:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, December 16, 2017

صانع المطر


الصورة فوق هي إحدى الصور المألوفة والمنتشرة بكثرة في مواقع الانترنت. وهي في الوقت نفسه إحدى أكثر الأيقونات انتشارا واحتفاءً في ثقافة سكّان أمريكا الأصليين، أي الهنود الحمر.
اسم هذا الشخص الصغير الظاهر في الصورة هو كوكوبيللي. كوكو تعني الخشب وبيللي تعني ذا الظهر المنحني. لكنه أصبح يُعرف عموما بعازف الناي الأحدب.
وعمر الرجل يقارب الثلاثة آلاف عام، أي انه عاش حتى اليوم أكثر من مائة جيل. وقد وُجدت تصاويره الأولى منقوشة على الصخور في مناطق الجنوب الغربيّ الأمريكيّ، الذي يضمّ نيومكسيكو ويوتاه وأريزونا وكولورادو.
وأصل الكوكوبيللي ما يزال غامضا. لكن العديد من أساطير البيبلو والزوني والاناسازي وغيرهم من قبائل الهنود الحمر تزعم انه كان مخلوقا مقدّسا اُرسل من السماء وأن مهمّته كانت تحريض الناس على الحبّ والتعاطف.
ويقال أيضا انه كان إلها للخصوبة، ليس للبشر فقط وإنّما أيضا للنباتات والمحاصيل الزراعية التي يحتاجها سكّان أمريكا الأصليون في حياتهم ومعاشهم.
وقد اعتبروا وجوده نعمة، إذ بدونه لا تحلّ بركة ولا توجد حياة. لكنه في مراحل تالية أصبح ملهما للشعر والموسيقى والحرّية والإبداع. ومن مهامّه الأساسية تحريض فنّاني القبائل الهندية على خلق موسيقى عظيمة.
وهناك الكثير من الأساطير التي تُروى عنه. وإحداها تقول انه يسافر من قرية لأخرى فيحوّل الشتاء إلى ربيع ويذيب الثلج ويجلب المطر الذي تحتاجه الأرض والمخلوقات. أما لماذا يبدو ظهره محنيّا، فلأنه ينوء تحت ثقل أكياس البذور وكلمات الأغاني التي يحملها.



وهو يعزف الناي أثناء هبوب نسائم الربيع، فيجلب الدفء والحبور لساكني التلال. وعندما يسمع الناس عزفه فإنهم يباشرون الغناء والرقص طوال الليل. ولا يحلّ الصباح التالي إلا وقد ضمنت كلّ امرأة في القبيلة انه سيولد لها طفل.
الهنود الحمر شعب روحانيّ بامتياز. وقد نقلوا تاريخهم وأفكارهم وأحلامهم من جيل إلى جيل من خلال مثل هذه الرموز والعلامات.
والرمزية الخالدة والجذّابة للكوكوبيللي تتمثّل في افتتان الناس به حتى في عصر التكنولوجيا الحديثة. فصوره شائعة وحضوره واسع، ما يجعله شخصية مثيرة، لدرجة أن الإنسان الحديث لا يمكن أن يقاوم تقليد هذا الإنسان الضئيل والاحتفاظ بنسخ من صوره في البيوت والمكاتب.
الكوكوبيللي شخص غريب ووحيد. وهو دائم التحديق في الماضي، أي منذ اللحظة التي رسمه فيها فنّان مجهول على إحدى الصخور.
كما انه شخص كاريزماتيّ من حيث انه اُعيد ابتكاره مرّات كثيرة على أيدي الحكواتيين والفنّانين والحرفيين لآلاف السنين.
وصوره اليوم منقوشة على ألف صخرة، من مناطق الشرق إلى البحر الغربيّ العظيم، ومن بلاد الشمس الساخنة إلى سهول الأنهار الجليدية في أقاصي الشمال.
وطبيعة الكوكوبيللي التلقائية وأفعاله الخيّرة وروحه المتوثّبة هي بعض الأسباب التي حفظت له مكانة بارزة في أساطير الهنود الحمر حتى اليوم.

Credits
patheos.com

Tuesday, December 12, 2017

موناليزا الثانية

مع أن لهذه اللوحة تاريخا غامضا ومثيرا للجدل، إلا أنها بيعت منذ أسابيع بمبلغ نصف بليون دولار وأصبحت بذلك أغلى لوحة في العالم.
وما حصل دفع بعض خبراء الفنّ إلى طرح بعض التساؤلات مثل: هل تستحقّ لوحة "المسيح المخلّص" هذا المبلغ الكبير؟ ولماذا ما يزال الشغف بليوناردو دافنشي على أشُدّه حتى اليوم؟ ثم هناك السؤال الكبير الذي قد يحرم مشتري اللوحة لذّة النوم وهو: هل هذه اللوحة هي لدافنشي فعلا؟
هذا الموضوع المقتضب لن يخوض في السجال المتعلّق بهويّة من اشترى اللوحة ولا لماذا اشتراها وأين ذهبت، بل سيتناول تاريخ هذه اللوحة وما يقال عن حالتها الراهنة وعن وأصالتها.
بدايةً لا بدّ من الإشارة إلى بعض المعطيات السريعة. "المسيح المخلّص" التي بيعت منذ أسابيع هي نسخة من سبع عشرة نسخة من نفس اللوحة. وفي خمسينات القرن الماضي بيعت نفس هذه النسخة بمبلغ خمسة وأربعين جنيها استرلينيا فقط، عندما كان يُعتقد أنها مجرّد نسخة من اللوحة الأصلية التي كان مفترضا أنها ضائعة.
أي أنها الآن بيعت، بعد أن تأكّدت أصالتها ونِسبَتها إلى دافنشي، بمبلغ يساوي عشرة آلاف ضعف ذلك المبلغ الزهيد. وبذا تكون قد كسرت الرقم القياسيّ الذي بيعت به لوحة بول غوغان متى ستتزوّجين عام 2015 وهو ثلاثمائة مليون دولار.
العامل الأهمّ الذي يفسّر لماذا بيعت لوحة المسيح المخلّص بهذا المبلغ الفلكيّ هو اسم دافنشي نفسه. ويرجَّح انه رسمها عندما كان في الثامنة والأربعين من عمره. واللوحة صغيرة نسبيا كما ظهرت على التلفزيون ومرسومة بالألوان الزيتية على لوح من الخشب.
قبل عرض اللوحة للبيع في المزاد، قام ستّة علماء بفحصها باستخدام آخر تقنيات الفحص الحديثة وقارنوا النتائج التي توصّلوا إليها مع الأسلوب المتميّز لدافنشي واستنتجوا في النهاية أنها للرسّام فعلا.
اللمعان النقيّ على صدر المسيح وجبينه هو، كما يقول الخبراء، سمة خاصّة بدافنشي. كما أن كرة الكريستال الشفّافة التي يمسك بها في يده اليسرى هي برهان آخر على أن اللوحة لليوناردو، وهذه الخاصّية مفقودة تماما من النسخ الأخرى المقلّدة من اللوحة.
وهناك عامل آخر يتمثّل في استخدام نوعية عالية من الفيروز الذي كان وقتها أغلى من الذهب في ايطاليا. وقد جرت العادة ألا يشتريه سوى الرسّامين الكبار والمقتدرين مثل دافنشي. ويمكن رؤية هذا اللون بوضوح في بعض أجزاء رداء المسيح كما يظهر في الصورة.
اللوحة خضعت لعدد من التعديلات منذ رسمها الفنّان قبل خمسمائة عام. كرة البلّلور في يد المسيح، مثلا، كانت مدعومة بصليب. وقد اُزيل هذا التفصيل من الصورة في ما بعد، كما اُضيفت إليها طبقة سميكة من الورنيش.
الملك الفرنسيّ لويس الثاني عشر هو الذي كلّف دافنشي برسم اللوحة عام 1500م، وقد أكمل رسمها بعد ثلاثة عشر عاما. وظلّت في عهدة الملك زمناً إلى أن اشتراها منه تاجر فنون انجليزيّ. ثم تعاقب على امتلاكها أشخاص كثيرون، كان أخرهم بليونير روسيّ ابتاعها عام 2013 بمبلغ مائة وثمانية وعشرون مليون دولار.
وقد قيل كلام كثير عن اللوحة في ذلك الوقت. وظهر خبراء يشكّكون في صحّة نِسبتها إلى ليوناردو، بينما رجّح آخرون انه قد يكون رسمها بالتعاون مع فنّان آخر كان يعمل في ورشته. ثم خضعت اللوحة بعد ذلك لسلسلة من عمليات الترميم الشاملة.
بعض المحلّلين يشيرون إلى إن تسعين بالمائة من هذه اللوحة التي بيعت قبل أسابيع تمّت إعادة رسمه خلال الخمسين عاما الماضية، في إشارة إلى التعديلات والمعالجات الكثيرة التي دخلت على اللوحة أثناء عمليات ترميمها وإصلاحها.
وبرغم كل هذا الجدل المُثار، استقرّت معظم الآراء على أن اللوحة هي لدافنشي فعلا وأنها تعكس حرفيّته الخاصّة ودقّة وصعوبة عمله الذي لم يستطع مقلّدوه الكثر أن ينقلوه في صورهم.
وجزء من هذه الضجّة التي رافقت اللوحة منذ بيعها يمكن عزوه إلى أن اللوحة تُعتبَر جديدة لرسّام مشهور يقول الخبراء أن سبعين بالمائة من أعماله ضاعت. أو فلنقل أنها إحدى لوحاته التي اُعيد اكتشافها، ومن الطبيعيّ أن تستأثر بكلّ هذا الأخذ والردّ لهذا السبب.
في اللوحة، يظهر المسيح وهو يرفع إحدى يديه كما لو انه يمنح بركته للعالم، بينما تمسك يده الأخرى بكرة كريستال تتدلّى فوق ردائه وترمز لهيمنته على العالم. ومثل هذه الوضعية التي يظهر عليها المسيح كانت ذات شعبية كبيرة في القرن السادس عشر وظهرت بشكل متواتر في الفنّ الفرنسيّ والفنّ الهولنديّ.
لكن بعض النقّاد الساخرين قالوا إن المسيح الذي يظهر في الصورة هو ابعد ما يكون عن تخليص العالم، وأنه يبدو كما لو انه يهمّ بإلقاء خطبة أو يؤشّر لسيّارة مارّة كي تنقله إلى بلدة مجاورة.
ووصف آخرون اللوحة نفسها بأنها ذات توليف رديء ومن الصعب تصديق أن دافنشي كان مسئولا عن "مثل هذا الشيء الغريب والمملّ جدّا".

Monday, December 11, 2017

أبو بكر سالم: صورة الفنّان


أمس صباحا، وبلا مقدّمات، لمعت في ذهني فجأة صورة الفنّان الكبير أبو بكر سالم الذي احتفظ له في نفسي بمكانة خاصّة. وقد قرّرت في تلك الساعة أن اكتب عنه موضوعا بحيث يكون جاهزا عندما احتاجه، وفي ذهني انه مريض كما سمعت ويمكن أن يتوفّاه الله في أيّ وقت.
وكتبت فعلا هذا الموضوع ثم نحّيته جانبا بانتظار أن يأتي الوقت المناسب لنشره. وفجأة أيضا، علمت أن الفنّان الكبير انتقل إلى رحمة الله بعد ساعات فقط من تذكّري الغريب له.
كان أبو بكر سالم نسيج وحده بين فنّاني جيله. صوت متميّز وأداء حسّاس، مع ذائقة عالية للشعر والموسيقى.
ومنذ أن وعيت نفسي وأنا اسمع صوته. كانت أغانيه حاضرة في كلّ مكان، لذا انطبع صوته وأسلوب أدائه المميّز في وجداني ووجدان الكثيرين من أبناء جيلي. وأصبح صوته علامة فارقة لا يشبه أيّ صوت آخر وأيضا لا صوت آخر يشبهه.
وأبو بكر لم يكن مجرّد مطرب، بل شاعر متمكّن وملحّن موسيقيّ لامع. تسمع بعض أغانيه فتدهشك قدرته الفذّة في التنقّل بسلاسة بين المقامات وابتداع جمل موسيقية في منتهى الرقّة والعذوبة ممّا لا يستطيع مغنٍّ آخر فعله إلا في ما ندر.
كان أبو بكر من أوائل مطربي الجزيرة العربية الذين ذهبوا إلى لبنان في ستّينات القرن الماضي كي يسجّل فيها أغانيه. وكانت بيروت وقتها قبلة للفنّ والموسيقى في العالم العربيّ.
وعندما تسمع بعض أغانيه من تلك الفترة ستلاحظ، بالإضافة إلى جمال الأداء، أناقة التوزيع الموسيقيّ الذي اشتهرت به بيروت في ذلك الوقت، والتي كانت تضمّ مجموعة من أفضل العازفين والموزّعين الموسيقيّين.



وقد قُدّر لبعض تلك الأغاني بالذات أن تنتشر بشكل واسع وتعرّف الناس على هذا الصوت الجديد القادم من جنوب الجزيرة لأوّل مرّة. ثم لم يلبث صوته أن ذاع في كلّ مكان ووجدت موسيقاه طريقها إلى الإذاعات ومحطات التلفزة المختلفة.
وموسيقى أبو بكر سالم منغرسة بعمق في بيئتها الأولى في حضرموت وعابقة برائحة تلك الأرض. ومن حسن الحظّ انه كان مجايلا لبعض ألمع الشعراء الحضارم وقتها ممّن تغنّى بقصائدهم، مثل حسين المحضار ولطفي أمان وغيرهما.
الاستماع إلى أغاني أبو بكر وصوته المميّز ذي الجماليات الفنّية الخاصّة يستثير الذكريات القديمة ويعكس البساطة التي كانت تتّسم بها الحياة في الماضي.
ألحانه الطربية التي يسهل تذكّرها وترديدها شاعت في العديد من الأمكنة ولامست بنعومتها ودفئها المشاعر. ووجدت بعض تلك الألحان طريقها إلى أصوات بعض أشهر المطرين العرب، مثل نجاح سلام وفدوى عبيد والمطربة اللبنانية من أصل ليبيّ نازك .
وبرحيل أبو بكر سالم، انطوت صفحة كاملة من كتاب الغناء في الجزيرة العربية وفي العالم العربيّ. وهو بلا شك كان إحدى المحطّات المهمّة والمميّزة في تاريخ الغناء في منطقتنا.
وعندما أتذكّر صورته فإنني أتمثّل في نفسي، وبحزن، حقيقة أن هذا الإنسان الرائع قد رحل إلى الأبد، ولن يعود بالإمكان رؤيته مرّة أخرى يطلّ علينا في الحفلات بشخصيّته العفوية والمتواضعة كي يُطرِب الناس بفنّه المعبّر والراقي.
رحم الله الفنّان الكبير أبو بكر سالم بقدر ما أمتع الناس وما أشاعه حوله من أجواء الحبّ والبهجة والجمال.

Sunday, December 10, 2017

العنصرية في الفلسفة

هناك رأي شائع يقول إن الفلسفة الغربية ضيّقة الأفق وتفتقر إلى الخيال وكارهة للأجانب وخائفة منهم. وإلا كيف نفسّر تجاهل كافّة أقسام الفلسفة تقريبا في أمريكا وأوربّا للتقاليد الفلسفية الثريّة للصين والهند؟!
وهذه الظاهرة ليست وليدة اليوم، بل تعود إلى قرون. كان معروفا عن "ايمانويل كانت"، مثلا، احتقاره لكونفوشيوس. وقد كتب ذات مرّة يقول: لا وجود للفلسفة في سائر بلاد الشرق. وكونفوشيوس لا يعلّم في كتاباته أيّ شيء خارج العقيدة الأخلاقية المصمّمة أساسا لأمراء الصين منذ القدم. لكن أيّ مفهوم عن الفضيلة والأخلاق لم يدخل عقول الصينيين أبدا".
و"كانت" الذي يُعتبر احد أربعة فلاسفة هم الأكثر نفوذا في الفكر الغربيّ ليس الوحيد الذي يعتبر أن الصينيين والهنود، والشرقيين عموما، عاجزون عن الفلسفة. بل حتى الفلاسفة الغربيون المعاصرون يرون انه لا توجد فلسفة صينية أو هندية ويعتبرون أن هذا من الأمور المسلّم بها.
ويقال أحيانا، في معرض الدفاع عن وجهة النظر هذه، أن الفلسفة كلمة ذات أصل إغريقيّ، أي أنها تشير حصرا إلى التراث الذي تركه مفكّرو اليونان القديمة. لكن إذا كان منشأ العلم يحدّد نوع الثقافة التي "تمتلكه"، فإن المنطق يقتضي القول انه لا "جبر" في أوربّا لأن الأوربّيين اخذوا ذلك العلم عن العرب.
ذات مرّة، ذهب الفيلسوف الفرنسيّ جاك دريدا إلى الصين لحضور مناسبة ثقافية. وقد أدهش مضيفيه الصينيين عندما قال إن الصين تخلو من أيّ فلسفة وأن الموجود هو "فكر" فقط. ثم أضاف: الفلسفة ترتبط بتاريخ خاصّ وبلغة محدّدة وببعض ابتكارات الإغريق، أي أن الفلسفة لا توجد إلا في أووربّا".
تعليقات دريدا التي تنفي وجود فلسفة صينية تشبه حديث بعض الغربيين عن فكرة الهمجيّ النبيل، أي الشخص الذي لم يتلوّث بالتأثيرات الغربية المفسدة. لكن، ولذلك السبب بالذات، فإنه ممنوع من المشاركة في ثقافة أعلى منه وأكثر تفوّقا من ثقافته.
ومع أن الكثير من الفلاسفة الانغلوساكسون ينفون وجود فلسفة خارج أمريكا وأوربّا، إلا أن البعض منهم يسلّمون بوجود "فلسفة ما" في الهند والصين، لكنهم يفترضون أنها ليست بمثل جودة ورقيّ الفلسفة الأوربّية.
وهم يصفون أفكار كونفوشيوس بأنها مجرّد حكم وأقوال مأثورة غامضة. ويضيفون أن كلّ شيء شرقيّ هو انفعاليّ وطفوليّ وغير عقلانيّ، بينما كلّ ما هو غربيّ هو نقيض لهذه الصفات.
ويبدو أن الفلسفة الغربية كانت في الماضي أكثر انفتاحا وتسامحا ممّا هي عليه اليوم. فأوّل ترجمة لأقوال كونفوشيوس إلى اللغات الأوربّية وضعها مبشّرون يسوعيّون كانوا قد درسوا تراث أرسطو كجزء من عملهم.
وطبقا للفيلسوف الألمانيّ كريستيان وولف، فإن كونفوشيوس اثبت انه من الممكن أن يوجد نظام أخلاقيّ غير مستند إلى رسالة سماوية أو ديانة طبيعية، وأن الأخلاق يمكن أن تكون منفصلة تماما عن مسألة الإيمان بإله.
وعندما صادق وولف على كلام كونفوشيوس هذا، تصدّى له المحافظون المسيحيون، فحرّضوا عليه العوامّ، وفي النهاية فُصل من وظيفته قبل أن يُطرد من بلده بروسيا. لكن ذلك الرأي أهّله في ما بعد لأن يكون احد أبطال عصر التنوير الأوربّيّ.
بيتر بارك، الذي ألّف كتابا عن العنصرية في الفلسفة، قال إن معظم المؤرّخين في القرن الثامن عشر كانوا يتبنّون فكرة تقول إن الفلسفة بدأت أوّل الأمر في الهند وأن الهنود هم من منحوها للإغريق. لكن هذا الحال تغيّر عندما استُبعدت آسيا وإفريقيا من قانون الفلسفة على أيدي أنصار "ايمانويل كانت" الذين أعادوا كتابة تاريخ الفلسفة كي يجعلوا مثاليّته النقدية تبدو وكأنها ذروة ما توصّل إليه العلم.
كما أن المثقّفين الأوربّيين تقبّلوا فكرة تفوّق العِرق الأبيض وبأنه لا يوجد عِرق آخر يمكن أن يُبَلوِر فلسفة. كان استبعاد الشرق قرارا وليس نتيجة اقتناع. و"كانت" نفسه كان شخصا عنصريّا عندما تعامل مع العِرق كموضوع علميّ وربطه بالقدرة على التفكير المجرّد، وكذلك عندما نظّر عن مصير الأعراق ورتّبها بشكل تفاضليّ.
كان "كانت" يرى أن لدى البيض جميع المواهب والدوافع الفطرية. أما الهنود فلديهم قدر كبير من الهدوء، وهم يبدون كالفلاسفة لكنّهم ميّالون إلى الغضب والعاطفة. كما أن تعليمهم جيّد، لكنْ في الفنون وليس في العلوم. ولهذا السبب لم ينجحوا في وضع مفاهيم مجرّدة.
أما الصينيون، برأي "كانت"، فـ "قَوم جامدون" لأن كتب تاريخهم تُظهِر أنهم لا يعرفون الآن أكثر ممّا كانوا يعرفونه في الماضي.
أما الأفارقة، والكلام ما يزال لـ "كانت"، فلديهم الشغف والحيوية، لكنهم ثرثارون. ويمكن تعليمهم، لكن فقط كما يُعلَّم الخدَم.
أما الهنود الحمر برأيه فإنهم لا يقبلون التعليم لأنهم يفتقرون للتأثير والشغف. وهم ليسوا عاطفيين ولا يتوفّرون على مخيّلة خصبة، كما أنهم كسالى ويتكلّمون بصعوبة ولا يهتمّون بشيء".

