة "الله".
    وفي السنوات التالية وحتى الآن، أصدر العديد من المجموعات الموسيقية التي يربو عددها اليوم على السبع.
    في معظم صوره على الانترنت، يظهر تكبيليك وهو يعزف على الناي. وهو يتعامل مع هذه الآلة بطريقة ناعمة وحالمة. وقد تعلّم عزف الناي وهو في سنّ الثامنة، وفي الثانية عشرة أصبح يعزفه بحرفيّة. كما تلقّى دروسا على يد أشهر الموسيقيين الأتراك، مثل عصمت سيرال وأورهان كنج بيه وهو عازف وتريات وأحد ابرز ممثّلي الموسيقى المسمّاة بالأرابيسك.
    وما من شكّ في أن تكبيليك هو احد الموسيقيين الروّاد الذين أسهموا في نشر موسيقى الشرق في البلدان الغربية. كما أن استخدامه للعود والزورنا والقانون والباجلاما والناي ببراعة، أسهم في انتشار وشعبية هذه الآلات الشرقية في الغرب.
    ولد عمر فاروق تكبيليك عام 1950 في بلدة اضنة التركية القريبة من الحدود مع سوريا لأب تركيّ وأمّ مصرية. والمعروف أن هذه المدينة ظلّت دائما نقطة اتصال على الحدود بين الإمبراطورية الرومانية وعالم الشرق. لذا كان هناك على الدوام امتزاج ثقافيّ، بالإضافة إلى أن اضنة مشهورة بكثرة الموسيقيّين فيها.
    ومنذ صغره اعتاد تكبيليك الاستماع إلى أغاني التراث الصوفيّ. وهو ما يزال يتذكّر كيف كان يستلقي على العشب في مروج الأناضول وهو طفل بينما كان يرعى الغنم ويعزف الناي.
    وارتباط عمر فاروق بالتراث الصوفيّ واضح في أعماله. وهو يرى أن الروحانية والموسيقى عنصران متلازمان. "المتصوّفة يؤمنون بالوحدانية، وأينما نظر الصوفيّ فإنه يرى الله. وبالنسبة لي، الموسيقى نوع من العبادة وطريقة للاتصال بالخالق عزّ وجلّ".


    في سنوات طفولته، أرسله والده للدراسة في مدرسة دينية. وبعد سبع سنوات تخرّج وعُيّن إمام مسجد. لكن شغفه بالموسيقى أنساه كلّ شيء. "لقد باركني الله في اللحظة المناسبة عندما بدأت الأشياء تتّضح لي، وما كنت اطمح به حقّقه ربّي لي في النهاية".
    كانت الموسيقى تصدح في منزل والديه المتديّنين . "كان أبي يستمع إلى إذاعة القاهرة من مذياعه الصغير، وكان على دراية بكافّة أنواع المقامات الموسيقية".
    وعندما انتقل عمر إلى اسطنبول، قابل هناك بعض دراويش المولوية، وهي طريقة صوفية قديمة ومشهورة في تركيا. وقد راقته كثيرا طريقة مزجهم للشعر والموسيقى والرقص، وكان لذلك تأثير كبير عليه من الناحية الوجدانية والموسيقية. "إن الله هو أعظم عازف على الإطلاق، وموسيقاه تتردّد في كلّ زاوية من أرجاء هذا الكون، ونحن نسمعها في كلّ حين، وفي النهاية ما نحن سوى نفحة من روح الله".
    سجّل تكبيليك وأدّى ألحانه مع موسيقيين آخرين مشهورين، مثل نصرت فاتح علي خان وسيمون شاهين وعابدة برفين. كما تعرّف في الولايات المتحدة، حيث يعيش اليوم، إلى الموسيقيّ والعازف الأمريكيّ برايان كين.
    كان كين وقتها يبحث عن موسيقيين كي يشاركوه في تأليف الموسيقى التصويرية لفيلم عن حياة سليمان القانونيّ. وكان تكبيليك في ذلك الوقت يعزف مع فرقة تُدعى "السلاطين". وقد كان عمله في ذلك الفيلم ناجحا جدّا واستمرّ تعاونه مع كين منذ ذلك الوقت وحتى اليوم.
    يقول تكبيليك ردّا على سؤال عن هويّة موسيقاه: في الأساس موسيقاي تأتي من بلاد الهلال الخصيب. لكن هذه الأيّام لا توجد حدود، وأنا اعزف موسيقى من تركيا إلى المغرب. الموسيقى عابرة للقوميات، وأنا لا اشعر أنني انتمي إلى بلد معيّن ولا أفتخر بجنسية محدّدة. اشكر بلدي تركيا للأشياء التي منحتني إيّاها، لكني لست موسيقيّا تركيّا".
    ويضيف: احمد الله على أن كلّ إنسان يستمع إلى موسيقاي يتماهي معها ويشعر انه ينتمي إليها. إننا جميعا بشر وأبناء آدم، والمشتركات التي تجمعنا كثيرة جدّا. ولا يجب أن ننسى أن البشر مصنوعون من إيقاع ونغم، ونحن نبحث عن التناغم في كلّ شيء".

