:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Thursday, April 27, 2017

سقوط غرناطة

بعض أحداث التاريخ تبدو صغيرة وغير ذات أهميّة ظاهريّا. لكنها قد تترك آثارا بعيدة وعميقة على مصائر أمم وشعوب بأسرها.
الزمان: الثاني من يناير عام 1492. والمكان: جنوب اسبانيا ذات يوم ربيعيّ.
الشمس مشرقة والسماء زرقاء والغيوم بيضاء ناعمة. ومن مسافة، في خلفية اللوحة فوق، يلوح قصر الحمراء فوق سفح تلّ وقد ظلّلته الغيوم.
منظر القصر الهادئ لا يعكس ما نراه في مقدّمة اللوحة من أجواء متوتّرة ومشحونة. الصورة تنقل مشهدا لحدث تاريخيّ هو استسلام غرناطة وإعادتها للحكم الاسبانيّ.
في الجزء الأماميّ، إلى اليمين، نرى فرديناند ملك اراغون على صهوة جواد اسود، وإلى يساره ايزابيللا ملكة قشتالة على حصان ابيض، وسط حشد من فرسانهما وحاشيتهما.
صورة الملكة هي المهيمنة، إذ تظهر محاطة بفرسانها ووصيفاتها، بينما يعتلي زوجها فرديناند ظهر حصانه وسط السلاح والأعلام.
وفي الجانب الأيسر من اللوحة، يظهر الملك أبو عبدالله الصغير وهو يسلّم مفاتيح المدينة إلى الطرف المنتصر.
ورغم أن السماء تبدو في أفضل حالاتها، إلا أن الأرض قاحلة والأشجار جرداء والطبيعة ما تزال في قبضة الشتاء ولم تتعافَ بعد من آثار الحرب.
ملابس فرديناند وزوجته ليست ملابس قتال، وما نراه هو اسبانيا المحتفلة بانتصارها على أعدائها.
لكن المثير للاهتمام هو ما لا تصوّره اللوحة. فإيزابيللا كانت ترى في نصر غرناطة حملة صليبية تُخاض من اجل مجد الربّ والكنيسة. لكننا لا نرى هذا بوضوح في الصورة. غير أن هناك صليبا كبيرا وسط الأعلام والرماح يظهر باعتباره عقيدة المنتصر.
فرانشيسكو براديللا ربّما يكون أشهر رسّام اسبانيّ في زمانه. وهو معروف بلوحاته التاريخية. وقد رسم هذه اللوحة بعد سقوط غرناطة بخمسمائة عام.
ومن الملاحظ أنه رسم الاسبان بعدد كبير، مقابل العدد القليل من الجند الواقفين في صفّ أبي عبدالله. كما أن العرب يتراجعون إلى الخلف في انصياع تقريبا، ولا يرفعون أيّ أعلام، بينما يقف الاسبان على الأرض بصلابة وثقة. وقد فعل الرسّام هذا عمدا كي يؤكّد على قوّة اسبانيا مقابل ضعف العرب وعجزهم العسكريّ.
كانت غرناطة آخر مملكة للعرب في اسبانيا. وكان استسلامها في نهاية النصف الثاني من القرن الخامس عشر يعني نهاية ثمانمائة عام من الوجود العربيّ والإسلاميّ في شبه جزيرة أيبيريا.
لكنه أيضا كان يعني توحيد اسبانيا لأوّل مرّة تحت تاج واحد ودين واحد بعد سبعمائة عام من الصراعات والحروب الأهلية.
وبعد وقت قصير سيستخدم الاسبان قوّتهم وثروتهم لبسط هيمنتهم على أمم أخرى، ولن تلبث اسبانيا أن تصبح أقوى قوّة مهيمنة في العالم.
سقوط غرناطة سيقود أيضا إلى محاكم التفتيش ورحلة كولومبوس لاكتشاف العالم الجديد. وبطريقة ما يمكن القول أن اجتثاث العرب من اسبانيا كان "بروفة" للكيفية التي سيتعامل بها الاسبان في ما بعد مع سكّان أمريكا الأصليين.
في شتاء عام 1496، فرضت الجيوش المشتركة لكلّ من فرديناند ملك اراغون وايزابيللا ملكة قشتالة حصارا على مملكة غرناطة الإسلامية.
وبعد سبعة أشهر، أي في الثاني من يناير عام 1497، استسلمت المدينة. وباستسلامها أسدل الستار على ثمانية قرون من الوجود العربيّ هناك.
هذا الحدث وحّد اسبانيا كأمّة، لأوّل مرّة، تحت حكم الملوك الكاثوليك. وكان له أيضا دوره في النجاحات المتعدّدة التي حقّقها الاسبان طوال المائة عام التالية في المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية.
لكن بعض المؤرّخين اعتبروا سقوط غرناطة مأساة للحضارة، لأنه فتح الباب أمام محاكم التفتيش وما رافقها من تنكيل بالعرب وباليهود.
كان أبو عبدالله الصغير ملك غرناطة وآخر ملوك دولة بني الأحمر يعرف أن لا فائدة تُرجى من مقاومة عدوّ يفوقه عددا وعدّة. لذا قرّر أخيرا أن يفاوض فرديناند وايزابيللا على معاهدة استسلام بشروط معقولة.
ووُقّعت الاتفاقية في الخامس والعشرين من نوفمبر عام 1491، منهيةً بذلك حربا بدأت عام 1482 وبلغت ذروتها بحصار المدينة عام 1491 والذي دام ستّة أعوام.
ونصّت المعاهدة على هدنة قصيرة، يعقبها تخلّي العرب عن السيادة على المدينة لملوك اسبانيا.


وقد خطب أبو عبدالله في جنده وأخبرهم ألا سبيل لمواصلة القتال وأن الاستسلام هو الخيار الأفضل. وتمّ تعيين رجلين من كلّ جانب للتفاوض على شروط الاستسلام، وحُدّد مكانا للمفاوضات قرية تبعد ثلاثة أميال عن غرناطة.
كانت مهمّة الرجال الأربعة تسهيل استسلام مدينة عظيمة كانت عاصمة لشعب حافظ عليها طوال ثمانية قرون. وكان الاسبان متوجّسين من كيفية التعامل مع أهالي المدينة المعروفين بحيويّتهم وبقدرتهم على التحدّي وصنع المعجزات.
وبعد مداولات طويلة، خرج المجتمعون باتفاق ينصّ على وقف القتال سبعين يوما وعلى استسلام المدينة وإطلاق كافّة الأسرى المسيحيين.
كما نصّ على أن يُقسِم أبو عبدالله يمين الولاء لإسبانيا وعلى أن يصبح سكّان غرناطة رعايا للعرش الاسبانيّ، مقابل أن يحافظ الحكّام الجدد على ممتلكاتهم ويضمنوا لهم ممارسة دينهم بحرّية وأن يُعفوهم من دفع الضرائب ثلاث سنوات ويسهّلوا سفر من يريد منهم مغادرة اسبانيا.
كما نصّت المعاهدة على أن يطلق الطرف المنتصر سراح الرهائن المسلمين بمن فيهم ابن أبي عبدالله نفسه.
كان لأبي عبد الله خصوم كثيرون من أبناء جلدته. وقد أدرك انه لن يأتيه عون وشيك من الخارج. لذا قرّر تقصير أمد الهدنة وحدّد يوم الثاني من يناير عام 1492 موعدا لتسليم المدينة.
لكن الاستسلام لم يكن بالمهمّة السهلة. فقائد جنده موسى بن أبي غسّان لم يكن مع الفكرة. وقد راجت أسطورة تقول انه بعد الهدنة اخذ هذا القائد عدّته من السلاح وخرج ليلا من معسكره. وفي الطريق اعترضته مجموعة من الفرسان الاسبان خارج أسوار المدينة فالتحم معهم وقام بمبارزتهم واحدا تلو الآخر وقتلهم جميعا إلى أن لقي هو مصرعه على يد المبارز الأخير.
في ذلك اليوم، تمّ تسليم قصر الحمراء. وقد توجّه فرديناند وايزابيللا مع بعض فرسانهما برفقة خمسين فارسا عربيّا لتسلّم القصر والقلعة.
ولمّا وصلوا، خرج إليهم أبو عبد الله الصغير ليقدّم لهم مفاتيح المدينة. وعندما رأى أبو عبدالله الملكة، ترجّل عن جواده وتقدّم باتجاهها كي يقبّل يدها. لكنها سحبتها بسرعة رغبةً منها في عدم إحراجه أو إظهاره بمظهر المتذلّل أو الخاضع.
ثم سلّم المفاتيح إلى فرديناند وقال له: هذه المفاتيح هي الأثر الأخير للعرب هنا، فحافظ عليها وكن في نصرك عادلا ورحيما".
بعد ذلك رُفع علم قشتالة على برج الحمراء وغادر أبو عبدالله القصر للمرّة الأخيرة، وذهب للالتحاق بزوجته ووالدته وبعض أتباعه وحاشيته الذين كانوا ينتظرونه في إحدى القرى القريبة.
وبينما احتفل المنتصرون الاسبان بانتصارهم، أغلق أهل غرناطة على أنفسهم أبواب بيوتهم كي يُخفوا شعورهم بالحزن والعار.
أما بالنسبة لايزابيللا وفرديناند فقد كان سقوط غرناطة انتصارا للصليب على الهلال. لذا اتّجها على الفور إلى جامع المدينة الكبير لمعاينته والصلاة فيه بعد أن جُهّز سلفا وحُوّل إلى كنيسة في انتهاك واضح لبنود المعاهدة التي لم يجفّ حبرها بعد.
ثم لم يلبث الحكّام الجدد أن دعوا العرب إلى اعتناق المسيحية أو مواجهة الطرد من البلاد. وقد ووجهت تلك الخطوة بتمرّد قام به أهالي المدينة عام 1500م. واستخدم الكاثوليك تلك الانتفاضة كمبرّر للقول إن العرب انتهكوا المعاهدة.
ورغم الضغوط المتزايدة من رجال الكنيسة الكاثوليك، إلا أن فرديناند فضّل انتهاج سياسة متسامحة نوعا ما مع العرب على أمل أن يؤدّي ذلك إلى دفعهم "لفهم أخطاء دينهم ومن ثمّ التخلّي عنه".
لكن جهود الكنيسة في تحويل المسلمين إلى المسيحية قسرا استمرّت بلا هوادة رغم تحذير بعض العقلاء من رجال الكنيسة من اتّباع ذلك الأسلوب باعتباره خطئاً وخرقا لأحكام المعاهدة.
عندما غادر أبو عبدالله الصغير غرناطة لآخر مرّة، وقف على تلّة عالية ليلقي نظرة الوداع الأخيرة على مدينته الجميلة. وقد سُمّيت تلك اللحظة وذلك المكان في كتب التاريخ بـ "تنهيدة العربيّ الأخيرة".
وفي ذلك المكان قالت والدة أبي عبدالله، واسمها عائشة الحرّة، عبارتها التي أصبحت مشهورة عندما رأت ولدها يبكي بحرقة متحسّرا على ضياع ملكه: ابكِ مثل النساء ملكا مُضاعاً لم تحافظ عليه مثل الرجال".
لكن من الظلم تحميل الرجل المسئولية عن ضياع حكم العرب. فطوال عشر سنوات، ظلّ يقاتل هو ورجاله جيوش الاسبان بكلّ شجاعة واستبسال على الرغم من أن العدوّ كان يفوقهم عددا وعدّة. ولم يكن أمامه في النهاية سوى الاستسلام، لأن البديل كان الانتحار العبثيّ والتضحية بما تبقّى من جنده وتدمير مملكته.
كان أبو عبدالله المنهك والحزين محاطا بأعداء كثر. لذا باع إلى ايزابيللا كافّة ممتلكاته بسعر زهيد، ثم عاد إلى المغرب. وبعد ثلاثين عاما من استسلام غرناطة، قُتل هناك في إحدى المعارك أثناء خدمته في جيش ملك فاس.

Monday, April 24, 2017

أصوات من الماضي


  • في بداية ستّينات القرن الماضي، اكتشف علماء آثار في مدينة اوغاريت السورية القديمة عدّة ألواح من الطين تعود إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد.
    وكانت تلك الألواح تحتوي على كلمات مكتوبة بالأحرف المسمارية. ثم تبيّن أنها عبارة عن نوتات لأقدم موسيقى تمّ اكتشافها حتى اليوم وعمرها يتجاوز 3400 عام.
    آن كليمر، الأستاذة المتخصّصة في الحضارة واللغة الآشورية نشرت في أوائل السبعينات كتابا عن تلك الألواح السومرية وعن النظرية الموسيقية المكتشفة فيها. ثم كتب علماء آخرون نظريّاتهم وآراءهم الخاصّة عن الموضوع.
    الاكتشاف الموسيقيّ أكّد أن السلّم الدياتوني المؤلّف من سبع نغمات كان موجودا قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام، وهو أمر يدحض آراء بعض علماء الموسيقى الذين ينفون وجود الهارموني في العصور القديمة ويزعمون انه لم يُكتشف إلا زمن الإغريق.
    اكتشاف اوغاريت الموسيقيّ غيّر جذريّا المفهوم السائد عن الأصول الأولى للموسيقى في العالم. لكن بصرف النظر عن النقاشات الأكاديمية، يثور سؤال عن طبيعة أو شكل هذه المقطوعة، أي أقدم موسيقى في العالم.
    الفيديو "فوق" يعطي فكرة عن هذا التوليف الغريب. والموسيقى يعزفها الملحّن مايكل ليفي على القيثارة، وهي آلة قريبة من الآلة الموسيقية التي عُزفت بها المقطوعة لأوّل مرّة.
    كليمر وأحد زملائها نشرا مؤخّرا كتابا مسموعا يضمّ معلومات عن موسيقى الشرق الأدنى القديم وشرحا عن الكيفية التي وصلت بها إلينا هذه الأغنية أو الترنيمة، بالإضافة إلى ترجمة كلماتها.

  • ترى كيف كان الإغريق يؤدّون أغانيهم؟
    بين عامي 750 و 400 قبل الميلاد، كان قدماء اليونانيين يؤدون أغانيهم بمصاحبة آلتي القيثارة والمزمار بالإضافة إلى عدد من الآلات النقرية، أي الطبول والدفوف وما في حكمها.
    واليوم وبعد مرور ألفي عام، عرف العلماء أخيرا كيف يعيدون بناء تلك الأغاني وكيف يعزفونها بطريقة دقيقة وقريبة جدّا من الطريقة التي كانت تُعزف بها في زمانها.
    على هذا الرابط يمكنك سماع ديفيد كريس، الخبير المتخصّص في آداب وفنون اليونان، وهو يعزف أغنية يونانية قديمة مأخوذة كلماتها من نقوش على الحجر ومؤلّفة لآلة قانون من ثمانية أوتار. أمّا اللحن فمنسوب إلى مغنٍّ إغريقي يُدعى سيكيلوس.

  • بعد أن استمعتَ إلى عيّنة من الموسيقى اليونانية القديمة، ربّما يخطر ببالك تساؤل آخر عن الكيفية التي كان بها الإغريق ينطقون أشعارهم وكيف كان شكل أصوات لغتهم القديمة.
    في هذا الفيديو ستستمع إلى قراءة من فصل من فصول ملحمة الإلياذة لهوميروس بلغته الأصلية التي كُتب بها. وقارئ النصّ هو ستانلي لومباردو أستاذ الأدب اليونانيّ في جامعة كانساس والذي سبق أن ترجم الاوديسّا والإلياذة من اليونانية إلى الانجليزية.
    ولومباردو يعرف الموادّ التي ترجمها جيّدا. وحتى الذين يجهلون اليونانية القديمة يمكنهم أن يشعروا بروح هوميروس وهو يسرد أخبار حرب طروادة وعودة الجند الطويلة إلى وطنهم.
    من الواضح أن لومباردو ترجم هذه الملاحم الخالدة بعد أن غمر نفسه بعمق في عوالمها. وصوته يبدو صادقا ومقنعا مثل صوت شاعر ملحميّ قديم. وربّما لو سمعه هوميروس نفسه لسُرّ به وأثنى على أدائه.

  • منذ زمن قديم، كانت الآكادية هي اللغة السائدة في بلاد ما وراء النهرين والشرق الأدنى القديم. لكنها اضمحلّت مع مرور الوقت، وشيئا فشيئا حلّت مكانها اللغة الآرامية.
    لكن اليوم، أي بعد أكثر من ألفي عام، عادت الآكادية إلى الواجهة من جديد بفضل جهود الدكتور مارتن وورثنغتون، الخبير في اللغة البابلية والآشورية، الذي بدأ تسجيل قراءات من الشعر والأساطير ونصوص أخرى بالآكادية، بما في ذلك ملحمة غلغامش.
    السؤال: كيف كانت ملحمة غلغامش، احد أقدم الأعمال الأدبية في العالم، تُقرأ بلغتها الأصلية؟
    في هذا المقطع ، يؤدّي بيتر برينغل بعضا من أبيات ملحمة غلغامش بلغتها الأصلية على أنغام آلة القيثارة السومرية القديمة.