Credits
aeon.co

Tuesday, December 05, 2017

طريق الحرير الصينيّ


عندما زار الروائيّ الانجليزيّ تشارلز ديكنز مدينة فينيسيا الايطالية، لاحظ أن المدينة اقرب ما تكون إلى روح الشرق منها إلى طبيعة المدن الأوربّية. وكان ديكنز يشير إلى تأثّر المدينة بالثراء والفخامة اللذين جلبهما طريق الحرير، بما في ذلك انتشار الفنّ والمعمار الإسلاميّ في أوربّا.
طريق الحرير بدأ في الصين في القرن الثاني قبل الميلاد. وثمّة من يقول إن آثاره تمتدّ إلى الألفية الرابعة قبل الميلاد. ولأكثر من سبعمائة عام، ربط هذا الطريق أوربّا وآسيا معا وسهّل التبادل الثقافيّ وانتقال الفنون والأديان والمعارف بين أمم وشعوب متباعدة.
هذا البرنامج الوثائقيّ المؤلّف من ثلاثة أجزاء يتناول التأثير المستمرّ لطريق الحرير والكيفية التي حوّل بها الصين إلى ما هي عليه اليوم وكيف أن إرث هذا الطريق القديم ما يزال حيّا إلى اليوم.
مصوّر الفيلم، غرايام لانغفورد، هو كاتب ورحّالة سبق أن صوّر عددا من الأفلام الوثائقية عن أماكن وشعوب مختلفة. والفيلم، الذي كلّفته بإعداده شركة صينية، يتتبّع المسار الذي سلكه تجّار طريق الحرير والذي يمتدّ لآلاف الأميال بين الصين وأوربّا.


بدأ لانغفورد عمله بتحديد الأماكن المهمّة الواقعة على طول طريق الحرير، ثم بدأ في جمع المعلومات عن كلّ مكان، كما جمع كلّ ما له علاقة بالأساطير الشعبية والحكايات المحليّة. ثم حدّد الأشخاص الذين سيظهرون في البرنامج.
وقد احتاج أثناء رحلته إلى وسطاء ومترجمين ومصوّرين وكتّاب، وقطع في ترحاله مسافة أربعة آلاف كيلو متر استخدم خلالها وسائط نقل مختلفة.
وأثناء تصوير البرنامج، صادف العديد من التجارب الرائعة، منها زيارته إلى سوق الماشية في مدينة كشغر التاريخية. وعلى مشارف صحراء غوبي الشاسعة، وقف على قمّة كثيب يشرف على محيط لا نهائيّ من الرمال، وتأمّل كم كانت تجربة السفر صعبة وشاقّة على التجّار الذين كانوا يسلكون طريق الحرير قبل أكثر من ألف عام.
أيضا زار مدينة غانتسو وصوّر في مكان يقال له "جبال قوس قزح". كان الطقس في ذلك المكان سيّئا، ولذلك لم تجد تلك الصور طريقها إلى الفيلم في النهاية.


الجزء الأوّل من الفيلم يستكشف جذور الإسلام في الصين انطلاقا من مدينة شِيان القديمة. ثم ينتقل إلى الجبال لاستكشاف الرسومات البديعة التي تزيّن كهف مايجيشان المشهور.
ثم يذهب الفيلم إلى لانشو للوقوف على بعض عادات وتقاليد الناس فيها، قبل أن يتوجّه إلى الطرف الغربيّ من سور الصين العظيم، وبالتحديد إلى مدينة جاييغونغ.
الجزء الثاني من الفيلم يتضمّن زيارة إلى صحراء غوبي وبحيرة القمر "دونهوانغ"، حيث واحة الينابيع الأسطورية. يلي ذلك رحلة ليلية بالقطار إلى مدينة أورومتشي لاستكشاف معالمها وموسيقاها، مع زيارة إلى سوق جينجيانغ المشهور.
الجزء الثالث من الفيلم يتضمّن زيارة إلى مدينة كشغر التاريخية الواقعة على الحدود بين طاجيكستان وقيرغيزيا. وتتجوّل الكاميرا في أحياء وسط المدينة القديم للوقوف على حِرَفها المحليّة التي تمتدّ شهرتها إلى البدايات الأولى لطريق الحرير الصينيّ.

Saturday, December 02, 2017

موزارت: كونشيرتو البيانو رقم 23


إن كنت من هواة سماع الموسيقى الكلاسيكية، فلا بدّ أن يعجبك هذا الكونشيرتو المكتوب لآلة البيانو. مدّته لا تتجاوز الثلاثين دقيقة، وهو بكامل حركاته ممتع، ومن السهل أن تستذكر بعض أنغامه بعد أن تسمعه مرّة أو مرّتين.
ألّف موزارت كونشيرتو البيانو رقم 23، أو (المصنّف رقم 488 كما يُسمّى اختصارا)، في مارس من عام 1786 عندما كان يعكف على ترتيب العرض الأوّل لأوبرا "زواج فيغارو". وكان يأمل أن يفاجئ من خلاله جمهور مدينة سالزبورغ بالإتيان بشيء جديد ومبتكر.
في ذلك الوقت أيضا، ألّف كونشيرتوهين آخرين للبيانو (رقم 22 ورقم 24). وقد أصبحت هذه الأعمال الثلاثة تُعزف بانتظام في حفلات الموسيقى الكلاسيكية. لكن الكونشيرتو رقم 23 أصبح أكثر هذه المؤلّفات رواجا وانتشارا. وابتداءً من الآن، سيعطي موزارت دورا أهمّ للآلات الهوائية التي باتت عنده مُعادِلة للآلات الوترية من حيث الأهمية.
كونشيرتو البيانو رقم 23 مكتوب لأوركسترا مؤلّفة من فلوت وعدد من آلات الكلارينيت والباسون والأبواق مع بعض الآلات الوترية، بالإضافة طبعا إلى الآلة الرئيسية، أي البيانو.
العزف المنفرد للأجزاء الاوركسترالية والمزاج العام الهادئ في الكونشيرتو يُنتجان موسيقى حميمية إلى حدّ كبير قد لا يلمسها السامع عادةً إلا في موسيقى الغرفة.
هذا الكونشيرتو يعكس سمات معلّم قديم ويعطي انطباعا بأن مؤلّفه رأى وسمع كلّ شيء وليس نادما على شيء. وقتها كان موزارت "عجوزا" في الثلاثين من عمره وكان يحصل على دخله من الحفلات غالبا وليس من مؤلّفاته الجديدة.
يتألّف كونشيرتو البيانو 23 من ثلاث حركات: الليغرو، وأداجيو، والليغرو اساي على شكل روندو.
الحركة الأولى "الليغرو" مكتوبة على نسق السوناتا التقليدية. في البداية تدخل الاوركسترا ثم تفسح المجال للبيانو. مفتاح أو سلّم الـ مي الكبير أو الاي ميجور له مفعول مهدّيء في يد موزارت، وهذا واضح من الشاعرية الرائعة التي تثيرها بداية الحركة.
أما الحركة الثانية، أي الأداجيو، فقد أصبحت تحتلّ مكانة خاصّة في مجموعة أعمال موزارت. وهذه هي القطعة الوحيدة تقريبا التي كتبها في مقام الـ فا الصغير، وهي ذات مزاج تأمّلي، والطبيعة التعبيرية للآلات الهوائية والتفاعل بين الاوركسترا وعازف البيانو يذكّران ببساطة موسيقى الغرفة أكثر مما يذكّران بفخامة الكونشيرتو الاوركسترالي.


عندما يصل الإحساس التأمّلي إلى منتهاه، تبدأ الحركة الثالثة "الروندو"، والتي تتميّز بخفّتها ومرحها. والموسيقى تنتقل من العازف إلى الاوركسترا والعكس، وكلّ منهما "يطارد" الآخر من خلال التغييرات غير المتوقّعة للمفاتيح، إلى أن نعود مرّة أخرى إلى سلّم لا الصغير "أو الاي ماينور"، ثم يتسارع العمل شيئا فشيئا باتجاه خاتمة مرحة.
وبمناسبة الحديث عن هذا الكونشيرتو، هناك قصّة ردّدتها الأوساط الموسيقية الروسية قبل أن يسجّلها الموسيقيّ ديمتري شوستاكوفتش في مذكّراته. إذ يروي أن جوزيف ستالين أصبح في أيّامه الأخيرة مدمناً على سماع الموسيقى من الإذاعة. وفي إحدى المناسبات عزفت البيانيست ماريّا يودينا هذا الكونشيرتو لموزارت والذي كان احد القطع المفضّلة عند ستالين.
كانت يودينا مشهورة بآرائها السياسية المعارضة وبترجمتها لموسيقى شوستاكوفتش حيث كانا صديقين، بالإضافة إلى ترجمتها لموسيقى كلّ من باخ وموزارت.
وقد دأبت هذه العازفة على قراءة قصائد للشعراء السوفيات الممنوعين وأقوال لرجال الكنيسة الأرثوذكسية أثناء حفلاتها. ولم تكن تخفي معتقداتها وأفكارها، بل كانت تجاهر بها على الملأ.
وقد طلب ستالين من إذاعة موسكو أن يرسلوا له نسخة من عزف يودينا لكونشيرتو موزارت هذا. لكن المشكلة أنها كانت تعزف على الهواء ولم يتمّ تسجيل الأداء في حينه. فسارع مسئولو الإذاعة للاتصال بها كي تأتي إلى مقرّ الإذاعة وجمعوا اوركسترا بسرعة في نفس تلك الليلة.
وفي صباح اليوم التالي، كان التسجيل في مكتب ستالين. وبعد أن سمعه، أرسل إلى يودينا ظرفا بداخله عشرين ألف روبل. وعندما استلمت المكافأة، كتبت إليه رسالة تقول فيها: أشكرك وسأصلّي من أجلك ليلا ونهارا كي يغفر الله خطاياك الفادحة".
ويقال أنها تبرّعت بالمبلغ لإحدى الكنائس. والغريب أنها لم تُسجن أو تُحظر بسبب أنشطتها المعارضة، بل استمرّت في وظيفتها إلى أن توفّيت في عام 1970.
وقيل إن الشريط الذي سجّلت عليه عزفها لهذا الكونشيرتو كان يشتغل في جهاز التسجيل في الغرفة التي وُجد ستالين فيها ميّتا في منزله عام 1953. ويبدو انه كان آخر شيء سمعه قبل موته. وما يزال ذلك التسجيل موجودا حتى اليوم ويمكن سماعه في موقع اليوتيوب على هذا الرابط .

Credits
classicfm.com

Tuesday, November 28, 2017

بحر هوميروس

كانت علاقة اليونانيين القدماء بالبحر حميمية وخاصّة. وكانت رحلاتهم البحرية هي المحرّك الأساسيّ لثقافتهم.
والبحر حاضر في كلّ مكان في الطبيعة اليونانية. ومن أعالي الجبال الوعرة إلى السهول المنخفضة، لا يكاد مرأى البحر المتوسّط يغيب عن الأعين.
وهو حاضر أيضا في الأساطير الإغريقية التي تحكي عن الحوريات اللاتي يعشن في الماء وعن الكنوز التي توجد طافية على الشطآن.
بالنسبة للإغريق، البحر هو أكثر من واقع جغرافيّ، انه ثقافة وأسلوب حياة. كانوا يعتمدون عليه، ليس للعيش والتنقّل فقط، وإنما أيضا لمعرفة الأخبار وإدارة الحروب وللتبادل السياسيّ والتجاريّ.
البحر أيضا نقطة عبور بين الحياة والموت. زيوس قرّر في نهاية العصر البرونزيّ أن يبيد الجنس البشريّ بالطوفان جزاءً له على شروره. وقيل إن ذلك الطوفان تسبّب في تدمير اطلانتيس وطبيعتها الفردوسية.
وذات مرّة، أشار يوريبيديس إلى أن الإبحار إلى ما وراء أعمدة هرقل يُعدّ عملا محرّما لأنه ينتهك أرضا مقدّسة. غير أن البحّارة الفينيقيين تجاوزوا تلك الأعمدة منذ القرن السابع الميلاديّ.
كان الإغريق ينظرون إلى البحر كنقطة التقاء بين العالم المتخيّل وعالم الواقع. ويمكن أن نجد نفس هذه النظرة في ثقافات شعوب أخرى سبقوهم أو جاءوا بعدهم مثل البابليين وغيرهم من شعوب الهلال الخصيب.
ورغم أن البحر المتوسّط كان بحرا هادئا مقارنة بالمحيطات، إلا أن العواصف الموسمية العاتية فيه كانت تمثّل خطرا داهما على السفن والبحّارة. وهناك إشارة إلى حادثة مشئومة وقعت عندما أرسل الاسكندر المقدونيّ بعثة من ألف سفينة إلى المحيط الهنديّ عبر المتوسّط. وقد عانى البحّارة من أعراض ركوب البحر وأرهقوا ومات الكثير منهم بسبب الرحلة الطويلة.
لكن أن تبقى بعيدا عن البحر معناه أن تعيش في عزلة، لأن البحر وحده كان طريق الأفكار والتجارة.
في بداية القرن الخامس قبل الميلاد، استعار أسقف ليبيا اليونانية بُعده عن البحر ليصف كيف انه عاش بعيدا عن الحضارة. وجنود أثينا العائدون من بابل صرخوا "البحر.. البحر" عندما لاحت لهم من بعيد مشارف الوطن.
لكن الإغريق كانوا يدركون أن الترحال في البحر يمكن أن يكون عملا محفوفا بالمخاطر. وهذه الفكرة ترد كثيرا على ألسنة العديد من شعرائهم. هيسيود، مثلا، حذّر من البحر وكان يرى أن "الرجال الطامحين بالثروة هم وحدهم من يجازفون بالنزول إليه. لكن من المخيف أن تموت وسط الأمواج".
في "الإلياذة"، يستدعي هوميروس البحر في مناظر مثيرة تعبّر عن العديد من التجارب الإنسانية: البحّارة، الشطآن المنعزلة، العواصف البحرية وأمواج البشر التي تتدافع في معركة.
الشاطئ المنعزل يُصوَّر كخلفية لحزن كاهن يصلّي، بينما اضطراب الأمواج يعكس التوتّر الذي يعتمل في عقله. والبحر الساطع يعكس رحلة ناجحة لرجال أتقياء يبحرون باتجاه الوطن بعد مهمّة نبيلة.
والبحر المطمئن هو طريق السفر الواسع والمتيّسر. والأمواج المتلاطمة تذكّر بالمسافة الخطيرة بين ارض أخيل وطروادة.
أما أعماق البحر المظلمة فهي موطن الكائنات الخارقة وقوى الطبيعة.
سمات البحر ترد كثيرا من خلال الصور الرائعة التي يرسمها هوميروس في ملحمتيه لكي يقرّب تلك المشاهد والأحداث من ذهن القارئ الذي قد لا يكون خَبِرها مباشرة.
وبحر هوميروس يوصف بأنه ضبابيّ، مضطرب، عميق، متلاطم، مغمغم، هائج وعاصف.