    Credits
    omarfaruktekbilek.com

    Saturday, August 05, 2017

    الرومانسيّة في العالم المعاصر

    إذا كنت تعتقد أن الرومانسيّة هي قصائد الحبّ وباقات الورد وشموع الليل المعطّرة، فعليك أن تعيد النظر في فهمك. فالرومانسيّة، في واقع الأمر، اكبر وأشمل من هذه الأشياء والارتباطات البسيطة.
    بدأت الرومانسيّة كحركة فنّية وفكرية وأدبية في ألمانيا وفرنسا في منتصف القرن الثامن عشر. وكانت روحها المحرّكة هي الثورة ضدّ المؤسّسة وضدّ القواعد والقوانين والأفكار والصيغ الجاهزة التي طبعت الكلاسيكية.
    كان الرومانسيّون يفضّلون الخيال على العقل، والمشاعر على المنطق. وكانوا يرون أن التعويل يجب أن يكون على المشاعر والفطرة كمرشد أساسيّ في الحياة بدلا من العقل والتحليل.
    كما كانوا يُعلون من شأن التعبير عن الذات والفردانية ويؤمنون بأن الناس يجب أن يخضعوا لما تمليه عليهم مشاعرهم التلقائية، بدلا من الاحتكام للقواعد والطقوس الباردة التي رسمها المجتمع البورجوازيّ.
    وكانوا أيضا ضدّ الآداب والتقاليد الاجتماعية، مفضّلين الصراحة والحديث المباشر. وكانوا يفترضون أن الأطفال أنقياء وطيّبون وأن المجتمع هو الذي يفسدهم.
    ومن سمات الرومانسيّة الأخرى أنها تكره المؤسّسات وتمجّد الأفراد الشجعان من خارج المؤسّسة الذين يقاتلون ببسالة ضدّ الوضع الراهن.
    كما أنها تحتقر التنظيم ودقّة المواعيد والوضوح والبيروقراطية والصناعة والتجارة والروتين. ورغم أنها تعترف بأن كل هذه الأشياء ضرورية، إلا أنها ترى أنها املاءات تعيسة فرضتها على الناس الظروف غير المواتية للحياة.
    والرومانسيّة تفضّل الجديد والخاصّ والنادر والمميّز والاستثنائي على القديم والمتكرّر والرتيب والنمطيّ والاعتياديّ.
    تأمّل هذه الحالة: أنت تعيش ضمن ثقافة تمارس عليك ضغطا كي تسايرها، كي تصبح مثل بقيّة الناس، ترغب في ما يرغبون وتفعل مثل ما يفعلون. ثم تبدأ في توجيه السؤال إلى نفسك: هل أصبح شخصا شاذّا أو غريب الأطوار إذا أردت أن أكون مختلفا، فلا ألبس ما يلبس الآخرون ولا أؤمن بما يؤمنون ولا أتصرّف مثل ما يتصرّفون؟
    إذا كنت قد فكّرت بمثل هذه الأسئلة، فإن هناك الكثير ممّا يجمعك بالرومانسيّين وبأكثر مما تظنّ. فالرسالة الكبيرة للرومانسيّة هي: كن نفسك ولا تذهب إلى حيث يذهب القطيع.