  • Credits
    openculture.com

    Friday, April 21, 2017

    أقوال مأثورة

    قال كاتب ذات مرّة إن الأفكار الجيّدة هي أكثر من الكلمات وأكثر من اللغة. ولكي تقول فكرة رائعة، ينبغي أن تكون قد فهمت أشياء كثيرة عن الحياة وأصبح لك موقف تجاهها ووجدت طريقة للتعبير عن تلك الأشياء بشكل يحوّل تجاربك إلى فنّ.
    والعثور على فكرة جيّدة يشبه البحث عن معدن نفيس في منجم. في البداية، لا بدّ من استخراج أطنان من الأتربة والحجارة من باطن الأرض، ثم تنقيتها وغربلتها للعثور على حجر مختلف يُقطع بعد ذلك ويصاغ على هيئة جوهرة ثمينة بأيدي خبراء مهرة.
    ومن عادة الناس اليوم أن يتداولوا الأفكار والأقوال المأثورة التي تصف الحالة الإنسانية بعبارات موجزة، لكنها بليغة ومليئة بالمعاني العميقة.
    ومن العبارات التي تتكرّر دائما والتي لا بدّ وأن تكون قد قرأتها إمّا في مواقع الأدب أو في وسائل التواصل الاجتماعيّ عبارة تقول: إنني نادم، ليس على الأشياء التي فعلتها، وإنّما على الأشياء التي لم افعلها".
    هذه العبارة يبدو أنها تعبّر عن رأي الكثيرين ممّن يرون أنها يمكن أن تنطبق على أحوالهم وظروف حياتهم. لكن غالبا فإن مثل هذه المأثورات الشائعة كثيرا ما تُنسب إلى أكثر من شخص، وأحيانا إلى أشخاص مجهولين.
    والعبارة أعلاه ليس واضحا من أين أتت ولا من قالها. قد تكون وردت في قصّة أو في كتاب أو على لسان شخصية في فيلم سينمائي مثلا.
    لكنها أحيانا تُنسب إلى الكاتب الأمريكيّ مارك توين. غير انه حتى في المواقع التي تتحدّث عن أشهر أقواله لن تجد لهذه العبارة أثرا. لكن يُفترض أن توين قال بالنصّ: بعد عشرين عاما من الآن، ستندم على الأشياء التي لم تفعلها أكثر من الأشياء التي فعلتها. لذا أبحر بعيدا عن الموانئ الآمنة ومارس الاستكشاف والحلم".
    وأحيانا تُنسب نفس العبارة إلى شخص يُدعى روي كوكران، أو إلى هوميروس، أو إلى كاتب يُدعى انون، وفي بعض الأحيان إلى اينشتاين.
    وثمّة من يقول أنها لكاتب اسمه لوسيل بول، لكنه قالها بطريقة مختلفة: أفضّل أن اندم على الأشياء التي فعلتها أكثر من الأشياء التي لم افعلها".
    وقيل إن أصل العبارة منسوب إلى امرأة عاشت طويلا وكانت تتذكّر حياتها الماضية وتعبّر عن ندمها لأنها كانت ترغب في فعل أشياء كثيرة كي تسعد نفسها، لكنها لم تفعل لأنها لم تكن تريد إغضاب والديها.
    وهناك قصّة قصيرة عن حوار بين طفل ووالده. الطفل يسأل الأب عن معنى الندم فيجيبه عن سؤاله ثم يقول في سياق كلامه: من الأفضل أن تندم على شيء فعلته أكثر من أن تندم على شيء لم تفعله".
    لكن بصرف النظر عمّن قال تلك العبارة، فإنها أصبحت مشهورة ومتداولة على نطاق واسع رغم اختلاف الناس حول مدى مصداقيّتها أو انطباقها على ظروفهم.
    والحقيقة أننا جميعا نندم على أشياء كثيرة فعلناها وعلى أشياء كثيرة لم نفعلها. لكنّنا نندم أكثر على ما لم نفعله، بدليل انه لو واتتنا الفرصة لفعله الآن لفعلناه.
    والأشياء التي فعلناها وندمنا عليها يمكن أن يتجاوزها الزمن ويُنسى تأثيرها مع مرور الوقت. لكن في كثير من الأحيان يكون ندمنا على الأشياء التي لم نفعلها اكبر، وهو ندم لا يمكن أحيانا إصلاحه أو تجاوز آثاره.
    وهناك عبارة أخرى مشهورة ومتداولة كثيرا وتُنسب غالبا إلى اينشتاين تقول: لا اعرف بأيّ أنواع الأسلحة ستُخاض الحرب العالمية الثالثة، لكن الحرب العالمية الرابعة ستُخاض بالعصيّ والحجارة".
    وهذا الاقتباس يشبه هذا القول المنسوب إلى اللورد مونتباتن: إذا خيضت الحرب العالمية الثالثة بالأسلحة النووية، فإن الحرب الرابعة ستُخاض بالسهام والرماح".
    ونفس هذا القول يُنسب أيضا إلى اومار برادلي، وأحيانا إلى صحفيّ يُدعى والتر وينتشيل، والإشارة إلى هذا الأخير تعود إلى عام 1947، بينما نُقلت العبارة عن اينشتاين بعد ذلك بثلاث سنوات. وعلى الأرجح كان الأخير يردّد بشكل مختلف ما سمعه أو قرأه في مكان آخر، أي أن وينتشيل هو على الأرجح من قال هذه العبارة.
    وبالمناسبة، يقال أن اينشتاين كان مرعوبا من نتائج الحرب العالمية الأولى. وقد قضى وقتا طويلا يتأمّلها ويفكّر فيها بعمق. ثم ذهب إلى مؤتمر في جينيف. وكان يظنّ أن المجتمعين هناك سيناقشون وسائل نزع السلاح والتخلّص من كلّ أدوات الحرب.
    لكنه فوجئ بأن ممثّلي الدول المشاركة يناقشون أيّ الأسلحة يجب أن تُستخدم وأيّها ينبغي أن تُحظر. وقد صرّح للصحفيين بعد المؤتمر انه كان مذهولا ممّا سمعه، وقال إن الحرب لا يمكن أنسنتها، كما أنها لا تصبح اقلّ احتمالا بوضع قواعد للصراع. والشيء الوحيد المقبول والمجدي هو منع الحروب نهائيا.
    لكن أيّا يكن قائل تلك العبارة، فإنها لا تخلو من بلاغة في التصوير. ويُرجّح أنها قيلت لاكتساب حجّة سياسية أو أخلاقية لغرض حَشد الناس لقضايا السلم والتحذير من أخطار الحرب.
    لكن هل يصمد مضمون العبارة أمام التحليل العلميّ؟
    بعض المحلّلين يقولون انه لن تكون هناك حرب عالمية رابعة، ربّما لآلاف السنين. فحرب ثالثة من شأنها أن تبيد كافّة أشكال الحضارة على الأرض وتعيد البشر للعصر الحجريّ. وبعد ذلك ستنشب حروب قبلية وطائفية وقومية صغيرة تناسب العصر الحجريّ.
    والحرب النووية قد تُفني البشر وتُبقي على التكنولوجيا. ولو بقي بعد الحرب بشر قليلون فلن يعودوا بالضرورة إلى حال البشرية قبل ثلاثين ألف عام. وستظلّ بحوزة الناجين أسلحة وذخيرة بما يكفي لأن يبيد بعضهم بعضا.
    لكن هناك وجهة نظر أخرى تقول بأن الحرب العالمية القادمة لن تخاض بالأسلحة النووية الفتّاكة، وإنّما بأسلحة فضائية وبطائرات من دون بشر، أي بتكنولوجيا فائقة التطوّر.
    وعلى الأرجح لن تنشب مثل هذه الحرب في المستقبل المنظور، وإنّما بعد أن يكون البشر قد شيّدوا لهم مستعمرات على المرّيخ وغيره من الكواكب وأصبح بإمكانهم تسيير رحلات منتظمة بين الأرض وتلك العوالم البعيدة.

    Monday, April 17, 2017

    النباتيّة: رأي آخر

    قد تكون شخصا نباتيّا. وإن لم تصبح بعدُ كذلك، فقد يكون لديك صديق يحاول أن يقنعك بالمبرّرات الصحّية والأخلاقية التي تفرض عليك أن تتجنّب تناول اللحم وتصبح نباتيّا.
    النباتية فكرة جذّابة. وأكثر علماء الإنسان يقولون إن البشر في الأساس مخلوقات نباتية وأن أسلافنا الأوائل كان غذاؤهم مماثلا لغذاء القردة العليا، أي معتمدا على النباتات. وعلماء الغذاء، من جهتهم، يؤكّدون أننا نصبح أصحّاء أكثر إذا تمسّكنا بجذورنا النباتية.
    وأنصار النباتية يقولون انه منذ بدء الخليقة إلى اليوم، لا يستطيع الإنسان أن يمزّق سمكة أو لحم حيوان بيده، لأن وظيفة اليدين في الأساس هي قطف الخضار والفواكه. كما لم يخلق الله لنا أنيابا ولا مخالب لكي نطارد ونقتل الحيوانات ثم نفترس جثثها.
    وهناك رأي يقول انه منذ آلاف السنين، أي عندما كان البشر يعتمدون في عيشهم على النباتات، فإنهم ربّما أضافوا في أوقات الندرة بعض اللحم إلى طعامهم.
    النباتيون وأنصار النباتية يقولون أيضا أننا عندما نقتل الحيوانات لنأكلها فإنها تقتلنا، لأن لحمها يحتوي على كولسترول ودهون مشبعة، والحيوانات لم تُخلق لكي يأكلها البشر لأن غذاء الإنسان الذي خُلق له هو النباتات. وليس مستغربا أن آكلي اللحوم هم أكثر عرضة للإصابة بالسرطان والسكّر وغيرهما من الأمراض.
    وما يجعل فكرة النباتية أكثر إغراءً هو أن العديد من مشاهير العالم قديما وحديثا كانوا نباتيين. ومن هؤلاء الفيلسوف زينون الرواقي وأوفيد الشاعر الرومانيّ وليوناردو دافنشي الذي يعتبره البعض أوّل نباتيّ في أوربّا.
    أيضا ليو تولستوي وغاندي وبرنارد شو وبنجامين فرانكلين احد المؤسّسين الأوائل للولايات المتحدة كانوا جميعا نباتيين.
    ومما لا شكّ فيه أن المهاتما غاندي ومنهجه في اللاعنف تجاه الحيوان أسهم كثيرا في رواج فكرة النباتية في عديد من البلدان الغربية. والهنود يمثّلون الآن سبعين بالمائة من نسبة النباتيين في العالم. كما أن أكثر من أربعين بالمائة من سكّان الهند نباتيون.
    وهناك عامل آخر يرجّح فكرة النباتية ويتمثل في مبدأ تقديس الحياة الذي قال به البيرت شفايتزر وما يزال يُستشهد به كلّما كان هناك حديث عن الجوانب الأخلاقية للغذاء.
    لكن هناك من الأوّلين من قالوا بعكس هذا الكلام. الفيلسوف توما الاكويني، مثلا، رأى أن ليس للحيوان حرمة أو حقّ على الإنسان، ومن ثم فأكل لحمه جائز.
    وديكارت أيضا تبنّى نفس هذا الموقف، على الرغم من انه قال إن كلّ من يقسو على الحيوانات لا بدّ في النهاية أن يصبح قاسيا على البشر.
    لكن مؤخّرا صدر كتاب يشكّك فيه مؤلّفه اندرو سميث، وهو أستاذ فلسفة بيئية، في جدوى تبنّي النباتية كأسلوب غذاء وينفي أيّ حجج أخلاقية تجاه الحيوانات.
    وليس هذا فحسب، بل إن المؤلّف يدفعنا لأن نتخلّى عن بعض الافتراضات التي نعتبرها بدهية ولا تقبل الجدل، ويؤكّد انه من غير الممكن أن يصبح الإنسان نباتيّا أصلا.
    سميث نفسه كان نباتيّا لأكثر من ربع قرن قبل أن يتخلّى عن الفكرة. وقد اعتمد في آرائه على الأبحاث الأخيرة في علم النبات وايكولوجيا النظم وعلم الإنسان الثقافيّ لكي ينفي التمييز بين النباتيين والحيوانيين.
    وهو يشرح كيف أن الفروقات التي صنعناها في عقولنا بين النباتية والحيوانية تعكس نظرة عالمية تنتهي بتدمير الطبيعة. بمعنى انه لو كان جميع الناس يفضّلون اللحم على النبات بالكامل، أو العكس، لاختلّ توازن الطبيعة نتيجة استهلاك نوع واحد من الغذاء وإهمال الآخر.
    كما ينتقد المؤلّف الفكرة القائلة أن الحيوانات تأكل النباتات ونحن نأكل الحيوانات. وما يحدث فعلا، حسب كلامه، هو أن الحيوان يأكل النبات ونحن نأكل الحيوان والدود يأكلنا والنبات بدوره يأكل الدود .. وهكذا.
    وبهذه الطريقة فالإنسان لا يمكن أن يكون نباتيّا، لأنه حتى النباتات تتغذّى في النهاية على الحيوانات بعد نفوقها. وأيّا كان ما تأكله، فإنك في نهاية الأمر تأكل الحيوانات وكلّ شيء آخر، لأن الطبيعة بأكملها مترابطة وكلّ عنصر فيها يعتمد في وجوده على الآخر.
    ويقول: نحن جزء من شبكة غذاء ممتدّة ولسنا في قمّة هرم الغذاء لأنه لا توجد قمّة. وكلّ شيء يُودع في الأرض، من إنسان أو طير أو حيوان، يتحلّل ويختلط بالتراب، ومن ذلك الخليط تنمو مختلف أنواع النباتات والأشجار التي تتغذّى عليها الحيوانات والبشر الأحياء. أي أن كلّ كائن حيّ يأكل ويؤكل، وهذا شيء جيّد، لأن دورة الحياة تظلّ مترابطة ومستمرّة دونما انقطاع. والعالم يصبح أفضل إذا اقتنعنا بأننا أعضاء متكاملون في مجتمع الطبيعة.
    سميث أيضا ينفي الزعم القائل بأن أكل الحيوانات عمل متوحّش بحكم أنها تشعر وتعاني. ومثل هذا الدفاع يَفترض أن النباتات لا تعاني، وهذا غير صحيح. ويورد تجارب علمية تثبت كيف أن النباتات تعاني مثلها مثل الحيوان والإنسان.
    مثلا زراعة بعض النباتات في غير تربتها الأصلية ثم رشّها بالمبيدات الحشرية لإطالة عمرها كي تكمل دورة الحصاد يجعلها عرضة للأمراض ويُلحق الضرر بها وبالإنسان الذي يستهلكها وبالتربة.
    وبرأي سميث انه لو لم يتغذَّ البشر الأقدمون على طعام يحوي كمّيات من بروتين الحيوان، ما كان بالإمكان أن يتحوّلوا إلى مخلوقات ذكيّة وبنفس هذه السمات العقلية والجسدية التي يبدون عليها اليوم.
    ويضيف: قبل أكثر من بليوني عام، أصبح اللحم جزءا مهمّا من غذاء أسلافنا من البشر. والفرائس التي كانت تُقتل ثم تُحضّر بتقطيعها وتجهيزها كانت توفّر وجبات غذائية غنيّة بالسعرات الحرارية ويتطلّب مضغها جهدا اقلّ من مضغ جذور النباتات.
    كما أن طبخ الطعام جعل الأشياء أسهل، مع أن الطبخ لم يُعرف إلا مع اكتشاف النار منذ حوالي خمس مائة ألف عام.
    وأكل اللحم، كما يقول المؤلّف، كان خطوة ضرورية ومهمّة في مسيرة تطوّر الإنسان. وقد ثبت أن لحم الحيوان ضروريّ لنموّ دماغ الإنسان، كما انه غنيّ بالبروتينات والسعرات أكثر من النبات.

    Credits
    thetab.com

    Thursday, April 13, 2017

    رائحة الكتب

    تخيّل نفسك جالسا في مكتبة تراثية، تمدّ يدك وتأخذ كتابا قديما، تفتح صفحاته فتنعشك رائحته وتستنشقها بعمق.
    بعض الكيميائيين يقولون إن تلك الرائحة هي مزيج من النوتات العشبية: فانيليا فوق طبقة من المسك، بالإضافة إلى موادّ عضوية كالحبر والورق والغراء والنسيج.
    وما يحدث هو أن كلّ هذه الأشياء تتفاعل مع الضوء والحرارة والرطوبة، ومع مرور السنوات تطلق مركبّات عضوية تلتقطها أنوفنا بينما تترجمها أدمغتنا إلى روائح.
    وإحساسنا بالرائحة قريب جدّا من مركز الذاكرة في الدماغ. ومن هنا الارتباط الوثيق بين الذاكرة والروائح. والعلماء يحاولون، ليس فقط معرفة الآثار الكيماوية للكتب، وإنما أيضا كيف تؤثّر الروائح في الأشخاص الذين يشترونها.
    ورائحة الورق تختلف من كتاب لآخر تبعا لاختلاف الموادّ الكيماوية المصنوع منها. لكن يُعتقد أن لرائحة الكتب ثلاثة مصادر: الورق والحبر المستخدم في الطباعة والموادّ اللاصقة المستخدمة في تجليد الكتاب كالغراء والجلد وما في حكمهما.
    في بعض الأحيان تتأثّر الكتب بالبيئة المحيطة، وهذا هو السبب في أن لبعضها رائحة التبغ أو القهوة وأحيانا رائحة فراء القطط.
    وبعض الروائح يمكن أن تضيف لكتاب ما قيمة مالية وأهميّة تاريخية. مارك توين، مثلا، كان يمتلك قاموسا، وما يزال حتى اليوم ينفث رائحة تبغ مميّزة، والسبب هو أن توين كان مشهورا بتدخينه للسيغار والغليون.
    ذات مرّة قال فلاديمير نابوكوف: ما من شيء ينعش ذكريات زمن معيّن مثل رائحة مرتبطة به".
    وبالنسبة لالبيرتو مانغويل، فإن لرائحة الكتب دورا مهمّا في العلاقة الحميمة بين الإنسان والكتاب. ويقول انه كان على الدوام ينجذب لرائحة البسكويت الطازجة التي تفوح من صفحات الطبعات الشعبية للكتب.
    وإشارة مانغويل لرائحة البسكويت ليست بعيدة عن الواقع. فعلميّا يتألّف البسكويت من عنصرين: الفورفورال أي رائحة الخبز، والفانيللين أو الفانيليا. وهذان هما العنصران المسئولان عن رائحة البسكويت. ووصْف مانغويل يشي بعشق صاحبه للكتب، كما يمكن أن يعني أن الكتاب الذي له هذه الرائحة يمكن أن يكون بحالة تآكل واهتراء.
    وبعض الخبراء يقولون إن الكتب المصنوعة قبل عام 1850 لها رائحة مختلفة عن الكتب المصنوعة ما بين عامي 1850 و 1990، لأن معظم طباعة أواخر القرن التاسع عشر ومعظم القرن العشرين كانت تهتمّ بتقليل إشباع الورق بالماء كي يمكن الكتابة عليه.
    ومن المعروف علميّا أن حياة الكتب، وخاصّة المخطوطات، تؤثّر على رائحتها، وهذا يتضمّن عوامل مختلفة من قبيل المدى الذي سافر إليه كتاب ما وظروف تخزينه في أماكن رطبة أو جافّة. وبعض الكتب كانت تُنقل في خزانات خشبية أو على ظهور الخيول أو على متن سفن أو طائرات. وكلّ هذه العوامل لها تأثيرها على رائحة كتاب ما.
    ومعظم زوّار المكتبات القديمة يصفون رائحة الكتب فيها بأنها رائحة خشب أو دخان أو تراب أو فانيليا أو شوكولاتا أو قهوة.
    وعندما يتآكل كتاب، فإنه قد يطلق رائحة تشبه رائحة المزارع أو الملابس البالية أو الغرف القديمة. والسبب هو وجود مركّب كيماويّ يُدعى الهكسانول.