لكن الشاعر يستخدم وصفا آخر غريبا للبحر عندما يتحدّث عن "بحر مظلم كالنبيذ". وهذه الجملة أصبحت مشهورة جدّا ويعرفها حتى الأشخاص الذين لم يقرءوا هوميروس أبدا.
وهو يذكر هذه الجملة، ليس في الأوديسّا، وإنما في "الإلياذة"، ملحمته الأولى، التي تجري أحداثها على ارض طروادة. كما انه يردّدها ستّ مرّات في أماكن متفرّقة من الكتاب.
"البحر المظلم كالنبيذ" عبارة فاتنة ومثيرة وتستدعي ذكريات وصورا متعدّدة لطالما فتنت مخيّلة الكثيرين. لكنها في نفس الوقت ما تزال عصيّة على الفهم ومثارا لجدل واسع بين النقّاد والقرّاء على حدّ سواء.
ترى بأية طريقة ذكّر البحر هوميروس بالنبيذ المظلم؟ ثمّة كلمات كثيرة يمكن أن تذكّر بالبحر، فلماذا قارنه بالنبيذ بالذات؟
مهمّة المترجم هي أن يقدّم للقارئ المعنى العامّ والمعنى المحسوس لكلمة أو جملة ما في نصّ أدبيّ. لكن عبارة هوميروس هذه، المشهورة والمحتفى بها كثيرا، غريبة وملتبسة.
وبعض الذين ترجموا الإلياذة استخدموا عبارة "بحر ازرق بلون النبيذ" كترجمة قريبة من الأصل، بينما اكتفى آخرون بكلمة "البحر" مجرّدة من أيّ وصف كي يريحوا أنفسهم من عناء البحث عن ترجمة مناسبة.
لكن هذا البحر ليس أزرق أبدا. فالكلمة اليونانية التي تعطي معنى الأزرق لم تُستخدم لوصف البحر إلا في أواخر القرن السادس قبل الميلاد في قصيدة منسوبة لسيمونيدس.
احد الكتّاب الانجليز من القرن التاسع عشر كتب يقول محاولا تفسير العبارة أن الإغريق كان لديهم شكل من عمى الألوان. كانت الألوان عندهم مقتصرة على الأبيض والأسود وربّما الأحمر.
وقال كاتب آخر إن الإغريق كان من عادتهم مزج نبيذهم بالماء، لكنهم أحيانا كانوا يمزجونه بالماء الحمضيّ، لذا تحوّل النبيذ الأحمر إلى ازرق.
وذهب كاتب آخر إلى أن جملة هوميروس ربّما قصد بها الغروب الأحمر للشمس إثر امتلاء السماء بالرماد الناجم عن ثوران بركان ما.
وهناك من قال إن العبارة لا معنى لها وهي مجرّد تعبير أجوف، لكنه ذو إيقاع شاعريّ. وربّما كان الغرض من استخدامه هو ملء الفراغ في شطر بيت.
الصورة التي أراد هوميروس أن يرسمها في بحره الشبيه بالنبيذ كانت تعتمد إلى حدّ كبير على ما الذي كان يعنيه النبيذ لقرّائه.
ومن المحتمل أن الإغريق كانوا يعرفون النبيذ الأبيض، مع أن معظم النبيذ القديم كان احمر. ونبيذ هوميروس كان أحيانا اسود، وهي صفة تذكّر بالموت والغضب والسفن والليل والدم والبحر.
عندما ينظر أخيل المنتحب باتجاه البحر الممتدّ أمام ناظريه فإنه يتواصل معه. ورغم أخطاره، إلا أن البحر يمكن أن يوفّر له ممرّا يأخذه إلى المكان الذي يتطلّع إلى بلوغه، أي الوطن.
وكون أن البحر يجلب الدمار أحيانا، فتلك حقيقة من حقائق التاريخ والشعر أيضا.
العصر البرونزيّ الإغريقيّ الذي وصفه هوميروس إنهار في بداية الألفية الثانية قبل الميلاد لأسباب غير معروفة. لكن السجلات التي تعود إلى تلك الفترة تتحدّث عن "مهاجمين جاءوا من البحر". وهذا الإيحاء عن شرّ قادم وُجد منقوشا على لوح طينيّ استُنقذ من ارشيف قصر بايلوس. ويبدو أن هذا القصر تمّ إحراقه على يد العدوّ. لكن قُدّر لهذا اللوح أن ينجو من الدمار.
والعبارة المكتوبة عليه تتحدّث عن "خمسين حارسا يقفون على شاطئ البحر". واعتمادا على وصف هوميروس المشهور، يمكن للمرء أن يتخيّل منظر القصر المحترق وسط أعمدة الدخان وصورة هؤلاء الرجال المسلّحين واليقظين وهم وقوف على الشاطئ بينما يحدّقون أمامهم في أفق "بحر مظلم كالنبيذ".

Credits
clarkesworldmagazine.com

Saturday, November 25, 2017

ميتسو: عودة إلى الضوء


عندما يأتي الحديث عن الرسم الهولنديّ، فإن أسماء مثل رمبراندت وفيرمير وروبنز هي الأسماء التي يعرفها الناس.
لكن هل سمعت من قبل باسم غابرييل ميتسو؟
فيرمير وميتسو عاشا في نفس العصر، غير أن ميتسو (1629–1667) كان النجم اللامع في العصر الذهبيّ للرسم الهولنديّ في القرن السابع عشر، واستمرّ كذلك لفترة طويلة.
وميتسو كان أيضا الفتى الأوّل في القرن التاسع عشر، أمّا فيرمير فلم يُكتشف إلا في بدايات القرن العشرين.
في أيّامه، كان ميتسو محبوبا كثيرا في مختلف أنحاء أوربّا. وقد رسم في عام 1664 واحدة من أهمّ لوحاته "فوق" واسمها "رجل يكتب رسالة"، ويظهر فيها شابّ وسيم بملابس سوداء وشعر طويل، يجلس للكتابة أمام طاولة مغطّاة بقماش مطرّز.
كما رسم في نفس ذلك العام لوحة أخرى "الصورة أسفل" بعنوان "امرأة تقرأ رسالة"، وفيها تظهر امرأة ترتدي فستانا اصفر وتنّورة زهرية رُصّعت من منتصفها بالذهب، وعلى رأسها وشاح من النوع الذي لم يكن يلبسه في الماضي إلا الملوك. ويُفترض أن الرسالة التي تقرأها المرأة هي نفسها التي كان يكتبها الشابّ في اللوحة السابقة.
الملابس الفخمة مرسومة ببراعة وكذلك التفاصيل. والمرأة تبدو منشغلة كثيرا بقراءة الرسالة، لدرجة أنها لم تنتبه إلى أن إحدى فردتي حذائها انزلقت بعيدا.
في أعماله المبكّرة، رسم ميتسو مناظر دينية بالإضافة إلى صور للحياة اليومية في مدينته الصغيرة ليدن. وعندما انتقل إلى أمستردام عام 1650، رسم مشاهد لأسواق مزدحمة ولأشخاص، في محاولة لمسايرة الذوق الفنّي السائد آنذاك في المدينة المتطوّرة والمزدهرة.


وأيّا كان الموضوع الذي يرسمه، فإن ميتسو كان يضمّن كلّ لوحة من لوحاته قصّة، رغم أن القصّة ليست واضحة دائما. لكنها في النهاية تصوّر مشاعر وانفعالات حقيقية: امرأة تطرّز الدانتيل ، خادمة تقشّر التفّاح، رجل يدخل غرفة بالقرب من مدفأة، طفل مريض، زوج وزوجته يتناولان إفطارهما و امرأة تعزف الموسيقى بصحبة رجل فضوليّ.
كان ميتسو حكواتيّا على طريقته، لكنه غالبا لا يفصح عن بداية ووسط أو نهاية القصّة، بل يريدنا أن نتأمّل مناظره ونفهمها، كلّ بحسب ما يرى. ولوحاته هذه كانت مثار نقاش في غرف الرسم في هولندا في القرن السابع عشر.
ميتسو هو بلا شكّ رسّام سرديّ، وإذا كان لا يخبرنا عن نهاية الفيلم أو القصّة، فإن فيرمير كان أكثر غموضا منه من عدّة أوجه. فتاة فيرمير ذات القرط اللؤلؤيّ، وكذلك نساؤه الأخريات، تبدو حياتهنّ متوقّفة مؤقّتا في لحظة بين اللحظات.
أما شخوص ميتسو فآتون من مكان ما وذاهبون إلى آخر. وأنت لا تستطيع أن تعرف إلى أين سينتهي بهم الطريق.
في القرن العشرين أفل نجم ميتسو أو كاد، بينما أصبح رفيقه فيرمير النجم الهولنديّ الأشهر في العالم، بخلفياته المسطّحة وألوانه الباردة ونظرات شخوصه إلى البعيد، بحيث يبدو أكثر تجريدا بالنسبة للمتلقّي الحديث.
غير أن خبراء الفنّ يتوقّعون لميتسو عودة قويّة ووشيكة إلى مركز الضوء، خاصّة مع تجدّد الاهتمام بفنّه في أوساط الرسم في العالم.

Credits
rijksmuseum.nl

Monday, November 20, 2017

موسيقى الأرابيسك


عندما تستمع إلى بعض أغاني الأرابيسك التركية، فلن تميّزها عن الأغاني العربية من حيث اللحن أو الأنغام، بل وحتى نوعية المشاعر التي تعكسها. كما أن أداء مغنّييها لا يختلف كثيرا عن أسلوب الغناء العربيّ من حيث وفرة المناجاة والألم كتعبير عن الانكسارات والخيبات العاطفية.
لكن كيف ولدت أغاني الأرابيسك وما هي الظروف التي استدعت ظهورها؟
بعد مجيء مصطفى كمال أتاتورك إلى السلطة في تركيا، وفي محاولة منه لإنهاء أيّ اثر يُذكّر بالنظام السابق "أي السلطة العثمانية"، اصدر أمرا بمنع بثّ الموسيقى التراثية التركية من الإذاعة الرسمية. وأحلّ مكانها الموسيقى الغربية التي لم تكن لها جاذبية سوى عند بعض النخب الحضرية المثقّفة.
كانت الموسيقى العثمانية ذات طابع شرقيّ صميم وكانت مفضّلة داخل تركيا. ولأنها تعتمد نفس الصيغ ونفس الآلات الموسيقية الموظفة في الموسيقى العربية كالناي والقانون والكمان والعود "أو الطنبور"، فقد وجدت طريقها بسهولة إلى العالم العربيّ.
ولمع نجم العديد من روّادها مثل جميل بيه الطنبوري وديدي افندي ورفيق طلعت بيه وتاتيوس افندي ويوسف باشا وغيرهم ممّن وصلت شهرتهم وموسيقاهم إلى العالم العربيّ. وإلى هؤلاء يعود الفضل في ابتكار العديد من الأشكال الموسيقية التي دخلت الموسيقى العربية، كالمقامات والسماعيات والفواصل والبشارف والتقاسيم بأنواعها المختلفة.
ويكفي للتدليل على تأثير الموسيقى التراثية التركية على الموسيقى العربية أن كثيرا من المقطوعات التي تعزفها الفرق الموسيقية العربية بانتظام وأصبحت أنغامها مألوفة للأذن الشرقية كتبها وألّفها أولئك الموسيقيون الكبار منذ مئات السنين.
قرار أتاتورك بمنع موسيقى التراث أراد من ورائه إحداث قطيعة مع ماضي البلاد وإحلال النموذج الثقافيّ الغربيّ باعتباره الضمانة الوحيدة للتطوّر واللحاق بروح العصر.
غير أن المواطنين في الأرياف لم يرتاحوا لذلك القرار ووجدوا أنفسهم غرباء في الثقافة الجديدة التي جلبت نوعا من الموسيقى التي لم يألفوها أو يفهموها ولم يشعروا بالتعاطف معها. لذا تحوّلوا إلى الاستماع إلى إذاعتي مصر ولبنان اللتين كانتا تبثّان الأفلام والموسيقى العربية القريبة من وجدانهم.
وفي ذلك الوقت بالتحديد ولدت موسيقى الارابيسك التركية.




وعند ظهورها لأوّل مرّة، كان من السهل ربطها بجذورها العربية . ولأن هذه الموسيقى تشير إلى العرب والشرق، وبالتالي إلى الماضي، فقد شعر العلمانيون والحداثيون الأتراك بضرورة حظرها أيضا، على اعتبار أنها لا تتوافق مع الأفكار القومية للجمهورية الناشئة.
ورغم منعها، إلا أن الناس أحبّوها شيئا فشيئا ووجد مغنّو الارابيسك جمهورا يتحمّس لموسيقاهم ويطرب لها. ومع أن الاسم، أي "الارابيسك"، ذو إيحاءات سلبية لدى البعض، إلا أن الكثيرين فضّلوها على غيرها من أنواع الموسيقى الأخرى، باستثناء الموسيقى التراثية التركية.
ولقيت موسيقى الارابيسك قبولا واسعا على وجه الخصوص في أوساط المهاجرين من الريف من أصحاب المهن البسيطة الذين استوطنوا أطراف الحواضر والمدن الرئيسية مثل اسطنبول وغيرها.
السمة الأساسية لموسيقى وأغاني الارابيسك هي أنها نغمية وعاطفية. والأفكار الرئيسية التي تتناولها هي الحبّ والحنين إلى الماضي والشوق والألم والفراق والهجرة وغير ذلك.
وعلى الرغم من اسمها، إلا أن الارابيسك ليست موسيقى عربية خالصة، لأنها تتضمّن أيضا تأثيرات من موسيقى بلاد البلقان وتنويعات من الموسيقى الصوفية والعثمانية القديمة.
وفي الثمانينات، توسّع جمهور هذه الموسيقى ليشمل قطاعات من الطبقة الوسطى والنخب الاقتصادية المهمّة.



كانت الارابيسك تتضمّن مزايا عديدة، فأنغامها كانت مألوفة للأتراك، خاصّة الذين يحنّون إلى تاريخ البلاد القديم. كما أن كلمات الأغاني تشبع حاجة الشباب في المدن، لأن فيها نزعة فوضوية وبعضها يعكس أفكارا وجودية.
ثم إن كبار رموز موسيقى الارابيسك كانوا أشخاصا موهوبين ومبدعين موسيقيّا، مثل مسلم جورسيس وإبراهيم تاتليسيس وفيردي تايفور وأورهان كنج بيه. والأخير يعتبره الكثيرون مؤسّس الارابيسك، وهو مغنّ مشهور وعازف بارع على آلة الباغلاما التراثية.
في بداياتها، كانت هذه الموسيقى مقتصرة على المغنّين من الرجال. لكن في مرحلة تالية، انضمّت إليهم مطربات من الإناث، من أشهرهنّ سيبيل جان وإيبرو غونديش وغيرهما ممّن أضفين على الكلمات والألحان طبيعة راقصة.
أحيانا توصف موسيقى الارابيسك بأنها تشبه موسيقى الريف والبلوز الأمريكية، من حيث أنها تأتي من الإلهام وتصدر عن المشاعر مباشرة وبلا سابق تحضير أحيانا. وبعض الأغاني تتناول قضايا مثل الهويّات والايديولوجيا والتوتّرات الاجتماعية.
لكن هناك اتفاقا على أن هذه الموسيقى نشأت من التجارب الإنسانية مثل الاضطهاد والتهميش والاقتلاع من الجذور. والذين يؤدّونها هم في الغالب أشخاص قدموا من الأرياف ويحاولون أن يتأقلموا مع مجتمع صناعيّ يعمل على تهميشهم وإقصائهم.
والكثير من مطربي الارابيسك ولدوا في مناطق قريبة من العراق وسوريا، لذا فإن خلفياتهم العائلية عربية. لكنهم في واقع الحال يعيشون في بيئة تركية اجتماعيّا وثقافيّا، وهذه البيئة لا ترتاح كثيرا لتأثيرات الثقافة العربية.
والعديد من هؤلاء قَدِموا إلى اسطنبول بشكل خاصّ وعاشوا في بيوت متواضعة. وبالنسبة لبعضهم، فإن العالم مكان مشوّش وظالم. كما أنهم يرون أن القيم التقليدية للعائلة والقبيلة ضاعت في صخب المدن والحواضر الكبيرة التي يحكم فيها المال والسلطة بشكل مطلق. وبهذا المعنى، فإن مغنيّي الارابيسك هم ناقدون للنموذج الغربيّ التقدميّ الذي تبنّاه ونفّذه أتاتورك.


ولم يكن من قبيل المصادفة أن يتبنّى الحداثيون الأتراك موقفا مناوئا من هذه الموسيقى، وهم ينظرون إليها على أنها فنّ بلا معنى ويأخذون على أغانيها أنها تنحو باتجاه السلبية والإغراق في المشاعر والتمسّك غير العقلانيّ بالشرق المرفوض غالبا.
وأحد أسباب نفور هؤلاء يتعلّق بجمهور الارابيسك نفسه، فهم فقراء غالبا وتعليمهم بسيط ومعظمهم من مهاجري الأناضول الذين وفدوا إلى المدن الكبيرة وأحضروا معهم أسلوب حياة الريف. وهناك سبب آخر يتمثّل في أن المنتقدين ينظرون إلى هذه الموسيقى على أنها تقليد للموسيقى العربية، وبالتالي تنتمي لعالم ما قبل الحداثة.
أما اليسار التركيّ فيصف هذه الموسيقى بأنها حزينة ومتخلّفة وتفتقر إلى الذوق وتحضّ على العزلة والاستلاب. كما أنها بنظرهم تبشّر بالموت والمعاناة ولا توفّر أيّ نوع من الاحتجاج، بل ويمكن وصفها بأنها مخدّرة للجماهير.
وحتى الموسيقيين التقليديين غير راضين عنها، لأنها برأيهم تفسد الموسيقى التراثية بسبب تأثيراتها العربية والغربية.
الجانب المظلم في موسيقى الارابيسك تجسّده المطربة المشهورة "بيرجين" التي شُوّهت ثم قُتلت على يد زوجها السابق بدافع الغيرة. وأغاني هذه المطربة تثير الأحزان، إذ تصف كيف أن المدينة تدمّر العائلات وتخلّف أطفالا يتامى. وبعض أغانيها تتحدّث عن قصص حبّ فاشلة وآلام لا تُحتمل ولا يفهمها الناس في مدن بلا أخلاق وبلا قلب.
وبسبب الكاريزما التي يتمتّع بها بعض مغنيّي الارابيسك المشهورين، فقد أسندت إليهم ادوار نجومية في بعض الأفلام التي يؤدّون فيها أغاني تتتبّع تفاصيل الهجرة المؤلمة عندما يقع المهاجرون في مشاكل تدفع بهم إلى اليأس والعزلة.
في العقود الأخيرة، اكتسبت الارابيسك شعبية متزايدة يمكن عزوها إلى التغييرات السياسية والديموغرافية، مثل دمج المهاجرين من الريف في بنية المجتمع الحضريّ وسعي تركيا الحثيث للانضمام إلى الاتّحاد الأوربّي.

