:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Wednesday, June 28, 2017

نُور العالَم

العلم يقول لنا أشياء كثيرة عن الضوء. لكن هذه الأشياء تقود إلى تساؤلات أخرى أكثر غموضا. والعلماء ما يزالون في حيرة من أمر هذه الظاهرة التي ما تزال تخفي الكثير من أسرارها.
لكن يمكننا أن نلمح شيئا من طبيعة الضوء عندما تتخلّل أشعّة الشمس غرفة مملوءة بالغبار، أو عندما يظهر قوس قزح بعد عاصفة رعدية أو بعد هطول المطر.
في إحدى غرف متحف تيت البريطانيّ، توجد لوحة كثيرا ما تجتذب أعدادا كبيرة من الزوّار. عمر اللوحة مائة وثلاثون عاما، وهي مرسومة بالألوان الزيتية، وطولها حوالي سبعة أقدام.
في اللوحة، تظهر فتاتان صغيرتان في بدايات المساء وهما تقفان في حديقة للزهور وتضيئان مصابيح ورقية.
كان طموح الفنّان الذي رسمها، وهو جون سنغر سارجنت، أن يمسك بالوهج السريع للشفق، رغم أن المهمّة كانت على ما يبدو عصيّة ومراوغة.
وقد كتب الرسّام إلى شقيقته يخبرها، بشيء من الإحباط، كيف أن التأثير الذي حاول أن ينقله إلى اللوحة لم يستمرّ سوى عشر دقائق، وهي فترة غير كافية لنقل الانطباع إلى القماش.
لكن لو وقفت أمام اللوحة اليوم لتعجّبت من خاصيّة الضوء الذي يشعّ منها. فوهج الشفق يسقط على بتلات الأزهار وعلى الوجهين الناعمين للطفلتين، بينما ينبعث عن المصابيح الورقية شعاع برتقاليّ قويّ وأخّاذ.
هناك شيء ما غامض في لوحة سارجنت هذه. ويمكن القول أنها تختزل علاقة الإنسان بالضوء. فنحن، ودون أن نشعر أحيانا، نجري خلف الضوء ونعامله بشيء من التقديس ونخلع عليه شعورا بالاحتفاء والدهشة.
انه نفس الإحساس الذي يساورنا ونحن نرقب عرضا للألعاب الناريّة ، أو منظرا للشفق القطبيّ ، أو تجربة من تجارب حقول الضوء ، أو عندما نصغي للحكايات التي نقصّها على أنفسنا عن علامات النجوم وظاهرتي الكسوف والخسوف، أو عندما نتسلّق قمّة جبل كي نتأمّل منظر الشمس وهي تشرق أو تغرب برهبة وجلال.
كلّ تفاصيل حياتنا تتمحور حول الضوء، أساليبنا في العمل والعيش والتنقّل، تعاملنا مع المصابيح ومفاتيح الإنارة في بيوتنا، وحتى تصوّراتنا عن المسافة التي تفصل السماء عن الأرض.
وأينما كان المكان الذي تعيش فيه، سواءً في المدينة أو القرية، فأنت منجذب دوما، ودون أن تحسّ غالبا، إلى رؤية كيف ينبثق الضوء وكيف يتلاشى.
قبل أن يرسم سارجنت لوحته هذه بسنوات، أشار وليم تيرنر، الذي يوصف عادة بأنه رسّام الضوء، إلى أن أجمل الأضواء هي تلك التي تظهر في السماء التي تعلو شاطئ البحر. التحوّل الناعم للضوء بين كلّ ساعة من ساعات النهار والليل شيء لافت وتعجز الكلمات عن وصفه أو عن وصف تأثيره في النفس والمشاعر.
في انجذابنا نحو الضوء، ثمّة حالة من الجمال، من التسامي، من الإحساس بالدفء والتطلّع إلى شيء ما لا يمكن لمسه أو إدراكه. وعلاقتنا الملتبسة بالضوء ستظلّ دائما، وبمعنى ما، غير مكتملة وغير مدركة تماما، سواءً كان مصدره وهج عود ثقاب أو ضوء مصباح أو شهابا عابرا في السماء أو جذوة نار مشتعلة في البرّية.
"هناك أشياء لا يمكن امتلاكها". كتبت ريبيكا سولنيت ذات مرّة تصف اللون الأزرق للضوء. الضوء ظاهرة واضحة جدّا، وفي نفس الوقت غامضة كثيرا. ولأنه احد متع الحياة العظيمة غير المحسوسة وغير المدركة، فإنه سيظلّ سببا ومصدرا للاحتفال والدهشة التي لا تنتهي.

Credits
theguardian.com

Thursday, June 22, 2017

طبيعة فريدريش


أصبح كاسبار ديفيد فريدريش الرسّام المحبوب الأوّل في ألمانيا وبات الألمان ينظرون إليه كأيقونة ثقافية. والسبب هو أننا عندما ننظر إلى لوحاته فإننا نشمّ فيها رائحة البارود.
ونعرف قبل أن يخبرنا المؤرّخون أن هتلر كان يحبّ رسوماته. الخواء والغموض في ساحات فريدريش التي لا يسكنها سوى أشباح أبطال ألمانيا جعلته المعادل البصريّ لفاغنر: بطل مخالف للعرف وذو ملامح كالحة، في قاعة عمالقة الثقافة.
لكن هذا لم يؤثّر كثيرا في شعبيّته. فرسّام المناظر الطبيعية هذا، الذي كاد أن يُنسى بعد وفاته عام 1843، أعيد اكتشافه من جديد في السنوات الثلاثين الأخيرة.
في سبعينات القرن العشرين، عاد الفنّانون والسينمائيون الألمان إلى الحديقة المتفحّمة لإرثهم الثقافيّ كي يتخيّلوا من جديد طبيعةً بعْثَرَتها النازية. وقد ذهبوا باحثين عن ألمانيا، وما وجدوه كان فريدريش .
الرسّام الألمانيّ المعاصر انسيلم كيفر صوّر نفسه في طبيعة فريدريش، معطيا ظهره لنا مثل الأشخاص في لوحات الأخير، ومؤدّيا التحيّة النازيّة.
ومنافسه الرسّام غيرهارد ريختر زار هو الآخر طبيعة فريدريش، لكنّه رسمها مغبّشة، كما لو أنه رآها من نافذة سيّارة في يوم مطير.
وعندما أعاد فيرنر هيرتزوغ إعادة إخراج فيلم نوسفيراتو عام 1979، حوّل قصة الفامباير أو مصّاص الدماء الذي يغزو بلدة في شمال ألمانيا إلى مقالة عن الرومانسية. فشخصيّات الفيلم تسير عبر تلال مغطّاة بالضباب، مثل تلك التي كان يرسمها فريدريش في مناظره.
وفي النهاية يختفي الفامباير في ساحة فسيحة وخالية، تماما مثل الشخص الملتحف بالسواد في أعظم لوحات فريدريش المسمّاة الراهب أمام البحر (فوق). وهيرتزوغ يرى الطبيعة الألمانية في لوحات فريدريش كمكان ملعون، بينما يعتبر أن مصّاص الدماء هو هتلر وفريدريش معا.
ومع ذلك تستمرّ جاذبية فريدريش القاتلة. ولوحاته ما تزال تظهر على غلاف أيّ كتاب كلاسيكيّ له علاقة بالرومانسية الألمانية أو القوطية.
وعندما اشترى الناشيونال غاليري لوحته طبيعة شتائية المرسومة عام 1811، كانت تلك أوّل لوحة لفريدريش يشتريها متحف من خارج ألمانيا.
لقد فتح فريدريش العالم، ولكن بثمن غالٍ وسوء فهم عميق عمّن كان وإلى ماذا كان فنّه يرمز. وأصبح هو الأيقونة الأهمّ للرومانسية الألمانية، وصارت صورته كمتسلّق للجبال وعاشق للتسامي والخواء صورة لتاريخ ألمانيا نفسها. ويبدو أن الناس يحبّونه مثلما يحبّون دراكيولا، لأنه يدهشهم ويرعبهم.
لكن فريدريش لم يكن رجلا مصابا بجنون العظمة، بل كان إنسانا واقعيّا شارك في عصره بعقلانية وبعين داهية سياسيّ. رسائله التي أعيدت طباعة بعضها مؤخّرا ربّما تخيّب أمل خبراء الفنّ الذين يميلون للحديث عن الجنون الألمانيّ.
ففريدريش يبرز في تلك الرسائل كناقد للسلطة وكمتعاطف متمرّد مع الطلاب المسجونين لاحتجاجهم ضدّ الأنظمة الديكتاتورية في الولايات الألمانية الصغيرة والمقسّمة بعد مؤتمر فيينا عام 1815، وأحيانا كداعية متحمّس للتغيير وكليبراليّ من القرن التاسع عشر.
الأب الحقيقيّ لرسم مناظر الطبيعة الرومانسية كان نابليون. فالجيوش الخفيّة للإمبراطور الذي توّج نفسه ملكاً، جعلت طبيعة أوربّا مرئية عندما شقّت تلك الجيوش طريقها عبر القارّة.


وقد رأى فريدريش الولايات الألمانية تنهزم بطريقة مذلّة على يد جيوش نابليون، مثلما شهد فرانشيسكو دي غويا ضمّ اسبانيا، ومثلما رأى وليام تيرنر بريطانيا تُحوّل بحرها إلى سور دفاعيّ.
لكن ما جعل فريدريش يرى خطر الطبيعة كان سقوط نابليون. والذي أطاح بنابليون كان الفراغ والطقس والطبيعة. وزحفه على روسيا انتهى بهزيمته في الأرض اليباب لشتاء الشمال.
لقد هزّت الحروب النابليونية رَسْم الطبيعة الرومانسية بعنف. في لوحة تيرنر عاصفة ثلجية ، يصوّر الرسّام الانجليزيّ هانيبال وجيشه وهم يعبرون جبال الألب. وتيرنر يجسّد نابليون على هيئة جنرال قرطاجيّ ضئيل الحجم يقف هو وجنده بلا حول ولا قوّة أمام الجبروت الطاغي للجبال والطقس.
لكن في لوحات فريدريش يعاني نابليون من مصير أسوأ بكثير. ففي عام 1814، أي في السنة التالية لانسحاب بونابرت من موسكو، رسم فريدريش لوحته بعنوان الجنديّ في الغابة .
وفيها نرى جنديّا فرنسيّا منقطعا عن رفاقه يقف في درب ضيّق مقطوع الشجر داخل غابة يبدو انه لن يهرب منها أبدا. أشجار الشيح البنّية ترتفع كالأشباح فوق الجنديّ وتطبق عليه، وهو يبدو مستسلما، تاركا سيفه يسحب على الأرض ومصدوما من الظلام الرهيب الذي لا يقاوَم ويوشك أن يبتلعه.
هذه اللوحة أيضا تصوّر نابليون في شخص احد جنوده الهالكين. لكن بدلا من السهل الروسيّ، فإن الغابة الألمانية هي التي تهزمه هنا. ولوحة فريدريش هذه كثيرا ما اعتُبرت بمثابة بيان وطنيّ. فألمانيا، كما يوحي فريدريش، هي غابة متشابكة ومميتة وقادرة على ابتلاع أعدائها.
لكن من الخطأ أن تنظر إلى لوحات فريدريش على أنها وطنيّة فقط. وهي ليست احتفالات بالغموض الألمانيّ بقدر ما هي اختبار له. ففريدريش يوظّف خواء وفراغ ساحل بحر البلطيق وغابة ولاية تورنجيا كي يوحي بغطرسة الإمبراطورية.
فريدريش ليس رسول طُموح ألمانيا الجغرافيّ، بل المتأمّل فيه بسخرية. وفكرته هي انه يستحيل الانتصار على الفراغ، وأن البشر متطفلّون صغار في عالم لا يمكن أن يحلموا بأن يحكموه.
كما أن الرسّام يفضح سلطة الولايات الملوكية الألمانية، مثل بروسيا والبقيّة، التي كان الليبراليون الألمان يشعرون بأنهم معزولون عنها كليّاً.
في عام 1810، أرسل فريدريش اثنتين من أشهر لوحاته هما الراهب أمام البحر ودير في غابة السنديان ، لكي تُعرضا في برلين عاصمة بروسيا التي كانت قد أنزلت هزيمة ساحقة بنابليون قبل ذلك بأربع سنوات. وقد تسبّبت اللوحتان في إحداث ضجّة، ثم قرّرت العائلة الحاكمة اقتناءهما.
طبيعة فريدريش هي مكان لا تستطيع أن تجد فيه موطئاً لقدمك. حاول أن تقتحمه وتنتصر عليه، وستسقط صريعا بين الثلوج. لقد هلك نابليون في هذه الطبيعة، وكذلك هتلر.
فنّ فريدريش لا يمكن وصفه باللاعقلانيّ، بل هو عن اللاعقلانية. في لوحة امرأة في نافذة ، نرى امرأة (زوجة الرسّام) تعطي ظهرها للناظر وتحدّق إلى خارج الغرفة المعزولة باتجاه سارية سفينة في قنال. المنزل هو العالَم الآمن الذي كان فريدريش يتطلّع إليه وحقّقه.
السفينة ذات الحضور المشئوم تصل إلى البلدة، وكأنها خارجة من الطبيعة الألمانية. إنها تمثّل كلّ شيء كان فريدريش يخاف منه ويرغب به في نفس الوقت. قد تكون هذه سفينة الهولنديّ الطائر الذي تحكي عنه أوبرا فاغنر، أو قد تكون السفينة التي تُحضِر مصّاص الدماء إلى البلدة بصحبة جيشه من الفئران.

Credits
caspardavidfriedrich.org
theguardian.com

Friday, June 16, 2017

الفنّ الرؤيوي


منذ البدايات المبكّرة للفنّ والرسّامون يحاولون أن يرسموا ما لا تراه العين، لكنْ تدركه الروح والصّوت الداخليّ.
ومحاولة تصوير الروحانيّ والغامض بوصفه جسرا بين العالم الأدنى والأعلى ظلّ هو الهمّ الأساس لما يُسمّى بالفنّ الرؤيوي. وهو فنّ قديم قدم الروحانية وصور الآلهة القديمة والقدّيسين الذين تعلو رؤؤسهم هالات من نور.
ويمكن إيراد بعض الأمثلة عن هذا النوع من الفنّ مثل رسومات الكهوف التي تصوّر بشرا وحيوانات هجينة، ومثل الفن الشامانيّ القديم والأقنعة الطقوسية التي كانت شائعة في الثقافات البدائية.
تلك الصور وأخرى غيرها كان المراد منها إنتاج رؤية أوسع عن الوعي تتضمّن الروحانيّ والخفيّ أو الغامض.
وإحدى أفكار الفنّ الرؤيوي هي أن تلك الصور يمكن أن تكون رسائل أو وسائل هداية أو نبوءات أو كشوفات توهب للمبدعين بقوّة إلهية أو بفضل حالات الوعي المعدّلة.
إذن من أهمّ غايات الرسم الرؤيوي الكشف عمّا يكمن وراء حدود النظر بإظهار الحالات التي تسمو على الإدراك. وهذا يعني بالنسبة للبعض أن يفقد الإنسان نفسه أثناء عملية الخلق ويرتبط بالقوانين الكونية وبقوّة الإلهام الإلهيّ، كي يتواصل مع تلك الحالات ويجسّدها من خلال الصور.
ويقال أن بدايات هذا الفنّ تعود إلى عصور ما قبل التاريخ عندما رسم الإنسان الأوّل على جدران الكهوف صورا تمثّل تجسّدات أحلامه ورؤاه وتقف كرموز سحرية تستذكر رحلات الصّيد والإمساك بالحيوانات المتوحّشة.
وبعد قرون أصبح هذا الفنّ يتمثّل في الرسومات الدينية المتعدّدة التي تصوّر الأشكال المتخيّلة للملائكة والقدّيسين والتي تحاول، ليس فقط ربط عالمنا بالأفكار الروحانية، بل توفّر للناس صورا مختلفة من العبادة.
وإحدى الأفكار التي ترد كثيرا في الفنّ الرؤيوي هي إعادة خلق الجنّة وغيرها من الرؤى اليوتوبية. وهذا ليس بالمستغرب إذا ما تذكّرنا أن الفنّ كلّه كان إلى ما قبل مائتي عام فقط مرتبطا بالله وبالمقدّس.
وبالنسبة للفنّ الحديث، يمكن اعتبار الرمزية والتجريدية والسوريالية امتدادات للفنّ الرؤيوي. فاللوحات التجريدية المبكّرة والصور الحالمة للسوريالية كانت تصوّر عالما بلا قواعد ويسمح بتجانبات غريبة. وهذه الصور تعزّز المقدّس والغامض وتمنحه مساحة أكثر رحابة.
وهناك أسماء عديدة لفنّانين ارتبطوا بالفنّ الرؤيوي، مثل وليام بليك ونيكولاس روريك وريميديوس فارو وفريدون رسولي، بالإضافة إلى غوستاف مورو أبي الرمزية الفرنسية الذي رسم قصصا دينية وأسطورية ما تزال تثير مخيّلة الناس.
ويمكن أيضا أن ندرج ضمن هذا التصنيف لوحات كاندينسكي وبول كلي وخوان ميرو الذين بحثوا عن الروحانية في الفنّ من خلال الخصائص الرمزية والشعورية للخطوط والألوان والأشكال الهندسية.