    يقال أحيانا انه لا يمكن الحكم على كتاب من غلافه. لكن الباحثين يعتقدون أننا يمكن أن نتعلّم الكثير من رائحة كتاب. وقد أصبح بالإمكان اليوم تحديد حالة وعمر أيّ كتاب باستخدام معدّات شمّ خاصّة تحلّل مزيج الموادّ المصنوع منها.
    ومثل هذه الطريقة يمكن أن تساعد المكتبات والمتاحف على تقييم ومراقبة سلامة مجموعاتهم من الكتب والاهتمام بخزنها والعناية بها.
    الكتب القديمة تحتوي عادةً على قدر اكبر من مركّب نسيج الخشب، وهذا هو السبب في أنها تميل إلى الاصفرار مع مرور السنوات بسبب التفاعلات الكيماوية التي تؤدّي إلى تدهور حالة الورق.
    ولتلافي هذه المشكلة أصبحت دور الطباعة اليوم تعمد إلى تقليل استخدام هذا المركّب للمحافظة على سلامة الورق لأطول فترة ممكنة.
    لكن أكثر ما يميّز الكتب القديمة هي رائحة الفانيليا التي تُستخدم بكثرة في صناعة الكعك والشوكولاتا والايسكريم. لذا يمكن القول إن رائحة الكتب القديمة تذكّرنا بالطعام.
    وبالنسبة للكتب التي تُطبع هذه الأيام، فإن الروائح الغالبة فيها مصدرها الموادّ الكيماوية مثل الايثيلين وبيروكسايد الهيدروجين. لذا ليس من المؤكّد ما إذا كانت هذه الكتب سيكون لها رائحة بعد خمسين أو مائة عام من الآن.
    وممّا لا شكّ فيه أن الشغف بالقراءة هو ما يقود الإنسان إلى الإمساك برائحة الكتب والمكتبات. ذات مرّة، كان احد الكتّاب يتجوّل داخل مكتبة قديمة. وقد كتب عن تلك التجربة يقول: شعرت بحنين لم اشعر به منذ فترة طويلة. رائحة الورق والحبر يمكن أن تثير ذكريات عن يوم صيفيّ على الشاطئ، أو عن ظهيرة خريفية في مقهى، أو عن جلسة على كرسيّ وثير بجانب المدفأة بينما ينهمر المطر على زجاج النافذة".
    ووسط هذا التأمّل الصامت، اخذ يفكّر في مزايا أجهزة القراءة الاليكترونية مثل كيندل وايباد وغيرهما. وتذكّر وظيفة البحث السهل وسهولة النقل من مكان لآخر والقدرة على مشاركة أصدقائه في الفقرات المفضّلة من كتاب.
    ثم غادر المكتبة دون أن يشتري شيئا، على الرغم من اعترافه بأن مزايا القراءة الاليكترونية لا يمكن أن تعوّض متعة تصفّح كتاب ورقيّ.
    وقال كاتب آخر واصفا الكتب الاليكترونية: هذه ليست كتبا لأنها لا تصدر رائحة. والكتاب ينبغي أن تكون له رائحة".
    وربّما لهذا السبب ابتكر بعض المصمّمين مجموعة من العطور والكولونيا والشموع المعطّرة التي تساعد على استثارة رائحة الورق القديم لدى القارئ. فإذا كنت مثلا تفضّل قراءة الكتب الاليكترونية، لكنّك ما تزال تريد رائحة تذكّرك بالورق، فيمكنك استخدام بعض هذه العطور التي تحاكي روائح الكتب القديمة.
    وأشهرها عطر اسمه كتّاب ميّتون (Dead Writers)، وهو مزيج من نكهات الشاي والمسك والفانيليا والتبغ. وتقول عنه الشركة المصنّعة انه يثير شعورا بالجلوس في مكتبة قديمة وتقليب صفحات صفراء من كتاب لهمنغواي أو شكسبير أو فيتزجيرالد.
    وهناك أيضا عطر اسمه في المكتبة (In The Library)، وثالث اسمه الشغف بالورق (Paper Passion)، ورابع باسم طبعة شعبيّة (Paperback). والأخير يوصف بأن له رائحة ورق قديم مع نفحات بنفسج ومسك وأوراق ورد مجفّفة.
    وكلّ هذه العطورات تتضمّن معنى اكتشاف مغامرة التنوير والمعرفة والتوق إلى التراث القديم من خلال القراءة.

    Credits
    smithsonianmag.com

    Monday, April 10, 2017

    إكسير الشباب

    كثيرة هي القصص التي تتحدّث عن أشخاص عاشوا حياة طويلة وامتدّ بهم العمر أحيانا إلى ما يزيد عن المائة عام.
    وفي العالم اليوم، هناك بالفعل مجموعات من البشر يعيش أفرادها أكثر من مائة سنة، وما يزال بعضهم على قيد الحياة ويتمتّعون بكامل قواهم الجسدية والعقلية.
    ترى ما هو سرّ أو أسرار الحياة الطويلة والسعيدة؟
    في الواقع هناك العديد من القصص عن أشخاص معمرّين. لكن تجاربهم وأساليب عيشهم مختلفة ومتباينة. ولا يمكنك الخروج منها باستنتاجات واضحة أو قاطعة عن سرّ العمر الطويل.
    في ايطاليا، مثلا، عاشت امرأة مائة وخمسة عشر عاما. وقالت إن السبب في أنها عمّرت طويلا هو أنها ظلّت عزباء طوال حياتها لأنها "لم تكن ترغب في أن يسيطر عليها احد". وعلى امتداد حياتها الطويلة لم تعانِ من أيّة أمراض، باستثناء فقر الدم الذي عالجته بتناول البيض الطازج يوميّا.
    وهناك "مئويّون" آخرون يقولون إن سرّ العمر المديد ربّما يكمن في تناول الحبوب والمكسّرات يوميّا.
    وفي الولايات المتحدة، عاشت امرأة في مزرعة أهلها إلى أن جاوز عمرها المائة وعشر سنوات وظلّت محتفظة بلياقتها العالية وكانت لا تأكل إلا ما يُنبتونه في مزرعتهم من فواكه وخضار.
    وهناك تحقيقات صحفية عديدة نُشرت على مدى سنوات عن شعب يقال له "الهونزا" يعيش أفراده على سفوح جبال الهمالايا عند تقاطع الحدود بين كشمير والصين والهند وأفغانستان وباكستان.
    وهؤلاء لا يصابون بالسرطان ولا بغيره من الأمراض المستعصية ويعمّر الواحد منهم مائة عام أو أكثر.
    وما يثير الانتباه في قصّة الهونزا هو أن نسبة التعليم بينهم تتجاوز التسعين بالمائة وكلّ فرد منهم تحصّل على التعليم الثانويّ على الأقلّ.
    وعدد أفراد هذه القبيلة يربو على الثلاثين ألفا. والوادي الذي يعيشون فيه يرتفع ثلاثة آلاف متر عن سطح الأرض. كما انه مقطوع تقريبا عن العالم الخارجيّ. ووادي الهونزا موطن لأربعة أعراق وديانتين. لكن غالبيّتهم مسلمون على المذهب الاسماعيليّ.
    وهم يعيشون حياة بسيطة جدّا ويُعتبَرون شعبا ودودا ومحبّا للآخرين. ولغتهم هي مزيج من المقدونية القديمة والفارسية.
    وتاريخيّا يسود اعتقاد بأن الهونزا تزاوجوا مع جنود من جيش الاسكندر المقدونيّ ممّن قدموا إلى المنطقة من بلاد فارس واستقرّوا فيها حوالي القرن الرابع قبل الميلاد.
    وكان للهونزا في الماضي مملكة مستقلّة وملك كان يُلقّب بـ "المير". وعلى مرّ قرون عديدة، شهدت منطقتهم هجرات كثيرة واستوطنتها قبائل وأعراق متعدّدة بسبب جمال طبيعتها وكثرة محاصيلها واعتدال هوائها.
    ورغم أن الهونزا ليسوا نتاج أسطورة ولا يقطنون أرضا يوتيوبية، إلا أن الفرد منهم يمكن أن يعيش حتى سنّ العشرين بعد المائة أو أكثر من ذلك. والذين يبلغون منهم سنّ السبعين يبدون كما لو أنهم في الخامسة والأربعين. أما النساء فيمكن، كما قيل، أن يحملن ويلدن حتى بعد بلوغهنّ سنّ الستّين.
    والهونزا يكتفون بوجبتي غذاء في اليوم، الأولى في منتصف النهار رغم أنهم يستيقظون عند الخامسة فجرا. وهذا أمر غريب بالنظر إلى أن معظم الأطبّاء يؤكّدون على أهميّة وجبة الفطور. أما الوجبة الثانية فيتناولونها في بدايات المساء.
    وغذاؤهم طبيعيّ، أي ممّا يزرعونه في حقولهم من خضار وفاكهة. وهم لا يستخدمون أسمدة أو مخصّبات كيماوية لأن قوانينهم تحظر رشّ النباتات بالمبيدات.

    يقول رينيه تيلر مؤلّف كتاب اسمه "أسرار الصحّة عند الهونزا" إن حكومة باكستان أمرتهم برشّ مزارعهم بالكيماويات لاتقاء خطر الجراد. وقد رفضوا ذلك واكتفوا برشّها بالماء الممزوج بالرّماد لأنه يحمي الأشجار ولا يسمّم النباتات أو البيئة.
    وطعام الهونزا متقشّف للغاية ويتألّف غالبا من الحبوب والخضار والفاكهة، كالبطاطس والفاصوليا والجزر والسبانخ والعدس والتفّاح والمشمش والخوخ والكرز واللوز والكستناء.
    وهم لا يأكلون اللحم إلا في المناسبات الاجتماعية كالزواج والختان ونحوهما. والدجاج هو المصدر الطبيعيّ لحاجتهم من البروتينات.
    أما مياه الشرب فيحصلون عليها من الأنهار الجليدية في أعالي الجبال، حيث الماء طبيعيّ وعذب ومنشّط. ومن عادتهم أن يُحدثوا حُفَرا وسط أنهار الجليد المتجمّدة ويعوموا تحت الثلج لما في ذلك من فوائد على الصحّة والمزاج.
    وكان عالم أمريكيّ قد ذهب إلى مناطقهم وقضى معهم سنوات في محاولة للتعرّف على سرّ شبابهم الدائم وفي أنهم يعمّرون طويلا. وقام بتحليل المياه في الجبال ووجد أنها تحتوي على كميّات كبيرة من الهيدروجين وعناصر أخرى. ويقال إن سمات هذا الماء لا تتوافر إلا في أماكن قليلة من العالم، مثل ينابيع جبال القوقاز وبعض مناطق الصين والانديز.
    وبحسب أطبّاء أجانب زاروا أرض الهونزا في فترات مختلفة، فإنه لم تُسجّل بين الأهالي حالات لمشاكل القلب أو الضغط أو السكّر أو الكولسترول.
    وقيل إن احد الأسباب يمكن أن يُعزى إلى كثرة تناول ثمار المشمش، المجفّف خاصّة، المزروع هناك بكثرة. والهونزا لا يأكلون الأغذية المعلّبة ويكتفون بالفواكه الطبيعية. وهم يعملون في الحقول من شروق الشمس حتى غروبها.
    ممّا سبق، يمكن أن نستنتج أن التعليم عامل مهمّ وسبب من أسباب الحياة الطويلة. فالإنسان بحاجة إلى تعليم جيّد يحفّزه على القراءة والتفكير. ومن المثير للانتباه أن الهونزا كلّهم متعلّمون، والحياة الصحّية تحتاج لعقل سليم وقابل للتطوّر. كما أن التعليم الذاتيّ والتأمّل يمكن أن يساعد الإنسان على تفهّم رغباته واحتياجاته.
    كما يبدو أن لا صحّة لما يقال أحيانا عن أن كون الإنسان أعزب أو متزوّجا له دور في طول الحياة أو قصرها. فالمهمّ في نهاية الأمر هو العلاقات الصحّية وأسلوب العيش السليم.
    وبعض الأطبّاء يؤكّدون على أهمّية أن يعبّر الإنسان عن مشاعره بلا قيود وألا يكبتها ويرون أن ذلك شرط أساسيّ لحياة سعيدة وخالية من الهموم. وفي كلّ الأحوال، على الإنسان أن يدرك أن ما يهمّ حقّا هو حياته وحياة الأشخاص القريبين منه والذين يحبّهم.
    ومن محفّزات الحياة المديدة أن يتجنّب الإنسان كلّ ما يؤدّي إلى التوتّر والإجهاد الذهنيّ وأن يظلّ على تماسّ مع الطبيعة وأن يختار مكانا هادئا للعيش.
    ودائما يجب أن تحرص على أن تتناول طعاما طبيعيّا، وإذا لم تجده فازرعه. وشعب الهونزا يزرعون طعامهم بأنفسهم ولا يعرفون البيتزا والوجبات الجاهزة والسريعة، لذا يندر أن يصابوا بالسرطان أو بأمراض القلب القاتلة.
    كما أنهم يحرصون على أن يستمتعوا بمنظر شروق الشمس وغروبها كلّ يوم. وعندما يموتون فإنهم يموتون كبارا وسعداء ويرون من الحياة أكثر ممّا يرى الآخرون.
    أيضا لوحظ أنهم يقضون ساعات طويلة في العمل بمزارعهم. صحيح انه عمل جادّ ومتعب أحيانا، لكنه يحافظ على قوةّ ومرونة العضلات ويمدّ الإنسان بالطاقة والحيوية اللازمة.
    النشاط الجسديّ وتمارين المشي المنتظمة مهمّة جدّا للجسد والذهن معا. ومن الخطأ إهمال الرياضة أو التغافل عن أهميّتها، أخذا بقاعدة "العقل السليم في الجسم السليم".
    وفي الختام أتمنّى للجميع الصحّة والعافية والعمر المديد.

    Credits
    independent.co.uk

    Thursday, April 06, 2017

    موسيقى ليليّة


    من أشهر مؤلّفات موزارت "الموسيقى الليليّة رقم 13 للوتريات في مقام الجي الكبير"، والتي أكملها في فيينا عندما كان يكتب أوبرا دون جيوفاني.
    وهذه الموسيقى تُعزف اليوم وتُسجّل على نطاق واسع ويُعجَب بها الناس بسبب نوعيّتها المرحة والمباشرة وأنغامها المألوفة والخفيفة.
    وقد أصبحت مع مرور الأيّام مثالا رائعا على جاذبيّة وجمال وتنوّع الموسيقى الكلاسيكية. يكفي أن تستمع إلى نغماتها الأولى الخالدة لتعرفها وتألفها. ولن تستغرب إذا ما داومت على سماعها مرّة بعد أخرى دون أن ينالك إحساس بالملل.
    ألّف موزارت هذه الموسيقى أساسا لفرقة الغرفة، وكان ذلك في العام 1787. كانت نيّته في البداية أن تُعزف بكمانين وفيولا وتشيللو، لكنها أصبحت في الغالب تُؤدّى بأوركسترا وترية.
    والحقيقة انه لا يُعرف لماذا ألّف هذه القطعة أو ما هي مناسبتها. لكن المؤرّخ هيلدشايمر يذكر أن معظم مؤلّفات موزارت الليليّة كُتبت بناءً على تكليف من أشخاص، وهذه القطعة لم تكن استثناءً.
    كما يذكر هيلدشايمر أنها أكثر أعمال موزارت شعبية، مشيرا إلى أنها أصبحت تُعزف في كلّ مكان بسبب نوعيّتها العالية وجوّها الذي يشيع المرح والسرور.
    في البداية لم يعطِ موزارت القطعة عنوانا، لكنه كتب في مفكّرته انه ألّفها كـ "موسيقى ليليّة صغيرة". وهي لم تُنشر إلا في عام 1827، أي بعد زمن طويل من وفاته.
    وقد باعتها أرملته كونستانزا إلى ناشر يُدعى يوهان اندريه عام 1799 كجزء من عدد أكبر من مؤلّفاته التي طُرحت في ذلك الوقت للبيع.
    وتتألّف الموسيقى، المكتوبة بأسلوب السوناتا، من أربع حركات: الأولى الليغرو، والثانية رومانزا أو اندانتي، والثالثة مينيوتو أو الليغريتو، والحركة الرابعة والأخيرة روندو.
    مصطلح الموسيقى الليليّة، أو السيرينيد كما تُسمّى عادة، ظهر لأوّل مرّة في نهاية القرن الثامن عشر واستُخدم لوصف عمل موسيقيّ تؤدّيه موسيقى الغرفة في مناسبة اجتماعية. وهذا النوع من الموسيقى كان يتمتّع بشعبية كبيرة في أوربّا، خاصّة في فيينا التي قضى فيها موزارت آخر عشر سنوات من حياته.
    في ذلك الوقت، كان من المألوف أن تعزف الفرق الموسيقية الألحان الليليّة في متنزّهات وحدائق فيينا، وأصبح تأليف مثل ذلك النوع من الموسيقى مصدر ربح كبير للمؤلّفين الموسيقيين.
    لكن الشعبية الكبيرة جدّا لموسيقى موزارت هذه لم تتحقّق إلا قبل نهاية القرن الماضي، وبالتحديد عندما ظهرت في فيلم "اماديوس" الذي تناول حياة وموسيقى موزارت.
    في الفيلم تظهر لقطة للموسيقيّ الايطالي سالييري، الذي يُفترض انه المنافس الكاره لموزارت، وهو يتمتم بالألحان الأولى من هذه المقطوعة ، مبدياً أسفه وحزنه على انه لم يؤلّف مثل هذه الموسيقى الرائعة لأنها أصبحت أكثر شهرةً من جميع أعماله.
    وطوال القرن العشرين، أصبحت المقطوعة أيقونة من ايقونات الموسيقى الكلاسيكية. وبسبب انتشارها الكبير والعناصر الموسيقية المتنوّعة التي تتضمّنها من أنغام ونسيج وهارموني، رأى بعض النقّاد أنها يمكن أن تكون بداية لاجتذاب الأجيال الجديدة إلى الموسيقى الكلاسيكية.
    في العصر الكلاسيكيّ، كانت المينيويت بالذات، أو المينيويتو، احد أكثر أشكال الرقص شعبية، كان فيها نبل وجمال وسحر. وكانت تُؤدّى في القصور وأحيانا كانت تُؤلّف للسخرية من الفلاحين.
    وأكثر مينيوهات هايدن، أستاذ موزارت، التي ألّفها لبلاط عائلة استراهازي كانت تتضمّن إيقاعات ريفية. موزارت نفسه كان يرى فيها بساطة وجمالا في الوقت نفسه.
    السيرينيد أو المعزوفة الليليّة سُمّيت بهذا الاسم لأنها في الأساس خفيفة وناعمة ومسلّية. وكثيرا ما كانت تُعزف لتسلية النبلاء وضيوف القصر أثناء تناولهم الطعام.
    موسيقى موزارت نفسها لا تبدو مكتملة من دون هذه المقطوعة. وما من شكّ في أن الحركة الأولى منها هي الأشهر. لكن عندما تألف سماع الرومانزا والمينيوتو والروندو فتستمتع بها كلّها، بقدر استمتاعك بالحركة الافتتاحية.