Credits
revolvy.com

Wednesday, November 15, 2017

حديقة تولستوي

توفّي تولستوي قبل زهاء المائة عام، أي في العشرين من نوفمبر عام 1910، وأصبح اسمه في العالم مرادفا لعظمة الأدب الروسيّ.
لكن في روسيا، ما تزال فلسفته ودعوته لنبذ العنف وترجماته المتحرّرة للإنجيل تثير نقاشا واسعا.
في عام 1910، قرّرت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية التبرّؤ من الكاتب. وفي الذكرى المئوية لوفاته، رفضت الكنيسة العديد من الالتماسات كي تعيد النظر في قرارها.
وفي الحقيقة لو كان تولستوي ما يزال حيّا لما انزعج كثيرا من هذا الموقف، فقوّة موهبته منحته فرصة فريدة كي يسلك طريقه الخاصّ ويحتفل بالحياة بكلّ تجلّياتها على طريقته.
قراءة تولستوي توفّر للمرء متعة عظيمة، وكلّما قرأت له تضاعفت تلك المتعة، فكلماته تولّد روائح وأصواتا واهتزازات في المشاعر والأمزجة. وكلماته أكثر اتّساعا من أيّ عقيدة فلسفية وأكثر أهمّية حتى من الكاتب نفسه.
في كلّ الأدب، ربّما، لا يوجد كاتب منح العالم أعمالا تثير الإعجاب بقوّتها وبالخوف من صدقها مثلما فعل تولستوي. مارسيل بروست اعتبره والده الروحيّ، وهو يهيمن على أفكاره وعلى أحداث رواياته.
تولستوي كاتب عظيم، لأنه يمنح الحرّيّة لأبطاله. وهم، إذ يدخلون ذاكرتنا، يصبحون أكثر حيويةً من الحياة نفسها: الحفلة الأولى لناتاشا في "الحرب والسّلام"، سباق الخيول في "آنّا كارينينا"، مرض وموت "إيفان ايليتش"؛ كلّ هذه الأحداث تملأ القارئ بالمتعة وأيضا بالخوف من مواجهة تبعات الوجود نفسه.
أحيانا يبدو كما لو أن تولستوي وُلد كي يقلب قواعد الأدب رأسا على عقب. وهو لم يكن يميل كثيرا إلى النقاشات الأدبية. ولم يكن يحبّ كتّاباً مثل دانتي وشكسبير وبوشكين، بل أنكر عظمتهم وتناولهم بأحكامه النقدية القاسية.
كان، مثلا، يرى أن شكسبير لم يكن كاتبا عبقريّا. بل لقد فعل كلّ ما بوسعه لتقويض مكانته في الأوساط الأدبيّة. ووصَف مسرحياته بأنها "رديئة وعديمة المتعة وغير أخلاقية وتفتقر إلى الجاذبية الفنّية". ورغم أن آراءه تلك عن شكسبير لم تكن تلقى تأييدا معتبرا، إلا انه ظلّ متمسّكا بها طوال حياته.
كما أن موقف تولستوي من بوشكين كان، هو أيضا، مثيرا للجدل. كان يرى أن شاعر روسيا الأشهر لا يستحقّ أن يعامَل ككنز أدبيّ وطنيّ، لأن أشعاره "عديمة القيمة والأهمّية". وما أدّى إلى توسيع الخلاف بينهما أكثر حقيقة أن بوشكين كان مفتونا بشكسبير الذي كان تولستوي يمقته بشدّة.
وهناك أيضا علاقة تولستوي الملتبسة بأنطون تشيكوف. كان الاثنان صديقين حميمين، وكان كلّ منهما معجبا بكتابات الآخر. لكن هذا لم يمنع تولستوي من انتقاد صديقه بعنف أحيانا.
يروي تشيكوف انه زار تولستوي في بيته ذات يوم ووجده منهكا بسبب المرض. "تحدّثنا في العديد من المواضيع، ثم أثنى على بعض أعمالي قائلا إنها تستحقّ أن تُقرأ مرارا. لكن بينما كنت أهمّ بالانصراف، أمسك بي من ذراعي ثم قبّلني مودّعا، وهمس لي بصوت خفيض قائلا: أنت تعلم أنّني اكره مسرحياتك. شكسبير كان كاتبا رديئا. وأنا اعتبر أن مسرحياتك أسوأ حتى من مسرحيّاته".

في رواياته، وصف تولستوي فظائع الحرب، لكن شخصيّته كانت ميّالة للخصام، بدليل علاقته المضطربة مع زوجته صوفيّا اندرييفنا. وأفكاره النباتية وميله لحياة الفلاحين أصبحت فيما بعد مادّة للدعابة.
ذات مرّة، كتبت اندريه جيد مقالا عن دستويفسكي وكيف أن تولستوي حجب عظمته، لكن مع مرور الوقت فإن النظرة السائدة بين المثقّفين هي أن جبل دستويفسكي كان أعلى من جبل تولستوي".
كان لدى دستويفسكي أهداف واضحة وأفعال محدّدة. تنفتح الستارة فنرى كيف أن عالَما بلا إله يقود إلى الخطيئة والشرّ، والجريمة تصبح عقابا. وبالمقابل يدفع تولستوي بـ آنّا كارينينا لأن تلقي بنفسها تحت قضبان القطار. ولا يشرح لأيّة غاية. عقوبة؟ مأساة كبيرة؟ مصير امرأة ساقطة؟ تيّار وعي هذيانيّ؟ لا توجد إجابة واضحة، لأن منطق تولستوي يقول: إذهب إلى الشرطة ولا تذهب إلى الكاتب.
في كتابات دستويفسكي، الحياة تفسد الأفكار مثلما تنفجر قنبلة وتحصد حياة الأمير اندريه بولكونسكي. وروايات تولستوي تخرج من التفاصيل الصغيرة في مفكّرته اليومية، وتتشكّل من النميمة الاجتماعية ومن انطباعات الطفولة وأساطير العائلة. انه يسقي حديقته، ثم تنمو فيها شجرة تطرح فاكهة سماويّة لذيذة وعطرة ولزجة ومتفرّدة.
الواقعية الاشتراكية حاولت أن تتودّد إلى تولستوي وتمنّت لو تقلّد أسلوبه لكي تقلب به العالم. لكنّه بالتحديد كان كاتبا لا يمكن تقليده. فلكي تكتب مثل تولستوي، يتعيّن أن تكون "كونت" صعب المذاق وفردانيّا.
في نهاية حياته، أصبح تولستوي ينتقد الثناء المفرط على "الحرب والسّلام" و "آنا كارينينا" قائلا "إن الأمر يشبه أن تثني على طبيب عظيم لأنه يرقص المازوركا".
هل أساء تولستوي فهم نفسه وطبيعته كمبدع؟
في النهاية، أصبح "تولستوي الواعظ" في حالة صراع مع "تولستوي الأديب الموهوب". نظريّته عن المقاومة غير العنيفة ألهمت غاندي وكشفت عن الجذور الشرقية للفكر الروسيّ.
لكن تولستوي الذي أُحبّه هو الإنسان المتشكّك، والمتعلّق بالمتع، والمتحوّل باستمرار. أحبّ وجهه المتغضّن ولحيته الكثّة وبحثه الطفوليّ عن عصا خضراء سحرية في الغابة التي تخبّئ مفتاح سعادة العالم.
رحيله السرّيّ الأخير من "ياسنايا بوليانا" اُعتبر ذروة الجنون وخلق انطباعا بأن الوقت قد حان كي يلقي الكاتب بنفسه أسفل القطار.
مؤخّرا زرت ضيعته التي تبعد عن جنوب موسكو مسافة مائة كيلومتر وتجوّلت في منزله متأمّلا أثاثه وبقيّة محتويات عشّه الارستقراطيّ. وفجأة فهمت من أين أتت "الحرب والسّلام". لقد كانت محصّلة للأيّام الطويلة والهادئة التي كان يقضيها في ضيعته الريفية مع طقوس سماور الشاي والمشي في الهواء الطلق.
عند بوّابة الضيعة كان هناك حارسان. سألتهما إن كانا قرآ "الحرب والسّلام" فأجابا: نعم، في المدرسة".
بدون تولستوي، كانت الحياة ستبدو أكثر فقرا وشحوبا. عباراته وملاحظاته الملتوية مثل جذور شجرة لم يكتبها لنفسه فقط، وإنّما أرادها أن تكون رسالة للأجيال القادمة أيضا.

Credits
online-literature.com

Sunday, November 12, 2017

لُوفر أبو ظبي


أن يُشيّد في عاصمة عربية، وخليجية بالتحديد، فرع لمتحف عالميّ مشهور كاللوفر هي ولا شكّ فكرة رائعة.
غير أن هذه الفكرة ليست بالجديدة تماما، فالعديد من المتاحف العالمية المشهورة سبق أن فتحت لها فروعا في دول أخرى. وبفضل مثل هذه المشاريع، تحوّلت مدن كانت مغمورة أو شبه منسيّة إلى مناطق جذب ثقافيّ يقصدها المهتمّون برؤية كنوز الفنّ العالميّ.
وفي مدينة مثل أبو ظبي، الممتلئة بناطحات السحاب المشيّدة من الخرسانة والحديد والزجاج، كان لا بدّ من وجود صرح آخر يوازن بين ما هو تجاريّ وثقافيّ.
ويُنتظَر أن يضيف المتحف الكثير إلى القوّة الناعمة لدولة الإمارات ويحوّل العاصمة إلى مدينة للتسامح الحضاريّ وجسر بين الحضارات المختلفة.
وأبو ظبي ليست الوحيدة في منطقة الخليج من حيث تركيزها على التاريخ والثقافة، فقد سبقتها كلّ من سلطنة عمان وإمارة دبي اللتين افتتحتا في السنوات الأخيرة دُوراً للأوبرا وقاعات للموسيقى الكلاسيكية.
ولوفر أبو ظبي هو أوّل فرع لمتحف اللوفر يُدشّن خارج فرنسا. ويقال أنه المتحف الأغلى في العالم حتى الآن، إذ اُنفق على إنشائه حوالي بليون دولار أمريكيّ. لكن هذا ليس بالمبلغ الكثير إذا ما أخذنا في الاعتبار مردوده الكبير، من حيث أنه سيغيّر صورة هذه المدينة وسيضيف إلى جاذبيّتها السياحية والتجارية بُعدا ثقافيا وحضاريا.
وسيعمل المتحف كمؤسّسة مستقلّة على الرغم من انه سيحمل اسم اللوفر للثلاثين عاما القادمة، كما تنصّ الاتفاقية. وقد بُديء العمل فيه عام 2007 وكُلّف بوضع تصميمه مهندس فرنسيّ مشهور هو جان نوفيل.
وحسب نوفيل، المعروف بشغفه بالمتاحف والذي سبق له أن صمّم متحف قطر الوطنيّ، فإن المبدأ الذي اعتمده في التصميم هو ضرورة أن ينتمي المتحف إلى الجغرافيا والثقافة المحليّة وإلى هويّة البلد الحاضن.
وقد روعي في التصميم طبيعة التراث والبيئة المحلية الإماراتية بحيث تتفاعل في المكان السماء الضخمة مع أفق البحر وأرض الصحراء. والمتحف أشبه ما يكون بأرخبيل في البحر تعلوه قبّة ضخمة على شكل مظلّة مشيّدة من الفضّة والحديد والألمنيوم.
والقبّة الفضّية مزيّنة بأنماط ارابيسك على هيئة نجوم تطفو فوق الغاليريهات منتجةً ما يشبه المطر الضوئيّ، بحسب وصف المصمّم. ولكي يصل الضوء إلى الطابق الأرضيّ، يجب أن يعبر ثمان طبقات من الثقوب التي تنتج أنماطا متحوّلة تحاكي ظلال أشجار النخيل المتشابكة في واحات الإمارات أو أسطح الأسواق التراثية العربية.
وقد واكب المشروع في بداياته نقاش فرنسيّ واسع تركّز حول مخاطر إقراض الكنوز الوطنية إلى بلد شرق أوسطيّ مقابل أموال البترول. وجزء من السجال كان يدور حول الظروف المناخية في الإمارات واحتمال تلف القطع الفنّية أثناء نقلها إلى أماكن بعيدة.
لكن في النهاية انتصرت فكرة المشروع بعد أن التزمت الجهات الإماراتية باتخاذ تدابير احترازية لحماية القطع الفنّية من العوامل المناخية في بلد تصل فيه درجة الحرارة إلى أكثر من أربعين درجة مئوية صيفاً.
ومنذ الإعلان عن افتتاح لوفر أبو ظبي في سبتمبر الماضي، ازدادت وتيرة الرحلات الجويّة من باريس إلى أبو ظبي لنقل المعروضات الفنّية كي تصبح جاهزة يوم الافتتاح. وقد حصل المتحف الناشئ على أكثر من ستمائة عمل فنّي من ثلاثة عشر متحف فرنسيا بالإضافة إلى اللوفر، بينما استعيرت أعمال أخرى من مجموعات فنّية خاصّة من أكثر من مكان.
وخُصّص جزء صغير من المتحف لأعمال الفنّ الحديث والمعاصر. أما الجزء الأكبر فيعرض أعمالا فنّية من عدّة أماكن تتناول تاريخ وأديان العالم.
ومن بين القطع المعروضة الآن بورتريه لفان غوخ ولوحة لإدوار مانيه وأخرى لجاك لوي دافيد ولوحة لدافنشي وأخرى لجون ويسلر، بالإضافة إلى أعمال للرسّام الهولنديّ بيت موندريان والتركيّ عثمان حمدي بيه. ومن بين المنحوتات المعروضة تمثال لأبي الهول يعود تاريخه إلى القرن السادس قبل الميلاد وأعمدة رومانية قديمة مزيّنة بنقوش وزخارف.
لوفر ابو ظبي مشروع حضاريّ واعد. وربّما سيمضي بعض الوقت قبل أن يكتسب المتحف صورته أو ماركته المميّزة. لكن المسئولين عنه مقتنعون بأنه سينجح في تقديم صورة بصرية شاملة عن تاريخ العالم وسيوفّر جسرا للحوار بين الثقافات.

Friday, November 10, 2017

ناسج الأحلام


أينما نظرت في لوحات هنري ماتيس ستجد أنسجة وأقمشة وأنماطا من كلّ شكل ولون. كان يحيط نفسه بكلّ شيء: أزهار ونباتات حيّة، اسماك في أحواض، عصافير في أقفاص، بلاط مزخرف وأواني وأشكال جبسية مختلفة وأقمشة ونُسُج ومطرّزات من مختلف الأنماط والأشكال والألوان.
وقد جمع الرسّام كلّ هذه الأشياء خلال أسفاره العديدة وكان يحتفظ بها باعتبارها موارد مفيدة ولا غنى عنها لمكتبته البصرية. ثم وجدت طريقها إلى لوحاته ورسوماته التي يتداخل في نسيجها السجّاد والقماش الفاخر من كلّ شكل ولون.
كان رسّامون مثل فان غوخ وسيزان وفويار يستخدمون الأنماط والأنسجة الورقية والإيقاعية في لوحاتهم لتكثيف الإحساس الذي تمنحه صورهم للناظر. لكن ماتيس ذهب خطوة ابعد بإعادة إنتاج الأنسجة الناعمة والألوان البديعة للحرير والقطن والمخمل والتافتا والتطريز بطريقة لم يسبقه إليها احد.
لكن من أين جاء عشقه للأقمشة وألوانها وأنماطها المختلفة؟
ولد ماتيس ونشأ في بلدة في شمال فرنسا ملاصقة للحدود مع بلجيكا. وكانت البلدة مشهورة بصناعتها للأقمشة الفاخرة التي كانت تعتمد عليها شركات صنع الملابس في فرنسا.
وعائلة والده كانوا من النسّاجين. ومن هنا على الأرجح ولد حبّه للأقمشة. غير أن أهل بلدته لم يكونوا يهتمّون بالفنّ خارج صناعة النسيج. كانوا ينظرون إلى حرفتهم كمصدر للرزق فقط ولم يكونوا يعتبرون الأقمشة ذات صلة بالفنّ.
في سنّ العشرين، انتقل ماتيس إلى باريس. وفي مرحلة تالية استقرّ في جنوب فرنسا التي أحبّ ألوانها الساطعة ومناخها الدافئ.
وفي لوحاته الكثيرة التي رسمها طوال فترة اشتغاله بالرسم يمكنك أن تلاحظ استخدامه الوفير للأنسجة والتصاميم المختلفة. كما انه كان أيضا شديد الاهتمام بالموضة وبصناعة الأزياء في باريس. وكان يحتفظ على الدوام بمجموعة خاصّة من الملابس والأنسجة والإكسسوارات التي وجدها في الكثير من الأمكنة التي ذهب إليها.
والعديد من لوحاته تُظهر كيف كان ماتيس يوظّف تصاميم الأقمشة فيها. مثلا لوحته بعنوان حياة ساكنة مع سجّادة حمراء هي في الأساس عن الأقمشة وألوانها وأنماطها الزخرفية المتنوّعة.