ولا ننسى أيضا كتابات بيت موندريان الفلسفية والعميقة عن الفنّ وصور سلفادور دالي وماكس ارنست التي تمزج عالم الأحلام والذكريات وتجارب الطفولة. ويمكن كذلك الإشارة إلى رسومات بعض فنّاني القرن العشرين من غوغان إلى بولوك إلى اوكيف وغيرهم.
والذي يجمع بين هؤلاء هو الموهبة والقدرة على تقديم أنواع من الأبعاد الرؤيوية للعقل.
يقال أحيانا أنّ الفنّ يصبح في أفضل حالاته عندما لا يكون له اسم، أي عندما يستمع الفنّان إلى صوته الخاص، لا إلى أصوات غيره ولا يتّبع التقاليد الفنّية. وفي الواقع من المهمّ أن لا يغمر الفنّان نفسه في النظم والقواعد المكبّلة التي يمكن أن تحرمه من محاولة رؤية الأشياء التي لا تُرى عادة.
وغالبا فإن من ينتج هذا الفنّ هم أفراد علّموا أنفسهم بأنفسهم، أي لم يتلقّوا تعليما منهجيّا، وأعمالهم في الغالب هي تعبير عن رؤية فردية وذاتيّة. وهؤلاء بارعون عادة في اكتشاف الامكانيات التي لا يراها ولا يلاحظها الآخرون.
وهناك من يربط الفنّ الرؤيوي بحالات الوعي المتغيّرة وبالتجارب النفسية والهندسة المقدّسة والشامانية والعوالم الخفيّة وبظاهرة تزامن الحواسّ والثيوصوفية والخيمياء والسحر واليوغا وغيرها.
ومن الملاحَظ أن الفنّ الرؤيوي المعاصر مملوء بالأنوثة التي تعكسها ألوان ناعمة وأعماق أثيرية وخطوط متحوّلة، كما انه يتضمّن غالبا شكل "آلهة" بالمعنى المجازيّ للكلمة.
والتركيز على البعد الأنثويّ في هذا الفنّ مبعثه فكرة تقول أن عالمنا الحديث يتّسم بالأطراف الحادّة والخطوط المستقيمة والقواعد الصارمة، وكلّها عناصر ذكورية.
ومع أن في كلّ إنسان طاقة ذكورية وأنثوية معا، إلا أننا أسّسنا مجتمعات ذات ملامح ذكورية خالصة تجسّدها الخرسانة الصلبة والمباني المنتصبة والحروب المشتعلة في كلّ مكان.
وما حدث هو أننا مكنّا الطاقة الذكورية في دواخلنا وسمحنا لها بتحديد الاتجاه الذي شُيّد عليه الواقع الماديّ والاجتماعيّ كلّه. وفي نفس الوقت قمعنا طاقة الأنثى التي بداخلنا وقلّلنا من أهميّة سمات المرأة في واقعنا وفي حياتنا.
وهناك من يرى أن العالم كما نعرفه سيتغيّر دراماتيكيا عندما نبدأ في الاستماع إلى الصوت الداخليّ للمرأة، فنتبنّى الناعم والسهل والمرن في مقابل الحادّ والصارم والخشن.
والفنّ الرؤيوي اليوم هو دليل على التحوّل الذي يقوم به كثيرون باتجاه تعبير أكثر توازنا عن الطاقة الذكورية والأنثوية معا.
ومن خلال محاولتنا فهم المعاني المخبوءة في بعض نتاجات هذا الفنّ، فإننا نمنح أنفسنا الفرصة لاستيعاب السمات الأنثوية التي تقع في قلب العملية الفنّية، ومن ثم إعادة صياغة الكيفية التي نرى بها أنفسنا ومجتمعاتنا والعالم من حولنا.

Credits
arthistoryarchive.com

Saturday, June 10, 2017

إن لم ... فمَنْ..؟


في البداية، تحتار كيف تصنّف هذا الكتاب. لكن يمكن القول إجمالا أنه مزيج من السيرة الذاتية والتجارب الشخصية والعملية والأحداث والشخصيات والمواقف التي مرّ بها المؤلّف في حياته وأسهمت في تشكيل رؤيته ونظرته للحياة.
والكتاب مصاغ بلغة مختزلة ومركّزة، لكنها سهلة، سلسة، أنيقة وفيها شاعرية. كما انه يتضمّن الكثير من الإشارات المضيئة والوقفات الموحية التي لا تخلو من روح الفلسفة والفكر المتأمّل والعميق.
وقد اختار سموّ الأمير خالد الفيصل أن يستهلّ كتابه بهذه العبارات الجميلة والعميقة الدلالة:
لماذا اكتبني لتقرأني؟ لماذا أشرحني لتفهمني؟".
ويجيب: لأنني منك وأنت منّي، وكلانا بأغنية الوطن يغنّي".
ثم يشير إلى أن فكرة الكتاب ظهرت عندما ألحّ عليه الكثيرون بالكتابة، فاعتذر مرارا، وفي النهاية استجاب لرغبتهم وقرّر أن يكتب.
ويؤكّد الفيصل على انه ليس عالما ولا مؤرّخا ولا منظّرا، كما انه لم يخطّط لمستقبله. "أنا نبتة هذه الأرض ومواطن هذا الوطن، آمنتُ بالقدر وعايشتُ الحياة واستمتعتُ بالتحدّي".
والكتاب مقسّم إلى عدّة أبواب، وكلّ باب يتناول موضوعا أو جملة من المواضيع والأحداث التي كان الأمير مشاركا فيها أو شاهدا عليها. وفي سياق كلّ موقف أو حدث، يُورد قصيدة أو جزءا من إحدى قصائده تتناغم مع سياق القصّة أو الحدث. "ناغمت الحروف حتى تغنّي بالمعاني، ورسمت الحياة نورا وظلا وألوانا".
ثم يسرد المؤلّف بدايات رحلته منذ ولادته في حارة الباب في مكّة المكرّمة، إلى أن انتقل وهو طفل بمعيّة والدته إلى الأحساء، ومن هناك إلى الظهران فالرياض ثم جدّة فالطائف.
ولا بدّ وأن يستوقف القارئ وصف الأمير للقائه الأوّل بجلالة الملك المؤسّس عبد العزيز بن عبدالرحمن آل سعود أثناء زيارته للأحساء. وهو يصفه لحظة نزوله من الطائرة فيقول: عبدالعزيز، هذا الرجل الذي لم أرَ مثله، رجل شامخ القامة، رفيع الهامة، في وجهه صرامة، وفي شفتيه ابتسامة، وفي نظرته شجاعة وشهامة".
ثم يحكي الفيصل عن قصّة ذهابه إلى الولايات المتّحدة للدراسة في جامعة برنستون والصداقة التي ربطته هناك بالمؤرّخ المشهور فيليب حتّي. ثم يتحوّل للحديث عن قصّة التحاقه بجامعة أكسفورد في لندن. ويتذكّر أوّل درس تلقّاه في تلك الجامعة العريقة أثناء جلسة جمعته مع أستاذ الفلسفة فيها.
وفي احد أبواب الكتاب، يتطرّق الأمير خالد الفيصل إلى دور الصدف في حياة الإنسان وكيف أنها تسهم إسهاما كبيرا في تحديد اتّجاهه في الحياة. ثم يُتبع حديثه بهذه الأبيات الجميلة والمعبّرة:
"الله يسامح زماني كيف سوّى بي
لا هو تركني على حالي ولا طابِ
غيّر حياتي ولا كانت على الخاطر
أبي سهلها وهو عرّض بي هضابِ".
ثم يتحدّث المؤلّف عن عودته إلى المملكة وتكليفه بالمسئولية عن رعاية الشباب وعن لقاء له مع الشيخ المرحوم علي الطنطاوي. وبعدها يتناول تجربته كأمير لمنطقة عسير التي كانت واحدة من أهم تجاربه العملية. "ذهبت إلى عسير لأبقى ثلاث سنوات، وبقيت 37 عاما كانت حافلة بكلّ شيء، من أوّل يوم حتى اليوم الأخير".
ويشير الأمير خالد الفيصل إلى انه ذُهل من جمال المنطقة حال وصوله إليها، إذ لم يكن يصدّق بأن في المملكة العربية السعودية مثل هذه المناظر. وهو يصف بعض ما رآه هناك بأسلوب الشاعر والفنّان. "جبال تكسوها الأشجار ويغطّيها السحاب ويلاحقنا فيها الضباب. هواؤها عليل، ومنظرها جميل، وقطرات الندى على الزهور تسيل".
ثم يتوقّف للحديث عن المشاريع التنموية الكبيرة والعديدة التي أنجزت في تلك المنطقة وعن بعض المعوّقات التي اعترضتها، من قبيل بعض الأفكار الضالّة والمغالية التي ظهرت على حين غفلة في بلد يتّخذ من القرآن والسنّة دستورا له.
وفي باب آخر من الكتاب، يتحدّث الفيصل عن تعيينه أميرا لمنطقة مكّة المكرّمة، وعن مشروع ثقافة الأمل والتفاؤل الذي تبنّاه في مواجهة ثقافة تحاول إشاعة اليأس والإحباط في المجتمع. كما يتطرّق إلى بعض جوانب المشروع الفكريّ الثقافيّ الذي تمّ تأطيره بشعارات وطنية تركّز على احترام النظام والتركيز على منهج الوسطية والاعتدال.
ثم يتحدّث عن مشروع إحياء سوق عكاظ الذي أصبح اليوم معلما حضاريّا وثقافيّا وتراثيّا وسياحيّا. ويشير إلى أن المشروع كان في الأساس فكرة الملك فيصل، ثم دخل حيّز التنفيذ في عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز يرحمه الله.
وبعد ذلك يتحدّث الأمير عن فترة تولّيه وزارة التربية والتعليم، ويتوقّف عند تغييره مفهوم الوزارة من التركيز على التعليم إلى التركيز على التعلّم ومساعدة الطلاب على اكتشاف مواهبهم وصقلها.
احد أكثر أجزاء هذا الكتاب إمتاعا وعمقا هو ذلك الذي يتحدّث فيه الأمير خالد الفيصل عن ثقافة السؤال وهل يتشكّل الإنسان فكرا. "سألت نفسي أين كان السؤال في طفولتي، بل في طفولة جيلي، حذّرونا من السؤال فانتهينا، ونهرونا فامتنعنا، والتزمنا فسكتنا وجهلنا. وبعد عمر اكتشفت أن للسؤال ثقافة، ووجدت أنني خسرت بعدم السؤال أكثر بكثير مما خسر غيري بالجرأة على طرح السؤال".
ثم يثير الأمير أسئلة فلسفية عن التجارب التي تشكّل أفكار الإنسان، وهل المجتمع هو من يصوغ نظرة الإنسان إلى الحياة، أم الأصدقاء، أم مجالس الناس، أم العادات والتقاليد، أم الفطرة؟ وهل تولد شخصية الإنسان معه أم تتشكّل مع مرور الأيّام وتوالي الأحداث والمواقف والتجارب؟.
في الأجزاء المتبقيّة من الكتاب، يتناول المؤلّف مواضيع مختلفة مثل تجربة إصدار صحيفة الوطن في أبها وإنشاء مؤسّسة الملك فيصل الخيرية ومؤسّسة الفكر العربيّ. كما يُفرد صفحات للحديث عن شخصيّة المغفور له الملك فيصل. "لم اسمع منه يرحمه الله كلمة قاسية وجّهها لأحد أبنائه أو تأنيبا ظاهرا أو أمام الناس، بل ولم اسمعه يوما يتلفّظ بكلمة نابية على احد، لا في بيته ولا في مكتبه".
كتاب (إن لم ... فمن..؟!!) هو عبارة عن إلماحات سريعة ومكثّفة عن محطّات بارزة في حياة الأمير خالد الفيصل الفكرية والعملية الحافلة بالكثير من الانجازات والتجارب الإنسانية الثريّة والمهمّة.
وعنوان الكتاب قد يبدو غريبا بعض الشيء، لكنه مقصود لأنه يستثير القارئ على التفكير في كلمات يملأ بها النقاط الفارغة في العنوان. وخالد الفيصل، بحكم كونه شاعرا وفنّانا ومثقّفا أيضا، ربّما أراد أن يقول إن لم نعمل فمَن إذن؟! وبعبارة أوضح، إن لم نخدم وطننا ونعمل على رفعته وازدهاره، كلّ في موقعه، فمَن يفعل؟!
أيضا العنوان على الغلاف الخارجيّ للكتاب "كتاب ليس فيه أنا" عنوان معبّر ويصحّ أن يكون تكملة للعنوان الرئيسيّ. كأنّما أراد الفيصل من خلاله أن يؤكّد على قيمة العمل الجماعيّ، لأن الإنسان لوحده، ومهما فعل أو أنجز، إلا انه في النهاية مجرّد فرد في جماعة وجزء من كلّ. وكلّ مشروع عظيم هو في النهاية محصّلة لجهد مجموعة من الأفراد. واختيار هذه العبارة كعنوان فرعيّ للكتاب ينمّ عن وعي عال وحكمة وتواضع وبُعد نظر، لأنه يدعو ضمناً إلى نكران الذات ونبذ التفكير الأنانيّ وإعلاء قيمة الجهد المؤسّسيّ وذهنية الفريق.

Tuesday, June 06, 2017

الصيد في غابة ليليّة

كلّ تفصيل في هذه اللوحة غير العاديّة يضجّ بالحركة والنشاط. فالكلاب تجري وتتقافز في كلّ اتجاه، والجياد تعدو متحفّزة ما بين إقبال وإدبار، والبشر يتدافعون ويتصايحون في صخب وفوضى. وكلّ هذا يحدث في غابة مظلمة.
الصيّادون الذين يعتلون ظهور خيولهم ويرتدون ملابس حمراء وسوداء يبدون في حالة تردّد أو تراجع، بينما يرقبون حركة الكلاب وهي تنطلق في الظلام خلف فرائسها من الغزلان إلى ابعد مسافة في أعماق غابة الليل هذه.
ومصدر الضوء في المشهد غير واضح، لكن يُفترض انه نور القمر الذي لا نراه أو الشموع. والسماء التي يظهر جزء منها فوق قمم أشجار السنديان تصطبغ بزرقة داكنة. والثراء العامّ للمنظر تعزّزه الألوان الساطعة والأنيقة، خاصّة ألوان معاطف الصيّادين الحمراء والبرتقالية.
هذه هي ايطاليا عصر النهضة. وهذه المجموعة من أثرياء فلورنسا يقوم على خدمتهم في هذه الغابة أشخاص مسلّحون برماح حادّة، ومهمّتهم على ما يبدو هي جمع وعزل حيوانات الغابة كي يسهل اصطيادها.
هذه اللوحة تمثّل نوعية نادرة وغير مألوفة في الرسم. ومن الواضح أن ما نراه هو مشهد متخيّل. وعدم واقعية الصورة يسهم أكثر في غموضها وسحرها، بالإضافة إلى ما يمكن أن يكون الرسّام قد أودعه فيها من معان وإشارات خفيّة.
كان باولو اوتشيللو احد أوائل رسّامي القرن الخامس عشر الذين استخدموا المنظور في لوحاتهم. ولتقريب فكرة ما الذي يعنيه المنظور في هذه اللوحة يكفي أن تنظر إلى وسطها، أي إلى المساحة التي يتحرّك فيها الأشخاص الراجلون والكلاب والغزلان، لتلاحظ أن الأشياء والأشخاص والأشجار تتضاءل شيئا فشيئا كلّما ابتعدَتْ باتجاه أعماق الغابة المظلمة.
الساحة المثلّثة في وسط المنظر تتراجع باتجاه نقطة متلاشية في عمق الظلام، ما يضفي على المشهد شيئا من الرهبة والغموض.
كان اوتشيللو مفتونا كثيرا بهذا الأسلوب الجديد في تصميم الصور. وفي هذه اللوحة، هو لا يُظهِر فقط التأثيرات البصرية، وإنما أيضا التأثيرات الشاعرية والانفعالية للمنظور الذي يمنح ليل الغابة هذا الجمال والروعة.
كان الصيد وما يزال هواية ارستقراطية لها طقوسها الخاصّة. وفكرة الصيد ليلا ليست بالفكرة الواقعية أو العملية، لكنها في اللوحة لا تخلو من روح دعابة ومن رمزية ما.
كان اوتشيللو رسّام طبيعة، وهو من أوائل الرسّامين الذين ابتكروا المنظور الرياضيّ. ومن الواضح انه صمّم اللوحة بعناية ووضع خطوطها الأفقية والعمودية من خلال رسومات أوليّة.
وقد استخدم طبقة مكثّفة من الطلاء الأسود ليغطّي به المناطق التي سيعود إليها لاحقا ليضيف إليها درجات متفاوتة من الألوان الخضراء.
أما جذوع الأشجار والأشخاص والحيوانات فقد تركها كظلال بيضاء مقابل الخلفية الداكنة، ما أنتج هذا الضوء الأخّاذ المنعكس على كلّ شيء وكأنه من عالم آخر.
وهناك أيضا آثار من اللون الذهبيّ التي وضعها الرسّام على النباتات والأشجار لجعلها تتوهّج بالضوء.
في الحقيقة، لا أحد يعرف لماذا رسم اوتشيللو هذه اللوحة وما إذا كانت بالفعل تعكس تجربة حقيقية أو أنها ترجمة لقصيدة أو حتى لقصّة ما.
لكن قيل أنها رُسمت كي تزيّن مكانا ما في اوربينو أو فلورنسا، قد يكون قاعة عامّة أو قصرا تابعا لأحد رعاة الرسّام.
وقيل أنها تمثّل احتفالا فروسيّا، أو صورة رمزية لعاشق يقتفي اثر حبّ لا يمكن بلوغه. وقد تكون اللوحة رُسمت كهديّة لعروسين ثريّين.
لكن أيّاً ما كان سبب رسمها، فإن هذه اللوحة تظلّ أصليّة ومتفرّدة جدّا، سواءً من حيث كونها تصويرا لطبيعة ليلية أو بوصفها توليفاً شُيّد بطريقة رائعة.