    Credits
    blog.mcdaniel.edu

    Sunday, April 02, 2017

    آكلو اللوتس


    يذكر هوميروس في الاوديسّا أن اوديسيوس ورجاله، بعد مغادرتهم أرض ايسماروس، فوجئوا بعواصف بحرية عاتية عطّلت رحلتهم لأيّام. ثم لاحت لهم من بعيد ارض جزيرة غريبة.
    وعندما وصلوا إلى شاطئ الجزيرة، أرسل اوديسيوس بعض رجاله ليستكشفوا ما بداخلها. ووجدوا هناك جنساً رقيقاً من البشر يُدعون "آكلي اللوتس" ويتغذّون على نوع من الفاكهة الزهرية.
    وقد عرض سكّان الجزيرة على البحّارة أن يأكلوا شيئا من تلك الفاكهة. ولمّا تناولوها أصيبوا بالدوار ونسوا أن يعودوا إلى سفينتهم.
    وعندما تباطأ اوديسيوس عودتهم، ذهب ليبحث عنهم ووجدهم في حال من الخُدر والنسيان. ثم قام بسحبهم بالقوّة إلى السفينة.
    ورغم أن الجزيرة ممتعة وسكّانها طيّبون ومضيافون، إلا أن اوديسيوس طلب من بحّارته الابتعاد عنها بسرعة خوفا من أن ينجذبوا إلى فاكهتها المُسكرة. ثم قام بتقييدهم في السفينة إلى أن زال عنهم تأثير اللوتس الذي أكلوه.
    هوميروس يذكر أن كلّ شخص يتناول تلك الفاكهة التي لها طعم العسل سرعان ما يفقد رغبته في مغادرة الجزيرة أو العودة من حيث أتى.
    وكانت رغبة البحّارة هي أن يبقوا هناك مع سكّان الجزيرة يأكلون من فاكهتهم وينسون أمر العودة إلى وطنهم. يقول اوديسيوس واصفا تأثير اللوتس العجيب على رجاله: كانوا يبكون عندما كنت ادفعهم إلى السفينة دفعاً".
    أرض آكلي اللوتس تبدو أشبه ما تكون بجنّة أسطورية. المشكلة انك عندما تصل إليها فلن تستطيع مغادرتها أبدا. وبعد أن تتذوقّ اللوتس، لا يمكن أن تأكل أيّ شيء آخر.
    وأرض اللوتس هي عقبة أخرى يتعيّن على بطل الاوديسّا أن يجتازها في طريق عودته إلى الوطن، تماما مثل جزيرة كاليبسو وفتنة السيرانات الجميلات.
    من السهل أن تبقى مع آكلي اللوتس وتعيش بينهم بسعادة وتصرف النظر عن مواصلة رحلة عودتك إلى الوطن ورؤية عائلتك، وهذا ما كان يتخوّف منه اوديسيوس المتطلّع إلى بلوغ وطنه في إيثيكا ورؤية زوجته وولده.
    وعندما نتأمّل في تفاصيل القصّة، يمكن لنا أن نفترض أن اللوتس هو نوع من المخدّر. والمخدّر من طبيعته انه يغيّم العقل ولا يصفّيه. وهذا يفسّر شعور آكلي اللوتس بالدوار. والمعنى هنا يكمن في أن على البطل، أي اوديسيوس، أن لا يستسلم للمتع عديمة القيمة إذا ما أراد أن يستمرّ في نضاله الطويل من اجل تحقيق هدفه النهائيّ.
    وأرض آكلي اللوتس كانت حيلة أخرى لإلهائه وصرف انتباهه عن غايته الأصلية، لكنه ينتصر على ذلك الإغراء بفضل إرادته وعزيمته القويّة.
    لكن عندما يكون الإنسان قد مرّ بمتاعب وتحديّات خطيرة، كتلك التي خَبِرها اوديسوس ورجاله، فما الذي يمكن أن يطلبه غير النسيان؟!
    إن الامتحان الحقيقيّ ليس في اللوتس بحدّ ذاته، وإنّما في إغراء التحرّر من المعاناة والحزن التي اُتيحت للبحّارة في الجزيرة.
    وأحد أهمّ دروس هذه الحكاية هو أن لا تستسلم أو تنخدع بظلال الجنّة عندما تعرف جيّدا أن الجنّة الحقيقية تقع، ليس في منتصف الطريق وإنّما في نهايته، مع كلّ ما يمكن أن يحمله ذلك من مخاطر وصعوبات.
    أحيانا تكون الطريقة الوحيدة لكسب مسابقة ما هي أن لا تنافس على الإطلاق، بل أن تحوّل وجهك بعيدا وتواصل حركتك للأمام.
    أيضا هناك في القصّة معنى مجازيّ روحيّ، وهو أن التخفّف من متاعب الحياة الأرضية يقتضي من الإنسان أحيانا أن ينتقل إلى مكان آخر. وقد وجد البحّارة ذلك المكان في الجزيرة التي شعروا فيها بالنسيان بعد أن تناولوا فاكهتها.
    الحياة على سفينة اوديسيوس كانت عبارة عن بحث بلا نهاية وعذاب مستمرّ يوهن القوى ويدمّر الروح. لقد انتقل البحّارة من مكان لآخر وقاتلوا وأبحروا لأعوام طويلة عبر أراضي نصف العالم المعروف وقتها. والآن، في أرض آكلي اللوتس، وجدوا طريقة أخرى مختلفة ومريحة للعيش.
    لكن اللوتس يحرِم آكليه من التفكير العقلانيّ. ولا يهمّ أن تُعطى الخيار لمغادرة الجزيرة من عدمه، فأنت لا تملك الخيار أصلا، وبمجرّد أن تأكله تكون قد اتّخذت قرارك بالبقاء فيها.
    أسطورة أرض آكلي اللوتس تردّدت أصداؤها كثيرا في آداب العالم القديم. ويقال إن اللوتس يشبه التمر، أو أنه نوع من النبيذ، وفي رواية أخرى أنه سوسن الماء الأزرق الذي يُعرف اليوم بأن له خصائص منوّمة.
    لكن جاذبية القصّة ليست في هذه التفاصيل، بل في بُعدها الميثيّ وفي فكرتها المركزية، وهي مقاومة البطل لكافّة الإغراءات والمُلهيات والتركيز على غايته الأساسية.
    الشاعر الانجليزيّ ألفريد تينيسون لا بدّ وأن هذه الأسطورة كانت في ذهنه عندما كتب قصيدة ملحمية إسمها "آكلو اللوتس"، استلهمها من زيارته إلى اسبانيا، حيث رأى هناك مزارع وقرى نائية لم تمسسها يد الحضارة بعد ولم يمتدّ لها عبث الإنسان.
    لكن آكلي اللوتس في قصيدة تينيسون ليسوا "دايونيسيين" مخدّرين ومدفوعين بالجشع الذي يقودهم لاستهلاك المتع الحسّية. إنهم أشخاص حَزانى ويائسون، تماما مثل طاقم سفينة اوديسيوس، وقد جرّبوا الكثير من المعاناة والموت بحيث أصبحوا ينفرون من أيّة فرصة للسلام أو السعادة.
    أسطورة أرض اللوتس وجدت لها صدى أيضا في القرن التاسع عشر، عندما وجد الامبرياليّون وأرباب الصناعة أنفسهم، مثل اوديسيوس، في مواجهة مجتمعات الريف التي قاومت طويلا فكرة التخلّي عن حياة الدعة والطمأنينة واستبدالها بحياة العمل الشاقّ والمُجهِد.
    وفي بعض الحالات، اُسقطِت الأسطورة على عادات بعض الشعوب المستعمَرة، كالصينيين وبعض شعوب الشرق الأوسط الذين كانوا يلجئون لتعاطي الأفيون أو الحشيش للتعبير عن رفضهم للحداثة. لكن كانت هناك حالات كان المستعمِر فيها هو من يلجأ لهذه الحيل لإلهاء الشعوب المستعمَرة ودفعها لنسيان مساوئ الاستعمار ومن ثمّ القبول به كواقع يصعب تغييره.
    في ملحمة هوميروس، ليس هناك ما يوحي بأن اللوتس يسبّب الإدمان، فالذين يأكلونه لا يعانون من المرض النفسيّ ولا يحتاجون لعلاج. الإدمان عادة يغلب الإرادة الحرّة، لكن آكلي اللوتس تناولوه بإرادتهم، وعندما انتزعه اوديسوس منهم لم تحدث لهم أعراض انسحابية. كلّ ما شعروا به هو الحزن والأسف بعد أن أدركوا انه مكتوب عليهم أن يعيشوا حياتهم، وإلى ما لا نهاية، في عرض البحر، حيث الموت المحدق والأخطار التي لا تنتهي.
    بعض الكتّاب القدامى استخدموا عبارة "آكلي اللوتس" مجازيّا، فالشخص الذي "يأكل اللوتس" هو أيّ شخص يميل إلى النسيان أو يتصرّف بلا وعي.
    وفي اللغة الحديثة فإن "آكل اللوتس" يُقصد به الشخص الذي يعيش حياة حالمة وسهلة دون أن يبالي بالعالم الخارجيّ المزدحم والصاخب من حوله.

    Credits
    sparknotes.com

    Wednesday, March 29, 2017

    !اقتل البوذا


    في الكثير من أرجاء العالم، ما تزال البوذيّة تتضمّن طقوسا ومعتقدات يُنظر إليها باستغراب، مثل التناسخ أو الإيمان بأن الإنسان بعد موته يظهر في شكل آخر؛ حيوان أو نبات الخ، مع الاحتفاظ بسماته الشخصية الأصلية.
    أيضا ممّا يعاب على البوذية استغراقها الزائد عن الحدّ في الحديث عن فكرة الموت، لدرجة أنها خصّصت له كتابا اسمه كتاب الموتى.
    ومن الاعتقادات الأخرى الغريبة في البوذية أنه كان هناك بوذا آخر يُدعى اميتابا، ولا احد يعرف إن كان قد عاش على الأرض أو أنه موجود في كون موازٍ، وانك إذا ردّدت اسمه دائما فإنك ستذهب إلى مكان يُدعى "الأرض الطاهرة" حيث يمكنك أن تتعلّم أشياء كثيرة من معلّمي البوذية الأقدمين.
    وبوذا الحقيقي الذي يعرفه الناس يظهر في الكتب على هيئة غزال أو فيل أو قرد. والحكايات الفولكلورية التي تمتلئ بها بعض تلك الكتب عن حيوانات ومخلوقات أسطورية تفكّر وتتكلّم لا تخلو قراءتها من بعض المتعة، تماما مثل أن تقرأ كتاب كليلة ودمنة أو كتاب الحيوان للجاحظ.
    وبعض الأفكار الأساسية التي تقول بها البوذية مثل التناسخ والارتباط والكارما كانت وما تزال محلّ انتقاد من الكثيرين. الدالاي لاما نفسه أبدى تشكّكه مرّة في فكرة التناسخ وتساءل عن جدواها. وهناك أيضا من عاب على البوذية أن أفكارها ذكورية وترى أن الرجال وحدهم هم من يبلغون أعلى مراتب الروحانية.
    وحتى فكرة الاستنارة التي حقّقها بوذا بالانفصال والتخلّي عن زوجته وطفله كانت دائما موضع تساؤل وشكّ. وبنظر البعض أن الروحانية الحقيقية لا يجب أن تتنكّر لقيم العائلة ولا تفرّق بين الرجال والنساء.
    لكن عندما ننحّي مثل هذه الأفكار الجدلية جانبا، فإن البوذية تقدّم طرق تفكير جديرة بالنظر، بحسب ما يقوله بعض الكتّاب والمفكّرين. ذات مرّة امتدح اينشتاين البوذية بكلام قد لا يخلو من مبالغة عندما قال إنها يمكن أن تصبح دين المستقبل، لأن ليس فيها لاهوت ولا أفكار قاطعة ولا إله. وبوذا نفسه أكّد على انه ليس إلها ولا يجب أن يعامَل كذلك.
    وحتى فريدريك نيتشه الذي لم يكن على وفاق مع الأديان وصف البوذية ذات مرّة بأنها أفضل من المسيحية بكثير، على الرغم من أنها تظلّ بنظره "ديانة عدمية".
    وهناك من يرى أن البوذية تغطّي الطبيعيّ والروحانيّ معا. كما أنها تحاول أن تفهم العالم من حولنا. والمعرفة فيها تُكتسب من خلال التجربة الشخصية، وليس بالاعتماد على نصوص مقدّسة وتعاليم معلّمين.
    كما أنها ترفض المفاهيم والأفكار المطلقة ولا تطلب إيمانا أعمى. الإيمان فيها أمر ثانوي، والاهمّ منه هو المعرفة والتجربة.
    أيضا الناس في البوذية لا يرجون خلاصا مثل ذلك الذي تعد به المسيحية أتباعها. وحتى بوذا نفسه لا يضمن شيئا من ذلك. هو فقط يساعدك على أن تجد طريقك الخاصّ إلى السعادة والحرّية.
    ومن أفكار البوذية الشائعة والجديرة بالتأمّل التي وجدت طريقها إلى كتب تطوير الذات، وإن بصيغ وأشكال مختلفة، انه "لا يوجد طريق إلى السعادة، السعادة هي الطريق". وهو يشبه قولا قديما مفاده أن "الحياة هي الرحلة وليست الوجهة". وهذا صحيح إلى حدّ كبير. والمعنى هو انك لا يجب أن تعيش حياتك بانتظار نتائج نهائية، بل اكتشف أوقات الفرح والحزن على طول الطريق كي تكتشف ماذا تعني الحياة.
    وهناك فكرة أخرى تقول "إن الصديق غير المخلص أو الشرّير يجب أن يُخشى أكثر من الحيوان المتوحّش. فالحيوان قد يجرح جسدك، لكن الصديق الشرّير قد يجرح روحك". والمعنى هو أننا يجب أن نحيط أنفسنا بأناس مخلصين يدعموننا ويقبلوننا كما نحن. لكن عندما نربط أنفسنا بأولئك الذين يتسبّبون لنا بالآم ومعاناة فإننا نجرّد أنفسنا من فرصة أن نكون سعداء.
    وهناك قول آخر مفاده انه "في السماء لا يوجد شرق وغرب". والمعنى هو أن البشر هم من يخلقون الفروقات والتمايزات من عقولهم ثم يعتقدون أنها حقيقة. أيضا تعني الفكرة أن الناس جميعهم متساوون، أما التمايز فمن اختراع البشر. ومن منظور الكون، نحن جميعا متساوون ونستحقّ الحياة والسعادة.
    ومن الأقوال الأخرى الشائعة في البوذية أن "الإنسان لا يعاقَب من اجل غضبه، وإنّما بسببه". والمعنى هو أن الحقد والغضب لا يضرّان الشخص التي تُوجّه إليه غضبك. هو فقط يستهلك عقلك ويسرق سعادتك. وأن كلّ المشاعر لها ما يبرّرها، لكن أفضل شيء نستطيع فعله هو أن نتحرّك إلى الأمام ونتخلّص من المشاعر السلبية.
    والعديد من تعاليم بوذا تعتمد على مفهوم الارتباط، فـ "أنت تفقد فقط ما تتمسّك به". والمعنى هو أننا لا نعود بحاجة لأن نخشى افتقاد الأشياء إذا ما أزحنا ارتباطاتنا الشعورية بها. فالحبّ والفرح غير المشروط يأتي من القبول الكامل بالتجربة، حتى وإن كانت قصيرة. وحتى المتع المادّية يجب أن لا يربط الإنسان نفسه بها حتى لا يصبح عبدا لها فيحزن ويندم عندما يفتقدها. والإنسان لا يصبح حرّا إلا عندما يتحرّر من ارتباطه بالأشياء والمتع المؤقّتة والمشاعر الزائلة.
    وهناك قول آخر مفاده أن "لا احد ينقذك غير نفسك، أنت من يجب أن يمشي الطريق". والمعنى هو أن حياتك هي ملكك لوحدك. ولا يمكن لأيّ احد أن يرى العالم من منظورك الخاصّ غيرك. وبدلا من الاعتماد على الآخرين كي يقودوك في حياتك، يجب أن تمشي طريقك بنفسك. إننا جميعا نملك إمكانية أن ننمو وأن نتطوّر. وعندما نكون واعين بأفكارنا وبمسار رحلتنا، فإننا نفتح الأبواب لتجارب أفضل. ويترتّب على ذلك ضرورة أن تصبح شفّافا مع نفسك وأن تستيقظ من سباتك، فتغادر الجماعة وتمشي على قدميك ولا تذهب للبحث عن شخص ناجح كي تكرّره.
    وأخيرا، هناك في البوذية حكمة جميلة وشائعة وذات مغزى تقول: إذا قابلت البوذا على الطريق فاقتله. والبوذا هنا ليس بوذا الأصليّ أو القديم بل أيّ واعظ أو معلّم روحانيّ. والمقصود هنا طبعا ليس معنى القتل حرفيّا، بل أن لا تتّبع ما يقوله لك المعلّمون أو المرشدون، وبدلا من ذلك حاول أن تختار طريقك بنفسك.

    Credits
    psychologytoday.com

    Saturday, March 25, 2017

    فيلم مكسيكيّ طويل


    عندما التقى الرسّام المكسيكيّ دييغو ريفيرا بزميلته الرسّامة فريدا كالو لأوّل مرّة في معرض فنّي في مكسيكو سيتي كان هو يكبرها بعشرين عاما. وبعد فترة قصيرة من تعارفهما، نشأت بين الاثنين علاقة عاطفية. وأخيرا تزوّجا عام 1929 على الرغم من اعتراض والدة فريدا على الزواج.
    صحيح أن الزواج كان ثمرة حبّ متبادل، لكنه تحوّل مع مرور الوقت إلى زواج مضطرب تكثر فيه الخيانات والشكوك.
    كانت فريدا ترسم بالفرشاة كلّ ما هو معبّر وجذّاب، لكن دييغو نفسه كان شخصا بديناً ويفتقر إلى أيّ قدر من الجاذبية بحسب من عرفوه.
    وربّما كان دافعها الأساسيّ من الاقتران به هو كونه أشهر رسّام في المكسيك، ما سيفسح لها الطريق، وهي الرسّامة المبتدئة وقتها، لتحقيق البروز والشهرة.
    ثم وقع لها حادث سيّارة أصيبت على إثره بإعاقة دائمة في إحدى قدميها. وقد وقف زوجها إلى جانبها في تلك المحنة. لكن في تلك الأثناء كانت الصحف تمتلئ بأخبار مغامراته مع نساء أخريات، الأمر الذي كان يسبّب لها المزيد من الألم والمعاناة.
    كانت فريدا كالو تصوّر معاناتها الجسدية وألم الحرمان من الإنجاب من خلال عشرات اللوحات المؤثّرة التي رسمتها منذ الحادث وإلى حين وفاتها.
    غير أن هناك من يظنّ بأنها كانت تبالغ في تصوير آلامها الجسدية وظروفها الصحّية، مع أنها حوّلت تلك الأحاسيس إلى فنّ متميّز وراقٍ.
    لكن أكثر ما كان يؤلمها ويثير غضبها هو علاقة دييغو مع النساء، وآخرهنّ كانت أختها الأجمل والأصغر سنّا كريستينا. وكان قد اشترى بيتا في ضواحي المدينة كي يلتقي فيه بكريستينا وغيرها بعيدا عن أنظار زوجته.
    طبيب دييغو الخاصّ كان قد اخبره ذات مرّة أن امرأة واحدة لن تكفيه. ويبدو انه اقتنع بتشخيص ذلك الطبيب لحالته وتقبّله بابتهاج.