    كان الرومانسيّون أيضا يجنحون نحو الغموض والخرافة، واعتبروا الخيال أداة أو بوّابة إلى التجارب المتسامية والحقائق الروحية.
    وقد عادوا إلى القرون الوسطى، إلى الأفكار والأماكن القديمة، وأصبح لديهم اهتمام بالثقافات الشعبية وبأصول الثقافات العرقية والقومية.
    وكانوا يؤمنون أيضا بأن الطبيعة امتداد لشخصيّة الإنسان، وأن أنفاس الله تملأ الإنسان والأرض، وأننا لا يمكن أن نصبح سعداء دون أن نرتبط بالطبيعة بمعناها الكبير والشامل.
    وأكثر الشعراء والرسّامين الذين نعرفهم اليوم ولدوا من رحم الرومانسيّة، مثل بايرون وشيللي وكيتس وديلاكروا وجيريكو وغويا وفريدريش وبليك وكونستابل وتيرنر وكول وغيرهم. كان حبّ هؤلاء للطبيعة جارفا، وكانت أعمالهم تمتلئ بإشارات كثيرة عن الأشجار والأزهار والجبال والسحب والطيور والأنهار والمحيطات والغابات.. إلى آخره.
    كانوا يعتقدون أنهم بالجلوس تحت شجرة وبالنظر إلى ما حولهم واستنشاق الهواء في الطبيعة المفتوحة يتعلّمون الكثير. مرأى وردة يمكن أن يحرّك الدموع في عين شاعر، ومزهرية قديمة يمكن أن تغري رسّاما رومانسيّا بتأمّلها طويلا ورسمها.
    وكانوا يُسرّون برؤية المناظر التي لم تمسسها يد الحضارة. وليس بالمستغرب أن أطلال الحضارات القديمة كالإغريق والرومان والمصريين القدماء كانت أفكارا مفضّلة في الشعر الرومانسيّ.
    وقد تحدّث الرومانسيّون كثيرا عن الآثار، وعن الأواني والمزهريات والتماثيل والمباني المهدّمة من الثقافات القديمة، ووظّفوا كلّ هذه الأشياء كأداة للتأمّل في مرور الزمن وقِصَر الحياة.
    وكانوا أيضا مفتونين بالحياة البريئة لسكّان الأرياف. وحبّ الريف كما يعبّر عنه الأدب الرومانسيّ كان يرافقه غالبا إحساس بالحزن مردّه أن التغيير وشيك وأن طريقة الحياة البسيطة أصبحت مهدّدة بفعل التصنيع وزحف العمران.
    الرومانسيّة ما يزال لها وجود في عالم اليوم. ومن الصعب أن تسترسل في الحديث عن أيّ موضوع دون أن تستخدم إشارة أو وصفا رومانسيّا لشرح موقف أو حالة.
    لكن هناك من يرى بأن القليل من الرومانسيّة مفيد، والكثير منها ضارّ ويمكن أن يشكّل عقبة في طريق حياتنا.
    فبعض رسائل الرومانسيّة قد تدفعنا في اتجاهات خاطئة، فتثير آمالا غير حقيقية وتجعلنا غير صبورين مع أنفسنا. كما أنها تقمع رغبتنا في تفحّص دوافعنا وأفكارنا، ويمكن أن تبعدنا عن حقائق الواقع وتقودنا لأن نندم ونحزن على الظروف الطبيعية للوجود.