Credits
paolouccello.org
ashmolean.org

Thursday, June 01, 2017

في مديح الضَّياع


الحبّ والحكمة والإلهام أشياء يَجهد كلّ إنسان في العثور عليها في هذه الحياة. وهي لا تتأتّى في الغالب إلا عندما توسّع حدود ذاتك وترتاد مناطق مجهولة، وعندها فقط يمكن أن تتحوّل إلى شخص آخر.
في كتابها "دليل ميدانيّ للضياع"، تذكر الكاتبة الأمريكية ريبيكا سولنيت أنها قضت حياتها كلّها ضائعة. "أن لا تضيع يعني أن لا تعيش".
والمؤلّفة تعطيك خارطة ثم تطلب منك أن تتجاهلها كي تتعلّم كيف تعيش في حالات انعدام اليقين. "أن تكون ضائعا أو تشعر بالضياع أمر يدفعك لأن تخطّط مسبقا، لأن تتوقّع، وأن تسيطر على أحداث الحياة بأيّ ثمن. لكن الضياع أحيانا يمكن أن يكون الطريقة الوحيدة لتحقيق الذات والانجاز".
وسولنيت تأخذ القارئ عبر طبقات متعدّدة من المعاني والاستعارات والأفكار والقصص المشوّقة التي تتلاقى وتتقاطع كالأعشاب على ضفّتي نهر.
وكتابها يتناول أسئلة الهويّة والوعي، انطلاقا من الشعار القائل: كي تجد طريقك ينبغي أن تضيع أوّلا وتستسلم للصُّدف".
والكاتبة في سردها تنسج قماشا متعدّد الألوان والأنماط، تستكشف من خلاله ذكريات سنواتها المبكّرة وتعلّق على الكتب واللوحات والأفلام والشخصيات التي شكّلت نظرتها إلى العالم.
آراء المؤلّفة في هذا الكتاب هي عن الحرّية وعن أن تتصرّف بشجاعة كشخص حرّ في عالم يحاول تكبيلك كي تكون جزءا من عملية اسر جماعيّ. "القفز في الفراغ لا يعني بالضرورة السقوط الحرّ، بل قد يكون الخطوة المطلوبة كي تلامس السماء".
وهي تشير إلى أن حرص الإنسان على أن يسيطر على كلّ شيء يمكن أن يكون عبئا ثقيلا عليه. وتضيف أن هناك أشياء معيّنة لا يمكن تقريرها أو البتّ فيها، لذا من الأفضل أن تفكّر مثل قارب في البحر وأن تذهب مع التيّار في بعض أمور حياتك. "أن لا تكون مسيطرا على الأشياء أمر يبدو مخيفا أحيانا. لكن ما هو أكثر إنسانية وجدوى هو أن تترك نفسك لكي تكتشف أشياء جديدة عن ذاتك وعن العالم".
لهذا الكتاب من عنوانه نصيب. فأنت تضيع في تأمّلات وأفكار الكاتبة عن كلّ شيء، عن الأصدقاء والأحلام والصحراء والذاكرة والحبّ والتاريخ والفنّ والموت وعن تجاربها الشخصية مع الأمكنة.
في البداية تتحدّث المؤلّفة عن معنى مفردة "الضياع"، فتقول إنها مشتقّة من لغات شمال أوربّا القديمة، وهي تعني تجريد جيش من سلاحه، لكن من بين اشتقاقاتها الأخرى فكرة أن تعقد هدنة مع العالم الواسع.
والكاتبة شغوفة كثيرا بعالم الطبيعة ومفتونة بالمسافات الشاسعة لصحارى الغرب الأمريكيّ أو ما تسمّيه وفرة الغياب. "في مكان ما من الأرض المجهولة تكمن حياة الاستكشاف والمعرفة".
ولهذا السبب تركت الحياة الاجتماعية في المدينة وسافرت إلى الأماكن البرّية وعاشت مع الدببة والأفاعي وفي الجبال والغابات، حيث حركة واحدة خاطئة قد تعني كارثة أو موتا محقّقا. وأثناء ذلك تستذكر أضواء الصيف في مشاويرها في الجبال ورائحة أشجار الصنوبر بعد المطر.
لغة الكاتبة شاعرية وأفكارها تتدفّق بسهولة مذهلة وخبراتها الغريبة مضيئة وجميلة. وقد اعتادت على أن تترك بابها مفتوحا أمام المجهول. والظلام هو طريقها في العيش على حافّة الأشياء وحالات الوعي. "بعض الأحلام مصنوعة من الضباب، وبعضها الآخر من الدانتيل أو الرصاص".


يمكن أن توصف ريبيكا سولنيت بأنها بدويّة مثقّفة بسبب عشقها للسفر والترحال. "البدو، خلافا للمخيّلة الشعبية السائدة، يحتفظون بدوائر ثابتة وعلاقات مستقرّة بالأمكنة، وهم بعيدون كلّ البعد عن كونهم مترحّلين أو متجوّلين كما تشير إلى ذلك دلالة الكلمة اليوم".
والمؤلّفة تشير إلى أن إحدى مميّزات أن يجد الإنسان نفسه ضائعا تتمثّل في ما يمكن أن يجده بشكل غير متوقّع. لكن للضياع مخاطره أيضا من قبيل القصّة التي ترويها عن مجموعة من الرحّالة الأمريكيين من القرن التاسع عشر.
كان هؤلاء قد سافروا بحثا عن الذهب واختاروا أن يتبعوا احدهم، رغم أن خرائطه لم تكن دقيقة تماما. وأثناء ترحالهم انقطعت بهم السبل في صحراء كالمتاهة أسموها في ما بعد بوادي الموت. وبعد أن قطعوا مئات الأميال اكتشفوا أن حكاية الذهب لم تكون سوى ضرب من السراب.
احد هؤلاء عرض نصف ثروته على أيّ شخص يتبرّع بحملها. لكن لا احد وافق. وفي النهاية دفنها في احد الأمكنة. وعندما عاد ليبحث عنها بعد سنوات لم يجد لها أثرا.
ثم تتحدّث سولنيت عن الرحلة الوجودية للمستكشف والمغامر الاسبانيّ دي فاكا الذي ضاع في دلتا الميسيسيبي إلى أن عثر عليه بعض السكّان الأصليين فأسروه واستعبدوه. وأثناء ذلك تَعلّم عددا من اللغات ثم هرب ومشى باتجاه الغرب.
وبعد عشر سنوات وجد نفسه في نيومكسيكو وانضمّ إلى من كان يعتبرهم ذات مرّة من مواطنيه. واستغرق الأمر منه أيّاما كي يستعيد عاداته القديمة. وكان دي فاكا أوّل شخص يعود من رحلة الضياع تلك ويتكلّم عن قصص الأوربّيين الأوائل الذين ضاعوا في الأمريكتين. "أن تضيع معناه أن تقبل التغيير، الأشياء التي نريدها تتغيّر، ونحن لا نعلم عن طبيعة التغيير الذي ينتظرنا على الطرف الآخر".
ومن الأفكار الجميلة التي تتناولها المؤلّفة ما تذكره عن الفراشات وتحوّلاتها. فالأشخاص الذين يجدون أنفسهم فجأة داخل ثقافة غريبة، يمرّون بما يمكن تسميته بكرب الفراشة التي ينبغي أن يتحلّل جسدها ثم يُرمّم أكثر من مرّة أثناء دورة حياتها.
والكاتبة تعتبر أن الفراشة رمز مناسب جدّا لروح الإنسان، حتى أن اسمها بالإغريقية هو "سايكي" الذي يعني الروح. وبرأيها أن ليس هناك ما هو ابلغ من هذه الدلالة كي نقدّر هذه المرحلة من التلاشي والذبول، من الانسحاب والضياع، من هذه النهاية التي تسبق البداية، ومن هذا التحوّل والانسلاخ العنيف الذي هو في واقع الأمر نعمة تشبه تفتّح الأزهار.
تأمّلات سولنيت عن اللون الأزرق هي أيضا ممّا يلفت الانتباه في هذا الكتاب. في البداية تتحدّث عن هذا اللون في لوحات عصر النهضة وفي بعض الصور من القرن التاسع عشر وفي صور المصوّر الفرنسيّ ايف كلين التي يغلب عليها اللون الأزرق.
تقول: العالم ازرق عند حوّافه وفي أعماقه. هذا الأزرق هو اللون الذي ضاع. والضوء في النهاية الزرقاء لألوان الطيف لا يقطع كامل المسافة من الشمس إلينا، وإنما يتبعثر ويضيع بين جزيئات الهواء وفي الماء.
والماء في الأساس لا لون له. والمياه الضحلة تبدو بلون أيّ شيء تحتها. لكن المياه العميقة مليئة بهذا الضوء الضائع. وكلّما كان الماء أنقى، كلّما كان الأزرق أعمق.
وتضيف: السماء زرقاء لهذا السبب. لكن الأزرق في الأفق يبدو حالما وحزينا، الأزرق البعيد الذي نراه في زوايا الأمكنة التي نلمحها على بعد أميال، هذا الضوء الذي لا يلامسنا ولا يسافر كامل المسافة بيننا وبين الشمس، هذا الضوء الضائع هو الذي يمنح هذا العالم جماله، والكثير منه لونه ازرق.
الأزرق هو لون المسافات البعيدة، لون المشاعر والعزلة والرغبة والشوق والتطلّع، لون كلّ شيء بعيد يُرى من مسافة قريبة، لون المكان الذي لستَ فيه ولون المكان الذي لا تستطيع بلوغه أبدا".
كتاب "دليل ميدانيّ للضياع" يمكن اعتبار مضمونه امتدادا لتقاليد كتّاب الطبيعة الأمريكيين الكبار مثل رالف ايمرسون وهنري ثورو ووالت ويتمان وغيرهم. وهو يتضمّن الكثير من الرسائل الايجابية والمثيرة للتأمّل. كما انه يقدّم نصائح قيّمة للكتّاب ولمحبّي الفنون عامّة.

Credits
rebeccasolnit.net
villagevoice.com

Saturday, May 27, 2017

خواطر رمضانية


كلّ عام وأنتم بخير. ورمضان كريم.
بعض الحكايات القديمة جميلة ومعبّرة وتتضمّن دروسا وعِبَرا يمكن أن تفيدنا في واقع الحياة. وهذه المرّة اخترت حكايتين، لكن العبرة فيهما واحدة تقريبا.
  • الحكاية الأولى من الصين، وهي عن مزارع يُدعى تشي وونغ عاش في زمن حكم سلالة الهان قبل أكثر من ألفي عام. والقصّة تتردّد كثيرا في الأدب الطاويّ وفي كتب الزِن.
    تقول القصّة أن الفلاح كان يعتاش هو وعائلته على المحاصيل البسيطة التي ينتجها حقله. وذات يوم اكتشف أن حصانه الوحيد هرب. وعندما سمع أهل قريته بالخبر جاءوا إليه معبرّين عن أسفهم لما حدث وقالوا له: هذا شيء سّيء. فردّ عليهم: ربّما.
    وفي الصباح التالي، عاد الحصان ومعه ثلاثة أحصنة أخرى. فأتاه جيرانه مهنّئين وقالوا له: أليس هذا بالشيء الرائع؟ فردّ عليهم: ربّما.
    وفي اليوم التالي، حاول ابنه ترويض احد الخيول الثلاثة فسقط عن ظهر الحصان وكُسرت ساقه. فجاءه جيرانه مواسين وقالوا: هذا أمر مؤسف. فقال لهم: ربّما.
    وفي اليوم الذي بعده، أتى بعض الجنود إلى القرية كي يجنّدوا بعض شبابها في الجيش. وعندما رأوا ساق ابن المزارع مكسورة قرّروا إعفاءه من الخدمة الإلزامية. وتوافد أهل القرية على بيت المزارع كي يهنّئوه على الخبر السعيد وقالوا: يا له من حظّ عظيم. فردّ عليهم: ربّما.
    من السهل أن نفهم لماذا مثل هذه القصّة القديمة عن مزارع صينيّ بسيط ما يزال لها صدى، خاصّة في مثل عصرنا الذي تكثر فيه الأخبار المزعجة والحوادث السيّئة.
    والدرس الذي تقدّمه الحكاية هو أننا جميعا قد نواجه أوقاتا صعبة من حين لآخر. والمزارع الحكيم كان من خلال ردوده المختصرة والبليغة يمارس عدم الحكم على الأشياء، لأنه يفهم الطبيعة الحقيقية والمتغيّرة للحياة.
    فحادثة واحدة يمكن أن ينتج عنها تأثيرات كثيرة، لذا لا جدوى من وصفها بالجيّدة أو السيّئة أو بأنها خير أو شرّ. والسبب هو أن الخير والشرّ مترابطان وهما وجهان لعملة واحدة. فإذا بدا لك أن حادثا ما جيّد فقد لا يكون كذلك بالضرورة. وإذا ظننت أن حياتك صعبة ومتكّدرة فقد لا تكون كذلك في واقع الحال.
    المعاناة في الحياة أمر حتميّ، لكن لا يتعيّن علينا أن نعاني فوق المعاناة بأن نخلع على الأشياء والحالات أوصافا محدّدة ونهائية. ومن الأفضل أن نَفصِل أفكارنا عن كلّ حالة كي نرى الأشياء بحجمها الطبيعيّ.
    أيضا من الأجدى أن لا نفكّر في الأشياء من منظور الربح أو الخسارة، أو السلب أو الإيجاب، لأننا لا نعرف، ولأن الزمن وحده هو الذي سيقول.
    الحياة معقدّة جدّا. ونحن لا نعرف نهاية القصص التي نعيشها، لأننا لا يمكن أن نتكهّن بالتحوّلات والمنعطفات التي ستسلكها. لذلك تذكّر دائما أن أفضل إجابة هي: ربّما.
  • أما الحكاية الثانية فعن ملك عظيم كان يعيش في ارض بعيدة. ولم يكن ذلك الملك سعيدا بالرغم مما كان يتمتّع به من كثرة المال والجاه. كان اقلّ شيء يتسبّب في إثارة غضبه. وكثيرا ما كانت أوقات سعادته العابرة تتحوّل بسرعة إلى شعور باليأس وخيبة الأمل.
    وعندما لم يعد الملك قادرا على التحمّل أكثر، بدأ يبحث عن حلّ لمشكلته، فأرسل في طلب رجل كان مشهورا بالحكمة والأناة وسداد الرأي. ولما وصل الحكيم قال له الملك: أريد أن أكون مثلك، وأرغب بأن تدلّني على ما يعيد التوازن والهدوء إلى حياتي. وأنا مستعدّ لدفع أيّ ثمن تطلبه مقابل ذلك.
    فقال له الحكيم: ربّما استطيع مساعدتك، لكن الثمن الذي اطلبه كبير جدّا، اكبر حتى من مملكتك". وغادر الحكيم القصر بعد أن وعده الملك بأن يلبّي أيّ طلب يطلبه.
    وبعد أسابيع عاد حاملا معه للملك علبة صغيرة موشّاة بالذهب والجواهر. وعندما فتح الملك العلبة وجد بداخلها خاتما ذهبيّا صغيرا. ولما تفحّصه وجد منقوشا عليه عبارة تقول: هذا أيضا سيَمُرّ".
    دُهش الملك ممّا رأى وظنّ أن الحكيم يسخر منه، وسأله: ما معنى هذا؟ فأجاب: أريدك أن تلبس هذا الخاتم دائما، وكلّما حدث لك شيء، وقبل أن تحكم عليه بأنه خير أو شرّ، أدر الخاتم واقرأ النقش الذي عليه. وبهذه الطريقة ستعيش دائما في سلام وراحة بال".
    العبرة من هذه القصة الرائعة يمكن تلخيصها في كلمات بسيطة وموجزة. فالغضب والإحساس بالتعاسة واليأس ليس مقتصرا على الناس العاديّين، بل حتى الملوك وعلية الناس يمكن أن يمرّوا في حياتهم بمثل هذه المشاعر السلبية.
    لكن ما من عسر إلا وأعقبه يسر. ولا تضيق الحياة بإنسان إلا كتب الله له مخرجا في النهاية. صحيح أننا في معظم الأحيان قد لا نستطيع التحكّم في ما يحدث لنا أو من حولنا، لكنّنا نستطيع التحكّم في ردود أفعالنا على ما يحدث.
    وفي كلّ الأحوال، عش حياتك باعتدال وحاول أن تحتفظ بمزاج هادئ دائما. لا تحكم على شيء ولا تتوقّع أيّ شيء، لأنك قد لا ترى الصورة الأكبر.
  • Monday, May 22, 2017

    الأصدقاء الثلاثة


    هذه قصّة ثلاثة أصدقاء كان كلّ منهم يؤثر الآخر على شخصه ويرى فيه أكثر مما يرى في نفسه. وعندما أصبحوا أشخاصا مهمّين، تدخّلت الصراعات السياسية وتضارب المصالح لتفسد ما كان بينهم من مودّة وإيثار.
    وعلى مدى ألف عام، سافرت قصّتهم آلاف الأميال وتناقلها الناس جيلا بعد جيل. وفي النهاية أصبحت جزءا من كتب التاريخ.
    كان كلّ من نظام الملك وعمر الخيّام والحسن الصبّاح زملاء دراسة منذ الصغر. وكان كلّ واحد منهم يقدّر الآخر ويثمّن طموحه، وقد تعاهدوا وتواثقوا على انه متى أصاب أيّ منهم مغنما أو سلطة وجب عليه أن يتشاركها مع رفيقيه وألا يختصّ نفسه بشيء دونهما.
    نظام الملك، المولود في طوس عام 1018، كان عالما ومثقّفا. ورغم فقره المبكّر، إلا انه حقّق نجاحا معتبرا بفضل عزيمته وقوّة شخصيّته. وقد أهّلته عبقريّته وخبرته في الإدارة لأن يصبح وزيرا ومستشارا للسلطان السلجوقيّ ألب ارسلان، ثمّ وزيرا أوّل لخلفه السلطان ملكشاه.
    وعندما تولّى نظام الملك منصبه لم ينسَ وعده الذي قطعه لصديقيه الخيّام والصبّاح. كان الخيّام قد انتقل قبل ذلك الوقت، أي حوالي عام 1070، إلى سمرقند إحدى أقدم مدن آسيا الوسطى. وفيها كتب احد أهمّ كتبه الذي تناول فيه مسائل رياضية.
    وأثناء إقامته في سمرقند، بعث إليه صديقه نظام الملك يدعوه للعودة إلى أصفهان كي يقلّده منصبا. وقد لبّى الخيّام الدعوة، لكنه أبدى عدم رغبته في أيّ منصب سياسيّ. فعرض عليه نظام الملك أن يقيم مرصدا مع غيره من الفلكيين البارزين آنذاك، فوافق.
    ووفاءً من نظام الملك بوعده القديم، طلب من صديقه الآخر الحسن الصبّاح أن يتولّى منصب رئيس امن البلاط. لكن يبدو أن الصبّاح كان يضع عينه على منصب اكبر في الإمبراطورية. وكما هو متوقّع، نشأ خلاف بين الاثنين.
    وقد انزعج نظام الملك من طموحات الصبّاح وأحسّ بالقلق أكثر عندما اتّهمه الأخير علنا بأنه مستبدّ ولا مبالٍ بسبب تفضيله السنّة على الشيعة.
    وبدأ نظام الملك ينشر الشائعات عن الصبّاح في بلاط السلطان، ما دفع ملكشاه لأن يأمر باعتقاله، ثم ما لبث أن اصدر عليه حكما بالإعدام.
    لكن بتدخّل من الخيّام، سمح السلطان للصبّاح بأن يذهب منفيّا إلى مدينة الريّ التي كان قد قضى فيها سنوات طفولته.
    ولأن دائرة الصراع بدأت تتّسع شيئا فشيئا بينه وبين الدولة السلجوقية، شعر الصبّاح انه بحاجة إلى مقرّ حصين يحميه وأتباعه من هجمات خصومهم الكثيرين.
    وفي عام 1090، اتّخذ له مقرّا في قلعة آلاموت، التي يعني اسمها بالفارسية عشّ النسر، وتقع على الطرف الجنوبيّ لجبال البورز في منتصف المسافة بين طهران وبحر قزوين. وقد بنى الصبّاح للقلعة دفاعات إضافية وشيّد بداخلها قنوات للريّ وأسّس مكتبة ضخمة ومركزا لتعليم الرياضيات والفلسفة والفلك.
    في تلك الأثناء، ولسبب ما، أقيل نظام الملك من منصبه كوزير أعظم، ثم ما لبث أن قُتل غيلةً عام 1092م. وقيل إن الاغتيال ربّما كان سببه التنافس بين فرقتي الأحناف والشوافع. وقد يكون وراءه الحسن الصبّاح الذي أصبح خصما شخصيّا لصديقه القديم وفي حالة عداء مع الدولة.
    وقيل أيضا أن نظام الملك قُتل على يد متصوّف أو درويش كان يحمل له هديّة خبّأ بداخلها خنجرا مسموما. وأشيع كذلك انه قُتل بإيعاز من ملكشاه نفسه أو زوجته ضمن لعبة صراع داخليّ على السلطة. وكانت آخر كلماته قبل أن يموت: أرجوكم لا تقتلوا قاتلي لأنني عفوت عنه".