    كان ليون تروتسكي مشاركا رئيسيّا في تأسيس الجيش الأحمر الذي حارب وهزم القياصرة وأتى بالبلاشفة إلى السلطة في روسيا. ثم أصبح أهمّ شخصيّة في النظام الجديد بعد لينين.
    لكن بعد مرض الأخير، نشب صراع عنيف على السلطة بين ستالين وتروتسكي حول أيّ منهما أحقّ بخلافة لينين.
    كان تروتسكي أقدم منصبا وأطول خدمةً. لكن لم تكن هناك مقارنة على الإطلاق بينه وبين الجورجيّ العنيف والمتعطّش للسلطة، أي ستالين.
    في البداية أمر ستالين بنفي تروتسكي إلى كازاخستان مع زوجته. وهناك بدأ الأخير يكتب انتقادات قاسية ضدّ خصمه. لذا اصدر ستالين قرارا آخر بنفيه من الأراضي السوفياتية إلى تركيا. وقد وافق الأتراك على استضافة الرجل وزوجته بعد أن تسلّموا تعهّدا من ستالين بأن ضيفهم لن يتعرّض للأذى على الأراضي التركية.
    وأثناء وجوده في تركيا، عكف تروتسكي على تأليف كتابه "تاريخ الثورة الروسية" الذي صوّر فيه لينين على انه بطل وستالين على انه نذل.
    قضى تروتسكي وزوجته تسع سنوات في المنفى متنقّلين من تركيا إلى فرنسا وأخيرا إلى النرويج دون أن تقبلهما أيّ دولة كلاجئين دائمَين.
    وفي نهاية عام 1936، قرّرت النرويج ترحيل تروتسكي من أراضيها بعد ضغوط من ستالين وبعد أن صدر ضدّه حكم بالإعدام في موسكو.


    في يناير من عام 1937، وصل تروتسكي مع زوجته ناتاليا سيدوفا إلى المكسيك على متن بارجة حربية نرويجية وتحت حراسة مشدّدة.
    وكان دييغو ريفيرا، ذو الميول التروتسكية، قد ضغط على الحكومة المكسيكية كي تَعرض على تروتسكي اللجوء السياسيّ في المكسيك.
    ولأن ريفيرا كان في ذلك الوقت مريضا في المستشفى ولا يستطيع الذهاب لاستقبال الرفيق والمنظّر الذي لم يسبق له أن رآه، فقد وكّل زوجته فريدا للقيام بالمهمّة.
    وعند وصول الضيف وزوجته صعدت فريدا إلى البارجة للترحيب بهما، وكان برفقتها بعض أعضاء الحزب الشيوعيّ المكسيكيّ.
    وقد اصطحبتهما إلى "لا كازا ازول" أو البيت الأزرق الذي تقيم فيه مع دييغو في كويوكوان. وهناك عاش تروتسكي وزوجته ضيفين على فريدا وزوجها لمدّة عامين وتحت حراسة أمنية مكثّفة.
    في ذلك الوقت، كانت فريدا ما تزال غاضبة ومحبطة بسبب علاقة زوجها مع شقيقتها. لذا لم تضيّع الوقت وبدأت بالتودّد إلى تروتسكي الذي بدا مسرورا بذلك الاهتمام المفاجئ.
    كانت تريد أن تردّ الصاع صاعين، كما يقال، لدييغو عقابا له على خياناته المتعدّدة. لكن كان اختيارها للضيف الجديد غريبا. صحيح انه أكثر وسامة من دييغو، لكنه كان يكبرها سنّا بكثير، كما انه كان رجلا متزوّجا وزوجته تعيش معها في نفس البيت.
    تروتسكي نفسه كان مشهورا باجتذابه للنساء، ويبدو أن فريدا كانت معجبة بصورته ومكانته العالمية وبتقدير زوجها الكبير له.
    وبعض لقاءاتهما السرّيّة كانت تتمّ في نفس المنزل الذي كان دييغو قد اشتراه لشقيقتها وقام بتأثيثه كي يكون عشّ الغرام.
    كانت فريدا وتروتسكي يتحدّثان الانجليزية أمام دييغو وناتاليا زوجة تروتسكي اللذين يجهلان تماما تلك اللغة. وكان من عادة تروتسكي أن يدسّ رسائل حبّ إلى فريدا بين صفحات الكتب التي كان يعيرها لها.
    كانت هي تناديه بـ "التيس الصغير" بسبب لحيته البيضاء الصغيرة، وأحيانا بـ "العجوز" حيث كان وقتها في التاسعة والخمسين وهي في الثلاثين من عمرها.
    دييغو وناتاليا اكتشفا أخيرا القصّة. والغريب أن دييغو سمح لضيفه بأن يستمرّ في العيش معهم في البيت بدلا من أن يطارده ببندقية. كان هناك ما يكفي من الخلافات بين الرجلين، ليس بسبب الخيانة الزوجية وتنكّر الضيف لمقتضيات الضيافة، وإنما بسبب أفكار تروتسكي السياسية التي أصبحت أكثر إثارةً للجدل.


    عندما لاحظ تروتسكي علامات الإعراض والجفاء التي أصبح دييغو يعامله بها، فضّل أن ينتقل هو وزوجته إلى منزل مجاور حفظا لماء الوجه وإنقاذا لما يمكن إنقاذه من علاقتهما.
    وقد ترك وراءه البورتريه الذي رسمته فريدا لنفسها وأهدته إيّاه. وفيه تبدو بملابس أنيقة وبشعر تزيّنه ورود حمراء بينما تمسك بيدها باقة أزهار ورسالة إهداء إلى تروتسكي مكتوبا عليها: مع خالص محبّتي أهدي هذا البورتريه إلى ليون تروتسكي، 7 نوفمبر 1937". وكان ذلك اليوم هو يوم ميلاده.
    لكن لأنه لا يبقى الكثير من العاطفة بين المحبّين غير المتكافئين، فقد طلب تروتسكي من فريدا عند انتهاء علاقتهما أن تعيد إليه جميع رسائله الخاصّة التي كتبها لها كي يحرقها.
    استقرّ تروتسكي وزوجته أخيرا في المنزل الجديد الذي استأجره لهما بعض كوادر الحزب الشيوعيّ المكسيكيّ وقاموا بتأثيثه ووفرّوا له فيه عددا من الموظفين والسكرتاريا لكي يقوموا على خدمته.
    وقد عاش تروتسكي وزوجته في ذلك المنزل بضعة أشهر. وكان يُمضي أيّامه في قراءة الأخبار ومتابعة تطوّرات الأحداث في بلاده ويكتب مقالات في الصحف ينتقد فيها ستالين ونظام حكمه.
    لكن في الساعات الأولى من احد أيّام أغسطس من عام 1940، وبينما كان تروتسكي منكبّا على قراءة بعض أوراقه كعادته كلّ صباح، دخل عليه في مكتبه شخص يخفي بين ملابسه فأساً، ثم عاجله بضربة قويّة على مؤخّرة رأسه هشّمت جمجمته وأسقطته عن كرسيّه وتركته يتخبّط في دمائه.
    وهرع موظّفو مكتبه على صوت صراخه المكتوم ونقلوه إلى المستشفى حيث لفظ أنفاسه في اليوم التالي عن عمر ناهز الستّين.
    ويوم الاغتيال اتصلت فريدا بزوجها دييغو ريفيرا الذي كان في مهمّة عمل في سان فرانسيسكو لتنقل إليه الخبر الحزين وقالت له: الأغبياء، لقد قتلوا العجوز المسكين تروتسكي، لقد قُتل بسببك، لماذا أحضرته"؟!
    ولأن فريدا تعرف القاتل وسبق أن رأته في اسبانيا أثناء إحدى زياراتها، فقد استُدعيت للتحقيق معها واحتُجزت من قبل الشرطة، قبل أن يُخلى سبيلها بعد يومين لانتفاء أيّ شبهة لها بالجريمة.
    بعض المؤرّخين وصفوا مقتل تروتسكي بأنه الاغتيال الأكثر مشهديةً منذ مقتل الارشيدوق فرانز فرديناند الذي أطلق شرارة الحرب العالمية الأولى عام 1914م.
    أما القاتل فكان ستالينيّا متعصّبا من أصول اسبانية يُدعى رامون ميركادير، وكان هذا الشخص قد تمكّن من الحصول على وظيفة في مكتب تروتسكي قبل أيّام من الاغتيال.
    وقد اعترف في ما بعد بأنه ارتكب الجريمة بناءً على أوامر شخصية من ستالين. ثم حُكم عليه بالسجن عشرين عاما. وبعد الإفراج عنه عام 1960، سافر إلى موسكو حيث قُلد هناك وسام الشرف ونوديَ به بطلا للاتّحاد السوفياتّي.
    عندما توفّيت فريدا كالو عام 1954، كتب دييغو ريفيرا يرثيها قائلا: لقد أدركت أن الجزء الأهمّ والأروع في حياتي كان حبّي لفريدا".
    وبعد ثلاث سنوات، توفّي ريفيرا في محترفه في سان آنخيل عن عمر ناهز السبعين بعد إصابته بأزمة قلبية.

    Credits
    historytoday.com

    Tuesday, March 21, 2017

    موسيقى لودوفيكو اينودي


    المؤلّف الموسيقيّ الايطاليّ لودوفيكو اينودي يبدو منشغلا بتأمّل قطرات الندى على بتلات زهرة أو بمراقبة النجوم وحركة الغيم فوق جبل، أو هذا على الأقلّ ما توحي به أجواء بعض معزوفاته.
    اينودي، كما يقول احد النقّاد، يخلق موسيقى تذكّر بلوحات توماس كينكيد: فانتازيا بعيدة ومنفصلة عن الواقع وليس لها علاقة بالطريقة التي نعيش بها حياتنا".
    لكن نقّادا آخرين يرون بأن جمال موسيقى اينودي كامن فيها وأيضا في حقيقة أنها منفصلة عن الواقع ولا تعبّر عن مشاكل الحياة.
    في احد الفيديوهات على اليوتيوب، وبعدد مشاهدين يزيدون على الثلاثة ملايين، يظهر اينودي وهو يعزف على البيانو وسط ثلوج القارّة القطبية.
    الموسيقى التي يؤدّيها عنوانها "مرثيّة للقارّة القطبية"، وقد كلّفته بتصويرها جماعة السلام الأخضر، والغرض من التصوير في ذلك المكان هو جذب الاهتمام العالميّ إلى مشكلة الانبعاث الحراريّ.
    يقول اينودي واصفا تلك التجربة: كان الجوّ باردا جدّا، ورغم أنني كنت أرتدي طبقات متعدّدة من الملابس بالإضافة إلى سترة للنجاة، إلا أنني وأثناء التصوير كنت اضطرّ للتوقّف عن العزف كلّ بضع دقائق لأدفيء يديّ".
    ويضيف: استمتعت بالعزف هناك، مع أن الطقس المتجمّد لم يكن مثاليّا. كانت مفاتيح البيانو باردة جدّا. لكن من الرائع أن تكون هناك لوحدك بينما الثلوج تتساقط من حولك والأنهار الجليدية تذوب بالقرب منك. كان الأمر أشبه ما يكون بأن تعزف لحنا للسماء".
    وعمّا إذا كان يعتبر موسيقاه جسرا لنوع جديد من الموسيقى الكلاسيكية يقول اينودي: فكرة الجسر أو عبور الحدود مثيرة للاهتمام في الفنون. سترافنسكي تجاوز الحدود، كان يتبنّى الموسيقى الفولكلورية الروسية. وموزارت كان يعمل في مسرح ويكتب أغانيه لشركة تشبه السيرك تقريبا. وفي تلك الشركة كتب الناي السحري".
    ويضيف: موسيقاي تأتي من خلفيّتي الموسيقية. عندما أؤلّف ابحث عن نفسي، أستفيد من ذكرياتي ومن تجاربي ومن حياتي وعليّ أن أشعر بذلك. لا أفكّر في كسر الحواجز، لكن بطريقة ما وبعد أن أؤلّف قطعة، استطيع أن احلّلها وأتعرّف على الأشياء وأتحدّث عن شيء ما يأتي من داخلي".
    عمر اينودي اثنان وستّون عاما، وهو احد أكثر الموسيقيين شعبيةً في العالم اليوم. متابعوه على موقع سبوتيفاي أكثر من متابعي موزارت وبيتهوفن.
    وموسيقاه يمكن وصفها بأنها تقليلية، كما أن فيها حداثة وتسامياً. لكنه لا يحبّ تصنيف موسيقاه. "التصنيفات مقيّدة إلى حدّ ما. أنواع الموسيقى، الألوان التي تثيرها تختلف من شخص لآخر. ونفس الشيء ينطبق على بيتهوفن وموزارت. كانا يعبّران عن اتجاهين مختلفين تماما من الموسيقى. وإذا سألتني اليوم ما إذا كانت موسيقاي تقليلية أو كلاسيكية أو معاصرة، فإنني أجيب بنعم أو لا، لكن هذا في النهاية لا يفسّر عملي".
    والد اينودي، واسمه جيوليو، كان صاحب دار نشر مشهورة في ايطاليا وكان جزءا لا يتجزّأ من حلقات اليسار الايطالي، وكان على علاقة مع كتّاب مثل ايتالو كالفينو وبريمو ليفي. أما جدّه لويجي اينودي فقد كان رئيسا لإيطاليا بعد الحرب العالمية الثانية.
    ألبوم اينودي الموسوم "العناصر" احتلّ قائمة الموسيقى الأكثر مبيعا في عدّة بلدان من العالم. وكان محصّلة ساعات طويلة قضاها الموسيقيّ في مكتبات ايطاليا وقرأ خلالها الفلسفة اليونانية وكاندنسكي. كما قرأ عن لوحات بول كلي وغوستاف كليمت وعن هندسة اقليدس ومسألة الصوت واللون.
    و"العناصر" هو محاولة المؤلّف للعثور على خطوط متوازنة بين ما يبدو وكأنه مزيج مشوّش من الصور والأفكار والمشاعر، ثم البحث عن خيط مشترك يربط كلّ الأشياء في هذا العالم بحيث تتشارك وتتناغم وتتفاعل مع بعضها البعض. "كنت أحاول تبيّن حدود جديدة بين ما كنت اعرفه وبين عالم اعرفه ولطالما حاولت استكشافه أكثر، كقصص الخلق ونظريات الهندسة ونموّ العشب البريّ فوق مرج وأشكال الطبيعة المختلفة".
    ألبوم "العناصر" يأخذ إلهامه من عناصر الطبيعة، حيث تبدأ كلّ معزوفة من حركة أو موتيف بسيط لتستثير رحلة عبر أفكار ومشاعر متباينة. والمؤلّف يجمع بين كلّ عناصر الطبيعة والعلم والهندسة والموسيقى معا ليخرج بمفهوم واحد.
    المعزوفات تثير بعض الحزن أحيانا، لكن فيها مسارات تضجّ بالتفاؤل. وقد اختار اينودي لها عناوين شاعرية وموحية، مثل الليل ، قطرة، أربعة أبعاد، دوّامات هوائية، العناصر ، الجبل .
    يقول اينودي مفسّرا سرّ انجذاب الشباب لموسيقاه رغم طابعها الكلاسيكيّ: قد يكون السبب أنني ضمّنت أعمالي نفس مشاعر السرور والفقد والرغبة والإحباط التي يمكن أن تجدها في معظم الأغاني الشعبية. هذه هي الموسيقى التي تتواصل مع مشاعر الناس هذه الأيّام أكثر من الموسيقى الكلاسيكية. ثم لا تنسَ القيمة التأمّلية في موسيقاي والتي يمكن أن يتناغم معها الشباب.