ولوحته بعنوان شال مانيللا تُظهر ولعه بالملابس ذات الألوان القشيبة التي طالما جمعها. المرأة في هذه اللوحة تبدو كما لو أنها تستعرض ملابسها ذات الأنماط الزهرية والخضراء والحمراء والبنّية الجميلة.
أما لوحته بعنوان البلوزة الرومانية الخضراء فهي عن اللون الأخضر أكثر من كونها عن المرأة التي تظهر فيها. ومع ذلك بإمكانك أن تعرف أشياء عن شخصية هذه المرأة من الاسكتش البسيط الذي رسمه ماتيس لوجهها ولطريقة جلوسها.
وفي لوحة أخرى بعنوان ديكور وأزهار وطائرا ببّغاء صغيران ، يملأ الفنّان فراغ اللوحة بالأقمشة والأشكال المختلفة متذكّرا رحلته التي قام بها إلى المغرب عام 1912. غطاء المائدة الأصفر تستقرّ عليه ليمونتان وكوب شاي ومزهرية.
وفي نهاية المائدة قفص مذهّب بداخله طائرا ببّغاء بلون اخضر وأصفر. أيضا هناك الأنماط الجميلة على الأرضية والباب والجدار الخلفي. الأقمشة الكثيرة في هذه اللوحة تجسّد ذوق ماتيس في التصميم الداخليّ. والألوان الساطعة فيها هي أيضا تذكير بحبّه لمنطقة جنوب فرنسا.
وفي لوحته جارية جالسة مع خلفية زخرفية ، نرى الأقمشة والأشكال المختلفة تملأ الغرفة بالألوان. الأنماط على الجدار الخلفيّ تتناغم مع الأشكال الظاهرة على فستان المرأة، بينما الأشكال على الصحن والكأس تتوافق مع الأنماط الظاهرة عند قدميها. وإلمام ماتيس بهذه الأنماط لم يتحقّق إلا بعد زيارته إلى المغرب.
في لوحته ديكور مع كلب ، نرى المزيد من الأنماط التعبيرية والألوان القويّة التي تحمل سمات ألوان الرسّام من المرحلة الوحوشية. الأشكال البسيطة لخلفية اللافندر الرائعة تبرز منها أشكال مبسّطة لأوراق خضراء، وفرشاة الفنّان تضفي على المنظر مزيدا من الحيوية والتناغم.
وفي لوحة رداء ارجواني مع شقائق النعمان ، يبرهن ماتيس مرّة أخرى على براعته في استخدام الألوان والأنماط. الخطوط المرسومة على الرداء الأرجوانيّ تضاهي ديكور الجدار الفضّيّ والبرتقاليّ في الخلفية. وهذه الموجات اللونية الناعمة تتجانب معا في مقابل الخطوط السوداء والرمادية القويّة على الجدار وعلى الأرضية.
وفي لوحة حياة ساكنة: باقة ورد وطبق فاكهة ، يرسم ماتيس باقة ورد ناعمة من الألوان الأصفر والمشمشيّ والزهريّ. وبنفس النعومة يرسم الأشكال السوداء على ورق الحائط وعلى أنماط الأزهار على المائدة. واللافت أن الرسّام ضمّن المنظر طبق فاكهة مع حمضيات، في ما يبدو وكأنه إشادة بزميله الحداثيّ الآخر بول سيزان.

عندما انتقل ماتيس إلى نيس حوّل محترفه إلى ما يشبه المسرح الصغير. ولطالما ألبس عارضاته الفساتين وأغطية الرأس العربية وبناطيل الحريم والثياب المغربية المقصّبة ذات الأزرار الصغيرة.
وكان يُجلسهنّ في دواوين مليئة بالسجّاد والأرائك والطاولات ذات الأنسجة المشرقية الجميلة، مع مشربيات وستائر مصرية يمكن تمييزها من ألوانها الخضراء والحمراء الغميقة. وفي بعض لوحاته الأخرى، نقل صورا لأقمشة أخرى من رومانيا وطنجة وإيران والجزائر وتركيا وغيرها.
لوحته بعنوان قماش مائدة ازرق تصوّر حياة ساكنة تقليدية مع إبريق قهوة وطبق فاكهة. لكن أهمّ تفصيل فيها هو قماش المائدة الذي كان من ضمن أشيائه الخاصّة، وهو عبارة عن قطعة من الحرير الفرنسيّ يعود تاريخها إلى القرن التاسع عشر وتتميّز بلونها الأزرق مع موتيف متكرّر عبارة عن سلّة أزهار. خلفية القماش في اللوحة تصبح خضراء بلون البحر وكأن اللوحة بأكملها هي عبارة عن قطعة قماش.
وبقدر ما رسم ماتيس من أشياء فإنه أيضا كان يرسم مناظر. ونحن نرى الأنماط والألوان والأقمشة والتطريز كصفات للأشياء التي كان يرسمها وللوحة نفسها، كما لو انه كان يتعامل مع أكثر من واقع بنفس الوقت.
لوحات ماتيس هذه التي تحتشد بالأقمشة والنسيج والأنماط والألوان الزاهية ترسم صورة لرجل كان في حالة سلام مع العالم من حوله ومع نفسه. وصور الرسّام الفوتوغرافية الموجودة على الانترنت يظهر فيها بهيئة رجل مهذّب ذي لحية بيضاء يجلس وسط الحمام والقطط في غرفة مليئة بالضوء وعلى جدرانها صور لنقوش وأنماط جميلة.
لكن هذه الصورة لا تعكس طبيعة ماتيس بالضرورة. فقد كان إنسانا عصبيّا وعرضة للمرض بشكل دائم. لكن يبدو أن فنّه المتفرّد كان ثمرة للمتعة التي كان يشعر بها وهو ينظر إلى الجانب المشرق من الحياة، وفي نفس الوقت كان انعكاسا لاحتفائه الذي لم تكن تحدّه حدود بالضوء واللون والجسد والشكل وبتفاصيل الحياة بشكل عام.

Credits
henrimatisse.org
artdaily.com

Monday, November 06, 2017

بيتهوفن: سيمفونية الرُّعاة

السيمفونية السادسة، أو سيمفونية الرُّعاة كما تُسمّى أحيانا، هي إحدى تحف لودفيغ فان بيتهوفن الكبيرة. وفيها يرسم صورة للطبيعة، وفي نفس الوقت يصف مشاعر الإنسان تجاهها.
كان بيتهوفن عاشقا كبيرا للطبيعة، وقد استلهم أجواء هذه السيمفونية من مشاوير مَشيِهِ المنتظمة في الريف المحيط بفيينا. وكان من عادته أن يحمل معه دائما كرّاسا يدوّن فيه كلّ ما يخطر على باله من أفكار ومشاعر أثناء المشي.
وقد كتب ذات مرّة في مفكّرته يقول: كم أشعر بالسعادة وأنا أمشي بين الأشجار والغابات والصخور والأرض العشبية. الغابات والأشجار والجبال تمنح الإنسان الإحساس بالصدى الذي يحتاجه".
وفي الحقيقة، لم يكن بيتهوفن أوّل من صّور الطبيعة بطريقة سيمفونية. فقد كانت فكرة الريف والمراعي موجودة في الموسيقى منذ زمن طويل قبله. وكان هناك العديد من الأعمال الموسيقية التي تصف الرعاة والعواصف وغناء العصافير وغيرها من مظاهر الطبيعة.
وسيمفونية الرُّعاة لا تحكي قصّة فحسب، بل تعكس أيضا مجموعة من الصور للطبيعة والفلاحين الذين يؤدّون أعمالهم بمتعة وفرح، وتعبّر عن مزيج من المشاعر التي يُظهرها الناس عادة عندما يذهبون إلى الريف.
وقبل تقديم السيمفونية للجمهور، كتب بيتهوفن يقول إن الأمر متروك للسامع كي يشكّل انطباعه عنها، وأن أيّ شخص لديه فكرة عن الحياة في الريف لا يحتاج لعناوين أو شروح لتخيّل نوايا المؤلّف".
لكن لكي يقرّب فكرة السيمفونية أكثر من ذهن السامع، كتب على صفحة العنوان عبارة: تذكير بالحياة الريفية". ثم كتب تحتها ملاحظة تقول: هذا العمل هو تعبير عن المشاعر أكثر من كونه تصويرا لها". غير أن سيمفونية الرُّعاة تتضمّن في الحقيقة عددا من صور الطبيعة، كما سيتبيّن في ما بعد.
وقد بدأ بيتهوفن كتابتها عام 1802 وانتهى منها في عام 1808. وأوّل حفل قُدّمت فيه كان أعظم حدث موسيقيّ في حياته. كانت حفلة استثنائية تضمّنت أكثر من أربع ساعات من موسيقى بيتهوفن الجديدة.
فبالإضافة إلى سيمفونية الرُّعاة، عُزفت أيضا السيمفونية الخامسة لأوّل مرّة، بالإضافة إلى كونشيرتو جديد للبيانو. ويُفترَض أن الجمهور وقتها كان في غاية السعادة. لكن الحال لم تكن كذلك تماما. كان الأمر يشبه أن تجد أمامك عددا من الأطباق اللذيذة ثم تحتار في أيّها ينبغي أن تتناول. كما أن المسرح الذي عُزفت فيه هذه الأعمال في فيينا كان متجمّدا من شدّة البرد.
ولأن العازفين لم يتدرّبوا على العزف بما فيه الكفاية، فقد كان أداء الاوركسترا رديئا. لذا يمكن القول أن بداية سيمفونية الرُّعاة لم تكون واعدة، ولم تحظَ بالكثير من ثناء النقّاد بعد حفلها الأوّل. لكن بعد وقت قصير، أصبحت تتمتّع بشعبية جماهيرية واسعة وما تزال كذلك إلى اليوم.
وسيمفونية الرُّعاة كانت النقيض التامّ للسيمفونية الخامسة، فلكلّ منهما شخصيّتها الخاصّة والمختلفة كليّا عن الأخرى. في الأولى أجواء تبعث على التفاؤل والاسترخاء والسعادة، وفي الثانية دراما قويّة وطاقة مكثّفة وأنغام متوتّرة.
وكان عزف هذين العملين معا نوعا من المغامرة دلّل على انه ليس هناك بيتهوفن واحد فقط، وأن لديه القابلية والقدرة على أن يطلق لمخيّلته العنان كي تتدفّق وتطير.
سيمفونية الرُّعاة مليئة بأصوات الطبيعة والأنغام الفولكلورية البسيطة وبالشعور بالجمال، كما أن فيها الكثير من التكرار بدلا من تنامي الأنغام. لكنها أيضا تتضمّن عنصرا عاطفيا يعكس مشاعر البشر تجاه عالم الطبيعة.


وقد كسر بيتهوفن التقاليد السيمفونية بإضافته حركة خامسة بدلا من الاكتفاء بأربع حركات فقط كما جرت العادة. وأعطى لكلّ حركة اسما فرعيا يشرح وظيفتها أو الغرض منها. كما حرص على أن تكون الحركات الثلاث الأخيرة مترابطة ودون توقّف.
  • الحركة الأولى (الليغرو) تصوّر شعور بيتهوفن عندما يصل إلى الريف، من خلال افتتاحية دافئة، أثيرية وموقظة للمشاعر. وهذا أمر غير مألوف في التلحين السيمفونيّ، إذ أن الحركة الأولى من أيّ سيمفونية تكون عادةً ممتلئة بالدراما والأحداث وليس بالتأمّل الهادئ. وهذه الحركة تنقل انطباع المؤلّف بينما يراقب الطبيعة وهي تتغيّر ببطء مع تغيّر الأضواء والألوان والظلال .
  • الحركة الثانية (أندانتي) تصوّر منظرا لجدول ماء. في البداية تعزف الآلات الوترية أنغاما تحاكي منظر تدفّق الماء وأصوات العصافير. هنا يمكنك أن تستنشق هواء الريف المنعش وتستمع إلى جريان مياه الجدول الرقراقة. يقول بيتهوفن: كلّما كان هناك ماء كثير، كلّما كانت الألحان أعمق".
    وعندما نقترب من نهاية هذه الحركة، نسمع المزيد من أصوات الطيور. وقد حدّدها بيتهوفن على أنها بلابل "وعبّر عنها بالفلوت"، وطيور سلوى "وعبّر عنها بالأوبو"، وطيور وقواق "وعبّر عنها بآلتي كلارينيت".
    منذ البداية، أراد بيتهوفن أن يضمّن هذا العمل أمزجة وانطباعات شتى يعبّر عنها بالنغم واللون. ويقال أن هذه الحركة هي إحدى أفضل وأجمل ما كتبه من موسيقى.
  • الحركة الثالثة (الليغرو) تصوّر اجتماعا لمجموعة من أهل الريف السعداء. ويمكن أن نتخيّل أصواتهم المرحة وهم يحتفلون ويرقصون بسعادة. ولأن هؤلاء أناس بسطاء بطبيعتهم، فإن الموسيقى نفسها بسيطة، لكنها مليئة بالنشاط والحيوية.
  • الحركة الرابعة (الليغرو 2) وتصوّر عاصفة رعدية. والموسيقى منذ البداية توحي بأن ثمّة حدثاً على وشك أن يقع. وهو يأخذ شكل عاصفة رعدية بدأت نذرها تتجمّع في الأفق. وبيتهوفن في هذه الحركة يصوّر البرق والرعد والرياح العاتية. لكن هناك ما هو أكثر، وهو الإحساس بخوف الإنسان وعجزه أمام قوى الطبيعة الجبّارة.
    والعاصفة تتشكّل من بضع قطرات من المطر، ثم تصل إلى ذروتها مع أصوات الرعد والبرق والرياح القويّة المصحوبة بأمطار غزيرة. وفي النهاية تسكن العاصفة، لكن ما يزال بالإمكان سماع أصوات الرعد من مسافة بعيدة.
    وبعد ذلك نلاحظ تحوّلا يمهّد لبداية الحركة الأخيرة، إذ عندما تهدأ العاصفة، تخرج جميع الكائنات الحيّة إلى السطح لتأخذ مكانها من جديد في دورة الطبيعة. ويعبّر عن هذا مجموعة من آلات الفلوت التي تشبه أنغامها منظر شروق الشمس.
    ويقال بالمناسبة أن أعنف عاصفة رعدية في تاريخ الموسيقى الكلاسيكية هي المتضمّنة في هذه الحركة من سيمفونية الرُّعاة.
  • الحركة الخامسة (الليغريتو) يصوّر فيها بيتهوفن بطريقة جميلة مشاعر الفرح والامتنان للربّ على انتهاء العاصفة التي تلاشى خطرها الآن ليحلّ مكانها إحساس عامّ بالارتياح.
    وبعد قليل تصبح الموسيقى أسرع وأكثر إثارة للابتهاج. والحركة الأخيرة في عمومها مشيّدة كـ "سوناتا" بعناصر "روندو". وهي تعكس منظرا ريفيّا ساكنا يذكّر برعاة أركاديا بملابسهم الحريرية وأحذيتهم المقوّسة وأغنامهم المزيّنة بأشرطة ملوّنة.
    ومع انتهاء هذه الحركة، تصل سيمفونية الرُّعاة إلى خاتمتها.

  • Credits
    classicfm.com

    Wednesday, November 01, 2017

    سِرّ ستراديفاري


    في إحدى الروايات الصادرة حديثا، يعثر البطل على آلة كمان أسطوريّ له قوى غامضة وخصائص نادرة تشبه خصائص آلات الكمان التي صنعها الايطاليّ انطونيو ستراديفاري في القرن الثامن عشر وأصبحت تُسمّى باسمه.
    كان ستراديفاري (1644-1737) حِرَفيا عظيما صنع أكثر من ألف آلة وترية، ما بين كمان وفيولا وتشيللو وهارب وماندولين وغيتار. ويُعتقَد أن ما بقي منها إلى اليوم حوالي ستمائة آلة.
    وأفضل هذه الآلات هي التي صنعها ستراديفاري في عصره الذهبيّ، أي في الفترة ما بين عامي 1700 و1725. وآلات الكمان تلك، والتي أصبحت تُسمّى اختصارا بـ "ستراد"، تُصنّف بأنها الأفضل في العالم. وغالبا فإن هذه الآلات لا يملكها سوى مؤسّسات كبيرة أو رُعاة أثرياء.
    ولمئات السنين ظلّ أفضل عازفي الكمان يقولون إنهم يفضّلون دائما استخدام آلات كمان من صنع ستراديفاري. وبعض أعظم العازفين على هذه الآلة اليوم يعتبرون أنفسهم محظوظين لأنهم يستخدمون آلات من صنعه. ومن أشهر هؤلاء آن صوفي موتر ويو- يو ما وجوشوا بيل وسيلفاتوري اكاردو.
    الكمان الواحد من صنع ستراديفاري يمكن أن يكلّف ملايين الدولارات. ومؤخّرا بيعت آلة فيولا من صنعه في المزاد بخمسة وأربعين مليون دولار أمريكي.
    قبل ستراديفاري، كان الكمان يُعزف فقط في الحفلات الصغيرة وفي موسيقى الغرفة. لكنه طوّر الآلة، فأصبح صوتها ضخما وأنغامها نقيّة وصار ممكنا استخدامها في الأماكن الكبيرة. وإلى ستراديفاري أيضا يعود الفضل في ابتكار شكل الآلة الجميل كما نعرفها اليوم.
    ورغم أن ستراديفاري عاش في عصر ازدهرت فيه صناعة الكمان وظهر خلاله صنّاع ايطاليون مشهورون آخرون مثل أماتي وغارنيري وبيرغونزي، إلا أن أيّا منهم لا ينافس ستراديفاري في شهرته وحرفيّته.
    وحتى اليوم، ما يزال العلماء والباحثون يُخضعون آلات الكمان التي صنعها لفحوصات الأشعّة والتحاليل الكيميائية وأجهزة المحاكاة الاليكترونية في محاولة لاكتشاف بعض أسرارها التي ما تزال غامضة. نوعية الأنغام الفريدة والأصوات المحكمة التي تُعزى فقط إلى آلات هذا المعلّم ما تزال مثارا للكثير من التكهّنات.
    وبعض الخبراء والعازفين يصفون الأنغام التي تُصدِرها هذه الآلات بأنها ثريّة وذات نوع جهوريّ، كما أن ذبذباتها عالية لدرجة أن أنغامها يمكن أن تَنفذ إلى الأذن من مسافة بعيدة.
    وقد حاول العديد من صنّاع الكمان تقليد حرفية ستراديفاري، فاستنسخوا نفس نوعية الخشب التي كان يستخدمها ووظّفوا هندسته وأسلوب بنائه للآلات. لكن لا احد استطاع خلق نفس نوعية الأنغام الفريدة ولا الصوت المثاليّ والمحكم الذي يُعزى فقط للآلات التي صنعها المعلّم قبل أكثر من ثلاثمائة عام.
    والسؤال المثار: ترى ما هو سرّ ستراديفاري؟ وبعبارة أخرى: ما الذي يجعل آلة كمان من صنعه مذهلة وذات صوت خاصّ؟ هل هو الورنيش؟ الغراء؟ التصميم؟ الخشب نفسه؟ أو الطريقة التي كان يُقطع بها الخشب ويُجفّف؟
    تقول بعض الدراسات إن سرّ نوعية الصوت المتميّز قد يكون في نوعية الخشب المستخدم في هذه الآلات أو في عمر الخشب نفسه المقدّر بقرون.