    كان نظام الملك واحدا من ألمع الوزراء الذين عرفتهم بلاد الشرق. وقد شجّع دراسة العلوم والفنون الإسلامية وصرف أموالا كثيرة على طلب العلم والمعرفة ووضع نظاما للجيش وبنى العديد من المكتبات.
    في قلعة آلاموت، كان الانضباط والولاء والطاعة المطلقة اشدّ أسلحة الحسن الصبّاح قوّة ومضاءً. وقد أصبح هو وجماعته يُدعون بالأساسيّين، أي المتمسّكين بالأسس أو الأصول. لكن الكلمة تُرجمت خطئا إلى اللغات اللاتينية لتصبح الحشّاشين أو القتلة.
    وبفضل بعض الرحّالة مثل ماركوبولو، انتشرت قصص خيالية وأقرب ما تكون إلى الخرافات عن جنّة الحليب والعسل والنساء والحشيش التي أقامها الصبّاح في قلعته.
    ماركوبولو أشار إلى انه زار آلاموت عام 1273، وهذا أمر مستغرب لأن القلعة كانت قد دُمّرت قبل ذلك بأكثر من عشرين عاما، بعد أن استولى عليها المغول وقتلوا سكّانها ودمّروا مكتبتها.
    كان الصبّاح ابن رجل فارسيّ من الشيعة. ومع مرور الوقت تبنّى هو وأتباعه مذهب الدولة الفاطمية في مصر. كان شخصا ذكيّا وذا دراية بالعلوم والرياضيات. كما وُصف بأنه تقيّ وعادل. ويقال انه عانى كثيرا بعد أن أمر بقتل ولديه، الأوّل لأنه تناول الخمر والثاني لضلوعه في جريمة قتل.
    وقد سُمّي الصبّاح بشيخ الجبل لأنه لم يغادر قلعته طوال ثلاثين عاما إلى أن مات فيها في مايو من عام 1124 عن ثمانين عاما.
    باغتيال نظام الملك، عمّت الثورات والقلاقل أرجاء الإمبراطورية السلجوقية. وتقاسم أبناء الحكّام إدارة الأقاليم، ونشأت بعد ذلك إمارات صغيرة متناثرة وغير مستقرّة.
    وكانت تلك الأحداث إيذانا بزوال دولة السلاجقة الذين ينحدرون من قبيلة تركيّة قدمت من سهوب آسيا الصغرى. وكانوا قد أسّسوا لهم إمبراطورية واتّخذوا من بلاد فارس عاصمة لملكهم.
    ويُنسب إلى السلاجقة الفضل في أنهم أعادوا الوحدة الإسلامية مرّة ثانية تحت حكم الخلافة السنّية. وبحلول عام 1060، كانت إمبراطوريّتهم تضمّ أراضي بلاد الرافدين وسوريا وفلسطين ومعظم إيران.
    أثناء تولّيه وظيفته في المرصد، عاش عمر الخيّام فترة من السلام الداخليّ امتدّت لعشرين عاما، حقّق خلالها العديد من الانجازات الفلكية والعلمية.
    لكن موت نظام الملك ثم ملكشاه أنهى سنوات السلام التي عاشها. فقد توقّف تمويل مرصده، كما تعرّض لهجوم وأذى الأصوليين المتشدّدين الذين لم تتوافق أفكارهم المتحجّرة مع عقليّته المتفتّحة والمتسائلة. وتوفّي في نفس المدينة التي ولد فيها، أي نيشابور، في الرابع من ديسمبر عام 1131م.
    الخيّام، المولود في مايو من عام 1048م، أي بعد حوالي عشر سنوات من وفاة العالم العظيم ابن سينا، كان يتقن العربية إلى جانب الفارسية. ويقال أن أسلافه كانوا من العرب صُنّاع الخيام الذين هاجروا إلى بلاد فارس قبل قرون واستقرّوا فيها.
    والغريب أن معاصريه لم يذكروا أشعاره ولم يعلّقوا عليها في زمانه، ربّما لأنه كان مشهورا أكثر بوصفه عالما وفيلسوفا وفلكيّا. ولم تظهر أوّل مجموعة من الرباعيّات التي تحمل اسمه إلا بعد وفاته بمائتي عام.
    قصّة الخيّام ونظام الملك والحسن الصبّاح كُتبت مرارا وغُيّر فيها وبُدّل لتخدم مجموعة من الأغراض السياسية. وما تزال الروايات حول هذه القصّة مشوّشة ومتضاربة. ويبدو أن الأسطورة هي التي عاشت وترسّخت، بينما طُمرت الحقيقة تحت ركام الحروب وغبار الزمن.

    Credits
    researchgate.net

    Thursday, May 18, 2017

    نصف الكأس المملوء

    في الكثير من الأحيان، نشغل أنفسنا بالتفكير في الأشياء التي تنقصنا في هذه الحياة. وفي غمرة لهاثنا اليوميّ لتأمين المستقبل، يفوتنا أن نتوقّف ونفكّر في الأشياء الثمينة التي بحوزتنا فعلا والتي تستحقّ أن نتذكّرها ونشكر الله عليها ونقدّرها حقّ قدرها.
    تذكّر، مثلا، انك ما تزال على قيد الحياة وأنك أمضيت يومك دون مشاكل أو منغّصات.
    وتذكّر انك حتى هذه اللحظة تمكّنت من أن تقطع شوطا بعيدا من حياتك دون أن تعاني من مرض خطير أو تمرّ بظرف تحسّ معه باليأس أو العجز.
    وتذكّر انك تمكّنت من تعلّم الكثير من الأشياء المفيدة والنافعة على مرّ السنوات التي انقضت من عمرك.
    وتذكّر أن ثمانين بالمائة من أعضاء جسمك ما تزال تعمل وتؤدّي وظائفها بكفاءة تقريبا، منذ اليوم الذي ولدت وحتى هذه اللحظة.
    وتذكّر أنك ما تزال قادرا على أن تحصل على ماء نظيف وطعام جيّد ومأوى آمن، بينما العالم من حولك يعاني من المجاعات والحروب وندرة الموارد.
    وتذكّر أن كلّ إنسان، بلا استثناء، ارتكب العديد من الحماقات والأخطاء، ربّما أكثر بكثير ممّا ارتكبته أنت.
    وتذكّر أن العديد من الناس الذين تحبّهم ويحبّونك ما زالوا على قيد الحياة وأنهم يفهمونك حقّا ويتعاطفون معك ويؤازرونك.
    وتذكّر أن هناك أشخاصا كثيرين في هذا العالم يتألّمون ويعانون بأكثر ممّا تعاني وتتألّم، ويتمنّون بل ويحلمون بأن يكون لهم نفس ظروفك وإمكانياتك.
    وتذكّر أن الإنسان الحكيم هو الذي لا يندم على الأشياء التي لم يحصل عليها، بل الذي يبتهج ويفرح بالأشياء التي لديه.
    وتذكّر أن الأشياء الايجابية التي تعتبرها مسلّمات في حياتك هي أوّل الأشياء التي تستحقّ أن تشكر الله عليها وتدعوه لأن يديمها عليك.
    وتذكّر أن جميع الناس من حولك هم غريبو الأطوار بقدر أو بآخر، لكنك لا تلاحظ ذلك لأنك غير مطّلع على بواطن أمورهم ودواخل أنفسهم.
    وتذكّر أن لديك نعمة عظيمة تتمثّل في الجلال الصامت للسماء الليلية، والتي تستحقّ أن تمنحها بعضا من وقتك لتتأمّلها وتقدّر من خلالها عظيم صنع الخالق وضآلة الإنسان في هذا الكون الواسع.
    وتذكّر انك إنسان طبيعيّ نسبةً لعدد الأشياء الغبيّة أو غير المدروسة التي ارتكبتها، ثم حاول من الآن فصاعدا ألا تقسو على نفسك وألا تأخذها بجدّية أكثر من اللازم.
    وتذكّر أن هناك العديد من الأشخاص الرائعين الذين يمكن أن تستمتع بالنظر إليهم والإصغاء إلى كلامهم والاستئناس بآرائهم وتجاربهم القيّمة في الحياة.
    وتذكّر أن أعظم وأنبل الأفكار في هذا العالم موجودة بين ثنايا العديد من الكتب، وهي في متناول يدك كي تقرأها وتستفيد منها في ما تبقّى من حياتك.
    وتذكّر أن هناك من الآخرين من هم أكثر تواضعا وأجمل وألطف بكثير مما تتوقّع.
    وتذكّر، إن كنت قد بلغت الأربعين أو ما بعدها، أن لا شيء فعلته أو فكّرت به عندما كنت في العشرين من عمرك يبدو مهمّا الآن. لذا لا تندم على الماضي بل داوم على النظر للمستقبل بتفاؤل وأمل.
    وتذكّر انه في منتصف الليل وفي الصباح الباكر يصبح العالم بأسره ملكك لوحدك، لا يشاركك فيه احد.
    وتذكّر انه لولا والديك، بعد الله، لما جئت إلى هذه الحياة، وأنهما مستمرّان في حبّهما لك حتى لو كنت قد تجاهلتهما أو لم توفّهما حقّهما في بعض الأحيان.
    وتذكّر أن تشكر الله دائما على انك لا تعلم على وجه اليقين ما الذي سيحدث لك بعد ساعة، بل بعد دقيقة أو ثانية من الآن.
    وأخيرا، تذكّر أن الله منحك اليوم 86.400 ثانية، ويتوجّب عليك أن تستغلّ بعضها كي تقول له شكرا.

    Credits
    bodyandsoul.com

    Monday, May 15, 2017

    عن الحبّ وقدرة الفنّ على التذكّر


    في روايتها القصيرة "ليديا كاسات تقرأ جريدة الصباح"، تأخذ الكاتبة والأكاديمية هارييت سكوت تشيسمان القارئ إلى ركن صغير وغير منظور من تاريخ الفنّ.
    والرواية تؤرّخ لأفكار ومشاعر ليديا كاسات عندما كانت تجلس أمام شقيقتها الرسّامة ميري كاسات لترسمها في باريس في نهايات القرن التاسع عشر.
    الرواية المسمّاة على اسم إحدى لوحات ميري لشقيقتها تبدأ في العام 1878. عائلة كاسات، الغنيّة والقادمة من ولاية بنسلفانيا الأمريكية للعيش بشكل دائم في باريس، تتألّف من الأب والأمّ والبنتين ميري الرسّامة وليديا المصابة بمرض مزمن في الكلى. وليديا تجلس الآن أمام ميري لترسم لها بورتريها سيُعرف في ما بعد باسم "امرأة تقرأ".
    كانت ليديا إحدى أشهر النساء الصامتات في تاريخ الفنّ. وعندما توفّيت عام 1882 متأثّرة بمضاعفات مرضها لم تترك وراءها أيّة رسائل أو مذكّرات.
    إرثها الوحيد كان صورها التي رسمتها لها شقيقتها الفنّانة والتي تبدو فيها بملامح نضرة وشعر أشقر مائل للحمرة. وليديا التي توفّيت في الأربعينات من عمرها لم تتزوّج أبدا. الرجل الوحيد الذي أحبّته قُتل في الحرب الأهلية الأمريكية.
    كانت ليديا نموذجا للعذراء المضحّية في العصر الفيكتوري، تهتمّ بالآخرين وتبذل نفسها بسخاء لكلّ من حولها، فترعى المرضى وتصل الأقارب وتدبّر أمور المنزل.
    وتشيسمان التي تمنح ليديا صوتا في روايتها تتخيّل أفكارها الداخلية وهي تجلس ساكنة أمام أختها لترسمها بينما صحّتها تتدهور يوما بعد آخر.
    الكثير من هذه الرواية متخيّل، رغم أن أحداثها تتوافق مع ذلك العصر ومع ما هو معروف عن ميري وليديا، وبالأخصّ إخلاص ميري العظيم لشقيقتها.
    تقول المؤلّفة: هناك حيوات كثيرة في هذا العالم لا تُسجّل ولا يعرف عنها الناس شيئا. وقصّة ليديا كاسات تشبه أن تمنح حياتها صوتا كي تقول أشياء أكثر عن نفسها وعن عصرها".
    ميري التي تكبر ليديا بسبع سنوات كانت واحدة من بضعة رسّامين أمريكيين وصلوا إلى باريس في بدايات تشكّل الحركة الانطباعية، وبدءوا عرض أعمالهم جنبا إلى جنب مع رسّامين مثل ديغا ورينوار وبيسارو ومونيه وغيرهم.
    تتألّف الرواية من خمسة فصول، يتمحور كلّ منها حول واحدة من لوحات ميري التي رسمتها لشقيقتها، وكلّ فصل يحمل اسم اللوحة. وأحداث الرواية ترد على لسان ليديا التي تتأمّل عالمها بشجاعة وهي تنتظر موتها الوشيك، وفي نفس الوقت تطرح أسئلة مهمّة عن الحبّ وقدرة الفنّ على التذكّر.
    والكاتبة تعطي أهمّية خاصّة للمكان، وكما لو أن ميري تتواصل مع أختها عاطفيا ووجدانيا من خلال الرسم.
    غير أن الرواية تتضمّن حبكة فرعية تتناول علاقة ميري بالرسّام ادغار ديغا الذي كان يرعاها ويشجّع عملها. وليديا في الرواية تعبّر عن صدمتها عندما تعرف أن ميري جلست أمامه ليرسمها .


    كان ديغا برأي ليديا رجلا صعبا ومزاجيا وذا نظرات قاسية ولسان سليط. كما انه كان يرسم مواضيع غير لائقة كالراقصات وبنات الهوى.
    وليديا تصفه بالكلب لأنه "اعتاد على أن يقضم المواضيع قضما ويهاجم هذا الرسّام أو ذاك، ويصوّب نظراته الحادّة على الأشياء في شقّتنا: طاقم الشاي والمزهريات اليابانية وأنا".
    في ما بعد، تجد ليديا كلا من ميري وديغا في منزل العائلة الريفيّ وتشكّ أن بينهما علاقة ما. لكن الكاتبة تنفي ذلك على اعتبار أن ديغا كان معروفا بكراهيّته للنساء وكانت له ملاحظات تسيء إلى صديقته ميري وتحطّ من قدرها. ومع ذلك، تقول تشيسمان أن ميري أحرقت جميع رسائل ديغا إليها، وبالتالي يصعب نفي أو إثبات شيء.
    مع تطوّر الرواية تزداد صحّة ليديا سوءا، ثم نصل إلى الفصل الرابع الذي تزيّنه لوحة ميري كاسات غير العاديّة بعنوان مشوار بالعربة .
    وفيها نرى ليديا الشاحبة وهي تقود عربة يجرّها حصان، بينما تحدّق في شيء أمامها، وإلى جوارها تجلس طفلة صغيرة، وفي الخلف يجلس شخص غامض يرتدي ملابس داكنة. اللوحة مليئة بالإشارات الصامتة وكأننا أمام رحلة إلى العالم السفليّ.
    تقول المؤلّفة: هذه واحدة من اللوحات الأكثر إثارة للحزن التي رسمتها ميري لأختها. لكنها أيضا تتضمّن شيئا جميلا، فليديا تبدو فيها ذات عزيمة قويّة وهي تمسك بلجام الحصان بينما تمرّ من أمام الناظر بسرعة".
    هذا الفصل من الرواية يتضمّن مواجهة بين ليديا وديغا. تقول له: سأموت. فيردّ: اعرف ذلك. فتقول له: لم افعل شيئا في حياتي، ولا شيء لديّ اتركه ورائي". وفي لحظة تعاطف نادرة، يواسيها ديغا بالقول إنها ستترك منحة ثمينة هي صور ميري لها. ثم يضيف: لقد أحبّتك ميري كما لم تحبّ إنسانا آخر ولن تحبّ إنسانا بعدك أبدا".
    الفصل الأخير من الرواية عنوانه ليديا تجلس أمام آلة التطريز ، على اسم إحدى اللوحات الخمس. وهو استعادة لكلّ الأفكار التي سبق أن تناولتها الرواية. وفيه تكتب ليديا رسالة وداع ومواساة إلى ميري تقول فيها: أختي وحبيبتي، اعرف انك ستحزنين كثيرا عندما ارحل، سيتألّم قلبك وتنكسر فرشاتك، لكنّ روحي ستظلّ معك في صوري، وستتذكّرينني وأنا منكبّة في العمل على آلة التطريز في احد أيّام يونيو القائظة في باريس".
    كانت ميري وشقيقتها تقضيان معظم وقتهما معا وتحبّان بعضهما بعمق، وكانتا تعرفان أنها ستفترقان قريبا.
    ورغم أن ميري كاسات رسمت بعض صور لأمّهات وأطفال قبل موت شقيقتها، إلا أن هذا النوع من الصور أصبح بعد ذلك موضوعها المفضّل والكبير. والمؤلّفة تعتقد أن صور ميري الجميلة لأمّهات يرضعن أطفالهنّ لها علاقة برعايتها لشقيقتها وتعاطفها القويّ معها.
    رواية تشيسمان تفتح نافذة على عصر غير عاديّ، وتضيف الكثير إلى فهمنا عن حياة ميري كاسات وفنّها وعصرها. كما أنها في الوقت نفسه محاولة لاستكشاف طبيعة الفنّ والحبّ والذكريات والموت.

    Credits
    harrietchessman.com
    nytimes.com

    Thursday, May 11, 2017

    المقاهي في الرسم

    علاقة الفنّانين والمثقّفين بالمقاهي قديمة، وتعود إلى أواخر القرن التاسع عشر. وكثيرا ما يُصوّر المقهى على انه مكان لتناول المشروبات أو تبادل الدردشات والأحاديث.
    وأجواء المقاهي حاضرة في العديد من الأعمال الفنّية.