    Credits
    ludovicoeinaudi.com

    Friday, March 17, 2017

    سينيكا: بين الفيلسوف والسياسيّ


    إذا كان حلم الشعراء والفلاسفة أن يسيطروا على رجال السلطة، فلا شكّ أن الفيلسوف الرومانيّ سينيكا كان مهيّأ تماما لفعل ذلك.
    كان هذا الرجل، المولود في اسبانيا قبل ألفي عام، من أكثر الشخصيات فتنةً وإثارةً للجدل في الأزمنة القديمة. كان خطيبا مفوّها ومؤلّفا و"واعظا أخلاقيّا" بلغة هذه الأيّام.
    وأحد أشهر أقواله التي تُقتبس عنه دائما هو قوله: لم نُعطَ حياة قصيرة بل نحن من يجعلها كذلك، لدينا الكثير من الوقت لكنّنا نضيّعه".
    وفي أعماله الفلسفية الأخلاقية، يؤكّد سينيكا على أن مفتاح الحياة الفاضلة هو التحرّر من العواطف، وأن الفضيلة ضرورية للسعادة وكافية لخلقها.
    وهناك كلام آخر كثير له يحاول من خلاله أن يقودنا للتغلّب على مشاكل الحياة كالفقر والغضب والفشل وغير ذلك.
    كان سينيكا احد منظّري الفلسفة الرواقية التي ترى أن الإنسان يجب أن يتحرّر من انفعالات الفرح أو الحزن وأن يُخضِع كلّ تصرّفاته وأفعاله لأحكام الضرورة.
    المفارقة أن هذا الفيلسوف، صاحب الأفكار الإنسانوية والتعاليم الأخلاقية كما عبّر عنها في كتاباته، هو الذي علّم احد أكثر أباطرة روما استبداداً ودمويةً، أي نيرون، بل وعمل عنده مستشارا إلى أن لقي مصرعه أخيرا على يد معلّمه.
    في العام 59 م، قرّر نيرون أن يقتل والدته أغريبينا. كان الاثنان في حالة خصام دائم. وقد استدعى أمّه لحضور احتفال أقامه في نابولي وعاملها خلاله بمحبّة عظيمة.
    لكن قبل مغادرتها الحفل، أهدى إليها هديّة ثمينة هي عبارة عن قارب، كي يأخذها إلى الشاطئ. وكان ذلك القارب مصيدة للموت.
    غير أن الأمور لم تسِر حسب ما كان مخطّطا. فقد حاول المتآمرون أن يقلبوا القارب في عرض البحر. لكن أغريبينا ومرافقتها تمكّنتا من السباحة إلى أن انتشلهما قارب صيد ونقلهما إلى الشاطئ بسلام.
    وعندما علم نيرون عن نجاة والدته، أرسل بعض سفّاحيه للإجهاز عليها، وقام هؤلاء بقتلها طعنا بالسكاكين.
    كان تعاطف نيرون الذي أظهره لوالدته في الحفل والقارب الهديّة حيلة منه لجعل موتها يبدو وكأنه حادث عرضيّ.
    لكن الناس عرفوا في النهاية حقيقة ما حدث. لذا استدعى نيرون الرجل الذي كان يعتمد عليه دائما في تذليل الصعاب واختلاق الأعذار، أي سينيكا، كي يستشيره في الأمر.
    كان سينيكا "صوت سيّده" بامتياز. وقد بعث برسالة إلى مجلس الشيوخ يشرح فيها ما حدث لأغريبينا، وقال إنها كانت امرأة متعطّشة للسلطة وتخطّط لانقلاب. وعندما اكتُشفت المؤامرة قامت بقتل نفسها".
    أما بالنسبة لغرق القارب، فقد كانت تلك كما قال "علامة على أن الآلهة نفسها حاولت أن تتدخّل بالنيابة عن الإمبراطور".
    ردود فعل نخبة روما على الخطاب كان مرحّبا ومبتهجا. أما الشيوخ فقد احتفلوا بنجاة نيرون بإطلاق الألعاب النارية وبتقديم النذور في الأضرحة. واقترحوا أن يكون يوم مولد أغريبينا يوما مشئوما في تاريخ الإمبراطورية.
    عندما كان سينيكا في الثلاثينات من عمره، أي قبل أن يصبح نيرون إمبراطورا، كتب عن الامتلاك والوظائف الرفيعة في الدولة. وكان من بين أصدقائه الأغنياء والمتنفّذين جوليا شقيقة الإمبراطور كاليغولا.
    لكن في سنة إحدى وأربعين للميلاد، اغتيل كاليغولا واستُبدل بعمّه كلاوديوس. وقد اتهم الإمبراطور الجديد جوليا بارتكاب جريمة الزنا مع سينيكا. هل حدث هذا فعلا؟ لا توجد أدلّة قاطعة تؤكّد أو تنفي هذه الفرضية.
    لكن على أيّ حال حُكم على جوليا بالنفي إلى جزيرة قبالة ساحل نابولي حيث ماتت بعد بضع سنوات. أما سينيكا فقد نُفي إلى جزيرة كورسيكا التي كانت في ذلك الوقت مشهورة بجمال طبيعتها وذكاء أهلها.
    وخلال سنوات المنفى كتب رسالتين، إحداهما بعنوان "عزاء إلى هيلينا" يخاطب فيها أمّه التي حزنت كثيرا لنفيه ويخبرها أن المنفى ليس بالشيء الكثير بل هو فقط تغيير في العنوان.
    وكلا الرسالتين تتضمّنان نصيحة بعدم الاكتراث بما يبدو للعقل وكأنه حظوظ سيّئة. لكن بعض المؤرّخين قرءوا الرسالتين على أنهما محاولة متوسّلة من سينيكا للعودة إلى روما.
    وقد قضى في منفاه عشر سنوات تقريبا. وكان يمكن أن يقضي أكثر لولا بعض المشاكل التي حدثت داخل العائلة الإمبراطورية.
    ففي عام ثمانية وأربعين للميلاد، قُتلت زوجة كلاوديوس الثالثة، واتخذ من أغريبينا أخت كاليغولا وجوليا زوجة جديدة. وقد أقنعت أغريبينا كلاوديوس بأن يعيد سينيكا من منفاه إلى روما.


    الزوجة المدبّرة والماكرة هي ملمح ثابت في تاريخ روما. كانت النساء آسوأ من الرجال وأكثر قسوةً وجنوناً وشبقاً في كثير من الأحيان. والعديد من القصص التي أتت إلينا من تلك الفترة من الصعب تصديقها لغرابتها.
    كانت أغريبينا نمطا كلاسيكيّا من النساء، فقد زُوّجت من دوميتيوس، وهو شخص سيّئ السمعة، عندما كانت في سنّ الثالثة عشرة. دوميتيوس الذي كان يكبرها بثلاثين عاما أصبح والد نيرون. وبعد موته وجدت أغريبينا زوجا جديدا في شخص احد الوجهاء الأثرياء. ويشاع أنها قتلت الأخير بالسمّ كي تستولي على عقاراته وتجارته.
    عندما تزوّجت أغريبينا كلاوديوس كان عمرها ثلاثة وثلاثين عاما. وقد استدعت سينيكا كي يقوم بتعليم ابنها الصغير، أي نيرون. وربّما كانت تريد من ذلك استنساخ تجربة أرسطو مع تلميذه الاسكندر المقدونيّ. لكنها وظّفت مواهبه الأخرى لاستخدامها عند اللزوم.
    وقد رتّبت أغريبينا لزواج نيرون من إحدى بنات كلاوديوس. ويقال انه بعد عام من ذلك الزواج، قامت بقتل كلاوديوس نفسه بفطر مسموم. وبعد ساعات من موته، ألقى نيرون خطابا إلى الأمّة أعلن فيه عن تنصيب نفسه إمبراطورا ووعد الجنود الموالين له بمكافآت كبيرة. وكان سينيكا هو الذي صاغ ذلك الخطاب.
    جريمة قتل كلاوديوس أثارت جولة جديدة من الصراع داخل القصر، فكلّ من رأى فيه النظام الجديد تهديدا له تمّ سحقه بقوّة.
    وفي تلك الأثناء، ألّف سينيكا كتابا عنوانه "عن الرحمة" قرأه بعض المؤرّخين على انه مديح للحاكم الشابّ العنيف والخطير، أي نيرون، لدرجة التغطية على حقيقة سلوكه.
    والأسوأ من ذلك، أن سينيكا، الذي طالما امتدح الفقر في كتاباته وحثّ الناس على أن لا يكونوا عبيدا للثروة، صار مع مرور الوقت شخصا غنيّا جدّا بفضل جرائم نيرون.
    وفي نهاية ذلك العقد، أصبح يملك عقارات كثيرة، ليس في روما فحسب وإنما في اسبانيا ومصر أيضا. وقد مكّنته ثروته الهائلة من التمتّع بأسلوب حياة باذخ بمعايير هذه الأيّام.
    وعندما كتب كتابه "عن الحياة السعيدة"، اتهمه احد الساسة وقتها علنا بأنه "منافق" وأنه قام بتجفيف أموال الأقاليم وتحويلها إلى جيبه. وبعد ذلك وجد ذلك السياسيّ المنتقِد نفسه منفيّا.
    هناك تناقضات كثيرة في حياة سينيكا. رسالته التي تفسّر مقتل أغريبينا كانت طريقة من الطرق التي اتّبعها للدفاع عن نظام فاسد. ويتساءل البعض كيف نفسّر تمسّك الفيلسوف بتلميذه المتوحّش.
    احد المؤرّخين الانجليز وصف سينيكا بأنه منافق ليس له مثيل في تاريخ العالم القديم. لكن هناك من دافع عنه بالقول انه اغتنى كي يمنع حدوث الأسوأ لروما، لذا بقي على ولائه لنيرون وبذلك ضحّى باسمه وسمعته.
    ورغم جرائم نيرون الكثيرة، إلا أن السنوات الخمس الأولى من حكمه اتسمت بالاستقرار النسبيّ. في تلك الفترة كان نفوذ سينيكا عليه كبيرا جدّا. لكن عندما همّش نيرون معلّمه، حلّت تسع سنوات رهيبة بلغت ذروتها عندما غرقت روما في الفوضى.
    كان سينيكا كاتبا مسرحيا أيضا. وبعض مسرحياته يعبّر فيها عن كربه الأخلاقيّ لتعاونه مع نيرون.
    نهايته هو نفسه كانت مأساوية، بعدما قيل عن ضلوعه عام خمسة وستين للميلاد في مؤامرة لاغتيال نيرون واستبداله برجل نبيل جميل الملامح يقال له غاليوس.
    ووفقا لبعض المصادر، كانت هناك داخل هذه المؤامرة مؤامرة فرعية لقتل غاليوس ثم تنصيب سينيكا نفسه امبرطورا. غير أن المتآمرين لم ينفّذوا الخطّة كما يجب واستطاع نيرون أن يقبض عليهم ويصفّيهم واحدا بعد الآخر.
    لكن سينيكا أصرّ على براءته، وربّما كان يقول الحقيقة. لكن نيرون أمره بأن ينحر نفسه. في البداية قطع رسغ يده، وعندما لم يمت حاول قطع وريد في باطن ركبته ونزف حتى مات.
    لم يكن سينيكا قادرا على انتزاع نفسه من نظام دفعه للتنكّر لشعاراته الأخلاقية. واختار أن يبقى في وظيفته في السلطة ثم أن يخاطر بحياته قبل أن يهرب بارتكابه الانتحار.
    اليوم لم يعد سينيكا مفضّلا عند الكثيرين. الكتّاب الرومانسيون اعتبروه فيلسوفا سيّئا وكاتبا مسرحيّا أسوأ. وحتى أسلوبه في الكتابة كان موضع سخرية من الكثيرين. مؤرّخ بريطاني قال عنه مرّة إن قراءة سينيكا تشبه أن يتغدّى الإنسان على حساء بلا طعم.
    ومع ذلك ما تزال تُكتب عنه وعن حياته الكثير من الكتب حتى اليوم.

    Credits
    newyorker.com

    Monday, March 13, 2017

    الشينرين يوكو أو البايوفيليا

    تحدّث الكثيرون عن كيف أن الطبيعة موجودة في الإنسان وليست خارجه، فالأشجار، بمعنى ما، هي رئاتنا والأنهار أوردتنا. كما أن بين البشر والبيئة ارتباطا عميقا، وما يفعله الإنسان بالطبيعة إنما يفعله بنفسه في النهاية.
    وهناك من قال إن الحريّة الحقيقية توجد في البرّية وليست في الحضارة، وأن الإنسان يحتاج للذهاب من وقت لآخر إلى أماكن لم يُعَد ترتيب تفاصيل الطبيعة فيها بأيدي البشر.
    وليس شرطا أن تستمتع بمناظر الطبيعة كي تشعر بفوائدها وتأثيرها الايجابي على مزاجك وعلى حياتك بشكل عام. تغريد الطيور وحفيف أوراق الشجر واستنشاق رائحة الأرض، كلّ هذا من شأنه أن ينقّي المشاعر وينشّط العقل المجهد.
    وجزء مهم جدّا من تفاصيل الطبيعة يتمثّل في الأشجار. صحيح أنها لا تتكلّم، لكنّها تتواصل معنا من خلال الإفرازات الكيميائية التي اكتشفها العلماء منذ القدم وثبت أن لها تأثيرا مهمّا على خفض الهرمونات التي تولّد القلق والإجهاد.
    ولكي يعوّد الإنسان نفسه على النظر إلى الطبيعة والاستمتاع بتفاصيلها، قد يكون من المناسب أن يحاول في البداية أن يسمّي الأشجار والأزهار التي يعرفها، ثم يحضر منظارا مكبّرا ويحاول أن يتعرّف على عدد الطيور التي يمكنه رؤيتها في السماء أو في الجوار.
    ثم عليه أيضا أن يحاول تناول طعامه خارج المنزل كلّما سمحت الفرصة، وفي نفس الوقت أن يطلق طائرة ورقية أو يرسم منظرا طبيعيّا. هذه الحيل الصغيرة والبسيطة يمكن أن تخلق علاقة حميمة بين الإنسان والبيئة تستمرّ وتتعزّز إلى ما لا نهاية. وهي مفيدة أيضا للأطفال الذين يكبرون ويكبر معهم حبّهم للطبيعة.
    عند اليابانيين تقليد قديم يسمّونه "الشينرين يوكو"، ويعني المشي في هواء الغابات أو بين الأشجار للاسترخاء والترفيه عن النفس. وهذا التقليد عرفه أهل تلك البلاد منذ مئات السنين. والغرض منه أن تعيش في الهواء الطلق وتجدّد نفسك وتقوّي علاقتك مع الطبيعة وتتغلّب على عوامل التوتّر والإجهاد التي جلبتها الحضارة الحديثة.
    وبعض العلماء ابتكروا مصطلحا خاصّا لهذه الحالة هو البايوفيليا، أي حبّ الطبيعة والتناغم معها. وقد أثبت العلم من خلال الدراسات والتجارب أن هناك علاقة قويّة بين الإنسان وعالم الطبيعة من نباتات وحيوانات، وأن الطبيعة يمكن أن تغيّر حياتنا إلى الأفضل.
    وأحد الأسباب في أن الكثير من الناس يحبّون السفر هو توقهم للاستمتاع بمناظر الطبيعة، حيث لا يمكنك رؤية شيء غير ما خلقه الله.
    الخالق العظيم منح البشر المحيطات والشواطئ والجبال والمطر والثلج وشروق الشمس وغروبها والقمر الجميل والنباتات والحيوانات الرائعة. ولو توقّفت قليلا لتفكّر في المنظر الرائع الذي كان عليه العالم بعد أن خلقه الله مباشرة وعندما لم يكن قد تلوّث بعدُ بالبشر وبمنتجات الحضارة لاكتشفت الكثير من الأشياء التي قد تثير اهتمامك.
    وغالبا ما ننسى كيف كان جمال الأرض في ذلك الوقت، أي عندما لم تكن هناك بيوت كثيرة وأبنية شاهقة وسيّارات وتلوّث يحيط بنا في كلّ مكان. لذا فإن قضاء وقت بسيط في رحاب الطبيعة قد يكون هو كلّ نحتاجه لنتذكّر نعم الله الكثيرة علينا.
    أن تكون محاطا ببيئة طبيعية من الأشجار والخضرة هو أمر ايجابيّ جدّا، لأنك تركّز بعقلك في شيء أكثر صفاءً ونقاءً، ما ينعكس بالتالي على روحك ومشاعرك.
    ومن المعروف أن الطبيعة تحفّز إنتاج الاندروفين في الدماغ، والذي يؤثر إيجابا على المزاج، ومع زيادته تحسّ بالهدوء وصفاء الذهن. كما أن في الطبيعة "أكسجين" أكثر، وهذا بدوره يؤثّر في الشهية والمزاج والذاكرة.
    وقضاء وقت في الطبيعة مع تأدية بعض الأنشطة البسيطة يمكن أن يحارب الإجهاد والتعب ويزيد معدّل "فيتامين د" من خلال التعرّض لضوء الشمس، ما يقوّي جهاز المناعة ويوفّر للإنسان الحماية من عدد من الأمراض الخطيرة كالاكتئاب والسرطان وغيرهما.
    ومجرّد أن ينظر الإنسان إلى منظر طبيعيّ، هذا لوحده يكفي لتنشيط ذلك الجزء من الدماغ المسئول عن السلامة والتوازن. وقد أثبتت دراسات أجريت مؤخّرا أن إضافة أشجار إلى أحياء المدن من شانها أن تحسّن صحّة الناس نفسيّا وجسديّا وتجعلهم يشعرون بأنهم اصغر عمراً.
    هناك وقت كثير نصرفه هذه الأيّام في الجلوس أمام أجهزة اللاب توب أو الجوّال والتلفاز والألعاب وغير ذلك. وإحدى الدراسات تقول إن الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين الثامنة والثامنة عشرة يقضون ثمان ساعات يوميّا أمام التلفاز والأجهزة الاليكترونية. وهذا ليس سلوكا صحيّا أو سليما.
    لذا ينصح الأطباء بالانقطاع عن كافّة أشكال التقنية الحديثة وقضاء أربعة أيّام من كلّ شهر على الأقل في طبيعة تخلو من هذه الملهيات وتتيح للإنسان التفرّغ للتأمّل والمشي.
    وفوائد مثل هذه الخطوة كثيرة، فهي تجلي الهموم وتجدّد المزاج وتعين الإنسان على استجماع طاقته وتجعله أكثر قابلية للإنتاج والعمل. وهناك شيء آخر لا يقلّ أهميّة، وهو أن الطبيعة تجعل الإنسان أكثر لطفا وتهذيبا وحبّا للسلام واحتراما للآخرين.
    ثمّة أيضا ارتباط بين الأرض والنواحي الروحية، وهذا الشيء يمكن أن تلمسه عندما تجلس مثلا على شاطئ بحر أو ضفّة بحيرة ساكنة أو تمشي في طريق جبليّ. أن تتواجد في الطبيعة من وقت لآخر، هذا أمر مهمّ جدّا لراحتك الجسدية والنفسية، كما انه يعزّز شعورك بالانطلاق وحبّ المغامرة والاستكشاف.