    وإحدى النظريات الرائجة تتحدّث عن علاقة ما بالمناخ. فقد شهدت مناطق أوربّا في الفترة ما بين عامي 1550 و 1850 ما سُمّي بالعصر الجليديّ الصغير الذي جلب معه شتاءات باردة جدّا ونشاطا شمسيّا منخفضا بشكل غير معهود.
    وكانت تلك الفترة تغطّي الامتداد الزمنيّ الذي عاش فيه صانعو الآلات الوترية العظماء في ايطاليا. ونوعية الخشب الذي كان يستخدمه ستراديفاري وزملاؤه في صناعة آلاتهم الموسيقية كان أكثر صلابة، لأن نموّه كان بطيئا بسبب أجواء البرد القارس آنذاك.
    وطبقا لتجربة أجريت على آلتي كمان من صنع ستراديفاري، ظهرت أدلّة على أن خشبها خضع لمعالجة كيميائية من نوع ما، ووُجدت عليه آثار ألمنيوم ونحاس وكالسيوم. وقد يكون الصوت المتفرّد لهذه الآلات مردّه مزج هذه الموادّ بالخشب.
    وربّما عمد عمّال الغابات في ايطاليا إلى غمر أخشابهم المقطوعة في المعادن والأملاح لتصليبها ومنع تسرّب الفطريات والعثّة إليها قبل بيعها. ومعروف أن بعض المعادن تمتصّ الرطوية من الخشب، أي أن الآلات الوترية القديمة تحتوي على نسبة ماء اقلّ ممّا تحتويه الآلات المصنوعة هذه الأيّام.
    أيضا عند تحليل الخشب الذي صُنعت منه تلك الآلات، وُجِد أن جزيئات النسيج فيه متباعدة عن بعضها، وأن قرونا من الاهتزازات نتيجة العزف قد تكون عاملا إضافيا مَنَح هذه الآلات مستوى أعلى من التعبير. وما يرجّح هذه الفرضية أن عددا من عازفي الكمان الكبار يشعرون بأن آلات ستراديفاري تهتزّ بحرّية أكثر، ما يسمح لهم بالتعبير عن مجموعة اكبر من الأحاسيس والمشاعر أثناء العزف.
    إذن ثمّة احتمال بأن ستراديفاري وزملاءه استخدموا خشب أشجار أصبحت اليوم منقرضة من العالم. وهؤلاء عاشوا في مناخ بارد جدّا، والأشجار من حولهم كانت تنمو بشكل مختلف وخشبها كان أشدّ صلابة، مع خصائص صوتية أفضل. وهي ظروف لم تتكرّر في العالم منذ ذلك الوقت.
    وقد يكون ستراديفاري وزملاؤه استخدموا أخشاب الكنائس القديمة أو أضافوا إلى خشب الغابات موادّ غامضة أو وظّفوا طرقا وأساليب مبتكرة نُسيت مع مرور الزمن.
    وقبل خمس سنوات، أعلن خبير سويسريّ في علم الموادّ انه طوّر علاجا يحمي الخشب من الفطريات ويزيد صلابته، بما يجعله أكثر شبها بخشب العصر الجليديّ الصغير في أوربّا.
    وقد أجرى هذا العالم تجربة عزف خلالها أحد الموسيقيين على آلة كمان صنعها ستراديفاري عام 1711. ثم عزف نفس الموسيقيّ على آلة كمان أخرى حديثة مصنوعة من الخشب الجديد المعالَج. وكانت النتيجة أن جميع الحاضرين، وبينهم خبراء موسيقى وعازفون كبار، لم يلاحظوا أيّ فرق وظنّوا أن الكمان الأخير هو من صنع ستراديفاري.
    غير أن صنّاع الكمان اليوم لا تروق لهم مثل هذه النظريات والتجارب. فهم يحصرون نوعية الكمان وجودة صوته إلى عامل واحد فقط، هو عبقرية الصانع ستراديفاري نفسه.
    البعض يشبّه آلات الكمان التي صنعها ستراديفاري باللوحات الايطالية القديمة، فهذه الآلات هي أيضا أعمال فنّية وتحف تاريخية نادرة يجب المحافظة عليها.
    لكن المؤسف أن هذه الآلات الموجودة حتى اليوم لن تدوم إلى الأبد. فخشبها في حالة تآكل مستمرّ، ما سيُفقدها نوعيّتها الصوتية الفريدة خلال المائة عام القادمة على أكثر تقدير.

    Credits
    cmuse.org

    Saturday, October 28, 2017

    ملكة الشرق

    في مسرح تدمر الكبير، حيث كان الناس يحتشدون قبل ألفي عام لمشاهدة مسرحيات يوربيديس وسوفوكليس، حدثت قبل أشهر مفارقة لافتة. فقد حوّل مقاتلون متشدّدون، ومعظمهم مراهقون، المكان إلى ساحة لحفلات إعدام جماعية لأفراد من الجيش السوريّ النظاميّ.
    وكانت هناك مفارقة أخرى، ففي هذه المنطقة التي كانت تحكمها ملكة قويّة في العصور الخوالي، أصبحت النساء اللاتي لا يخضعن للأفكار المتزمّتة لهذه الجماعات يُعاقَبن ببيعهنّ في سوق الرقيق.
    ربّما لهذا السبب تكتسب قصّة الملكة السورية زنوبيا أهمية خاصّة هذه الأيّام، إذا ما تذكّرنا جرائم هذه الجماعات ضدّ النساء ورفضها للحداثة واضطهادها لأتباع الديانات الأخرى وإلغاءها للتاريخ.
    كما أن قصّة زنوبيا تسلّط الضوء على الأدوار المهمّة للنساء في المجتمع والسياسة وتدحض الفكرة القائلة أن انجازات العالم القديم يُعزى فيها الفضل تحديدا وحصرا إلى الغرب.
    وسيرة حياة زنوبيا تذكّر أيضا بنساء أخريات خُضن ميادين السياسة وحكمن دولا وممالك في الشرق القديم، مثل بلقيس، ومثل الملكة أروى بنت احمد الصليحي التي كانت أوّل ملكة في الإسلام وحكمت اليمن لأربعين عاما، ومثل تين هينان ملكة الطوارق التي وحّدت قبائل الامازيغ وأسّست لهم أوّل مملكة في الجبال تحت زعامتها في القرن السابع الميلادي.
    أسماء زنوبيا كثيرة: زينب، الزبّاء، وبات زاباي "بالآرامية". المؤرّخ غيبون أسهب في وصف جمالها وقوّة شخصيّتها. وتشوسر ذكرها في "حكايات كانتربري". والطبريّ أكّد على نسَبها العربيّ وأشار إلى أن اسمها "زينب".
    ومنذ القرن الرابع عشر، ظهرت أعمال أدبية ومسرحية كثيرة تتحدّث عن هذه المرأة وعن حياتها. وهي أحيانا تنافس كليوباترا في جمالها وتأثيرها. والحقيقة انه من الصعب فصل الحقيقة عن الأسطورة في سيرتها. لكن يمكن القول أنها كانت إحدى أنبل وأذكى النساء في الشرق.
    والد زنوبيا كان قاضيا على تدمر، وعائلتهم تمتّ بصلة قرابة لبعض قبائل الصحراء العربية. وكانت ثقافتها مزيجا من العربية واليونانية.
    بدأت تدمر كواحة ومركز للتجارة في صحراء سوريا الشرقية. ثم انفتحت المدينة على العالم، وأصبحت القوافل القادمة من الصين والهند والجزيرة العربية تمرّ عبرها في طريقها إلى روما. وبعد ذلك، ضمّها الرومان إلى إمبراطوريّتهم، ونالت المدينة تحت حكمهم قدرا كبيرا من الاستقلال الذاتيّ الذي لم يُمنح لأيّة مدينة من قبل.
    وهناك قصّة تُروى عن والد زنوبيا، الزعيم الصحراويّ الكبير الذي كانت له زوجات وأبناء كثر. إذ يقال انه كان بحاجة إلى ابنة كي تبرم بالنيابة عنه الاتفاقيات مع القبائل المجاورة. ولم يمضِ وقت طويل حتى رُزق بزنوبيا.
    كانت امرأة مثقّفة تجيد لغات عديدة، بالإضافة إلى اللغتين العربية والآرامية. وقد أحضرت من أثينا معلّما يونانيّا مشهورا كي يكون معلّمها ومستشارها. وبمساعدته أسّست مدرسة للفلسفة في مدينة آفاميا المجاورة.


    مجتمع تدمر كان وثنيّا في غالبيّته، لكن كان المسيحيون واليهود يشكّلون جزءا من نسيجها الاجتماعيّ والدينيّ. وثمّة احتمال بأن زنوبيا نفسها كانت من يهود العرب بحسب بعض الروايات.
    وقد تزوّجت في ما بعد من اوديناتوس "أو أذينة" ملك تدمر بعد أن وافقت على أن تصبح زوجته الثانية. لكن في ما بعد، أي في عام 267، اغتيل الزوج مع أحد أبنائه فنصّبت نفسها ملكة على تدمر. وكان غريبا أن يحدث مثل هذا في قلب العالم الذكوريّ للصحراء العربية.
    وخلال ثلاث سنوات من حكمها لتدمر، شنّت زنوبيا هجوما على مصر اليونانية. وبحلول عام 270، كانت قد استولت على أكثر أراضي مصر وسوريا وآسيا الصغرى، أي حوالي ثلث أراضي الإمبراطورية الرومانية. ثم لم تلبث أن أعلنت استقلالها عن روما.
    وقد انزعج الرومان من قرارها بالانفصال. وبينما كانت تعزّز سلطتها، توالى على حكم روما ثلاثة أباطرة. لكن عندما تسلّم الإمبراطور اورليانوس السلطة، اثبت انه أكثر مقدرة من أسلافه.
    في البداية، كان اورليانوس منشغلا بحملاته في الغرب، ولمّا انتهى وجّه أنظاره نحو تدمر وزنوبيا. كان يدرك خطورة استيلائها على مصر، لذا أرسل احد جنرالاته لاستعادتها على الفور.
    ثم أتى اورليانوس بنفسه إلى سوريا، وأحكم الحصار على تدمر. وقد سعت زنوبيا إلى طلب المساعدة من الفرس الساسانيين الذين كانوا يشاطرونها كراهيتها للرومان.
    وذهبت إلى فارس بالفعل على ظهر جمل، لكن اورليانوس علم بهربها فأمر بأسرها. وقُبض عليها في منطقة قرب نهر الفرات وسُلّمت إليه. وبعد أن علم أهل تدمر عن أسر ملكتهم، فتحوا أبواب المدينة طوعا أمام الجيش المنتصر.
    وكما تقضي أعراف الرومان الفاتحين، أُخذت زنوبيا المنهزمة مع أبنائها إلى روما بعد أن قُيّدت يداها ورقبتها بسلاسل من ذهب وعُرضوا في شوارع المدينة.
    لكن اورليانوس احترم عدوّته السابقة ولم يسمح بإذلالها وأعفاها من المصير الذي يلقاه عادة أعداء روما المنهزمين الذين كانوا يعادون إلى السجن بعد عرضهم أمام الناس ثم يتمّ خنقهم في طقوس خاصّة.
    وبدلا من ذلك، مُنحت زنوبيا منزلا عاشت فيه حياة هادئة حتى أواخر أيّامها، ورأت أبناءها يتزوّجون من أنبل عائلات روما، أو هكذا تقول الأسطورة.
    ومن حسن الحظّ أن كتابات أشخاص مثل بوكاتشيو وتشوسر وغيبون هي التي أبقت على قصّة هذه المرأة حيّة في الأذهان عبر العصور المتعاقبة.
    في أواخر تسعينات القرن الماضي، بثّ التلفزيون السوريّ مسلسلا عن حياة زنوبيا شاهده الكثيرون في أرجاء العالم العربيّ. وبعد سنوات من بثّ ذلك المسلسل، تحوّلت سوريا إلى واحد من أكثر الأماكن عنفا ومأساوية في العالم.
    الفظائع الرهيبة التي ارتكبتها أطراف الحرب هناك تتناقض مع أجواء تلك الدراما التي مات لاعبوها قبل ألفي عام وما يزال لها صلة بعالم اليوم.
    زنوبيا هي قصّة امرأة عربية أصبحت أيقونة بتجسيدها القوّة الفكرية والبطولة الأخلاقية للنساء في الشرق. فقد تحدّت قوّة روما، أعظم امبراطورية في ذلك الوقت. وكادت تنجح في تأسيس دولة مستقلّة عندما طلبت من الرومان أن يعترفوا بها كشريكة مساوية في الحكم.
    ربّما كانت طموحات زنوبيا اكبر من إمكانياتها. لكن فكرة أن تكون إمبراطورة عربية أنثى مساوية لسلطان روما ما تزال تثير الفضول وتشغل أحلام الكثيرين. ويبدو من المناسب هذه الأيّام أن تعاد هذه المرأة إلى مكانها الذي تستحقّه في الذاكرة الشعبية.
    في زمن تالٍ، وبالتحديد عام 1400م، اكتسحت جيوش المغول تدمر ونهبتها قبل أن تختفي هذه المملكة نهائيا في غياهب النسيان. ولم تُكتشف أطلال المدينة إلا في القرن الثامن عشر، لتتحوّل بعد ذلك إلى واحد من أشهر وأهمّ المواقع الآثارية والتاريخية في المنطقة.

    Credits
    allempires.com

    Monday, October 23, 2017

    جون فريدريك لويس في مصر


    كان جون فريدريك لويس (1805-1876) رسّاما انجليزيا مشهورا. وهو معروف، أساسا، بسلسلة لوحاته التي استلهمها من فترة إقامته في مصر والتي دامت عشر سنوات. وكثيرا ما توصف تلك الصور بأنها تجسيد حيّ للمَشاهد الواقعية التي رآها الرسّام أثناء إقامته في القاهرة.
    وبعض النقّاد يشيرون إلى انه كلّما تمعّنت في لوحات لويس تلك، كلّما أدركت أنها ليست فقط عن الآخر، أي عن الحياة في مصر في منتصف القرن التاسع عشر، بقدر ما هي أيضا عن الذّات، أي عن الرسّام نفسه. السرد في هذه الصور أكثر من الدراما الشرقية.
    ورؤية لويس عن مدينة القاهرة وأهلها تظهر واضحة في لوحاته على عدّة مستويات. فهي من ناحية، ذكرى عن ماضي الرسّام كفنّان مغترب، كما أنها انعكاس لدوره كوسيط ثقافيّ بين الحضارتين الشرقية والغربية اللتين عاش في إطارهما.
    زار جون فريدريك لويس القاهرة في زمن كانت فيه الثقافة الإسلامية تكشف عن نفسها للأوربّيين لأوّل مرّة. وباستثناء لوحته "نساء في القاهرة"، فقد رسم كلّ لوحاته المهمّة عن تجربته في مصر بعد أن غادرها، أي في السنوات الخمس والعشرين التي سبقت وفاته في عام 1876. والعديد من تلك اللوحات التي نفّذها بعد عودته إلى انجلترا رسمها من تجاربه ومن ذاكرته. لذا كان هناك دائما شكّ في أصالة صوره وفي الدوافع من ورائها.
    والسؤال الذي كان يثار دائما هو: لماذا انتظر لويس ربع قرن قبل أن يرسم الأماكن التي عاش فيها في مصر؟ هل أراد أن تكون اللوحات شهادته البصرية على ما رآه، خاصّة انه لم يترك بعد وفاته أيّة سجلات أو أدلّة مكتوبة عن حياته في القاهرة؟
    بعد أن عاد لويس إلى بلده كان يرسم من ذكرياته أو من الاسكتشات والصور التي جلبها معه من رحلته. وهذه أصبحت صورا ثابتة قام بإعادة ترتيبها في عقله، ومنها أيضا ظهرت صور أخرى مشابهة.


    كان الفنّان مفتونا بمصر وقد أحبّ أهلها كثيرا. وعاش هناك، مثل آكلي الّلوتس، حياة حالمة وكسولة ومخدّرة. وأعظم المتع التي وجدها في ذلك البلد كانت الحياة في الصحراء والعيش في الخيام. كان يدخّن ويأكل مع العرب ويتحاور معهم، وكانت له تأمّلاته الهادئة في النجوم التي تزيّن سماء الصحراء العربية في الليل.
    وعندما تزوّج في الإسكندرية من شابّة انجليزية تُدعى ماريان هاربر، أصبح لويس يجد صعوبة في الاستمرار في العيش في مجتمع شرقيّ، ولذا قرّر أن الوقت قد أزف كي يعود إلى وطنه.
    وعندما عاد هو وزوجته، كانت انجلترا قد تغيّرت كثيرا. رسوماته التي أكملها في لندن كانت تناسب موضة ذلك الزمان، ففيها جانب سرديّ كما أنها تصوّر مواضيع حقيقية. وقد ضمّن لوحاته إيحاءات شاعرية وتأثيرات زخرفية. ألوانه الساطعة ونسيجه الفخم وتجاربه مع الضوء كانت تعكس الفخامة والبذخ والرفاهية التي ارتبط بها الشرق في عقول الغربيين.
    لوحته الوحيدة التي رسمها في مصر كان اسمها نساء في القاهرة ، وفيها يعرض أفضل ما لديه من مواهب. المنظر في هذه الصورة وصفيّ وشرقيّ. إلى اليسار، نرى باشا وسيماً يجلس في ديوانه المزيّن بأثاث فخم ورائع الألوان. وإلى يمينه، يستلقي غزال صغير. وإلى يساره، تجلس ثلاث نساء وخلفهم خادمة سمراء.
    وفي منتصف الصورة، يقف حارس مخصيّ بصحبة جارية جديدة. والباشا يحني جسمه إلى الأمام كي يتفحّص المرأة. المروحة المصنوعة من ريش الطاووس، والغزال المروّض، والنسيج الرائع الألوان، كلّ هذه العناصر تضيف غموضا إلى هذا المنظر الشرقيّ الخالص. واهتمام الرسّام بالشكل واللون والنسيج والضوء يجعل كلّ تفصيل في اللوحة يبدو بمنتهى الدقّة.