  • الرسّام الانطباعيّ جان بيرو ولد في روسيا ثم هاجر هو وعائلته إلى فرنسا وهو طفل. وقد درس الرسم في باريس بعد الحرب الفرنسية البروسية وربطته علاقة صداقة مع عدد من شخصيّات المجتمعين الفرنسيّ والروسيّ في المدينة.
    واشتهر بيرو ببراعته في رسم مظاهر الحياة اليومية في باريس كالحفلات الخارجية ومناظر الشوارع وغيرها. كان رسّاما ناجحا، ولوحاته تمسك بروح باريس في بدايات القرن الماضي عندما كانت الحياة أكثر بساطة وأقلّ ضجيجا.
    في اللوحة "فوق"، يرسم جان بيرو رجلا وامرأة يجلسان في مقهى ويركّزان نظراتهما على شيء أو شخص ما خارج الصورة. وقد حرص الفنّان على رسم تفاصيل الطاولة الرخامية والكأسين نصف المملوئين ودوائر الدخان المتصاعدة من سيجارة الرجل.
    وبوضعه الرجل والمرأة كلا بمواجهة الآخر تقريبا، فإن بيرو أوجد احتمالات وسيناريوهات شتّى تتعلّق بمزاجهما في تلك اللحظة مع تساؤلات من نوع: هل هذا هو اللقاء الأول بينهما أم أنهما على وشك أن يفترقا، ولماذا ينظران إلى شيء بعيد وما هو.
    الكرسيّ المائل أمام طاولتهما يمكن أن يوحي بأن الرجل تركه وانتقل كي يجلس قريبا من المرأة، أو أن شخصا ما ثالثا غادر الكرسيّ للحظات بينما تتابعه نظراتهما المحترسة والحذرة.
    المعروف أن جان بيرو لم يتزوّج أبدا. كانت باريس فنّه وحبّه الوحيد. والكثيرون يتذكّرونه باعتباره احد رموز الحقبة المسمّاة بالزمن الجميل.

  • كانت صداقة فان غوخ وبول غوغان قد وصلت إلى نقطة تأزّم عندما تناول الأوّل موس حلاقة وقطع به أذنه في نوبة من نوبات إيذاء النفس.
    وكان غوغان معه في آرل في ذلك الوقت، ثم غادر فورا بعد الحادثة. لكن قبل ذلك كان الصديقان قد قضيا عدّة أسابيع وهما يرسمان معا في البيت الأصفر. كانا يستمتعان بصحبتهما الفنّية الفريدة ويتجادلان كما هي عادة بعض الأشخاص الموهوبين جدّا والعصبيين أكثر من اللازم.
    وقد اتفق الاثنان على أن يرسما، كلّ لوحده، مكانا ليليّا في آرل كموضوع. ووقع اختيارهما على احد المقاهي الشعبية هناك. وفعلا رسم كلّ منهما منظوره الخاصّ عن المكان.
    في لوحة فان غوخ ، يظهر المقهى كمكان يمكن للإنسان فيه أن يدمّر نفسه أو يُجنّ أو يرتكب جريمة قتل. لكن غوغان رسم للمقهى لوحة ذات ألوان قويّة يظهر فيها وجه صاحبة المقهى وهي تقوم على رعاية الزبائن. ولوحة الأخير تبدو أكثر حميمية مع تفاصيل جذّابة مثل مكعّبات السكّر والقطّة الصغيرة أسفل الطاولة.

  • هناك نظرة متوهّمة عن المقاهي على أنها توفّر متنفّسا أو مهربا من الواقع. ولوحة شارب الابسنت للرسّام التشيكي فيكتور اوليفا تعطي لمحة عن زيارة السيّدة الخضراء.
    والسيّدة الخضراء ليس سوى الاسم الرمزيّ للابسنت، وهو شراب شديد المرارة كان ذا شعبية كبيرة في أواخر القرن التاسع عشر. وكان يشار إليه بالجنّية الخضراء بسبب لونه الحالم وتأثيره المخدّر.
    ادغار ديغا وإدوار مانيه رسما عدّة بورتريهات لشاربي ابسنت مرهقين وواهنين. لكنّ اوليفا حصر رؤيته عن الشراب داخل عالم الفانتازيا الحسّية، رغم أن الرجل في اللوحة يبدو في حالة مزاج مُعدّل وقد يكون في خطر بسبب إدمانه على حبّ الجميلة السامّة التي تنضمّ إليه في المقهى.
    في ما بعد أصبح للابسنت سمعة سيّئة بسبب ما قيل عن انه يسبّب المرض العقليّ والإدمان. غير أن الدراسات الحديثة تدلّل على أن كثيرا من تلك التكهّنات مبالغ فيها.

  • في بعض الأحيان، تقوم المقاهي بدور المنتدى الذي يناقش فيه الناس القضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية. في لوحة للرسام غابرييل ديلوك يعود تاريخها إلى عام 1914، نرى متحدّثا مفوّها يلقي على روّاد احد المقاهي في باريس خطبة عصماء.
    والمتحدّث أو الخطيب ليس سوى بينيتو موسوليني الذي يكشف للموجودين عن خططه للعودة إلى ايطاليا وإعادة أمجاد روما القديمة.
    والرسّام يصوّر الكاريزما المظلمة والملامح الكالحة للديكتاتور الناشئ، وفي نفس الوقت ينقل مشاعر الشكّ والارتياب المرتسمة على وجوه الأشخاص الذين اجتمعوا لسماع خطبته.
    المدهش أن موسوليني عاد فعلا إلى روما وأسّس نظامه الفاشيّ وحكم ايطاليا بقبضة من حديد، وأخيرا أقحم بلده في حرب مدمّرة بعد أن تحالف مع هتلر.
    أما الرسّام غابرييل ديلوك فقد قُتل هو نفسه في الحرب العالمية الثانية بينما كان يقاتل في صفوف الجيش الفرنسيّ. وفي ما بعد أحيا ذكراه، مع غيره من قتلى تلك الحرب، الموسيقيّ الفرنسيّ موريس رافيل في إحدى مؤلّفاته الموسيقيّة بعنوان في ذكرى كوبرين .

  • Credits
    arthistoryresources.net

    Sunday, May 07, 2017

    إطلالة على جحيم دانتي


    في الكوميديا الإلهية، تتحوّل بعض شخصيات الأساطير الكلاسيكية إلى أبالسة وشياطين. وهذا كان أمرا مألوفا في الثقافة المسيحية في القرون الوسطى.
    ودانتي في كتابه يتصرّف كقاضٍ أعظم. ومثل ماينوس القاضي المتوحّش الواقف على بوّابة الجحيم، يقرّر دانتي مَن يذهب إلى هناك، وإلى أيّ دائرة من دوائر الجحيم التسع يجب أن ينتهي كلّ عاصٍ أو مذنب.
    ماينوس الأصليّ شخصيّة نصفها تاريخيّ ونصفها الآخر أسطوريّ. والمؤرّخون متّفقون على انه كان ملكا عادلا على جزيرة كريت. ولهذا السبب أصبح بعد موته احد قضاة العالم السفليّ.
    لكن طبقا للأساطير الكلاسيكية، كان ماينوس ابنا لزيوس ويوصف بأنه طاغية وقاسٍ. وقيل انه انتقم لموت ولده بإجبار الأثينيين على أن يقدّموا سبعة أولاد وسبع فتيات من أبنائهم كقرابين.
    وبعض كتب التاريخ تصفه بأنه كان كاهنا ومشرّعا حكيما. وكان هوميروس قد وضعه كقاضٍ للأرواح في هيديز. وربّما لهذا السبب استلهم دانتي شخصية ماينوس ووضعه حارسا وحكما على بوّابة الجحيم.
    ودانتي يعطيه مظهر وحش له ذيل أفعى ضخمة. وقد رسم ميكيل انجيلو صورة بليغة له تجسّد الفظائع التي وصفها دانتي في رحلته.
    على أطراف الجحيم توجد منطقة تُعرف بالحدّ، وتمثّل الدائرة الأولى من الجحيم. وقد خصّصها دانتي للأشخاص الذين لم تُكتب لهم النجاة أو الخلاص رغم أنهم لم يرتكبوا خطايا أو ذنوبا.
    والمنطقة توفّر نوعا من "المَخرج" الذي كان شائعا في التديّن المسيحيّ زمن الكاتب. وفي هذه المنطقة حشر دانتي عددا من الأشخاص الذين اسماهم "الفضلاء من غير المسيحيين" أو "الوثنيين الصالحين".
    ومن بين هؤلاء قادة ومفكّرون وفلاسفة من العالم القديم ومن القرون الوسطى، مثل صلاح الدين الأيّوبي وابن سينا وابن رشد. ورغم انه يصف ابن رشد بالحكيم ويثني على تعليقه على أفكار أرسطو، إلا انه يعتبره ممّن ضلّوا سواء السبيل.
    عندما كتب دانتي الكوميديا الإلهية، كان ابن رشد احد أكثر الفلاسفة شهرةً في العالم المسيحيّ خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر. لكن دانتي يسمّيه بـ "المعلّق"، في محاولة للتقليل من شأنه بالتلميح إلى أن دوره لم يتعدَّ التعليق على أفكار أرسطو.
    كان ابن رشد معروفا بمحاولة التوفيق بين فلسفة أرسطو العقلانية وبين المعتقدات الإسلامية والمسيحية. وكان يرى أن الفلسفة والدين يمكن أن يتعايشا جنبا إلى جنب وأنه لا يوجد طريقان مختلفان أمام الفرد للوصول إلى الحقيقة.
    وقد راج هذا الفهم وانتشر في القرن الثالث عشر. لكنه ولّد ردود فعل رافضة في الأوساط المحافظة من المسلمين والمسيحيين واليهود.
    في نفس ذلك الطرف من الجحيم، أي في منطقة الحدّ أو البرزخ الذي يصفه دانتي بـ "المكان الذي يثير الرهبة أكثر من الشهرة"، حشر أيضا مجموعة أخرى من الشعراء والفلاسفة الكلاسيكيين، مثل هوميروس وأوفيد وأفلاطون وسقراط، بالإضافة إلى أرسطو الذي يسمّيه "سيّد أولئك الذين لا يعرفون".
    الشيء المزعج هو أن دانتي لا يتردّد في وضع نفسه مكان الله كقاضٍ، وأحيانا يلعب دور الشاهد والقاضي معا. وهو لا يتساءل إن كان ما يراه أو يتخيّله هو حكم الله أم حكمه هو.
    هناك أيضا شيء مخيف في جحيم دانتي، هو هذا العذاب والألم الذي يخضع له الضحايا والمعذّبون العالقون أمام أعين دانتي ودليله فرجيل. الجثث العارية والمياه القذرة والعذاب الرهيب الذي لا ينجو منه حتى المنتحرين والمزوّرين.
    جحيم دانتي قطعة من العذاب الأبديّ، وكلّ الأشخاص هناك مهزومون ومقهورون كلّ على طريقته. وهو ما يدفع القارئ لأن يتساءل عن أيّ معنى للعدل أو الرحمة.
    ودانتي في نصّه المستفزّ يلعب دور الواعظ، لكنه واعظ شديد القسوة وربّما الساديّة. وهو لا يصوّر الخطايا وإنّما الخطّائين. لكن يبدو أن شكل الجحيم كما يصفه ليس أكثر من انعكاس للمفاهيم اللاهوتية التي كانت سائدة في عصره.
    عندما ينزل دانتي ومرافقه إلى أعماق الجحيم، تصبح ردود أفعاله عدوانية وشامتة. فهو لا يتوانى عن ركل بعض الأرواح المعذّبة بقدمه، بينما يبدي سروره وتلذّذه بالتعذيب الذي يراه يُرتكب ضدّ آخرين. غير أن هذه القسوة لا تمنعه أحيانا من إظهار بعض الشعور بالشفقة وإشراك القارئ معه في هذا الشعور.
    الولوج إلى جحيم دانتي تجربة مؤلمة. لكنّها تعلّمنا كيف أن الخير والشرّ متداخلان، سواءً في أنفسنا أو في الآخرين.
    وربّما أراد دانتي أن يشير إلى انه من الصعب على الإنسان أن يتوصّل إلى أيّ قدر من النقاء الأخلاقي من دون مرشد أو دليل. لكن حتى هذه الفكرة ليست نهائية، بل تحتمل الكثير من الأخذ والردّ.

    Thursday, May 04, 2017

    روبنسون كروزو


    أتذكّر أن أوّل رواية قرأتها كانت "روبنسون كروزو" للكاتب دانيال ديفو. وقد ظلّت تفاصيل تلك الرواية ماثلة في ذهني إلى اليوم. وكلّما شاهدت فيلما أو قرأت أو سمعت قصّة تتحدّث عن مفارقات ومصاعب العيش في جزيرة نائية، تذكّرت مغامرات روبنسون كروزو على ارض جزيرته المنعزلة والبعيدة.
    أحداث الرواية نفسها مثيرة ومشوّقة. والناس عادة تفتنهم مثل هذه النوعية من القصص التي تحكي عن أشخاص انقطعت بهم السبل وأخذتهم الأقدار في النهاية إلى ارض مجهولة وبعيدة.
    وتجربة كروزو الغريبة تتضمّن جميع عناصر الإثارة والتشويق التي يتطلّع إليها أيّ قارئ: سفن مبحرة أو غارقة وبحار عاصفة وأمطار جارفة وجزيرة خالية من البشر وبنادق وذخيرة وأكلة للحوم البشر الخ، أي كلّ ما يمكن أن يتوقّع الإنسان وجوده في جزيرة غرائبية ومهجورة.
    تبدأ الرواية بحديث بطلها روبنسون كروزو عن نفسه. ومن كلامه نفهم انه شابّ انجليزيّ ينزل إلى البحر لأوّل مرّة ويستقلّ سفينة باحثا عن المغامرة ومتجاهلا نصيحة والده.
    لكن السفينة تغرق في عرض البحر ويموت كلّ من كان على متنها باستثناء كروزو الذي ينتهي به المطاف على شاطئ جزيرة نائية. وهناك يعيش لوحده أكثر من ثمانية وعشرين عاما.
    في البداية، يحاول كروزو استكشاف مداخل الجزيرة ومخارجها. ثم يذهب إلى السفينة المحطّمة ويحضر منها بعض الأشياء التي قد تفيده من ذخيرة وملابس وسلاح وبذور وخلافه.
    ويكتشف أن التربة في احد أطراف الجزيرة أكثر خصوبة، فيقرّر أن يبني له كوخا في تلك الناحية كي يحمي نفسه من خطر الحيوانات المفترسة. ثم يجهّز خططا للحصول على الطعام فيزرع بعض بذور الخضروات والبقول ويربّي بعض الماشية.
    ولأن الجزيرة تخلو من البشر، يقرّر البطل أن يبدأ اتصاله مع الله ويحرص على أن يدوّن كلّ ما يراه في دفتر مذكّرات. ثم يتأمّل في حياته الماضية، ويتساءل إن كان عقوق والده هو السبب في عزلته على تلك الجزيرة. ومع الأيّام تزداد مهارته ومقدرته على أن يفعل المزيد من الأشياء النافعة.
    وبعد خمسة عشر عاما من العيش في الجزيرة، يجد روبنسون كروزو لأوّل مرّة آثار أقدام غريبة لبشر فتتملّكه المخاوف، ما يدفعه للبقاء يقظا طوال الليل. ثم يفكّر في احتمالات شتّى، وفي نفس الوقت يتّخذ بعض الإجراءات والاحتياطات لمواجهة أيّة أخطار محتملة.
    وفي صباح احد الأيّام، يصيبه الرعب عندما يجد جماجم بشرية وبقايا عظام متناثرة حول الشاطئ. ويدرك أنها آثار وليمة من الليلة السابقة.
    وفي الأيّام التالية يقوم بمراقبة الشاطئ ويرصد وصول قوارب ينزل منها بشر بدائيّون يقتادون أشخاصا مكبّلي الأيدي ويتّجهون بهم إلى احد أطراف الجزيرة، فيمشي في إثرهم ويراقبهم وهم جلوس حول النار.
    وصْف كروزو لآثار الأقدام على الجزيرة والخوف الذي يعتريه جرّاء ذلك يعتبره بعض النقّاد من أفضل ما كُتب في هذا الباب في الروايات الأوربّية.
    ثم يدرك بطل الرواية أن هؤلاء المتوحّشين يزورون الجزيرة من وقت لآخر ويحضرون معهم بعض أسراهم ليقتلوهم ويأكلوا لحمهم.
    في البداية، يفكّر بمفاجأتهم وقتلهم بالذخيرة التي معه، لكنه يعدل عن تلك الفكرة على اعتبار أن البدائيين لا يعرفون أنهم يرتكبون جرما لأن أكل لحوم البشر جزء متأصّل من ثقافتهم.
    غير انه مع ذلك يحتفظ بإيمانه الأخلاقيّ الذي يدفعه لإنكار تلك الجريمة والاشمئزاز منها.
    لكن عندما يهرب احد الأسرى، وهو طفل، من المصير البائس الذي ينتظره، يبادر كروزو إلى إنقاذه وقتل اثنين من مطارديه. ثم يتخذ منه مرافقا ويطلق عليه اسم "فرايدي" لأنه أنقذه في يوم جمعة، وبعد ذلك يعلّمه الانجليزية ويحوّله إلى المسيحية.