    Credits
    shinrin-yoku.org

    Wednesday, March 08, 2017

    الحاجّ رشيد


    عمر طريق الحرير أكثر من ألف عام. وبحسب بعض المؤرّخين، بدأ ذلك الطريق كتجربة رائدة في حرّية التجارة، لكن كان مقدّرا له أن يزول بعد أن تحوّل إلى ما يشبه الإقطاعية التي يديرها ويتحكّم بها ملوك قراصنة.
    الشهرة العالمية التي حقّقها طريق الحرير كانت بفضل أشخاص مثل الاسكندر المقدوني وماركوبولو وابن بطوطة وغيرهم ممّن عبروا الممالك والمدن الواقعة على جانبيه.
    ومع ذلك فإن أعظم الرحلات الاستكشافية في تلك المنطقة قام بها أشخاص مجهولون، بينهم صيّادون ومهاجرون وجنود وتجّار ومغامرون وغير ذلك.
    هؤلاء هم الأرواح المتجوّلة التي استطاعت أن تتجاوز في رحلاتها حدود الخرائط المعروفة آنذاك. لكن الزمن محا أسماءهم. وقصص رحلاتهم الأسطورية تنام اليوم في أرفف المكتبات المظلمة أو بين جدران الغرف الخاصّة.
    أحد هؤلاء الرحّالة المجهولين كان المستشرق المجريّ ارمينيوس فامبري المولود في بودابست عام 1832 لعائلة فقيرة. كان فامبري لغويا بارعا ومتخصّصا في اللغات الإثنية. كما كان، مثل الكثيرين، مفتونا بالشرق الغرائبيّ والغامض. وكان أيضا رجلا شجاعا لدرجة التهوّر.
    ورغم انه كان مصابا بالعرَج في إحدى قدميه، إلا انه سافر في سنّ العشرين إلى القسطنطينية كي يدرس اللغات الشرقية. وكان وقتها يتحدّث الألمانية والانجليزية والفرنسية والايطالية والروسية، بالإضافة إلى لغته الأمّ.
    في القسطنطينية، غمر فامبري نفسه في المكتبات والمدارس التركية. ثم حفظ الكثير من آيات القرآن الكريم وقدّم نفسه كدرويش وعارف كي ينضمّ إلى مجموعة من الحجّاج العائدين إلى خيوا، إحدى أشهر مدن آسيا الوسطى القاسية والوعرة.
    في ذلك الوقت، كانت معظم مناطق آسيا الوسطى تُعتبر وجهات خطيرة للأجانب. كانت مقفلة أمام العالم الخارجيّ وأيضا عنيفة وغير مستقرّة، وكانت تسيطر عليها مجموعة من الخانيّات الإسلامية المتصارعة.
    مدن المنطقة الرئيسية، مثل سمرقند وكوكند وغيرهما، كانت عبارة عن بقايا مندثرة من القرون الوسطى تحيط بها الأسوار العالية وتزدهر فيها تجارة رقيق نشطة يتنازعها الخانات الأصوليون الذين كانوا يحكمون بعقلية السيف والنطع.
    كان فامبري من بين أوائل الرحّالة الأوربيين الذين اجتازوا تلك البقايا المتلاشية من طريق الحرير منذ مغامرات ماركوبولو. وقد كتب في مذكّراته يقول: عندما قرّرت الرحيل إلى هناك، لقيت معارضة شديدة وقيل لي أنني شخص مجنون يريد الذهاب إلى مكان لم يعد منه إلا القليلون ممّن سبقوني إلى هناك".
    لكنه كان مغامرا جسورا وذا عزيمة لا تلين. وقد أسمى نفسه حجّي رشيد. وكان يدوّن بكلّ دقّة كلّ ما يراه ويخفي مذكّراته في باطن جيب معطفه الرثّ. خطواته في صحارى غرب أوزبكستان عمرها اليوم أكثر من مائة وخمسين عاما.
    في السنوات الأخيرة، تمّ إدراج خيوا، العاصمة القديمة لخانيّة خوارزم، ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي. وكانت هذه المدينة في الماضي مركزا للعلم والمعرفة، وإليها ينتسب علماء مشهورون مثل أبي عليّ بن سينا والخوارزمي وأبي الريحان البيرونيّ وغيرهم. وقد أصبحت خيوا اليوم مقصدا للسياح من كلّ مكان. ويمكن رؤيتهم وهم يجوبون شوارعها ويتنقّلون بين مبانٍ ذات بلاط ازرق ويلتقطون لأنفسهم الصور التذكارية.
    في زمن فامبري، كان سوق المدينة المركزيّ معرضا للرؤوس المقطوعة لأعداء الخان من البدو. وكان بإمكان أيّ شخص أن يحصل على أربعين رأسا مقابل بضعة معاطف جميلة من الحرير.
    وقد شاهد فامبري جلادا ينتزع عيون مجموعة من الأسرى القبليين الذين كانوا قد أغاروا على بعض القوافل. وعلّق على ذلك بقوله: بعد كلّ عملية، كان الجلاد يمسح سكّينه التي يقطر منها الدم في اللحية البيضاء للمحكوم". وقد دفعه هذا المنظر لمغادرة المدينة على الفور.


    كان فامبري احد الشهود المهمّين على ذلك العصر. ويبدو انه لم يكن يعرف انه كان يكتب عن عالم كان يوشك على الاندثار.
    ذات يوم، ركب بغلا عبر غابة بدائية برفقة دليله المحليّ، وطوال الرحلة كان غذاؤهما الوحيد ثمار أشجار التوت البرّي. الغابة التي كانت تقع على ضفّة نهر واسع اختفت الآن وحلّ مكانها آلاف الأميال المربّعة من المصانع التي تعتمد منتجاتها على الزراعة. واليوم تعتبر اوزبكستان واحدة من الدول الرئيسية المنتجة للقطن في العالم وسلّة فواكه آسيا الوسطى.
    قضى فامبري بعض الليالي في محطّات القوافل التي التقى فيها بعض الدراويش المتصوّفة الذين نذروا أنفسهم لحياة الفقر والاكتفاء بالعيش على صدقات المحسنين.
    يقول في مذكّراته: وجدنا هنا بضعة دراويش نصف عراة. كانوا على وشك أن يتعاطوا جرعة منتصف النهار من الأفيون. وقد قدّموا لنا بعضا منه، لكنّهم اندهشوا عندما رفضته، ثم اعدّوا لي شايا، وبينما كنت اشربه تناولوا جرعتهم من الأفيون السامّ، وبعد نصف ساعة كانوا قد انتقلوا إلى عوالم أخرى".
    كان فامبري يتجوّل في أراضي ممالك إسلامية بعيدة كانت شمسها تؤذن بالغروب، وقريبا ستنهار تلك الممالك أمام زحف امبراطورية روسية آخذة في التوسّع والهيمنة. وخلال بضع سنوات بعد سفره، أصبحت الخانيّات مستعمرات قيصرية، ثمّ - ولحوالي سبعة عقود - أجزاءً من الاتحاد السوفياتي.
    صحراء "كازيل كوم" التي مشى فيها فامبري ما تزال تحتفظ إلى اليوم بوحشتها الرهيبة. وقد كتب عن رحلته في تلك الصحراء يقول: لا يمكنك رؤية طائر في السماء، ولا دودة ولا خنفساء تدبّ فوق الأرض. لا يوجد هنا سوى آثار العدم وانطفاء الحياة. العظام المبيضّة لإنسان أو حيوان هالك يجمعها كلّ من يمرّ من هنا في أكداس كي تُستخدم كعلامات على الطريق يهتدي بها المسافرون الذين يعبرون الصحراء".
    هذا المكان الموحش والنائي كاد يقتله. فقد لحق به في أعماق الصحراء أفراد من قبائل التركمان. كانت قافلته قد نفذ منها الماء، فانهارت الجمال، ومات أحد الرجال عطشا، بينما امسك الباقون بحصصهم الشحيحة من الماء ومنعوها عن الآخرين".
    كان فامبري نفسه على وشك الموت من العطش، لكنه نجا عندما أسعفه رعاة من عبيد فارس دلقوا في جوفه بعض حليب الماعز.
    صحراء كازيل كوم يعني اسمها بالتركية الرمال الحمراء. ومساحتها تقارب الثلاثمائة ألف كيلومتر مربع، وهي تغطّي أراضي ثلاث دول هي اوزبكستان وكازاخستان وتركمانستان. لكن الجزء الأكبر منها يقع داخل الأراضي الاوزبكية.
    هذه الصحراء تبدو قاحلة وبلا حياة. لكن في فصل الربيع تتزيّن الرمال ببساط من أزهار الخشخاش والزنابق النادرة مع الكثير من الأفاعي والسحالي والسلاحف. وضمن حدود هذه الصحراء يقع بحر الارال، بالإضافة إلى عدد من البحيرات المالحة والقلاع القديمة.
    وبعض القرى الواقعة على أطراف كازيل كوم تبدو اليوم أشبه ما تكون بمدن الأشباح بفعل زحف الرمال، رغم أنها ذات زمن لم تكن تخلو من بشر وحياة.
    بعد سنوات من تجواله في تلك النواحي، أصبح فامبري مرهقا من حياة الترحال والتنكّر. وفي النهاية، ربط نسخة من المصحف الشريف حول رقبته. كان قلقا من احتمال أن يكتشف احد انه كافر أو غريب. وغادر إلى أوربّا كي يلتحق بأصدقائه القدامى، ثم نشر كتابه المنسيّ تقريبا اليوم "رحلات في آسيا الوسطى".
    ولم يكن مستغربا أن تكشف الوثائق السرّية البريطانية المفرج عنها مؤخّرا عن انه كان يتجسّس لمصلحة انجلترا أثناء ما عُرف بـ "اللعبة الكبرى"، أي فترة الصراع الخفيّ في القرن التاسع عشر بين سانت بطرسبورغ ولندن على مناطق النفوذ في آسيا الوسطى.
    النعي الذي كتبته عنه الصحف عام 1913 يقدّمه على انه "مستشرق ورحّالة وصديق للملوك وعاشق لإنجلترا وكاره لروسيا".
    ويقال أن ارمينيوس فامبري هو الذي أوحى لبرام ستوكر كتابة روايته المشهورة عن الأمير دراكيولا عندما التقى الاثنان في لندن عام 1890، وأن شخصية الأستاذ العنيد "فان هلسنغ" صائد مصّاص الدماء في الرواية ليست سوى شخصية فامبري نفسه.

    Credits
    nationalgeographic.com

    Saturday, March 04, 2017

    مدن في البال

    يُؤثر عن الكاتب الأرجنتينيّ بورخيس قوله ذات مرّة: لو خُيّرت أن أسافر إلى مدينة واحدة في هذا العالم، لما اخترت سوى نيشابور. فهذه المدينة تختزل العالم كلّه في مكان واحد".
    وكلام بورخيس له ما يبرّره. فهذه المدينة ظلّت ولمئات السنين مركزا للعلم والاستنارة والإشعاع الدينيّ والثقافيّ ومثالا على التعدّدية والتنوّع.
    كما أنها مسقط رأس الشاعر عمر الخيّام الذي ولد فيها عام 1047 ويقع قبره اليوم وسط حديقة غنّاء غير بعيد عن وسط المدينة. وعلى بعد خطوات من الضريح يقوم مرصد فلكيّ سُمّي على اسمه.
    ومن أشهر شخصيّاتها الأخرى الرسّام المشهور كمال الملك الذي عمل رسّاما للبلاط خلال حكم الملك القاجاري نصر الدين شاه.
    ونيشابور هي أيضا مسقط رأس فريد الدين العطّار، أحد أشهر الشعراء الصوفيين وصاحب كتاب "منطق الطير".
    اسم نيشابور يعني المدينة الطيّبة. والاسم مشتقّ من اسم مؤسّسها الملك الساسانيّ شابور وكانت مقرا لإقامته زمن الفتح العربيّ في القرن السابع الميلادي. وهي تقع في إقليم خراسان، وكانت في الماضي الغابر محطّة مهمّة على طريق الحرير. كما اتخذها طغرل بيك، أوّل ملوك السلاجقة، مقرّا لحكمه عام 1037م.
    لكن للأسف فإن الصورة التي تثيرها هذه المدينة في الذهن ليست رومانسية أو مشرقة دائما، على نحو ما سيأتي تفصيله بعد قليل.
    تاريخ بناء نيشابور يعود إلى القرن الثالث للميلاد. وفي القرن الخامس الميلادي، كانت مقرّا للكنيسة النستورية في إيران، بالإضافة إلى كونها ذات أهميّة كبيرة للزارادشتية بحكم قربها من احد معابد النار الكبيرة الذي شيّده الساسانيون.
    وقد بلغت نيشابور ذروة ازدهارها في القرن الثامن. وفي القرن الثالث عشر دمّرتها الزلازل. وبعد الفتح الإسلامي للمدينة، ولبلاد فارس عموما، أصبح أهلها في الغالب من السنّة الأحناف والشوافع. لكن كان نفوذ الشافعية اكبر، لأنهم كانوا على وئام مع الأشاعرة والمتصوّفة.
    ومن أشهر معالم نيشابور الباقية إلى اليوم حديقة غادامجا في جبال بينالود التي أنشئت في الحقبة الصفوية. كانت الحديقة تُستخدم كمحطة للقوافل، وبداخلها نبع ماء ما يزال يتدفّق منذ قرون. ويقال أن الإمام الرضا، ثامن أئمّة الشيعة، توقّف في هذه الحديقة للصلاة في طريقه إلى طوس.
    وأيضا فيها بقايا قصر الشدياق "أو السعادة"، الذي كان مقرّا لإقامة سلاطين السلاجقة إلى أن هدمه المغول أثناء غزوهم للبلاد.
    وقد اشتهرت هذه المدينة على امتداد تاريخها الطويل بالتركواز أو الفيروز وبالخواتم المصنوعة فصوصها من هذا الحجر الثمين. وفيروزها يُعتبر الأفضل في العالم، وهو يُستخرج من منجم في أعلى احد الجبال. ولأن الفيروز رمز للسماء، فإنه يُستخدم غالبا لتغطية قباب المساجد والأماكن الدينية.

    الجانب القاتم من تاريخ نيشابور يرتبط بفترة الغزو المغوليّ لبلاد فارس في القرن الثالث عشر. وقد تحمّلت هذه المدينة الكلفة الأكبر لذلك الغزو. هجوم جنكيز خان كان حدثا رهيبا على كافة الأصعدة، فقد ترك الغزو مدنا كثيرة مدمّرة لزمن طويل. وحتى بعد مرور مائة عام على الحادثة، فإن أجيالا متعاقبة من السكّان لم يكونوا قد تعافوا من آثار ما حدث.
    بعد أن استولى جنكيز على بلاد فارس، أسّس هناك سلالة حكمت البلاد لأكثر من مائة عام. هجماته المبكّرة على إيران بدأت من إقليم خراسان. وقد استولى أوّلا على نيشابور، أكثر مدن ذلك الإقليم سكّانا وأهميّة، ومن هناك توسّع إلى بقيّة المدن.
    وتروي بعض المصادر التاريخية أن الابن الأكبر لجنكيز قُتل أثناء تمرّد قام به أهالي نيشابور. زوجة الابن القتيل انخلع قلبها لموته وأمرت بأن يباد كل سكّان المدينة انتقاما له. وقد قام ابن جنكيز الآخر بالمهمّة على أكمل وجه.
    بعض المصادر من تلك الحقبة تذكر أن جيوش جنكيز قتلت من سكّان خراسان لوحدها عشرات الآلاف من الناس. ولم يُظهر الجيش الغازي أيّة شفقة أو رحمة حتى على الكلاب والقطط وغيرها من الحيوانات.
    وإحدى القصص من تلك الفترة تحكي كيف أن احد قادة جنكيز امتطى فرسه ذات يوم واتجه إلى احد مساجد المدينة. وفور وصوله سأل من كانوا معه عن الغرض من وجود ذلك البناء.
    وفي تلك الأثناء خرج عليهم من داخل المسجد رجل دين كان يتلو القرآن ورفع يده بالتحيّة ثم أجاب بأن هذا مسجد وأن الكتاب الذي بيده هو القرآن الكريم. فما كان من القائد المغولي إلا أن استلّ سيفه على الفور وقام بقطع رأس الرجل، ثم التهم حصانه صفحات المصحف الشريف.
    ويذكر المؤرّخون انه بعد المذبحة التي ارتكبها جنود جنكيز خان في نيشابور، تمكّنت مجموعة من السكّان الذين كُتبت لهم النجاة من الهرب إلى منطقة جبال البورز حيث عاشوا في الكهوف المتناثرة هناك.
    وكان هؤلاء يظهرون من مخابئهم ليلا باحثين عن شيء ليأكلوه، وغالبا كانوا يتغذّون على لحوم الحيوانات والجيف، لدرجة أنهم اضطرّوا في بعض الأحيان لأن يأكلوا لحوم الفئران والثعالب.
    وبعد سنوات عديدة بادر عدد من هؤلاء إلى تأسيس حكومة تستند إلى مبادئ الدين وبعض الأفكار الديمقراطية، وسلّموا قيادتهم إلى إحدى العائلات الكبيرة التي كانت تُدعى عائلة ساربيداران.
    حُكم هذه العائلة لم يدم أكثر من خمسين عاما، إذ أطاح بها قوم قدموا من شمال نهر اكسوس ويُدعون بالتيموريين. زعيم هذه الجماعة، أي تيمورلنك، كان شخصا عنيفا ومتعطّشا للدماء. ويبدو انه ورث طبيعته القاسية من أمّه التي كانت تنتمي إلى سلالة جنكيز.
    آخر حكّام عائلة ساربيداران كان اسمه خوجه نجم الدين. وكان هذا قائدا ضعيفا، ناهيك عن انه كان يفتقر للجند والعتاد، لذا لم يستطع مقاومة جيش تيمورلنك.
    لكن للتاريخ مفارقاته الكثيرة، فقد واصلت جيوش المغول تقدّمها غربا واستولت على المزيد من بلدان المسلمين وارتكبت ضدّ شعوبها مختلف صنوف القتل والتدمير والتشريد.
    لكن في مرحلة تالية، دخل المغول في الإسلام. ومن أحفاد جنكيز خان وتيمورلنك ظهرت سلالة حكمت الهند وأسّست لها هناك امبراطورية أرست، بحسب المؤرّخين، واحدة من أزهى فترات الحضارة الإسلامية ازدهارا وتقدّما.