    ضوء الشمس في اللوحة يدخل عبر فراغ المشربيّات خلف الرجل ويسقط على الأرائك والألبسة الملوّنة. والمكان يدلّ على الفخامة والثراء. والمنظر بأكمله يعطي انطباعا بأن لويس كان يرسم ما رآه فعلا وليس شيئا من نسج الخيال. وهؤلاء النسوة، أي زوجات الباشا اللاتي يبدين مسترخيات في منزلهنّ الباذخ والمحميّ، لسن محرومات أو غير سعيدات. وحضورهنّ هنا كشاهدات على وصول امرأة جديدة إلى البيت يدلّ على أن هذا كان أمرا مسموحا به وغير مستهجَن.
    في ذلك الوقت، كان المجتمع الفيكتوريّ الانجليزيّ يقدّر ويتفهّم الدراما المتضمّنة في هذه الصورة. فالنساء غالبا ما يقدّمن تنازلات، كما أن الرجال والنساء معا يتبنّون أحيانا معايير مزدوجة.
    غير أن هناك ملاحظة مهمّة. فالباشا الشابّ لا يبدو من ملامحه انه مصريّ أو متوسّطيّ. واعتمادا على بعض الرسومات التي تصوّر لويس في تلك الفترة، يظهر الرسّام بشعر اسود وأنف مستقيم وبلحية وشاربين وملامح تشبه ملامح الباشا الظاهر في الصورة. أي أن الباشا يمكن أن يكون الرسّام نفسه.
    بعد سنوات سيعود لويس لرسم المنظر نفسه مع بعض الاختلافات في لوحة بعنوان رسالة معترَضة . وفيها يظهر الباشا بعد أن تقدّمت به السنّ جالسا في نفس ديوانه الوثير مع الغزال والنساء. وملامح الباشا الآن قريبة من ملامح لويس كما وصفه احد معارفه من تلك الفترة. "كانت له لحية بيضاء تسترخي بِنُبل على صدره وتستثير شعورا بالاحترام وتمنحه مظهر الباشاوات".
    لكن الفكرة في اللوحة الأخيرة مختلفة بعض الشيء. فبدلا من وصول امرأة جديدة كي يقوم بفحصها، يجب على الباشا أن يقرّر ما سيفعله في أمر خادمة قُبض عليها متلبّسة بحمل باقة ورد ورسالة. في منتصف اللوحة تقف المرأة المسئولة عن الحريم وهي تمسك بيد الخادمة المشتبه بها، بينما تمسك باليد الأخرى الأزهار والرسالة الغامضة، مع نظرة متشكّكة.


    وعبر زجاج النافذة الكبيرة في الخلفية، يلوح منظر لقبّة ومنارة احد المساجد. وفي كوّة بأعلى الجدار الأيسر، هناك مزهرية يابانية عليها صورة محارب ساموراي.
    هذه التفاصيل المهمّة التي تتداخل مع الدراما في أسفل اللوحة كانت تثير إعجاب المجتمع الفيكتوريّ، وكان الناس هناك يُسرّون بقراءتها. ولا بدّ أنهم فهموا مغزى الرسالة، وهي أن المرأة، سواءً كانت في القاهرة أو في لندن، في الشرق أو في الغرب، تخضع لنفس النظام الأبويّ. ولويس بعينه المتامّلة والفاحصة كان يعبّر عن مثل هذه الأشياء ببراعة من خلال فرشاته الدقيقة والكاشفة.
    قبل وفاته ببضع سنوات، استخدم الرسّام زوجته ماريان كموديل للوحة بعنوان قيلولة . وهي عبارة عن بورتريه جميل تظهر فيه الزوجة وهي نائمة في غرفة مع طاولة تصطفّ فوقها ثلاث مزهريات. إحداها تحتوي على أزهار الخشخاش التي ترمز عادة للنوم والسلوى، والثانية تحتوي على أزهار السّوسن البيضاء التي غالبا ما ترمز للطهر والحشمة والجمال.
    لكن ماريان النائمة ترتدي نفس الفستان الأخضر والوشاح الأحمر الذي ترتديه الخادمة في اللوحة السابقة. في لوحات لويس، العناصر المتداخلة حاضرة دائما. ترى هل هذه مصادفة أم أمر مقصود، وماذا يعني؟
    وفي لوحته كاتب الرسائل، نرى رجلا مُسنّاً يكتب رسالة. وإلى جواره تجلس خادمته التي تسند جسدها على صندوق مزخرف تُحفظ فيه الأوراق وأدوات الكتابة. وهناك أيضا امرأة أخرى ترتدي البرقع مع فستان بألوان برتقالية ورمادية.
    تركيز الرسّام على النسيج والقماش واللون والضوء أمر مألوف. لكنْ خلف فتحات المشربية هناك رجل. هل وضعه الرسّام في ذلك المكان بالمصادفة أم أن له دورا يلعبه في القصّة؟ هل هو حارس؟ جاسوس؟ وهل هذه رسالة حبّ؟ هل يكون هذا الرجل هو لويس نفسه الذي يلاحظ عالَما يعيش ضمنه لكنه لا يلعب فيه دورا حقيقيا؟


    كان جون فريدريك لويس يُكثِر من استخدام المرايا في لوحاته. وهو يستخدمها كأداة لإضافة عناصر جديدة إلى المشهد ولاستعادة مناظره المبكّرة عن النساء. في لوحة بعنوان نساء في القسطنطينية، هناك مرآة على الجدار. وهو يضمنها في اللوحة لكي يوسّع المشهد ويضيف إليه المزيد من العناصر. وربّما كان الفنّان يقصد أن حياة هؤلاء النسوة أكثر تعقيدا من المظاهر الباذخة وحالة الشعور بالأمان التي توحي بها صورهنّ.
    في نفس اللوحة نرى قطّة صغيرة ترفع مخلبها باتجاه مروحة من ريش الطاووس تمسك بها صاحبة المنزل على سبيل المداعبة. وضوء الشمس يخترق النافذة ويسقط على فراء القطّة وعلى الأريكة البيضاء. التفاصيل المدهشة والفانتازية للويس جعلت لوحاته ذات شعبية كبيرة بين أوساط الجمهور في زمانه الذين كانوا مفتونين بمناظره الغرائبية والمشمسة عن بلدان بعيدة.
    كان الرسّام قد ذهب في عام 1840 إلى اسطنبول "أو القسطنطينية كما كانت تُسمّى آنذاك" وأقام بها عاماً قبل أن يذهب إلى مصر. ولم يرسم لوحته السابقة إلا بعد ستّ سنوات من عودته إلى انجلترا.
    توفّي جون فريدريك لويس في أغسطس من عام 1876. وبعد موته بعام قامت زوجته ببيع كافة متعلّقاته من رسومات ودراسات وكتب وصور وأزياء في مزاد علنيّ. لكنه ما يزال يعيش إلى اليوم كإنسان وكفنّان من خلال رسوماته.
    مناظره عن القاهرة هي بمثابة شهادته عن مدينة رائعة عاش فيها عشر سنوات بعد أن أحبّها وألِف أهلها. وقد ترجم ما رآه هناك إلى صور كان من السهل على المجتمع الفيكتوريّ أن يفهمها ويقدّرها. كما أن حياته ونوعية أفكاره أسهمت في إضفاء الكثير من اللمسات الغريبة والغامضة والفاتنة على لوحاته.

    Credits
    eduref.org

    Wednesday, October 18, 2017

    بابا هايدن

    من أهمّ الشخصيات التي تركت أثرا كبيرا في عالم الموسيقى الكلاسيكية المؤلّف الموسيقيّ النمساويّ جوزيف هايدن. ويُعزى إلى هايدن الفضل في ابتكار الرباعيات الوترية، وحتى السيمفونيات بالإضافة إلى عدد آخر غير قليل من الأشكال الموسيقية.
    كان هايدن معلّما وصديقا لموزارت. وهو أوّل من تنبّأ لوالده بأن ابنه سيكون له شأن في الموسيقى. كما علّم بيتهوفن، رغم أن علاقتهما تخلّلتها فترات من الخصومة والجفاء بسبب عصبية بيتهوفن وميله للشكّ في كلّ شيء. لكن بيتهوفن ظلّ على الدوام يعبّر عن تقديره واحترامه الكبيرين لمعلّمه.
    ترك هايدن تراثا موسيقيا عظيما. التسجيل الكامل لرباعياته الوترية وحدها يربو على العشرين ساعة من الموسيقى المتواصلة. والكثير من موسيقاه لا تخلو من روح الدعابة والمرح، لأنه ضمّنها قفلات طريفة و مفاجآت إيقاعية لا تخطر أحيانا على البال.
    الغريب انه بعد وفاة هايدن بفترة قصيرة، تسلّل إلى قبره مجموعة من الأشخاص الذين كانوا يبحثون في علاقة شكل جمجمة الإنسان بملكاته العقلية، فنبشوا قبره وقطعوا رأسه ثم أعادوا دفن جثّته من جديد. ولعدّة سنوات لم يلاحظ السرقة احد، وبعد مرور مائة وخمسين عاما على الحادثة أعيد الرأس ليُدفن مع الجثّة مرّة أخرى.
    ولد هايدن في مارس من عام 1732. في ذلك الوقت، كانت تهيمن على أوربّا مجموعة من السلالات الملكية: عائلة هانوفر في انجلترا، والبوربون في فرنسا، وهابسبيرغ في النمسا. وكانت أسرة هايدن تعيش في بلدة على الحدود بين النمسا والمجر.
    وقد تأثّر منذ طفولته بحبّ والده للموسيقى الشعبية. رئيس مدرسة الموسيقى في كاثدرائية البلدة لاحظ موهبة الصبيّ الموسيقية، فقرّر ضمّه إلى فرقته. ثم اشترى له والده "ارغن" مستعملا وبدأ يتعلّم عليه العزف. وفي تلك الأثناء تعرّف على موسيقيّ ايطاليّ يُدعى نيكولا بوربورا الذي علّمه التأليف الموسيقيّ.
    وفي عام 1759، استدعاه وجيه يُدعى الكونت مورزين كي يشرف على الاوركسترا الخاصّة بقصره. وهناك ألّف هايدن أولى سيمفونياته. وقد اجتذبت موسيقاه اهتمام الأمير بول ايسترهازي الذي عيّنه نائبا لمدير الفرقة الموسيقية لديه.
    ثم انتقل إلى بلاط آيزنستات التابع لهذه العائلة الهنغارية المشهورة بنفوذها وثرائها. الأمير نفسه كان يجيد العزف على التشيللو والكمان. وقد أراد أن يحسّن صورة البلاط بتشجيع الموسيقى الاوركسترالية والاوبرالية، لذا عهد إلى هايدن بتلك المهمّة.
    وبعد موت بول ايسترهازي خلفه أخوه نيكولاس الذي كان هو الآخر محبّا للموسيقى، فأمر هايدن بأن ينتج المزيد من الأعمال الموسيقية. وكان الأمير الجديد يجيد العزف على آلة الباريتون، وهي آلة موسيقية مقوّسة الشكل وذات ستّة أوتار. وقد أتقن هايدن نفسه العزف على هذه الآلة وألّف أكثر من مائة وخمسين لحنا قدّمها إلى الأمير كي يعزفها.


    في عام 1764، زار نيكولاس ايسترهازي قصر فرساي الفرنسيّ، وقد ألهمته تلك الزيارة أن يبني لعائلته قصرا مشابها. وبالفعل بنى ما أصبح يُسمّى بـ قصر ايسترهازي العظيم . كان القصر يحتوي عند إكماله على أكثر من مائة وعشرين غرفة للضيوف، مع حدائق فسيحة شُيّدت فوق منطقة من المروج الممتدّة على ضفاف بحيرة نوسيدلر. وأصبح القصر مقرّا لإقامة هايدن.
    المكانة المتعاظمة لأسرة ايسترهازي كانت تعني أن على هايدن أن ينتج المزيد من الأعمال الموسيقية، فألّف على مدى سنوات أكثر من أربعة عشر عملا مسرحيا.
    وفي عام 1768، بنى الأمير مسرحا يتّسع لأربعمائة شخص كي تقام عليه العروض المسرحية وغيرها من الفعاليات التي ما تزال تقام إلى اليوم.
    غير أن الذين يخدمون في القصر، ومن بينهم هايدن نفسه، أصبحوا يعانون من الإحساس المتزايد بالعزلة في تلك المساحة الشاسعة من المروج المملّة بعيدا عن عائلاتهم. وقد ألهمت تلك الأجواء هايدن تأليف مجموعة من الألحان الكئيبة والمظلمة من بينها رباعيته الوترية رقم عشرين .
    ومن خلال تلك الألحان، تكرّست شهرة هايدن كمؤلّف مبتكر للرباعيات الكلاسيكية. وإحدى تلك القطع، وهي الرباعية الوترية رقم 33 ، نالت إعجاب موزارت لدرجة أن الموسيقيّ الصغير ألّف، هو الآخر، مجموعة من الرباعيات المماثلة وأهدى ستّاً منها لهايدن.
    في عام 1784، كُلّف هايدن بتأليف سيمفونيات في فرنسا، وهي ما أصبحت تُسمّى بسيمفونيات باريس. وقد أدّى ذلك إلى انتقال شهرته إلى اسبانيا، فدعته إحدى الكاثدرائيات في قادش لتأليف مجموعة من الأعمال الدينية. وقد كوفيء على عمله بإهدائه كعكة شوكولاتا ضخمة مُلئت بالعملات الذهبية.
    في عام 1790، توفّي الأمير نيكولاس ايسترهازي. وبعد الثورة الفرنسية، قام ابنه الذي خلفه، ويُدعى انطون، بتسريح الاوركسترا، لكنه أمر بأن يُدفع لهايدن راتب تقاعديّ تقديرا منه لخدمته الطويلة والمتميّزة لعائلته.
    وفي عام 1791، ذهب هايدن إلى لندن، وهناك عُومل كضيف مهمّ، ومنحته جامعة اوكسفورد درجة شرفية. وردّ هايدن على التحيّة بتأليف سيمفونية اسماها سيمفونية اوكسفورد أو السيمفونية رقم 92.
    وأثناء إقامته في لندن التي دامت بضع سنوات، شعر هايدن بارتباط خاصّ بالمدينة. وقد أُعجب كثيرا بالنشيد الوطنيّ الانجليزيّ وبتأثير ذلك النشيد في توحيد الانجليز وتقوية مشاعرهم الوطنية. وكان يدرك حاجة بلده النمسا إلى نشيد وطنيّ يوحّدها في وجه تهديدات نابليون بغزو أراضيها. وقد ألف فعلا نشيدا أصبح في ما بعد هو النشيد الوطنيّ للنمسا وألمانيا.
    ويقال أن هايدن كسب في لندن في سنة واحدة ما كسبه في عشرين عاما من خدمته في قصر ايسترهازي. وقد بذل الانجليز محاولات عدّة لاستبقائه في انجلترا. لكن بعد موت الأمير انطون ايسترهازي وتولّي الأمير نيكولاس الثاني الحكم، أمر الأخير بأن يعود هايدن إلى النمسا وأن يُعيَّن مستشارا موسيقيّا له.


    في سنّ التاسعة والخمسين، عاد هايدن إلى بلاط آيزنستات وبدأ عملية إعادة ترتيب الحياة الموسيقية في البلاط الجديد. وفي عام 1796، كتب كونشيرتو الترومبيت المشهور. غير أن الأمير الجديد لم يكن مغرما بالموسيقى الآلاتية، فأمر هايدن بتأليف عدد من الأناشيد الدينية، وقد ضمّنها الأخير معرفته الواسعة بالأوبرا والسيمفونيات.
    من بين أعمال هايدن التي كتبها في تلك الفترة سيمفونيته السادسة والتسعين . وكان تقديمها للجمهور مناسبة عظيمة، ليس لأن السيمفونية كانت تحفة فنّية فحسب، وإنما لأن نجفة ضخمة سقطت من السقف أثناء الحفل. وقد اكتسبت السيمفونية اسمها الآخر، أي المعجزة، لأن أحدا من الحضور لم يُصب بأذى في تلك الحادثة.
    في تلك الأثناء، عزف هايدن وموزارت معا عددا من الرباعيات في فيينا. كان موزارت يحترم هايدن كثيرا ولطالما دعاه لحضور حفلاته. وكان هايدن يردّ بالتعبير عن إعجابه الشديد بالعبقريّ الصغير. وفي الحقيقة كانت الموسيقى التي عُزفت في جنازة هايدن في ما بعد هي القدّاس الجنائزيّ الذي كتبه موزارت قبيل وفاته.
    في عام 1804، غادر هايدن نهائيا أسرة ايسترهازي بعد خدمة دامت أربعين عاما. وأقيم على شرفه حفل حُمل إليه على أريكة خاصّة وعُزفت خلاله سيمفونيّته الخليقة .
    كان عمر هايدن آنذاك قد شارف على السادسة والسبعين. وقد حضر الحفل عدد من كبار الموسيقيين، كان من بينهم بيتهوفن وسالييري الذي قاد الاوركسترا. وقد دُهش هايدن من حرارة الاستقبال الذي حظي به، ثم أمر بأن يُنقل إلى بيته، ولم يظهر بعد ذلك على الملأ أبدا.
    وعندما بدأ نابليون غزو الأراضي النمساوية في عام 1809، كان هايدن يقضي أيّامه الأخيرة في منزله في إحدى ضواحي فيينا . كان وقتها قد أصبح شخصية محترمة ومعروفة في عموم أوربّا. وكبادرة احترام، أمر نابليون بوضع حارسين خارج منزله كي يقوما على خدمته في سنّه المتقدّمة تلك.
    كان هايدن معروفا بتواضعه وحسّه الأبويّ تجاه كلّ من عرفه، ولهذا كان يُكنّى "بابا هايدن". وكان من عادته أن يبدأ كلّ حفلة له بقوله "باسم الربّ". لكنه أيضا كان معروفا بحبّه للدعابة وقد نقل ذلك الإحساس إلى العديد من مؤلّفاته.
    المعروف أن هايدن عانى طوال حياته من التهاب الجيوب الأنفية، وكان هذا وضعا غير مريح له وأدّى إلى إصابته باعوجاج في عظمة أنفه.
    واعترافا بما تركه من إرث موسيقيّ عظيم، أُطلق اسمه على كويكب سيّار يقع بين المرّيخ والمشتري اكتشفه العلماء عام 1973.