    من العبارات الجميلة التي يردّدها كروزو في الرواية واحدة تقول إن كلّ الأشياء الجيّدة في هذا العالم لا تكون جيّدة إلا بقدر ما نستطيع أن نستخدمها، وأن الظروف هي التي تحدّد ما ينبغي لنا أن نتعلّمه وننجزه".
    كان عند روبنسون كروزو كيس مليء بالذهب والفضّة احضره معه من السفينة، لكن تلك الثروة لم تكن تفيده بشيء في جزيرته المعزولة. وكان على استعداد لأن يتخلّى عن كلّ ذلك الكنز مقابل فردتي حذاء.
    ويتعجّب البطل كيف أن البشر يمكن أن يحبّوا اليوم شيئا كانوا يكرهونه بالأمس، وكيف أنهم يمكن أن يخافوا اليوم من شيء كانوا يرغبون فيه ويلحّون عليه بالأمس.
    ويبدو انه تذكّر كيف انه عاش على أرض الجزيرة وكان يتجوّل فيها بحرّية لأكثر من خمسة عشر عاما، ظانّاً انه لوحده. كان يحنّ إلى وجود البشر ويتمنّى لو جاءه إنسان كي يشاركه العيش ويؤنس وحدته. لكن هذا الإحساس غادره فورا عندما اكتشف وجود بشر متوحّشين هناك.
    وعندما يأتي المزيد من أكلة لحوم البشر إلى الجزيرة لإقامة حفل شواء بشريّ، يقرّر كروزو وفرايدي أن من الضروريّ مهاجمتهم، فيفاجآنهم ويقتلان بعضهم وينقذان أسيرين كان احدهما رجلا اسبانيّا ابيض والآخر والد فرايدي نفسه.
    وفي نهاية الرواية، تمرّ بالجزيرة سفينة عابرة، فيستقلّها روبنسون كروزو، بمعيّة فرايدي، ويعود إلى أهله في انجلترا بعد أن ظنّوا انه مات. لكنّه يكتشف أن والده قد توفّي منذ زمن طويل وأنه لم يوصِ له بشيء من تركته، فيغادر هو وفرايدي إلى البرتغال.
    وبعد سنوات، يعودان من هناك بعد أن جمعا بعض المال. وفي طريق عودتهما، يقومان بمغامرة أخيرة فيشتبكان مع مجموعة من الذئاب الضارية التي اعترضت طريقهما أثناء عبورهما جبال البيرينيه.
    الكثير من النقّاد استقبلوا رواية روبنسون كروزو في زمانها بحماس كبير واعتبروها أوّل رواية انجليزية واقعية. وبعضهم رأوا فيها حكاية متفائلة عن إمكانيات الإنسان غير المحدودة عندما يجد نفسه في ظروف صعبة وغير مواتية.
    واعتبر آخرون أن الرواية ترمز لتطوّر الحضارة وأن كروزو ليس هو البطل وإنما كلّ إنسان. فهو يبدأ كمتجوّل في البحر الذي لا يفهمه، ثم ينتهي به الأمر كحاجّ يعبر الجبل الأخير ليدخل الأرض الموعودة.
    من الأشياء اللافتة في هذه الرواية أنها تتضمّن كثيرا من الرموز الدينية. وهناك من يشير إلى أن ديفو كان مسيحيّا طهرانيّا ومؤمنا بالتقاليد، وقد ألّف كتبا عن كيف يصبح الإنسان مسيحيّا صالحا.
    وقيل أحيانا انه ذهب إلى الجزيرة ليتخلّص من آثام الشباب. وهناك أصبح أكثر قربا من الله، ليس بسبب الاستماع إلى الخطب في الكنيسة، وإنّما من خلال قضائه وقتا لوحده في الطبيعة.
    لكن نقّادا آخرين وصفوا روبنسون كروزو بأنه نموذج للاستعمار الانجليزيّ وتعبير عن رغبات المستعمر الأوربّي.
    فالبطل يسمّي نفسه بالسيّد وأحيانا بالملك، بينما يشير إلى الجزيرة بالمستعمرة. كما رأى البعض في علاقة السيّد بالخادم التي ربطته بفرايدي نوعا من الامبريالية الثقافية.
    وكروزو في الرواية إنسان مستنير ومتحضّر، بينما فرايدي همجيّ ولا يمكن تخليصه من بربريّته إلا بإدماجه في ثقافة سيّده.
    رواية روبنسون كروزو هي عن المصير وعن ظروف واختيارات الحياة المختلفة. ويقال أن الكاتب استوحى أحداث الرواية من قصّة حقيقية لبحّار اسكتلندي يُدعى الكسندر سيلكيرك، كانت سفينته قد غرقت في المحيط الهادي ثم عاش خمس سنوات لوحده على ارض جزيرة مجهولة.

    Credits
    gutenberg.org

    Monday, May 01, 2017

    جيش التماثيل

    في العام 221 قبل الميلاد، وحّد تشين جن هوان الصين لأوّل مرّة تحت سلطة مركزية واحدة. ثمّ نصّب نفسه كأوّل إمبراطور للبلاد بعد أن أطلق عليها اسمه.
    وقد حكم تشين امبراطوريّته الواسعة بيد من حديد، مطبّقا فلسفة تقول إن البشر بطبيعتهم سيّئون وبحاجة لأن ينصاعوا لقوّة القانون، في تباين واضح مع ما كانت تقول به الكونفوشية التي كان تشين يعتبرها تهديدا لسلطته.
    ثم لم يلبث أن أمر بإحراق جميع الكتب التي لا تتحدّث عن حكمه أو عن الزراعة والطبّ وقراءة الحظ. وبعدها باشر بإحراق خمسمائة عالم كونفوشي وهم أحياء، بينما أمر برجم سبعمائة آخرين حتى الموت.
    ومع ازدياد طغيان الإمبراطور واستبداده، جرت عدّة محاولات لاغتياله، لكنه نجا منها جميعا.
    وبرغم سلطته وهيبته الطاغية، إلا انه كان خائفا من الموت وأصبح هاجسه الأكبر البحث عن ترياق للحياة الأبدية.
    لذا استدعى كافّة الخيميائيين والسحرة المشهورين إلى بلاطه كي يحضّروا له الوصفة المناسبة التي تضمن له الخلود.
    وقد اخبره بعض مستشاريه عن وجود جزيرة جبليّة في احد البحار البعيدة يعيش عليها مجموعة قليلة من البشر حياة دائمة دون أن يتهدّدهم موت أو مرض.
    لذا أمرهم بالذهاب إلى هناك كي يستقصوا الأمر ويجلبوا له معهم سرّ الحياة السرمدية. وبعد سنوات من الترحال، عادوا دون أن يجدوا شيئا.
    ثم أقنعه بعضهم بأن يعيش داخل قصره في عزلة من الناس إلا من مستشاريه المقرّبين، على أمل أن يحصل أثناء ذلك على نبتة الخلود التي ينتظرها.
    كان تشين يتطلّع إلى مكانة "الإنسان الحقيقيّ"، وهي مكانة لا يبلغها، حسب الأساطير الصينية القديمة، سوى بضعة أفراد هم من يُكتب لهم الخلود في هذه الحياة.
    وكان يعتبر نفسه أوّل إمبراطور في صفّ طويل من أباطرة سلالته الذين سيدوم حكمهم آلاف السنين. لذا اجتهد في إقامة القرابين على قمم الجبال معتقدا انه بهذا يوحّد مملكته مع عالم الأرواح.
    وطبقا للمفاهيم الصينية، فإن الموتى والأرواح لا ينفصلون عن عالم الأحياء، وأن ما بعد هذه الحياة يمكن أن يكون أكثر خطرا من الوجود الأرضيّ.
    وكان لدى تشين سبب خاصّ يدفعه للخوف من الموت، فقد كان يخشى انتقاما أخرويّا من جيوش الولايات الستّ التي لم يكتفِ بهزمها قبل توحيد الإمبراطورية، بل ذبح أهلها ونكّل بهم أشدّ تنكيل.
    ولأن الإمبراطور لم يكن قادرا على التغلّب على خوفه من الفناء ولا بتحقيق حلمه في حكم العالم في هذه الحياة، فقد قرّر أن يؤسّس له سلطة بعد موته.
    المؤرّخ الصينيّ المشهور سوما تشان الذي عاش في تلك الفترة يذكر أن تشين بنى لنفسه ضريحا تحت الأرض يحرسه جيش من ثمانية آلاف جنديّ نُحتت شخوصهم من الطين مع عرباتهم وخيولهم وأسلحتهم.
    كان الضريح عبارة عن قصر فخم مصنوع من الطين والخشب والبرونز، مع نماذج للجنّة الموعودة وخارطة ضخمة للإمبراطورية.
    الكنوز التي دُفنت في الضريح كانت تحرسها أدوات لرمي السهام. أما العمّال الذين شيّدوا الضريح والقصر فقد دُفنوا أحياء كي تبقى أسرار المكان خفيّة إلى الأبد.
    المفارقة أن إصرار الإمبراطور على تحدّي الموت هو الذي عجّل في هلاكه. فقد كان تشين يعتبر الزئبق مادّة سحرية تطيل العمر وتحمي من الحسد والأمراض. ويبدو أن بعض حاشيته وصفوه له كجزء من إكسير الحياة. وكان هو نفسه قد سمع قصصا غريبة عن ملوك وحكماء عاشوا لعشرة آلاف عام وأكثر بسبب تناولهم للزئبق الممزوج بالنبيذ المحلّى بالعسل.
    لكن في عام 210 قبل الميلاد، سقط تشين مريضا بسبب إفراطه في تناول الزئبق السامّ، ثم لم يلبث أن توفّي وهو في سنّ التاسعة والأربعين. وعند وفاته كان بالكاد قد أكمل بناء قبره الضخم تحت الأرض.
    بعد موت الإمبراطور، عمّت الفوضى الصين. وبعد ثلاث سنوات أقدم ابنه الذي خلَفه فوق العرش على الانتحار أثناء انتفاضة اندلعت ضدّه. وبانتحاره انتهى حكم سلالة تشين إلى الأبد.
    لكن الإمبراطور المؤسّس للصين استمرّ "يعيش" داخل قصره الغريب تحت الأرض والذي ظلّ مكانه مجهولا لأكثر من ألفي عام.


    في احد أيّام شهر مارس من عام 1974، كان مزارع يُدعى يانغ زيفي يحفر مع إخوته الخمسة بئرا في بستان للرمّان يبعد مسافة ساعة عن مدينة شيان عاصمة إقليم شانغتسي الصينيّ.
    وفجأة ارتطم معوله برأس تمثال من الطين، وعندما تفحصّه ظنّ خطئا انه تمثال لبوذا. وخلال أشهر، توافدت على المكان مجموعات من خبراء الآثار والمسئولين الحكوميين.
    ثم تبيّن أن ما تعثّر به المزارعون كان واحدا من أهمّ الاكتشافات الأثرية في القرن العشرين. فقد كان مدفونا تحت ارض البستان آلاف التماثيل لجنود منحوتين من الطين يعود تاريخها إلى القرن الثالث قبل الميلاد.
    كانت تلك التماثيل جزءا من الضريح المفقود للإمبراطور تشين جِن هوان. ولحسن الحظ لم يظهر هذا الاكتشاف إلا مع غروب شمس الثورة الثقافية التي قادها ماو تسي تونغ وهدفَ من ورائها إلى تدمير تاريخ وتراث الصين والقضاء على تقاليدها القديمة.
    وكان الجيش الأحمر التابع لماو قد أغار في عام 1969 على قبر احد أباطرة سلالة مينغ الكائن خارج بيجين. وقام المهاجمون الغوغاء بنبش الهياكل العظمية للإمبراطور واثنتين من نسائه، ثم سحبوا رفاتهم إلى خارج القبر وأحرقوها.
    كان اكتشاف جيش التماثيل حدثا كبيرا أدهش الصينيّين وفتن العالم. واتّضح أن حجم ضريح الإمبراطور تشين يعادل مساحة مدينة قديمة ضخمة. ووُجد في وسطه هرم يقال انه كان يرتفع ذات زمن إلى حوالي مائة متر.
    أما بالنسبة للثمانية آلاف مقاتل الواقفين في صفوف خلف القبر، فيبدو أن مهمّتهم هي حراسة أسرار امبراطورية تشين المطمورة تحت التراب.
    لكن الكثير من تلك الأسرار ستظلّ مجهولة لسنوات طوال طالما بقي القبر نفسه مغلقا. فعلماء الآثار في جميع أنحاء العالم متّفقون على أن فتح القبر سيؤدّي إلى كارثة، لأن تعريضه للهواء سيتسبّب في تلف لا يمكن إصلاحه. وأثناء عمليات الحفر المبكّرة للكشف عن التماثيل، حدث أن طبقة الورنيش التي تعلو وجوه الجنود تلاشت بعد خمس عشرة ثانية فقط.
    وطبقا للمؤرّخ سوما تشان، الذي ثبت أن وصفه للضريح كان دقيقا جدّا، فإن أنهاراً من الزئبق تحيط بالغرفة التي يوجد بها المدفن. والدخول إلى هذا المكان سيكون محفوفا بالمخاطر. ثم تبيّن أن تربة المنطقة كلّها تحتوي على نسب عالية من الزئبق.
    وإذا لم يكن احد راغبا في الدخول إلى حيث الضريح خوفا من إحداث ضرر بالكنوز التي بداخله، فإن هناك أسبابا أخرى تدعو للبقاء بعيدا. إذ يشير سوما تشان إلى وجود نشّابات ميكانيكية تحرس المداخل والممرّات، وقد تكون ضرباتها مميتة في حال ما إذا كانت ما تزال تعمل إلى اليوم.
    عيّنات الحمض النوويّ المأخوذة من عدد من الهياكل التي وُجدت تحت التراب توحي بأن بعض أفراد جيش الإمبراطور كانوا من أصول أوربّية. ترى هل اخبر اليونانيّون القدامى الصينيين كيف ينحتون الأشخاص والخيول بشكل رائع كما فعل المثّال فيدياس عندما نحت البارثينون الأثينيّ في القرن الخامس قبل الميلاد؟
    لا أحد يملك إجابة قاطعة عن هذا السؤال. وربّما كان من الأجدى الانتظار إلى أن يُكتشف المزيد من أسرار هذا المكان المدهش والغامض.
    الغريب أن المزارعين الذين اكتشفوا الضريح لم يجنوا من وراء اكتشافه شيئا. فلأسباب سياحية، تمّت مصادرة أرضهم. وفي عام 1997 شنق احدهم نفسه بسبب الفقر والمرض، بينما مات آخران بسبب البطالة وظروف المعيشة الصعبة. أما الاثنان اللذان ما زالا على قيد الحياة فيقولان إن الاكتشاف لم يجلب لهم سوى اللعنة ويتمنّيان لو أن الضريح والقصر بقيا في مكانهما تحت الأرض وإلى الأبد.
    ترى هل كان علينا أن نتوقّع شيئا مختلفا من تشين جن هوان، الملك الشابّ والديناميكيّ، الذي - رغم عنفه وشدّة بطشه - وحّد الصين وأسّس إمبراطورية شاسعة وفرض نظاما موحّدا للكتابة والنقد والأوزان وشيّد قنوات وطرقاً وحمى حدوده الشمالية ببناء سور الصين العظيم؟
    صحيح انه لم يستطع أن يحكم إلى الأبد. لكنّه سيظلّ إمبراطورا حتى نهاية الزمان بمشاريعه وانجازاته الكثيرة وبشخصيّته الغريبة الأطوار.
    جيش التماثيل الذي صنعه لوحظ انه ينظر إلى جهة الشرق، إي إلى الجهة التي يسهل على أيّ عدوّ أن ينفذ منها إلى الضريح والقصر. ومع ذلك فإن هذا الجيش لم يخض معركة، كما أن قائده لم يهزم الموت ولم ينجح في حكم العالم، بل بقي الجميع مدفونين ومنسيّين تحت الأرض لأكثر من ألفي عام.
    وقصّة هذا الإمبراطور وجيشه الساكن والمتجمّد في الزمن مع خدمهم وأسلحتهم وعرباتهم هي في الواقع شهادة صامتة على محدودية قدرة الإنسان وعجزه.
    لكن البحث عن سرّ الحياة الدائمة لم ينتهِ بموت تشين. فأباطرة الصين الذين أتوا بعده بدءوا عملهم من حيث انتهى.
    وفي القرن التاسع الميلادي، كان رهبان صينيّون يعملون على اكتشاف وصفة ناجعة للخلود عندما اكتشفوا البارود فجأة وبالصدفة. والمفارقة هي أن "الوصفة" التي اكتشفوها ستصبح أساسا للتكنولوجيا التي ستجلب الموت الفوريّ والمفاجئ لمئات الملايين من البشر على مرّ القرون التالية.

    Credits
    bbc.com

    Thursday, April 27, 2017

    سقوط غرناطة

    بعض أحداث التاريخ تبدو صغيرة وغير ذات أهميّة ظاهريّا. لكنها قد تترك آثارا بعيدة وعميقة على مصائر أمم وشعوب بأسرها.
    الزمان: الثاني من يناير عام 1492. والمكان: جنوب اسبانيا ذات يوم ربيعيّ.
    الشمس مشرقة والسماء زرقاء والغيوم بيضاء ناعمة. ومن مسافة، في خلفية اللوحة فوق، يلوح قصر الحمراء فوق سفح تلّ وقد ظلّلته الغيوم.
    منظر القصر الهادئ لا يعكس ما نراه في مقدّمة اللوحة من أجواء متوتّرة ومشحونة. الصورة تنقل مشهدا لحدث تاريخيّ هو استسلام غرناطة وإعادتها للحكم الاسبانيّ.
    في الجزء الأماميّ، إلى اليمين، نرى فرديناند ملك اراغون على صهوة جواد اسود، وإلى يساره ايزابيللا ملكة قشتالة على حصان ابيض، وسط حشد من فرسانهما وحاشيتهما.
    صورة الملكة هي المهيمنة، إذ تظهر محاطة بفرسانها ووصيفاتها، بينما يعتلي زوجها فرديناند ظهر حصانه وسط السلاح والأعلام.
    وفي الجانب الأيسر من اللوحة، يظهر الملك أبو عبدالله الصغير وهو يسلّم مفاتيح المدينة إلى الطرف المنتصر.
    ورغم أن السماء تبدو في أفضل حالاتها، إلا أن الأرض قاحلة والأشجار جرداء والطبيعة ما تزال في قبضة الشتاء ولم تتعافَ بعد من آثار الحرب.
    ملابس فرديناند وزوجته ليست ملابس قتال، وما نراه هو اسبانيا المحتفلة بانتصارها على أعدائها.
    لكن المثير للاهتمام هو ما لا تصوّره اللوحة. فإيزابيللا كانت ترى في نصر غرناطة حملة صليبية تُخاض من اجل مجد الربّ والكنيسة. لكننا لا نرى هذا بوضوح في الصورة. غير أن هناك صليبا كبيرا وسط الأعلام والرماح يظهر باعتباره عقيدة المنتصر.
    فرانشيسكو براديللا ربّما يكون أشهر رسّام اسبانيّ في زمانه. وهو معروف بلوحاته التاريخية. وقد رسم هذه اللوحة بعد سقوط غرناطة بخمسمائة عام.
    ومن الملاحظ أنه رسم الاسبان بعدد كبير، مقابل العدد القليل من الجند الواقفين في صفّ أبي عبدالله. كما أن العرب يتراجعون إلى الخلف في انصياع تقريبا، ولا يرفعون أيّ أعلام، بينما يقف الاسبان على الأرض بصلابة وثقة. وقد فعل الرسّام هذا عمدا كي يؤكّد على قوّة اسبانيا مقابل ضعف العرب وعجزهم العسكريّ.
    كانت غرناطة آخر مملكة للعرب في اسبانيا. وكان استسلامها في نهاية النصف الثاني من القرن الخامس عشر يعني نهاية ثمانمائة عام من الوجود العربيّ والإسلاميّ في شبه جزيرة أيبيريا.
    لكنه أيضا كان يعني توحيد اسبانيا لأوّل مرّة تحت تاج واحد ودين واحد بعد سبعمائة عام من الصراعات والحروب الأهلية.
    وبعد وقت قصير سيستخدم الاسبان قوّتهم وثروتهم لبسط هيمنتهم على أمم أخرى، ولن تلبث اسبانيا أن تصبح أقوى قوّة مهيمنة في العالم.
    سقوط غرناطة سيقود أيضا إلى محاكم التفتيش ورحلة كولومبوس لاكتشاف العالم الجديد. وبطريقة ما يمكن القول أن اجتثاث العرب من اسبانيا كان "بروفة" للكيفية التي سيتعامل بها الاسبان في ما بعد مع سكّان أمريكا الأصليين.
    في شتاء عام 1496، فرضت الجيوش المشتركة لكلّ من فرديناند ملك اراغون وايزابيللا ملكة قشتالة حصارا على مملكة غرناطة الإسلامية.
    وبعد سبعة أشهر، أي في الثاني من يناير عام 1497، استسلمت المدينة. وباستسلامها أسدل الستار على ثمانية قرون من الوجود العربيّ هناك.
    هذا الحدث وحّد اسبانيا كأمّة، لأوّل مرّة، تحت حكم الملوك الكاثوليك. وكان له أيضا دوره في النجاحات المتعدّدة التي حقّقها الاسبان طوال المائة عام التالية في المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية.
    لكن بعض المؤرّخين اعتبروا سقوط غرناطة مأساة للحضارة، لأنه فتح الباب أمام محاكم التفتيش وما رافقها من تنكيل بالعرب وباليهود.
    كان أبو عبدالله الصغير ملك غرناطة وآخر ملوك دولة بني الأحمر يعرف أن لا فائدة تُرجى من مقاومة عدوّ يفوقه عددا وعدّة. لذا قرّر أخيرا أن يفاوض فرديناند وايزابيللا على معاهدة استسلام بشروط معقولة.
    ووُقّعت الاتفاقية في الخامس والعشرين من نوفمبر عام 1491، منهيةً بذلك حربا بدأت عام 1482 وبلغت ذروتها بحصار المدينة عام 1491 والذي دام ستّة أعوام.
    ونصّت المعاهدة على هدنة قصيرة، يعقبها تخلّي العرب عن السيادة على المدينة لملوك اسبانيا.