    Credits
    online-literature.com

    Sunday, July 30, 2017

    إيفان والعنقاء والذئب


    كلّ القصص أو الأساطير التي تتضمّن عنصر عنقاء أو ذئب عادةً ما تكون ممتعة ومثيرة للاهتمام. العنقاء لأنه رمز للتجدّد واستمرارية الحياة، والذئب بسبب طبيعته الجدلية والغامضة في مختلف الثقافات.
    تشير الأساطير القديمة إلى أن العنقاء (أو طائر النار كما يُسمّى أحيانا) له هيئة أشبه ما تكون بالطاووس، وريشه ذو ألوان برتقالية وصفراء وحمراء لامعة. وعندما يظهر في السماء ليلا فإن نوره يضيء الأرض التي تحته.
    والعلامة التي تدلّ على وجود هذا الطائر في بقعة ما هي عندما يعثر شخص على ريشة منه. وبعض الأساطير تقول إن ريشه يشعّ بالضوء حتى عندما يسقط عن جسمه. وكان الملوك في الأزمنة القديمة يسعون بشتّى الطرق لامتلاك هذا الطائر الخرافيّ وأسره وهو حيّ، لأنه - كما تقول الأساطير - يعزّز المكانة ويضاعف الثروة.
    لكن الرحلة إليه صعبة جدّا ومحفوفة بالمخاطر. والشخص الذي يُختار لهذه المهمّة يجب أن يتحلّى بالشجاعة والنبل وبالجرأة على اقتحام المخاطر والصعاب.
    من جهة أخرى، يُعتبر الذئب أكثر غموضا من العنقاء، وهو حيوان مختلَف عليه كثيرا. فهو طيّب في أساطير الرومان والإغريق، لكنه مرتبط بالخطر والدمار والشيطان في الأساطير الزرادشتية، لأن من خلقه هو اهريمان الشرّير.
    وفي الأساطير السلافية، يمكن أن يكون الذئب طيّبا أو شرّيرا، لكن في كلّ الأحوال فإن طبيعته لا تخلو من نبل.
    وإحدى أقدم الإشارات عن الذئب وردت في ملحمة غلغامش البابلية. كما ذكره ايسوب الإغريقيّ في أساطيره. وهو مذكور أيضا في الكتب السماويّة. القرآن الكريم، مثلا، ذكره ثلاث مرّات في سورة واحدة.
    والواقع أنه نادرا ما يجتمع العنقاء والذئب في أسطورة واحدة. لكن حكاية قديمة من روسيا جمعتهما معا في مغامرة بطلها شخص يُدعى إيفان تساريفتش. وتساريفتش اسم يعني بالروسية ابن القيصر.
    كان إيفان الابن الأصغر لأحد قياصرة روسيا، وكان له شقيقان آخران. وتحكي الأسطورة أن هذا القيصر كان يمتلك بستانا كبيرا للتفّاح. وفي صبيحة أحد الأيّام، وبينما كان القيصر يتمشّى في بستانه، ساورته الشكوك بأن شخصا ما يتسلّل إلى بستانه خلسة أثناء الليل ويسرق التفّاح.
    لذا أمر الحرّاس بأن يكمنوا ليلا داخل البستان بحثا عن السارق المجهول، لكنهم في النهاية لم يعثروا على أثر لأيّ شيء. واستمرّ اللصّ المجهول يسرق المزيد من التفّاح، ما أدّى إلى ازدياد غضب القيصر.
    وقد أتى إليه أبناؤه الثلاثة وتعهّدوا بأن يتناوبوا حراسة البستان على أمل أن يظفروا بالسارق الغامض. وفي الليلة الأولى كان الدور على الابن الأكبر ديمتري ليتولّى مهمّة الحراسة. لكن عندما انتصف الليل، غالبه النعاس فنام. وفي الصباح سأله والده إن كان قد رأى أحدا فأجاب بالنفي.