    Credits
    classicfm.com

    Saturday, October 14, 2017

    الروميّ بعيون أمريكية


  • سلام على أولئك الذين رأوا جدار روحك يوشك أن ينقضّ، فأقاموه ولم يفكّروا في أن يتّخذوا عليه أجرا.
    - الروميّ

    أصبح محمّد بن جلال الدين البلخيّ، المعروف بالروميّ، الشاعر الأكثر انتشارا والأفضل مبيعا في الولايات المتحدة اعتبارا من عقد التسعينات.
    والأقوال المنسوبة إليه تتردّد يوميّا على شبكات التواصل الاجتماعيّ بوصفها أفكارا محفّزة وإضاءات على طريق الرحلة الروحية..
  • إستمع إلى صوت الناي كيف يبثّ آلام الحنين. يقول مذ قُطعتُ من الغاب وأنا احنّ إلى أصلي.
  • لا تجزع من جرحك، وإلا فكيف للنور أن يتسلّل إلى باطنك.
  • وضع الله أمامنا سلّما علينا أن نصعده درجة درجة. لديك قدمان فلمَ التظاهر بالعرج؟!
  • بالأمس كنت ذكيّا فأردت أن أغيّر العالم. واليوم أنا حكيم ولذلك سأغيّر نفسي.
  • قد تجد الحبّ في كلّ الأديان. لكنّ الحبّ نفسه لا دين له.
  • ما تبحث عنه يبحث عنك.
  • دع الماء يسكن، وسترى نجوما وقمرا ينعكس في كيانك.
  • مهمتّك ليست البحث عن الحبّ، بل البحث بداخلك عن تلك الجدران والحواجز التي تبقيه بعيدا عن روحك.
  • هذه الحياة اقصر من شهقة وزفيرها، فلا تغرس بها سوى بذور المحبّة.
  • لكَمْ تمنّيت أن أشدو حرّا مثل هذه الطيور، غير مبالٍ بكيفية تلقّي الناس لما أقول ولا بأيّ نغم أصوغه.
  • أينما كان النور فأنا الشغوف، وأينما كانت الزهرة فأنا الفراشة، وأينما كان الجمال فأنا العاشق، وأينما كانت الحكمة فهي ضالّتي.
  • ❉ ❉ ❉

    إن كنت قرأت الرومي في الولايات المتّحدة بترجمة انجليزية، فأغلب الظنّ أن ما قرأته كان بترجمة كولمان باركس. وباركس شاعر وأستاذ جامعيّ من تينيسّي، كما انه يزاول التدريس في جامعة جورجيا.
    والواقع أن معظم مترجمي الأعمال الأدبية، والشعرية خاصّة، لم يحظوا بشهرة عالمية. لكن باركس لمع نجمه في العديد من المناسبات والمنتديات الأدبية، وقام برحلة إلى أفغانستان حيث ولد الروميّ، وإلى إيران التي عاش فيها شطرا من حياته. وقد مُنح باركس درجة دكتوراة فخرية من جامعة طهران تقديرا له على الثلاثين عاما التي قضاها في الاشتغال على ترجمة أشعار الروميّ.
    الجاذبية الكبيرة للروميّ في الولايات المتحدة يمكن أن تُعزى إلى ترجمات باركس بالذات. وقد بيع أكثر من نصف مليون نسخة من كتبه، بينما من النادر أن يباع أكثر من عشرة آلاف نسخة من أيّ كتاب للشعر سواءً كان أصليّا أو مترجما.
    بدأ كولمان باركس ترجمته للروميّ عام 1976، عندما سلّمه معلّمه الشاعر والمترجم روبرت بلاي نسخة من ترجمة للروميّ أعدّها أ. اربري قائلا له: هذه القصائد بحاجة إلى من يحرّرها من أقفاصها". وكان يقصد أن تلك الأشعار المترجمة ذات صبغة أكاديمية جافّة، وهي بحاجة إلى من يعيد تكييفها بحيث تصبح مفهومة كي تروق للذوق الشعبيّ العام.


    قبل ذلك لم يكن باركس قد سمع باسم الروميّ، أي أن قصّته مع الشاعر بدأت خلال لقاء بالصدفة. ويقول انه عندما بدأ ترجمته للروميّ رأى في الحلم معلّما صوفيّا اخبره بأن يستمرّ في عمله.
    وبعد سنتين على بدء عمله قُدّم إلى المعلّم الذي كان قد رآه في الحلم. ولم يكن ذلك المعلّم سوى باوا محيي الدين، وهو صوفيّ سريلانكي يعيش ويدرّس في فيلادلفيا. وينسب باركس فهمه للصوفية وعشقه لشعر الروميّ لهذا الرجل، حيث كان يزوره أربع أو خمس مرّات في العام إلى حين وفاة محيي الدين في عام 1986.
    والبعض يشبّه علاقة باركس بمحيي الدين بعلاقة الروميّ وشمس التبريزي التي كانت علاقة غامضة بين أستاذ وطالب أو بين عاشق ومعشوق أو بين عارف ومُريد.
    والمعروف أن الروميّ لم يبدأ حياته كمتصوّف، وإنّما كشاعر. وهو يوصف عادةً كداعية وعالم مسلم، تماما كما كان والده وجدّه. لكن في سنّ السابعة والثلاثين، قابل شمس الذي ربطته به علاقة صداقة متينة لثلاث سنوات.
    وبعد وفاة شمس التبريزي، مقتولا على الأرجح، بدأ الروميّ كتابة الشعر. ومعظم شعره الذي بين أيدينا اليوم نظمه ما بين سنّ السابعة والثلاثين والسابعة والستّين. وقد كتب معظم قصائده إلى الرسول الكريم وإلى شمس نفسه. وديوانه "المثنوي" ما يزال يُتلى ويُغنّى ويُستخدم كمصدر للإلهام في الروايات والأشعار والأفلام والموسيقى.
    يقول باركس إن ترجماته لأشعار الروميّ تجتذب الجمهور الحديث لأنها تقرّبهم من روح الرومي. غير أن منتقديه يتساءلون: هل هي روح الروميّ فعلا أم روح باركس التي ترى في أشعار الروميّ نوعا من الروحانية الحديثة؟
    وبنظر هؤلاء، فإن باركس اغرق السوق بـ "روميّ" مختلف أصبح يرمز إلى شخص لا يلتزم بأيّ تراث خاصّ ويبحث عن الحبّ قبل بحثه عن الإيمان. وهذه السّمة مألوفة كثيرا في الأدب الأمريكيّ خاصّة.
    ويبدو أن ترجماته المعدّلة لأشعار الرومي صُنعت كي تناسب أذواق الجمهور الواسع والباحث عن حلول روحية سريعة. والنتيجة، كما يقول منتقدوه، ظهور شاعر من العصر الجديد متخفّف من إسلام القرن الثالث عشر ومن أفكار وصور العصر الذهبيّ للشعر الفارسيّ الكلاسيكيّ.
    غير أن ما يترجمه، برأي البعض، ليس الروميّ. وهو لا "يفبرك" الترجمات كما هو شأن العديد من المترجمين الشعبيين الذين يستلهمون أعمال شعراء فارس الكلاسيكيين كالخيّام وحافظ. فترجمات باركس يمكن تصنيفها على أنها ترجمات ثانوية، أي أنها إعادة تصوير لترجمات أوّلية عن النصوص الأصلية.
    ولهذا السبب، يقول باركس أن ترجمته للروميّ اقلّ أكاديميةً وأكثر عاطفية. وهو بهذا، كما يقول منتقدوه، يحرّر نفسه من قيود النصّ الأصليّ، بينما يسمح لنفسه بالاستفادة مادّيّا من اسم الروميّ.
    لي شميت مؤلّف كتاب "أرواح حائرة" الذي يناقش فيه الروحانية في أمريكا يضع باركس في سياق سرديّ يتضمّن البروتستانتية وشعراء التسامي الأمريكيين أمثال ويتمان وثورو وإيمرسون.
    وشميت يعلّل شعبية ترجمات باركس للروميّ بالقول أنها تتماهى مع أفكار أيّ شاعر من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين أكثر من كونها تعبيرا حقيقيا عن أفكار الروميّ الأصلية.
    ترجمات باركس تقدّم حلولا للجوع الروحيّ في أمريكا، لأنها تجرّد شعر الروميّ من تعقيداته. لكن هذا لم يكن بلا ثمن. فأحد النقّاد كتب مؤخّرا يقول إن ترجمات باركس كانت مشوّهة، إذ انه أزال المفردات الغريبة من النصّ الأصليّ وحوّل مولانا، أي الروميّ، إلى شخص آخر مختلف.
    وقيل أيضا أن باركس فعل مثل الكثير من الشعراء الذين تعمّدوا تبسيط ترجماتهم كي يفهمها الناس العاديّون، بدلا من أن يبحثوا عن جوهر شعريّ عالميّ. والنتيجة انه قلّص النَفَس الشعريّ المميّز للروميّ بتحويل شعره إلى معالجات روحية مألوفة ومتفائلة وجاهزة.
    لكن بصرف النظر عما يقال، فإنه بفضل باركس أصبح الروميّ الشاعر المفضّل والأكثر شعبية عند الأمريكيين. وفي وسائل الإعلام يعتبره الكثيرون الرجل الذي قدّم الروميّ إلى الغرب.

    Credits
    colemanbarks.com
    openculture.com

    Monday, October 09, 2017

    لعبة المرايا

    أعظم رسّامَي بورتريه في تاريخ الرسم لم يكن أيّ منهما يعرف عن وجود الآخر، رغم أنهما عاشا في عصر واحد. الأوّل رمبراندت (1599-1660) والثاني دييغو فيلاسكيز (1606-1669).
    والسبب في أنهما يتصدّران قائمة رسّامي البورتريه في العالم هو أن أيّ وجه رسماه لم يُكتب له الخلود فحسب، وإنّما أيضا اكتسب سمة ميتافيزيقية وغامضة. ثمّة جاذبية فلسفية واضحة في طريقة رمبراندت وفيلاسكيز في النظر إلى البشر. ومع ذلك فإنهما - كرسّامَين - مختلفان.
    رمبراندت في بورتريهاته التي رسمها لنفسه ينظر إليك بمعرفة عميقة للحياة. أما شخوص فيلاسكيز فينظرون بطريقة تخاطب المشاعر، لكنها لا توصل أيّ حكمة. ورمبراندت يؤكّد على الكرامة الإنسانية، أما فيلاسكيز فغير متأكّد. لكنه ينظر بعين محايدة ومتحرّرة من المجاملة والفانتازيا، وهي صفة طالما امتدحه عليها الايطاليون.
    اطلب من أيّ فنّان أو فيلسوف أو شاعر اليوم أن يسمّي لك أعظم لوحة في العالم، والأرجح انه سيقول لك أنها وصيفات الشرف ، أكثر من عشاء ليوناردو الأخير وليلة فان غوخ المرصّعة بالنجوم ومدرسة أثينا لرافائيل.
    ولو ذهبت إلى مدريد وزرت متحف برادو، فستلاحظ وجود غرفة عالية مثمّنة الأضلاع في وسط المتحف حيث تُعلّق الوصيفات. والزوّار يمرّون جيئة وذهابا من أمام اللوحة متأمّلين ودارسين.
    الثقافة المعاصرة تمجّد هذه الصورة كثيرا، لأنها تجد فيها مرآة للوعي الحديث بالذات أكثر من كونها أيقونة فتنت أجيالا عديدة متعاقبة.
    وصيفات الشرف لوحة ضخمة بما يكفي لأن تنافس الحياة. وهي تطلب منك أن تتأمّلها في فراغ ثلاثيّ الأبعاد. وهي تفعل هذا بخلق اتصال متوهّم بين الغرفة التي أنت فيها والغرفة التي في الصورة نفسها، كما لو انك تنظر إلى الوراء عبر الزمن؛ إلى داخل الغرفة الطويلة في قصر الكازار الاسبانيّ حيث نصب الرسّام عدّة الرسم قبل أكثر من ثلاثة قرون، وحيث ينظر إليك من زاوية في يسار اللوحة.
    غير أن فيلاسكيز لا يكتفي بدعوتك للدخول في الصورة، وإنّما يعتبرك أيضا شخصية خاصّة في مسرحية. المرايا والتأثيرات البصرية تلعب دورا مهمّا في معظم لوحات فيلاسكيز المشهورة.
    في فينوس أمام المرآة مثلا، تنظر ربّة الجمال إلى وجهها في مرآة، لكن انعكاسها المعتم لا يكشف شيئا عن مشاعرها.
    وفي أسطورة اراكني المستمدّة من تحوّلات اوفيد، يظهر مِغزل يدور بسرعة فائقة لدرجة انك يمكن أن ترى من خلاله ما وراءه. الطريقة التي يُمسك بها فيلاسكيز بالتأثير البصريّ هي بلا شكّ لعبته المفضّلة في فنّ الرسم.
    لقد رسم رمبراندت نفسه مرارا وتكرارا. لكن صورة فيلاسكيز الوحيدة هي هنا في تحفته "الوصيفات" الغامضة والمثيرة، والتي رسمها قبل أربع سنوات فقط من وفاته.
    فيلاسكيز في غرفة العائلة في القصر يعمل أمام القماش بصحبة ابنة الملك وحاشيتها. وأوّل شيء يمكن ملاحظته هو أن الجميع متجمّدون، واهتمامهم مركّز على وجودٍ ما خارج الإطار. نظرة الذين يعرفون عن ذلك الحضور هي باتجاهنا، أي باتجاه الملك والملكة المنعكسة صورتهما على الجدار الخلفيّ.


    أنت الملك، وأنت تقف بصبر من اجل أن يرسمك فنّان القصر الذي ينظر إليك من وراء رقعة الرسم. هذه هي الوضعية التي يتعامل بها فيلاسكيز مع الناظر إلى اللوحة. البورتريه الضخم لا يصوّر فحسب ملك وملكة اسبانيا اللذين لا يظهر منهما غير انعكاس صورتهما في المرآة، وإنّما يصوّر أيضا مشاعر التوتّر والقلق الذي تنطق به عيون الملك والملكة وبقية الجلساء في الغرفة. وفيلاسكيز بمعنى ما يرينا العالم من خلال عيني ملك.
    في اللوحة، الوصيفات اللاتي يرتدين ثياب خادمات، يقمن على رعاية الفتاة الصغيرة انفانتا مارغريتا ابنة الملك الصغرى التي ترتدي ملابس نفيسة حتى وهي تلعب أمام والديها. لكنها تنظر إليهما بقلق، بينما يباشر اثنان من أقزام البلاط مهمّة الترفيه عنها.
    انه عالم صغير، بارد وخطير. ولا احد في اللوحة يبدو في حالة استرخاء باستثناء المرأة التي تركل الكلب بقدمها.
    المشهد لا يخلو من طابع مسرحيّ. فالجميع يرتدون ملابسهم الرسمية، وسلوكهم يبدو في غاية النظام والانضباط. لكن عند الباب في الخلفية يظهر رجل. انه يحمل الأخبار المستجدّة عن إمبراطورية اسبانيا الشاسعة والموشكة على الأفول عندما كان فيلاسكيز يرسم لوحته.
    الملك الاسبانيّ فيليب الرابع كان من المفترض أن يكون سعيدا بهذا البورتريه العبقريّ والمفاهيميّ المبتكر. أما فيلاسكيز فقد أمطرت عليه السماء أوسمة ومكافآت من كلّ صوب.
    غير أن هذه اللوحة تجرح نسيج الواقع ووهم الهويّة من خلال لعبة المرايا التي وظّفها الرسّام ببراعة. هل الملوك والملكات يوجدون فقط في أعين الآخرين؟ وإذا كان هذا يصدق على الملوك، فمن نكون نحن؟ أنت وأنا والآخرون؟!
    فيلاسكيز ينظر إلينا من اللوحة بأدب وانضباط وبكثير من الصرامة. ذات مرّة، كتب الناقد الفرنسيّ ميشيل فوكو دراسة عن هذه اللوحة قال فيها إن النظرة الفولاذية للرسّام تحيل كلّ شيء آخر في الصورة إلى خواء.
    ترى ألم يلاحظ فيليب كيف شُوّهت ملامحه؟ صورته المنعكسة مع الملكة في المرآة الخلفية تبدو متلاشية وشبحيّة. لقد كان فيلاسكيز ببساطة يمسك بمرآة ليعكس من خلالها أوقاتا عصيبة. فقد كانت اسبانيا آنذاك تمرّ بحالة انهيار في كلّ شيء، وكان فيليب يدرك هذا جيّدا.
    هل يكون هذا هو السبب في أن الملك أمر بأن توضع اللوحة في غرفته الخاصّة وبعيدا عن الأنظار؟ المملكة التي كان فيليب يحكم أراضيها من بيرو إلى هولندا كانت تتضعضع شيئا فشيئا مع انعدام الأمن وتفشّي الفقر واندلاع الثورات في أطرافها. وربّما هذا هو السبب في أن وجه الملك يبدو حزينا مكفهرّا.
    إنها حقيقة مذهلة عن عالم كلّ شيء فيه له وجهان، وكلّ حقيقة هي في نفس الوقت كذبة، وكلّ مرآة هي تذكير قاسٍ بتقلّبات الزمن.
    عاش فيلاسكيز قريبا من الأحزان والمفارقات في القصر. وكثيرا ما تكون لوحات الرسّامين العظام شهادات على الواقع وعلى الخرائط السياسية الضائعة أو المتغيّرة. وهنا في هذه اللوحة، تتجمّع أشباح أسرة هابسبيرغ الملكية من وراء قارّة كاملة.
    إننا كثيرا ما نجد أشياء تجذبنا في بعض الرسّامين وفي لوحاتهم. والأكيد أن الوقت الذي نقضيه بصحبة دييغو فيلاسكيز ليس بالوقت الضائع أبدا.

    Credits
    diegovelazquez.org
    velazquezlasmeninas.com