    وقد خطب أبو عبدالله في جنده وأخبرهم ألا سبيل لمواصلة القتال وأن الاستسلام هو الخيار الأفضل. وتمّ تعيين رجلين من كلّ جانب للتفاوض على شروط الاستسلام، وحُدّد مكانا للمفاوضات قرية تبعد ثلاثة أميال عن غرناطة.
    كانت مهمّة الرجال الأربعة تسهيل استسلام مدينة عظيمة كانت عاصمة لشعب حافظ عليها طوال ثمانية قرون. وكان الاسبان متوجّسين من كيفية التعامل مع أهالي المدينة المعروفين بحيويّتهم وبقدرتهم على التحدّي وصنع المعجزات.
    وبعد مداولات طويلة، خرج المجتمعون باتفاق ينصّ على وقف القتال سبعين يوما وعلى استسلام المدينة وإطلاق كافّة الأسرى المسيحيين.
    كما نصّ على أن يُقسِم أبو عبدالله يمين الولاء لإسبانيا وعلى أن يصبح سكّان غرناطة رعايا للعرش الاسبانيّ، مقابل أن يحافظ الحكّام الجدد على ممتلكاتهم ويضمنوا لهم ممارسة دينهم بحرّية وأن يُعفوهم من دفع الضرائب ثلاث سنوات ويسهّلوا سفر من يريد منهم مغادرة اسبانيا.
    كما نصّت المعاهدة على أن يطلق الطرف المنتصر سراح الرهائن المسلمين بمن فيهم ابن أبي عبدالله نفسه.
    كان لأبي عبد الله خصوم كثيرون من أبناء جلدته. وقد أدرك انه لن يأتيه عون وشيك من الخارج. لذا قرّر تقصير أمد الهدنة وحدّد يوم الثاني من يناير عام 1492 موعدا لتسليم المدينة.
    لكن الاستسلام لم يكن بالمهمّة السهلة. فقائد جنده موسى بن أبي غسّان لم يكن مع الفكرة. وقد راجت أسطورة تقول انه بعد الهدنة اخذ هذا القائد عدّته من السلاح وخرج ليلا من معسكره. وفي الطريق اعترضته مجموعة من الفرسان الاسبان خارج أسوار المدينة فالتحم معهم وقام بمبارزتهم واحدا تلو الآخر وقتلهم جميعا إلى أن لقي هو مصرعه على يد المبارز الأخير.
    في ذلك اليوم، تمّ تسليم قصر الحمراء. وقد توجّه فرديناند وايزابيللا مع بعض فرسانهما برفقة خمسين فارسا عربيّا لتسلّم القصر والقلعة.
    ولمّا وصلوا، خرج إليهم أبو عبد الله الصغير ليقدّم لهم مفاتيح المدينة. وعندما رأى أبو عبدالله الملكة، ترجّل عن جواده وتقدّم باتجاهها كي يقبّل يدها. لكنها سحبتها بسرعة رغبةً منها في عدم إحراجه أو إظهاره بمظهر المتذلّل أو الخاضع.
    ثم سلّم المفاتيح إلى فرديناند وقال له: هذه المفاتيح هي الأثر الأخير للعرب هنا، فحافظ عليها وكن في نصرك عادلا ورحيما".
    بعد ذلك رُفع علم قشتالة على برج الحمراء وغادر أبو عبدالله القصر للمرّة الأخيرة، وذهب للالتحاق بزوجته ووالدته وبعض أتباعه وحاشيته الذين كانوا ينتظرونه في إحدى القرى القريبة.
    وبينما احتفل المنتصرون الاسبان بانتصارهم، أغلق أهل غرناطة على أنفسهم أبواب بيوتهم كي يُخفوا شعورهم بالحزن والعار.
    أما بالنسبة لايزابيللا وفرديناند فقد كان سقوط غرناطة انتصارا للصليب على الهلال. لذا اتّجها على الفور إلى جامع المدينة الكبير لمعاينته والصلاة فيه بعد أن جُهّز سلفا وحُوّل إلى كنيسة في انتهاك واضح لبنود المعاهدة التي لم يجفّ حبرها بعد.
    ثم لم يلبث الحكّام الجدد أن دعوا العرب إلى اعتناق المسيحية أو مواجهة الطرد من البلاد. وقد ووجهت تلك الخطوة بتمرّد قام به أهالي المدينة عام 1500م. واستخدم الكاثوليك تلك الانتفاضة كمبرّر للقول إن العرب انتهكوا المعاهدة.
    ورغم الضغوط المتزايدة من رجال الكنيسة الكاثوليك، إلا أن فرديناند فضّل انتهاج سياسة متسامحة نوعا ما مع العرب على أمل أن يؤدّي ذلك إلى دفعهم "لفهم أخطاء دينهم ومن ثمّ التخلّي عنه".
    لكن جهود الكنيسة في تحويل المسلمين إلى المسيحية قسرا استمرّت بلا هوادة رغم تحذير بعض العقلاء من رجال الكنيسة من اتّباع ذلك الأسلوب باعتباره خطئاً وخرقا لأحكام المعاهدة.
    عندما غادر أبو عبدالله الصغير غرناطة لآخر مرّة، وقف على تلّة عالية ليلقي نظرة الوداع الأخيرة على مدينته الجميلة. وقد سُمّيت تلك اللحظة وذلك المكان في كتب التاريخ بـ "تنهيدة العربيّ الأخيرة".
    وفي ذلك المكان قالت والدة أبي عبدالله، واسمها عائشة الحرّة، عبارتها التي أصبحت مشهورة عندما رأت ولدها يبكي بحرقة متحسّرا على ضياع ملكه: ابكِ مثل النساء ملكا مُضاعاً لم تحافظ عليه مثل الرجال".
    لكن من الظلم تحميل الرجل المسئولية عن ضياع حكم العرب. فطوال عشر سنوات، ظلّ يقاتل هو ورجاله جيوش الاسبان بكلّ شجاعة واستبسال على الرغم من أن العدوّ كان يفوقهم عددا وعدّة. ولم يكن أمامه في النهاية سوى الاستسلام، لأن البديل كان الانتحار العبثيّ والتضحية بما تبقّى من جنده وتدمير مملكته.
    كان أبو عبدالله المنهك والحزين محاطا بأعداء كثر. لذا باع إلى ايزابيللا كافّة ممتلكاته بسعر زهيد، ثم عاد إلى المغرب. وبعد ثلاثين عاما من استسلام غرناطة، قُتل هناك في إحدى المعارك أثناء خدمته في جيش ملك فاس.

    Monday, April 24, 2017

    أصوات من الماضي


  • في بداية ستّينات القرن الماضي، اكتشف علماء آثار في مدينة اوغاريت السورية القديمة عدّة ألواح من الطين تعود إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد.
    وكانت تلك الألواح تحتوي على كلمات مكتوبة بالأحرف المسمارية. ثم تبيّن أنها عبارة عن نوتات لأقدم موسيقى تمّ اكتشافها حتى اليوم وعمرها يتجاوز 3400 عام.
    آن كليمر، الأستاذة المتخصّصة في الحضارة واللغة الآشورية نشرت في أوائل السبعينات كتابا عن تلك الألواح السومرية وعن النظرية الموسيقية المكتشفة فيها. ثم كتب علماء آخرون نظريّاتهم وآراءهم الخاصّة عن الموضوع.
    الاكتشاف الموسيقيّ أكّد أن السلّم الدياتوني المؤلّف من سبع نغمات كان موجودا قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام، وهو أمر يدحض آراء بعض علماء الموسيقى الذين ينفون وجود الهارموني في العصور القديمة ويزعمون انه لم يُكتشف إلا زمن الإغريق.
    اكتشاف اوغاريت الموسيقيّ غيّر جذريّا المفهوم السائد عن الأصول الأولى للموسيقى في العالم. لكن بصرف النظر عن النقاشات الأكاديمية، يثور سؤال عن طبيعة أو شكل هذه المقطوعة، أي أقدم موسيقى في العالم.
    الفيديو "فوق" يعطي فكرة عن هذا التوليف الغريب. والموسيقى يعزفها الملحّن مايكل ليفي على القيثارة، وهي آلة قريبة من الآلة الموسيقية التي عُزفت بها المقطوعة لأوّل مرّة.
    كليمر وأحد زملائها نشرا مؤخّرا كتابا مسموعا يضمّ معلومات عن موسيقى الشرق الأدنى القديم وشرحا عن الكيفية التي وصلت بها إلينا هذه الأغنية أو الترنيمة، بالإضافة إلى ترجمة كلماتها.

  • ترى كيف كان الإغريق يؤدّون أغانيهم؟
    بين عامي 750 و 400 قبل الميلاد، كان قدماء اليونانيين يؤدون أغانيهم بمصاحبة آلتي القيثارة والمزمار بالإضافة إلى عدد من الآلات النقرية، أي الطبول والدفوف وما في حكمها.
    واليوم وبعد مرور ألفي عام، عرف العلماء أخيرا كيف يعيدون بناء تلك الأغاني وكيف يعزفونها بطريقة دقيقة وقريبة جدّا من الطريقة التي كانت تُعزف بها في زمانها.
    على هذا الرابط يمكنك سماع ديفيد كريس، الخبير المتخصّص في آداب وفنون اليونان، وهو يعزف أغنية يونانية قديمة مأخوذة كلماتها من نقوش على الحجر ومؤلّفة لآلة قانون من ثمانية أوتار. أمّا اللحن فمنسوب إلى مغنٍّ إغريقي يُدعى سيكيلوس.

  • بعد أن استمعتَ إلى عيّنة من الموسيقى اليونانية القديمة، ربّما يخطر ببالك تساؤل آخر عن الكيفية التي كان بها الإغريق ينطقون أشعارهم وكيف كان شكل أصوات لغتهم القديمة.
    في هذا الفيديو ستستمع إلى قراءة من فصل من فصول ملحمة الإلياذة لهوميروس بلغته الأصلية التي كُتب بها. وقارئ النصّ هو ستانلي لومباردو أستاذ الأدب اليونانيّ في جامعة كانساس والذي سبق أن ترجم الاوديسّا والإلياذة من اليونانية إلى الانجليزية.
    ولومباردو يعرف الموادّ التي ترجمها جيّدا. وحتى الذين يجهلون اليونانية القديمة يمكنهم أن يشعروا بروح هوميروس وهو يسرد أخبار حرب طروادة وعودة الجند الطويلة إلى وطنهم.
    من الواضح أن لومباردو ترجم هذه الملاحم الخالدة بعد أن غمر نفسه بعمق في عوالمها. وصوته يبدو صادقا ومقنعا مثل صوت شاعر ملحميّ قديم. وربّما لو سمعه هوميروس نفسه لسُرّ به وأثنى على أدائه.

  • منذ زمن قديم، كانت الآكادية هي اللغة السائدة في بلاد ما وراء النهرين والشرق الأدنى القديم. لكنها اضمحلّت مع مرور الوقت، وشيئا فشيئا حلّت مكانها اللغة الآرامية.
    لكن اليوم، أي بعد أكثر من ألفي عام، عادت الآكادية إلى الواجهة من جديد بفضل جهود الدكتور مارتن وورثنغتون، الخبير في اللغة البابلية والآشورية، الذي بدأ تسجيل قراءات من الشعر والأساطير ونصوص أخرى بالآكادية، بما في ذلك ملحمة غلغامش.
    السؤال: كيف كانت ملحمة غلغامش، احد أقدم الأعمال الأدبية في العالم، تُقرأ بلغتها الأصلية؟
    في هذا المقطع ، يؤدّي بيتر برينغل بعضا من أبيات الملحمة بلغتها الأصلية على أنغام آلة القيثارة السومرية القديمة.

  • Credits
    openculture.com

    Friday, April 21, 2017

    أقوال مأثورة

    قال كاتب ذات مرّة إن الأفكار الجيّدة هي أكثر من الكلمات وأكثر من اللغة. ولكي تقول فكرة رائعة، ينبغي أن تكون قد فهمت أشياء كثيرة عن الحياة وأصبح لك موقف تجاهها ووجدت طريقة للتعبير عن تلك الأشياء بشكل يحوّل تجاربك إلى فنّ.
    والعثور على فكرة جيّدة يشبه البحث عن معدن نفيس في منجم. في البداية، لا بدّ من استخراج أطنان من الأتربة والحجارة من باطن الأرض، ثم تنقيتها وغربلتها للعثور على حجر مختلف يُقطع بعد ذلك ويصاغ على هيئة جوهرة ثمينة بأيدي خبراء مهرة.
    ومن عادة الناس اليوم أن يتداولوا الأفكار والأقوال المأثورة التي تصف الحالة الإنسانية بعبارات موجزة، لكنها بليغة ومليئة بالمعاني العميقة.
    ومن العبارات التي تتكرّر دائما والتي لا بدّ وأن تكون قد قرأتها إمّا في مواقع الأدب أو في وسائل التواصل الاجتماعيّ عبارة تقول: إنني نادم، ليس على الأشياء التي فعلتها، وإنّما على الأشياء التي لم افعلها".
    هذه العبارة يبدو أنها تعبّر عن رأي الكثيرين ممّن يرون أنها يمكن أن تنطبق على أحوالهم وظروف حياتهم. لكن غالبا فإن مثل هذه المأثورات الشائعة كثيرا ما تُنسب إلى أكثر من شخص، وأحيانا إلى أشخاص مجهولين.
    والعبارة أعلاه ليس واضحا من أين أتت ولا من قالها. قد تكون وردت في قصّة أو في كتاب أو على لسان شخصية في فيلم سينمائي مثلا.
    لكنها أحيانا تُنسب إلى الكاتب الأمريكيّ مارك توين. غير انه حتى في المواقع التي تتحدّث عن أشهر أقواله لن تجد لهذه العبارة أثرا. لكن يُفترض أن توين قال بالنصّ: بعد عشرين عاما من الآن، ستندم على الأشياء التي لم تفعلها أكثر من الأشياء التي فعلتها. لذا أبحر بعيدا عن الموانئ الآمنة ومارس الاستكشاف والحلم".
    وأحيانا تُنسب نفس العبارة إلى شخص يُدعى روي كوكران، أو إلى هوميروس، أو إلى كاتب يُدعى انون، وفي بعض الأحيان إلى اينشتاين.
    وثمّة من يقول أنها لكاتب اسمه لوسيل بول، لكنه قالها بطريقة مختلفة: أفضّل أن اندم على الأشياء التي فعلتها أكثر من الأشياء التي لم افعلها".
    وقيل إن أصل العبارة منسوب إلى امرأة عاشت طويلا وكانت تتذكّر حياتها الماضية وتعبّر عن ندمها لأنها كانت ترغب في فعل أشياء كثيرة كي تسعد نفسها، لكنها لم تفعل لأنها لم تكن تريد إغضاب والديها.
    وهناك قصّة قصيرة عن حوار بين طفل ووالده. الطفل يسأل الأب عن معنى الندم فيجيبه عن سؤاله ثم يقول في سياق كلامه: من الأفضل أن تندم على شيء فعلته أكثر من أن تندم على شيء لم تفعله".
    لكن بصرف النظر عمّن قال تلك العبارة، فإنها أصبحت مشهورة ومتداولة على نطاق واسع رغم اختلاف الناس حول مدى مصداقيّتها أو انطباقها على ظروفهم.
    والحقيقة أننا جميعا نندم على أشياء كثيرة فعلناها وعلى أشياء كثيرة لم نفعلها. لكنّنا نندم أكثر على ما لم نفعله، بدليل انه لو واتتنا الفرصة لفعله الآن لفعلناه.
    والأشياء التي فعلناها وندمنا عليها يمكن أن يتجاوزها الزمن ويُنسى تأثيرها مع مرور الوقت. لكن في كثير من الأحيان يكون ندمنا على الأشياء التي لم نفعلها اكبر، وهو ندم لا يمكن أحيانا إصلاحه أو تجاوز آثاره.
    وهناك عبارة أخرى مشهورة ومتداولة كثيرا وتُنسب غالبا إلى اينشتاين تقول: لا اعرف بأيّ أنواع الأسلحة ستُخاض الحرب العالمية الثالثة، لكن الحرب العالمية الرابعة ستُخاض بالعصيّ والحجارة".
    وهذا الاقتباس يشبه هذا القول المنسوب إلى اللورد مونتباتن: إذا خيضت الحرب العالمية الثالثة بالأسلحة النووية، فإن الحرب الرابعة ستُخاض بالسهام والرماح".
    ونفس هذا القول يُنسب أيضا إلى اومار برادلي، وأحيانا إلى صحفيّ يُدعى والتر وينتشيل، والإشارة إلى هذا الأخير تعود إلى عام 1947، بينما نُقلت العبارة عن اينشتاين بعد ذلك بثلاث سنوات. وعلى الأرجح كان الأخير يردّد بشكل مختلف ما سمعه أو قرأه في مكان آخر، أي أن وينتشيل هو على الأرجح من قال هذه العبارة.
    وبالمناسبة، يقال أن اينشتاين كان مرعوبا من نتائج الحرب العالمية الأولى. وقد قضى وقتا طويلا يتأمّلها ويفكّر فيها بعمق. ثم ذهب إلى مؤتمر في جينيف. وكان يظنّ أن المجتمعين هناك سيناقشون وسائل نزع السلاح والتخلّص من كلّ أدوات الحرب.
    لكنه فوجئ بأن ممثّلي الدول المشاركة يناقشون أيّ الأسلحة يجب أن تُستخدم وأيّها ينبغي أن تُحظر. وقد صرّح للصحفيين بعد المؤتمر انه كان مذهولا ممّا سمعه، وقال إن الحرب لا يمكن أنسنتها، كما أنها لا تصبح اقلّ احتمالا بوضع قواعد للصراع. والشيء الوحيد المقبول والمجدي هو منع الحروب نهائيا.
    لكن أيّا يكن قائل تلك العبارة، فإنها لا تخلو من بلاغة في التصوير. ويُرجّح أنها قيلت لاكتساب حجّة سياسية أو أخلاقية لغرض حَشد الناس لقضايا السلم والتحذير من أخطار الحرب.
    لكن هل يصمد مضمون العبارة أمام التحليل العلميّ؟
    بعض المحلّلين يقولون انه لن تكون هناك حرب عالمية رابعة، ربّما لآلاف السنين. فحرب ثالثة من شأنها أن تبيد كافّة أشكال الحضارة على الأرض وتعيد البشر للعصر الحجريّ. وبعد ذلك ستنشب حروب قبلية وطائفية وقومية صغيرة تناسب العصر الحجريّ.
    والحرب النووية قد تُفني البشر وتُبقي على التكنولوجيا. ولو بقي بعد الحرب بشر قليلون فلن يعودوا بالضرورة إلى حال البشرية قبل ثلاثين ألف عام. وستظلّ بحوزة الناجين أسلحة وذخيرة بما يكفي لأن يبيد بعضهم بعضا.
    لكن هناك وجهة نظر أخرى تقول بأن الحرب العالمية القادمة لن تخاض بالأسلحة النووية الفتّاكة، وإنّما بأسلحة فضائية وبطائرات من دون بشر، أي بتكنولوجيا فائقة التطوّر.
    وعلى الأرجح لن تنشب مثل هذه الحرب في المستقبل المنظور، وإنّما بعد أن يكون البشر قد شيّدوا لهم مستعمرات على المرّيخ وغيره من الكواكب وأصبح بإمكانهم تسيير رحلات منتظمة بين الأرض وتلك العوالم البعيدة.