    ثم جاء الدور على الابن الثاني فاسيلي. وحدث له نفس الشيء، إذ عندما انتصف الليل فاجأه التعب فنام. وعندما سأله والده في الصباح إن كان رأى شيئا أجاب بلا.
    وفي الليلة الثالثة كان الدور على الابن الأصغر إيفان كي يحرس البستان. وقد اختبأ وراء إحدى الأشجار. وبينما كانت الساعات تمرّ ببطء، أحسّ بالنوم لكنه قاومه.
    وبعد منتصف الليل بقليل، فوجئ بأصوات صاخبة وخُيّل إليه انه يسمع صوت اصطفاق أجنحة، ثم أبصر نورا أضاء البستان كلّه. كان النور قويّا وكاشفا كما لو أن آلاف المصابيح أشعلت فجأة وفي وقت واحد.
    وعندما حطّ ذلك الشيء على فرع إحدى أشجار التفّاح، أدرك إيفان أن ما رآه كان طائر العنقاء. وأمسك بأنفاسه بينما كان يراقب الطائر بحذر وهو يأكل من الثمار. ثم عدا نحوه بأقصى ما يستطيع كي يمسكه من ذيله، لكنه طار مبتعدا وكلّ ما حصل عليه كان ريشة من ذيله.
    وفي الصباح، ذهب إيفان إلى والده وأخبره عمّا رآه في الليلة الفائتة. (لاحظ كيف أن جميع الأساطير تقريبا تشير إلى أن الابن الأصغر هو الذي ينجح دائما في المهمّة أو الامتحان بينما يخفق إخوته الكبار).
    بقيّة هذه الأسطورة الممتعة والطويلة إلى حدّ ما تروي كيف أن إيفان قرّر الذهاب في مغامرة طويلة للإمساك بالطائر الجميل وجلبه معه حيّا.
    ولحسن الحظ، استطاع كسب تعاطف الذئب الذي ساعده على إتمام مهمّته. (عادة في الأساطير، كلّما كانت المهمّة مستعصية أو صعبة، كلّما تعيّن على البطل البشريّ كي يحقّق هدفه النهائيّ أن ينشد مساعدة كائن آخر له قدرات سحرية أو ميتافيزيقية لا تتوفّر لدى الإنسان).
    المهم، في نهاية القصّة، يعود إيفان إلى والده القيصر، ليس بالطائر فقط وإنّما أيضا بقفصه الذهبيّ، وأيضا بأجمل أميرة في تلك النواحي. واللوحات الفنّية التي تجسّد القصّة تصوّر الأميرة واسمها "ايلينا" مع إيفان وهما يمتطيان ظهر الذئب الرماديّ في رحلة العودة من مغامرته.
    وعندما يعود إلى المملكة، يقرّر والده تزويجه من الفتاة ويعيش الاثنان في ثبات ونبات، كما تروي الأسطورة.
    قصّة إيفان والعنقاء والذئب تتضمّن عدّة عناصر نجدها في بعض أساطير ايرلندا وبلدان شمال أوربّا. وكلّ هذه الأساطير هي أيضا عبارة عن بحث طويل ومضنٍ عن هذا الطائر الذي يعيش في ارض بعيدة ويمكن أن يجلب لمن يصطاده إمّا الحظّ السعيد والثروة الطائلة وإما اللعنة والشقاء الدائم.
    الأساطير التي تتحدّث عن العنقاء عادة ما تبدأ بعثور شخص ما على ريشة ضائعة من ذيله. ثم يبدأ البطل مغامرته المثيرة في البحث عن الطائر ومحاولة أسره والعودة به حيّا.
    ومن الأشياء اللافتة أن العنقاء، وربّما أكثر من أيّ كائن أسطوريّ آخر، يتمتّع بحضور كبير في الأدب والشعر. كما انه حاضر في العديد من الأعمال الموسيقيّة وأشهرها باليه طائر النار لإيغور سترافنسكي.
    للحديث بقيّة..

    Credits
    ancient-origins.net