    Credits
    gutenberg.org

    Tuesday, February 28, 2017

    اوكيف: كاهنة الصحراء


    جورجيا اوكيف هي احد رموز الحداثة الكبار في الرسم الأمريكيّ في القرن العشرين. وما تزال إلى اليوم احد أكثر الفنّانين احتفاءً في العالم.
    في عام 2014، أصبحت لوحتها أزهار الداتورا أغلى لوحة تباع في المزاد لرسّامة امرأة بعد أن حقّقت مبلغ خمسة وأربعين مليون دولار أمريكي.
    كان من عادة اوكيف أن تخرج يوميّا عند الفجر لتمشي في رحاب الطبيعة. كانت مفتونة بالسماء الواسعة فوقها وترسم كلّ ما تقع عليها عيناها من أزهار وعظام وتلال.
    الفجر يصبح وهجا لامعا تحت التقوّسات الزرقاء لألوانها المائيّة العجيبة. ولوحاتها، على الرغم من أنها صغيرة الحجم نسبيّا، إلا أن كلا منها يمسك بالأبدية.
    في أواخر السبعينات، عندما كنت ادرس تاريخ الفنّ، قال لي معلّمي إنّني إذا كنتُ مصرّا على الكتابة عن رسّامة أنثى من القرن العشرين، فعليّ أن اختار بين جورجيا اوكيف وباربرا هيبوورث.
    كانت هيبوورث قد توفّيت قبل ذلك بفترة قصيرة، وكنت مقتنعا أن عليّ أن أقابل شخص الرسّامة إذا أردت أن تكون لأطروحتي للدكتوراة أية أهميّة.
    لذا كتبت إلى جورجيا اوكيف مرّتين. لكنها لم تردّ. وبعد أن استنفذت كافّة محاولاتي لتوسيط من يعرفونها في انجلترا، قرّرت أن أسافر بنفسي إلى ولاية نيومكسيكو الأمريكية حيث تقيم.
    وعندما وصلت إلى هناك، لمست مدى أريحية الناس الذين منحوني كثيرا من وقتهم، رغم أن أيّا منهم لم يستطع أن يقدّمني إلى "الآنسة اوكيف" كما كانوا يسمّونها.
    ولهذا طرت إلى آلبيوكيركي، وبعد وصولي إلى هناك استأجرت سيّارة.
    في بريطانيا، يبدو الأفق دائما ضبابيّا وناعما، لكن في نيومكسيكو اكتشفت أن الخطّ الذي يفصل تلال الصحراء الحمراء عن السماء كان صافيا وشفّافا، تماما كما هو الحال في لوحات اوكيف.
    تحدّثت إلى السكّان المحليّين في الحانات، وأخيرا اخبرني احدهم عن المكان الذي يمكن أن أجد فيه اوكيف، وهو بلدة صغيرة تُدعى ابيكيو.
    وكان قد قيل لي من قبل أن من الصعب الالتقاء بالرسّامة بسبب الحماية المشدّدة التي يوفّرها لها مساعدها ورفيقها جوان هاميلتون. وعندما اقتربت من منزلها الواقع على طريق منحدر ويطلّ على منظر طبيعيّ، واجهني جوان وهو شابّ طويل وجميل الملامح.
    قلت له: أنا طالب دكتوراة ومتخصّص في أعمال جورجيا اوكيف، وقد كتبتُ لها على أمل أن تمنحني مقابلة". لكن هاميلتون صدّني. فقلت له متوسّلا: لقد قطعت مسافة طويلة من انجلترا إلى هنا لكي أراها". لكنه تجاهل كلامي.
    وقلت في نفسي: قد لا يكون هذا هو التكتيك الأفضل. فالأمريكيون يحبّون اوكيف لأنها "أمريكية جدّا" ولم تتلوّث بالفنّ الأوربّي.
    في اليوم التالي، حاولت أن أعثر على مزرعة غوست رانش، حيث يقوم منزل اوكيف الصيفيّ. كان المنزل منعزلا ومقفلا. لكن من خلال فتحات الأبواب الخشبية، رأيت جزءا من الباحة الزهرية التي كانت الفنّانة ترسم فيها بعض لوحاتها أيّام الخمسينات.
    كنت ما أزال امنّي النفس بمقابلة الرسّامة، لذا عدت إلى بيتها مرّة أخرى. وقد ردّ جوان على قرعي الباب بقوله إنها مريضة اليوم. عدت أدراجي وجلست على صندوق في الخارج وانشغلت بإزالة الغبار عن حذائي.
    وأخيرا رأيت اوكيف فوق التلال وهي في طريق عودتها إلى البيت برفقة كلبيها.
    انتظرت ساعة أخرى ثم قرعت الباب ثانية. وكنت قد أحضرت معي زهرة سوسن سوداء تعبيرا منّي عن إعجابي بلوحتها المشهورة.
    لكن جوان لم ينتبه حتى إلى هذه المجاملة اللطيفة. غير انه تركني أمرّ إلى الداخل عبر قوس محفور في باب خشبيّ قديم.
    وبينما كنت أتلمّس ورقتي التي دوّنت عليها قائمة الأسئلة، ُاخذت إلى غرفة بشبّاك واسع يطلّ على منظر طبيعيّ. وأمامه جلست اوكيف.
    لم استطع رؤية وجهها جيّدا. فالضوء الساطع أمسك فقط بياقتها البيضاء وبـ "بروش" فضّي كانت ترتديه وبشعرها الأشيب الذي كان منتفشا بعد مشوار مشيها اليوميّ.
    قدّمت لها نفسي وشرحت لها غايتي من القدوم وذكرت لها زهرة السوسن التي أحضرتها. ثم رأيت وميض دهشة يشعّ من عينيها. بعد ذلك تحدّثت عن إعجابي بأعمالها وسألت بضعة أسئلة ثم توقّفت كي أفسح لها المجال للكلام.
    لكنها لم تقل شيئا أبدا. كانت تكتفي بالاستماع إليّ في صمت وتداعب بعض حبّات الحصى في يدها.
    وأخيرا قادني جوان إلى طريق الخروج مكرّرا أن الآنسة لا تشعر أنها على ما يرام اليوم.
    ثم قدت سيّارتي مغادرا وفي النفس غصّة وإحباط.
    لكن في النهاية كان للرحلة نتيجة واحدة ايجابية، وهي أن أطروحتي الجامعية تم قبولها .. ونجحت.

    Credits
    theguardian.com

    Saturday, February 25, 2017

    عوالم مثالية


    تحدّث الفلاسفة والشعراء منذ القدم عن نقص الحياة أو عدم كفايتها. بمعنى أن الحياة بطبيعتها ناقصة ومؤقّتة ومعيبة بما لا يسمح للإنسان أن يستمتع بها ويعيش فيها بحرّية وسعادة.
    هذا الشعور قديم جدّا. وهو كان وما يزال ملازما لوعي الإنسان منذ آلاف السنين ومادّة لتأمّل الكثير من الكتّاب والمفكّرين.
    الزعماء الدينيون والروحانيون أدركوا انشغال الإنسان بهذه القضيّة منذ الأزل، لذا تحدّثوا عن شكل من أشكال الحياة بعد الموت؛ عن يوتوبيا أو فردوس من نوع ما، يمكن أن يحقّق للإنسان حياة كاملة ومثالية.
    وفي الحقيقة، كلّ الأديان تتمحور حول هذه الفكرة بالذات، وهي أن هذه الحياة ناقصة ومؤقّتة. ووظيفة الدين في هذه الحالة تتمثّل في محاولة تقديم حلّ لهذه الإشكالية، هو عبارة عن وعد بحياة أفضل تتجاوز القبر وتَعِد الإنسان بالسعادة والحرّية والخلود.
    البعض يُرجعون بعض أسباب تعاسة الإنسان إلى الصراعات التي يغرق فيها العالم وإلى شيوع الظلم والطمع والصراع والأنانية على امتداد تاريخ البشرية الطويل. ولهذا السبب وغيره، أصبح الكثيرون يلحّون في التساؤل عن معنى الحياة أو الجدوى منها.
    هناك من يرى أن نقص الحياة أو عدم كمالها يمكن تجاوزه بامتلاك الثروة. لكن ثبت أن هذا غير صحيح. صحيح أن الثروة يمكن أن تجعل الحياة أكثر يسرا وراحة. لكن مع مرور الوقت فإن الثراء لوحده لا يحقّق السعادة المنشودة بالضرورة، فالأشياء الجديدة التي يمكن أن نشتريها سرعان ما تصبح قديمة عندما نعتادها وتصير جزءا من حياتنا اليومية.
    والمتع المادّية التي نكتسبها قد تجعلنا سعداء لفترة قصيرة فقط، ومع مرور الوقت تفقد قيمتها وجاذبيّتها. والكثير من هذه المتع لا تشبع شعور الإنسان بأن للحياة غرضا أو غاية. وحتى العلاقات مع الآخرين كالعائلة والأصدقاء والمعارف على أهميّتها ليست دائمة، بل هي عرضة للتغيّر بحسب الظروف.
    ومن هنا تأتي الفكرة القائلة بأنه إذا كان هناك أمل للبشر، فلا بدّ وأن يكون في شيء غيبيّ يقع خارج هذا العالم.
    وتوق الإنسان إلى عالم مثاليّ خارج العالم المحسوس، أيّا كان اسمه، سببه - بحسب بعض الكتّاب - أن الطبيعة البشرية فاسدة ومنحطّة من الأساس. وحتى أولئك الأفراد الذين يتّصف مسلكهم بدرجة عالية من الخيريّة والإنسانية، تجد أنهم مع ذلك مسكونون دائما بالشعور بالتوق إلى منفى أو عالم خاصّ أو بعيد.
    وبعض الشعراء، على وجه الخصوص، تحدّثوا عن توقهم لمكان ما يصعب تحديده، إما انه يقع في المستقبل أو كان له وجود في الماضي لكنه اختفى.
    والذهاب إلى هذا المكان أو العودة إليه يشبع حلم الإنسان بعالم طوباويّ يمكن أن يوفّر للحياة غرضا وللوجود معنى. وهذا الإحساس بالتوق والتطلّع إلى "يوتوبيا" ما كثيرا ما يصاحبه شعور بالحزن.
    وهناك حالات يمكن أن تستحضر مثل هذا الشعور، مثل سماع موسيقى معيّنة، خاصّة إن كانت من النوع الملحميّ، أو الاستمتاع بمنظر طبيعيّ جميل.
    كما أن هناك بيئات معيّنة يمكن أن تثير مثل هذا الشعور، كانهمار المطر ومنظر الغروب أو تساقط أوراق الخريف تحت سماء غائمة.
    والإحساس بالتوق يمكن أيضا أن يتحقّق بالتأمّل في بعض لوحات الرسّامين الانطباعيين وكذلك في بعض قصائد الشعر التي تستثير في الناظر مشاعر شتّى.
    وقد تحدّث بعض الكتّاب عن بعض أشكال الموسيقى التي تمنح وعدا بالجمال بإثارتها شعورا سريعا بالنشوة والتوق، مثل بعض المؤلّفات الموسيقية الكلاسيكية التي تعطي انطباعا عن مضيّ الزمن وتتحدّث عن أسرار الحياة والحبّ والموت.
    والمفارقة أن هذا الإحساس بالتوق والحنين الممزوج بالحزن يأتي غالبا عندما نكون في ذروة تمتّعنا بالأشياء الجميلة في الحياة، كتغريد الطيور في الصباح أو أصوات تكسّر أمواج البحر أو ضحكة طفل صغير.
    وهذه كلّها ليست سوى إلماحات إلى ما تعنيه اليوتوبيا أو العالم المثاليّ في أذهاننا، كما أنها صور سريعة لشيء ما أعظم من الحياة نفسها.
    ورغم أن هذه الأشياء قد لا توفّر للإنسان الخلاص النهائيّ الذي يبحث عنه، إلا أنها تمنحه الأمل بشيء ما يتجاوز مفاهيم الزمان والمكان المعروفة.
    وربّما لهذا السبب، عندما تجد فنّانا أو شاعرا يعبّر عن رغبته في أن يشمّ عبير زهرة لم توجد بعد، أو أن يسمع نغما لم يسمعه أحد من قبل، أو أن يذهب إلى مكان لم يسبق لأحد أن زاره، فإنه بذلك إنّما يعبّر عن رغباته التي لا يمكن تحقيقها، وبالتالي عن شوقه وتوقه وتطلّعه لتجارب مثالية بديلة عن الطبيعة المعيبة والناقصة للحياة.

    Monday, February 20, 2017

    عصر النهضة

    ما يزال المؤرّخون مختلفين حول ما يعنيه عصر النهضة بالتحديد. لكن ممّا لا شكّ فيه أن شيئا ما غير عاديّ حدث في منتصف الألفية الماضية وغيّر وجه الحضارة الغربية. وممّا لا شكّ فيه أيضا أن عائلة ميدتشي الايطالية كانت راعية ومؤثّرة في إحداث ذلك التغيير الكبير.
    بشكل عام، يمكن القول إن عصر النهضة يُقصد به الفترة الممتدّة من عام 1300 إلى عام 1600م والتي تلت القرون الوسطى مباشرةً في أوربّا وشهدت موجة من الابتكارات الفنّية والثقافية التي اكتسحت المجتمع القروسطي وأدخلت الثقافة الأوربّية في العصر الحديث.
    في عصر النهضة استُبدل النظام الفلكيّ القديم لبطليموس بنظام كوبرنيكوس وانهار النظام الإقطاعيّ وازدهرت التجارة واختُرع الورق والطباعة والبوصلة والبارود.
    وفيه أيضا عاشت أرجاء كثيرة من أوربّا استقرارا سياسيّا ورخاءً اقتصاديّا واكتُشفت قارّات جديدة وازدهرت الفلسفة والآداب والفنون.
    وبدأ المبدعون في جميع الميادين، من رسّامين ونحّاتين ومهندسين وكتّاب وشعراء وموسيقيين، يهتمّون بتمجيد الإنسان وبالتصوير الواقعيّ للجسد الإنسانيّ وللطبيعة وبالنظر إلى الفنّان كفرد مستقلّ بذاته.
    وفي ذلك العصر أيضا عاش أدباء مشهورون مثل بترارك وبوكاتشيو اللذين نظرا إلى الخلف؛ إلى روما واليونان وسعَيا إلى إنعاش اللغات والقيم والتقاليد الثقافية لتلك الحضارات بعد فترة طويلة من الركود تلت سقوط الإمبراطورية الرومانية في القرن السادس الميلادي.
    وفي عصر النهضة لم يعد الناس يتقبّلون تعاليم وإملاءات الكنيسة كيفما اتّفق ولم يعودوا يتسامحون مع فساد وانحلال رجال الدين. وفيه أيضا أصبح الراهب الألمانيّ مارتن لوثر أوّل "زنديق" ينشر نظرياته علنا، فأبطل قرونا طويلة من تقديس الاكليروس ومهّد الطريق لثورة في الإيمان وقسّم العالم المسيحيّ إلى الأبد.
    أيضا في عصر النهضة أصبح الناس توّاقين لدراسة عالم الطبيعة واكتشاف أنفسهم من خلال التعرّف إلى أسرار الكون. ثم فاجأ غاليليو المؤسّسة الكاثوليكية بإعلانه أن الأرض تدور حول الشمس وليس العكس.
    أما في الرسم، فقد انفصل الفنّانون عن التقاليد الدينية لعالم القرون الوسطى، واكتشفوا لأوّل مرّة كيف يرسمون بأبعاد ثلاثة وابتكروا أساليب ثورية في الرسم مثل الرسم بالزيت وتقنيات المنظور، وتزعّم ليوناردو دافنشي علم دراسة التشريح البشريّ وتوظيفه في الرسم.
    وفي السياسة، أعيد بعث ومناقشة النصوص القديمة التي لم تُقرأ طوال ألف عام. ومع اكتشاف الطباعة، اكتسحت الأفكار والنظريات أوربّا بسرعة وأشرك الكتّاب والمفكّرون الناس العاديّين في أفكارهم وتصوّراتهم.
    وفي كلّ أرجاء ايطاليا ازدهرت الجمهوريات والدوقيات وحوّل الملوك والأمراء الأوربّيون أنظارهم إلى ايطاليا مأخوذين بوهج الانجازات والاختراقات المبدعة. وفي ذلك العصر كتب ميكيافيللي كتابه "الأمير" الذي ضمّنه تصوّراته عن عالم براغماتيّ فيه الغايات تبرّر الوسائل.

    ترى هل كان الفنّانون الذين صنعوا فنّ عصر النهضة يعرفون أنهم كانوا يعيشون في "عصر نهضة" فعلا؟ وبعبارة أخرى، هل كانوا واعين بأنهم ينتمون إلى عصر اسمه "عصر النهضة" ويتماهون مع معاني ودلالات ذلك الوصف؟
    هذا السؤال مهمّ ومثير للفضول. وبعض المؤرّخين يقولون: لا ونعم. فكما هو الحال دائما في التاريخ، تبدو العملية معقّدة بعض الشيء.
    ولكي تتّضح لنا الصورة أكثر، يجب أن نحاول معرفة متى ظهر ذلك المصطلح بالتحديد ومن الذي استخدمه أوّل مرّة ولماذا.
    كلمة "نهضة" فرنسية الأصل، تعني الانبعاث أو الولادة الجديدة. وقد دخلت إلى اللغة الانجليزية حوالي عام 1800 لتشير إلى الفترة المذكورة (1300-1600) كإعادة بعث لثقافة وفنّ الأزمنة القديمة في روما واليونان.
    لكنّ أوّل ذكر للمصطلح الذي تشير إليه الفكرة أتى قبل ذلك بحوالي ثلاثمائة عام. ففي عام 1550، وفي كتابه "تاريخ الفنّانين"، استخدم المؤرّخ الايطالي جورجيو فاساري الكلمة الايطالية "النهضة" ليصف الأسلوب الفنّي الجديد الذي اتّبعه الفنّانون آنذاك، مثل ليوناردو دافنشي وميكيل انجيلو ورافائيل.
    فاساري، الذي يُوصف عادةً بأنه أوّل من أرّخ للفنّ الأوربّي، قسّم فنّاني تلك الفترة إلى ثلاث مراحل: الأولى تتضمّن جيوتو، احد أوائل الرسّامين الايطاليين الذين تخلّوا عن الأساليب القديمة وتبنّوا نهجا أكثر واقعية في رسم البشر والطبيعة والمعمار.
    كانت جهود جيوتو مبتكرة، لدرجة أن من جاءوا بعده في القرن الخامس عشر قضوا سنوات يبنون على ابتكاراته الفنّية. وقد امتدحه فاساري بقوله انه أعلن عن ولادة لحظة جديدة في الرسم.
    المرحلة الثانية من رسّامي عصر النهضة تتضمّن ماساتشيو ودوناتيللو وغيرهما من الفنّانين الذين كانوا نشطين في القرن الخامس عشر. وهؤلاء كانوا يدفعون عن وعي باتجاه أعراف فنّية جديدة.
    أما المرحلة الثالثة والأخيرة، بحسب فاساري، فكانت تغطّي معظم العصر الذي عاش فيه هو، أي النصف الأوّل من القرن السادس عشر. فنّانو تلك المرحلة عملوا بالطريقة الحديثة التي بدأها جيوتو وطوّرها الفنّانون الذين أصبحوا مشهورين أكثر من غيرهم بارتباطهم الوثيق بعصر النهضة، أي تيشيان وليوناردو دافنشي ورافائيل وميكيل انجيلو وكوريجيو.
    وخلال تلك الفترة، ربّما كانت كلمة النهضة غير معروفة بعد ولم تَرِد على ألسنة الفنّانين آنذاك الذين أصبحوا يمزجون تحفهم الفنّية بالكثير من الدراما والانفعالات. لكنّهم بالتأكيد كانوا يعرفون أن شيئا ما جديدا كان يحدث.
    وبينما كانوا متأثّرين بالفنّ الرومانيّ واليونانيّ الكلاسيكيّ ويعتبرونهما مصدرا للإلهام، إلا أنهم أيضا كانوا مدفوعين بالفكر التنافسيّ ليخلقوا شيئا جديدا ومختلفا عن الأجيال السابقة. وفي نفس الوقت كانوا يمهّدون الطريق للفنّانين الذين أتوا بعدهم لكي يناضلوا بوعي من اجل خلق وابتكار أشياء جديدة ومتجاوزة.

    Credits
    visual-arts-cork.com