    Monday, April 17, 2017

    النباتيّة: رأي آخر

    قد تكون شخصا نباتيّا. وإن لم تصبح بعدُ كذلك، فقد يكون لديك صديق يحاول أن يقنعك بالمبرّرات الصحّية والأخلاقية التي تفرض عليك أن تتجنّب تناول اللحم وتصبح نباتيّا.
    النباتية فكرة جذّابة. وأكثر علماء الإنسان يقولون إن البشر في الأساس مخلوقات نباتية وأن أسلافنا الأوائل كان غذاؤهم مماثلا لغذاء القردة العليا، أي معتمدا على النباتات. وعلماء الغذاء، من جهتهم، يؤكّدون أننا نصبح أصحّاء أكثر إذا تمسّكنا بجذورنا النباتية.
    وأنصار النباتية يقولون انه منذ بدء الخليقة إلى اليوم، لا يستطيع الإنسان أن يمزّق سمكة أو لحم حيوان بيده، لأن وظيفة اليدين في الأساس هي قطف الخضار والفواكه. كما لم يخلق الله لنا أنيابا ولا مخالب لكي نطارد ونقتل الحيوانات ثم نفترس جثثها.
    وهناك رأي يقول انه منذ آلاف السنين، أي عندما كان البشر يعتمدون في عيشهم على النباتات، فإنهم ربّما أضافوا في أوقات الندرة بعض اللحم إلى طعامهم.
    النباتيون وأنصار النباتية يقولون أيضا أننا عندما نقتل الحيوانات لنأكلها فإنها تقتلنا، لأن لحمها يحتوي على كولسترول ودهون مشبعة، والحيوانات لم تُخلق لكي يأكلها البشر لأن غذاء الإنسان الذي خُلق له هو النباتات. وليس مستغربا أن آكلي اللحوم هم أكثر عرضة للإصابة بالسرطان والسكّر وغيرهما من الأمراض.
    وما يجعل فكرة النباتية أكثر إغراءً هو أن العديد من مشاهير العالم قديما وحديثا كانوا نباتيين. ومن هؤلاء الفيلسوف زينون الرواقي وأوفيد الشاعر الرومانيّ وليوناردو دافنشي الذي يعتبره البعض أوّل نباتيّ في أوربّا.
    أيضا ليو تولستوي وغاندي وبرنارد شو وبنجامين فرانكلين احد المؤسّسين الأوائل للولايات المتحدة كانوا جميعا نباتيين.
    ومما لا شكّ فيه أن المهاتما غاندي ومنهجه في اللاعنف تجاه الحيوان أسهم كثيرا في رواج فكرة النباتية في عديد من البلدان الغربية. والهنود يمثّلون الآن سبعين بالمائة من نسبة النباتيين في العالم. كما أن أكثر من أربعين بالمائة من سكّان الهند نباتيون.
    وهناك عامل آخر يرجّح فكرة النباتية ويتمثل في مبدأ تقديس الحياة الذي قال به البيرت شفايتزر وما يزال يُستشهد به كلّما كان هناك حديث عن الجوانب الأخلاقية للغذاء.
    لكن هناك من الأوّلين من قالوا بعكس هذا الكلام. الفيلسوف توما الاكويني، مثلا، رأى أن ليس للحيوان حرمة أو حقّ على الإنسان، ومن ثم فأكل لحمه جائز.
    وديكارت أيضا تبنّى نفس هذا الموقف، على الرغم من انه قال إن كلّ من يقسو على الحيوانات لا بدّ في النهاية أن يصبح قاسيا على البشر.
    لكن مؤخّرا صدر كتاب يشكّك فيه مؤلّفه اندرو سميث، وهو أستاذ فلسفة بيئية، في جدوى تبنّي النباتية كأسلوب غذاء وينفي أيّ حجج أخلاقية تجاه الحيوانات.
    وليس هذا فحسب، بل إن المؤلّف يدفعنا لأن نتخلّى عن بعض الافتراضات التي نعتبرها بدهية ولا تقبل الجدل، ويؤكّد انه من غير الممكن أن يصبح الإنسان نباتيّا أصلا.
    سميث نفسه كان نباتيّا لأكثر من ربع قرن قبل أن يتخلّى عن الفكرة. وقد اعتمد في آرائه على الأبحاث الأخيرة في علم النبات وايكولوجيا النظم وعلم الإنسان الثقافيّ لكي ينفي التمييز بين النباتيين والحيوانيين.
    وهو يشرح كيف أن الفروقات التي صنعناها في عقولنا بين النباتية والحيوانية تعكس نظرة عالمية تنتهي بتدمير الطبيعة. بمعنى انه لو كان جميع الناس يفضّلون اللحم على النبات بالكامل، أو العكس، لاختلّ توازن الطبيعة نتيجة استهلاك نوع واحد من الغذاء وإهمال الآخر.
    كما ينتقد المؤلّف الفكرة القائلة أن الحيوانات تأكل النباتات ونحن نأكل الحيوانات. وما يحدث فعلا، حسب كلامه، هو أن الحيوان يأكل النبات ونحن نأكل الحيوان والدود يأكلنا والنبات بدوره يأكل الدود .. وهكذا.
    وبهذه الطريقة فالإنسان لا يمكن أن يكون نباتيّا، لأنه حتى النباتات تتغذّى في النهاية على الحيوانات بعد نفوقها. وأيّا كان ما تأكله، فإنك في نهاية الأمر تأكل الحيوانات وكلّ شيء آخر، لأن الطبيعة بأكملها مترابطة وكلّ عنصر فيها يعتمد في وجوده على الآخر.
    ويقول: نحن جزء من شبكة غذاء ممتدّة ولسنا في قمّة هرم الغذاء لأنه لا توجد قمّة. وكلّ شيء يُودع في الأرض، من إنسان أو طير أو حيوان، يتحلّل ويختلط بالتراب، ومن ذلك الخليط تنمو مختلف أنواع النباتات والأشجار التي تتغذّى عليها الحيوانات والبشر الأحياء. أي أن كلّ كائن حيّ يأكل ويؤكل، وهذا شيء جيّد، لأن دورة الحياة تظلّ مترابطة ومستمرّة دونما انقطاع. والعالم يصبح أفضل إذا اقتنعنا بأننا أعضاء متكاملون في مجتمع الطبيعة.
    سميث أيضا ينفي الزعم القائل بأن أكل الحيوانات عمل متوحّش بحكم أنها تشعر وتعاني. ومثل هذا الدفاع يَفترض أن النباتات لا تعاني، وهذا غير صحيح. ويورد تجارب علمية تثبت كيف أن النباتات تعاني مثلها مثل الحيوان والإنسان.
    مثلا زراعة بعض النباتات في غير تربتها الأصلية ثم رشّها بالمبيدات الحشرية لإطالة عمرها كي تكمل دورة الحصاد يجعلها عرضة للأمراض ويُلحق الضرر بها وبالإنسان الذي يستهلكها وبالتربة.
    وبرأي سميث انه لو لم يتغذَّ البشر الأقدمون على طعام يحوي كمّيات من بروتين الحيوان، ما كان بالإمكان أن يتحوّلوا إلى مخلوقات ذكيّة وبنفس هذه السمات العقلية والجسدية التي يبدون عليها اليوم.
    ويضيف: قبل أكثر من بليوني عام، أصبح اللحم جزءا مهمّا من غذاء أسلافنا من البشر. والفرائس التي كانت تُقتل ثم تُحضّر بتقطيعها وتجهيزها كانت توفّر وجبات غذائية غنيّة بالسعرات الحرارية ويتطلّب مضغها جهدا اقلّ من مضغ جذور النباتات.
    كما أن طبخ الطعام جعل الأشياء أسهل، مع أن الطبخ لم يُعرف إلا مع اكتشاف النار منذ حوالي خمس مائة ألف عام.
    وأكل اللحم، كما يقول المؤلّف، كان خطوة ضرورية ومهمّة في مسيرة تطوّر الإنسان. وقد ثبت أن لحم الحيوان ضروريّ لنموّ دماغ الإنسان، كما انه غنيّ بالبروتينات والسعرات أكثر من النبات.

    Credits
    thetab.com

    Thursday, April 13, 2017

    رائحة الكتب

    تخيّل نفسك جالسا في مكتبة تراثية، تمدّ يدك وتأخذ كتابا قديما، تفتح صفحاته فتنعشك رائحته وتستنشقها بعمق.
    بعض الكيميائيين يقولون إن تلك الرائحة هي مزيج من النوتات العشبية: فانيليا فوق طبقة من المسك، بالإضافة إلى موادّ عضوية كالحبر والورق والغراء والنسيج.
    وما يحدث هو أن كلّ هذه الأشياء تتفاعل مع الضوء والحرارة والرطوبة، ومع مرور السنوات تطلق مركبّات عضوية تلتقطها أنوفنا بينما تترجمها أدمغتنا إلى روائح.
    وإحساسنا بالرائحة قريب جدّا من مركز الذاكرة في الدماغ. ومن هنا الارتباط الوثيق بين الذاكرة والروائح. والعلماء يحاولون، ليس فقط معرفة الآثار الكيماوية للكتب، وإنما أيضا كيف تؤثّر الروائح في الأشخاص الذين يشترونها.
    ورائحة الورق تختلف من كتاب لآخر تبعا لاختلاف الموادّ الكيماوية المصنوع منها. لكن يُعتقد أن لرائحة الكتب ثلاثة مصادر: الورق والحبر المستخدم في الطباعة والموادّ اللاصقة المستخدمة في تجليد الكتاب كالغراء والجلد وما في حكمهما.
    في بعض الأحيان تتأثّر الكتب بالبيئة المحيطة، وهذا هو السبب في أن لبعضها رائحة التبغ أو القهوة وأحيانا رائحة فراء القطط.
    وبعض الروائح يمكن أن تضيف لكتاب ما قيمة مالية وأهميّة تاريخية. مارك توين، مثلا، كان يمتلك قاموسا، وما يزال حتى اليوم ينفث رائحة تبغ مميّزة، والسبب هو أن توين كان مشهورا بتدخينه للسيغار والغليون.
    ذات مرّة قال فلاديمير نابوكوف: ما من شيء ينعش ذكريات زمن معيّن مثل رائحة مرتبطة به".
    وبالنسبة لالبيرتو مانغويل، فإن لرائحة الكتب دورا مهمّا في العلاقة الحميمة بين الإنسان والكتاب. ويقول انه كان على الدوام ينجذب لرائحة البسكويت الطازجة التي تفوح من صفحات الطبعات الشعبية للكتب.
    وإشارة مانغويل لرائحة البسكويت ليست بعيدة عن الواقع. فعلميّا يتألّف البسكويت من عنصرين: الفورفورال أي رائحة الخبز، والفانيللين أو الفانيليا. وهذان هما العنصران المسئولان عن رائحة البسكويت. ووصْف مانغويل يشي بعشق صاحبه للكتب، كما يمكن أن يعني أن الكتاب الذي له هذه الرائحة يمكن أن يكون بحالة تآكل واهتراء.
    وبعض الخبراء يقولون إن الكتب المصنوعة قبل عام 1850 لها رائحة مختلفة عن الكتب المصنوعة ما بين عامي 1850 و 1990، لأن معظم طباعة أواخر القرن التاسع عشر ومعظم القرن العشرين كانت تهتمّ بتقليل إشباع الورق بالماء كي يمكن الكتابة عليه.
    ومن المعروف علميّا أن حياة الكتب، وخاصّة المخطوطات، تؤثّر على رائحتها، وهذا يتضمّن عوامل مختلفة من قبيل المدى الذي سافر إليه كتاب ما وظروف تخزينه في أماكن رطبة أو جافّة. وبعض الكتب كانت تُنقل في خزانات خشبية أو على ظهور الخيول أو على متن سفن أو طائرات. وكلّ هذه العوامل لها تأثيرها على رائحة كتاب ما.
    ومعظم زوّار المكتبات القديمة يصفون رائحة الكتب فيها بأنها رائحة خشب أو دخان أو تراب أو فانيليا أو شوكولاتا أو قهوة.
    وعندما يتآكل كتاب، فإنه قد يطلق رائحة تشبه رائحة المزارع أو الملابس البالية أو الغرف القديمة. والسبب هو وجود مركّب كيماويّ يُدعى الهكسانول.

    يقال أحيانا انه لا يمكن الحكم على كتاب من غلافه. لكن الباحثين يعتقدون أننا يمكن أن نتعلّم الكثير من رائحة كتاب. وقد أصبح بالإمكان اليوم تحديد حالة وعمر أيّ كتاب باستخدام معدّات شمّ خاصّة تحلّل مزيج الموادّ المصنوع منها.
    ومثل هذه الطريقة يمكن أن تساعد المكتبات والمتاحف على تقييم ومراقبة سلامة مجموعاتهم من الكتب والاهتمام بخزنها والعناية بها.
    الكتب القديمة تحتوي عادةً على قدر اكبر من مركّب نسيج الخشب، وهذا هو السبب في أنها تميل إلى الاصفرار مع مرور السنوات بسبب التفاعلات الكيماوية التي تؤدّي إلى تدهور حالة الورق.
    ولتلافي هذه المشكلة أصبحت دور الطباعة اليوم تعمد إلى تقليل استخدام هذا المركّب للمحافظة على سلامة الورق لأطول فترة ممكنة.
    لكن أكثر ما يميّز الكتب القديمة هي رائحة الفانيليا التي تُستخدم بكثرة في صناعة الكعك والشوكولاتا والايسكريم. لذا يمكن القول إن رائحة الكتب القديمة تذكّرنا بالطعام.
    وبالنسبة للكتب التي تُطبع هذه الأيام، فإن الروائح الغالبة فيها مصدرها الموادّ الكيماوية مثل الايثيلين وبيروكسايد الهيدروجين. لذا ليس من المؤكّد ما إذا كانت هذه الكتب سيكون لها رائحة بعد خمسين أو مائة عام من الآن.
    وممّا لا شكّ فيه أن الشغف بالقراءة هو ما يقود الإنسان إلى الإمساك برائحة الكتب والمكتبات. ذات مرّة، كان احد الكتّاب يتجوّل داخل مكتبة قديمة. وقد كتب عن تلك التجربة يقول: شعرت بحنين لم اشعر به منذ فترة طويلة. رائحة الورق والحبر يمكن أن تثير ذكريات عن يوم صيفيّ على الشاطئ، أو عن ظهيرة خريفية في مقهى، أو عن جلسة على كرسيّ وثير بجانب المدفأة بينما ينهمر المطر على زجاج النافذة".
    ووسط هذا التأمّل الصامت، اخذ يفكّر في مزايا أجهزة القراءة الاليكترونية مثل كيندل وايباد وغيرهما. وتذكّر وظيفة البحث السهل وسهولة النقل من مكان لآخر والقدرة على مشاركة أصدقائه في الفقرات المفضّلة من كتاب.
    ثم غادر المكتبة دون أن يشتري شيئا، على الرغم من اعترافه بأن مزايا القراءة الاليكترونية لا يمكن أن تعوّض متعة تصفّح كتاب ورقيّ.
    وقال كاتب آخر واصفا الكتب الاليكترونية: هذه ليست كتبا لأنها لا تصدر رائحة. والكتاب ينبغي أن تكون له رائحة".
    وربّما لهذا السبب ابتكر بعض المصمّمين مجموعة من العطور والكولونيا والشموع المعطّرة التي تساعد على استثارة رائحة الورق القديم لدى القارئ. فإذا كنت مثلا تفضّل قراءة الكتب الاليكترونية، لكنّك ما تزال تريد رائحة تذكّرك بالورق، فيمكنك استخدام بعض هذه العطور التي تحاكي روائح الكتب القديمة.
    وأشهرها عطر اسمه كتّاب ميّتون (Dead Writers)، وهو مزيج من نكهات الشاي والمسك والفانيليا والتبغ. وتقول عنه الشركة المصنّعة انه يثير شعورا بالجلوس في مكتبة قديمة وتقليب صفحات صفراء من كتاب لهمنغواي أو شكسبير أو فيتزجيرالد.
    وهناك أيضا عطر اسمه في المكتبة (In The Library)، وثالث اسمه الشغف بالورق (Paper Passion)، ورابع باسم طبعة شعبيّة (Paperback). والأخير يوصف بأن له رائحة ورق قديم مع نفحات بنفسج ومسك وأوراق ورد مجفّفة.
    وكلّ هذه العطورات تتضمّن معنى اكتشاف مغامرة التنوير والمعرفة والتوق إلى التراث القديم من خلال القراءة.

    Credits
    smithsonianmag.com