:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة للمؤلف علي هادي اليامي ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Thursday, December 28, 2017

الصّديقان

سمعت هذه القصّة أكثر من مرّة فأعجبتني، وأظنّ أنها ستعجب القارئ، ليس بسبب ما تتضمّنه من دراما وإثارة فحسب، وإنّما أيضا للدروس والعبَر التي تقدّمها.
حدثت القصّة في بدايات القرن الماضي، وبطلاها شابّان كانت تربطهما صداقة حميمة. لكن ظروف الحياة وصعوبة العيش فرضت عليهما أن يفترقا. فذهب الأوّل إلى منطقة الزبير في العراق طلبا للرزق. كان العراق وقتها مقصدا للكثير من أبناء الجزيرة العربية بسبب سهولة الحياة فيه ووفرة الموارد وازدهار التجارة. أما الثاني فقد قرّر أن يبقى في نجد برغم ضنك المعيشة وندرة الأمطار وشحّ الموارد.
وصل الأوّل إلى الزبير بعد مسيرة شهر برفقة إحدى القوافل. وبعد أن تعرّف على المدينة وخالط أهلها وأَلِفوه وأَلِفهم، تيسّرت أموره ثم اشترى مزرعة وصار يعتاش على ما تنتجه من غلال وثمار. ثم امتلك بيتا وأصبح له اسم ومكانة بين أعيان المدينة.
وبعد سنوات، قرّر أن يتزوّج، فطلب يد ابنة احد كبراء الزبير، فوافق. وفي تلك الأثناء، تذكّر صديقه النجديّ القديم فبعث إليه برسالة مع إحدى القوافل يطلب منه فيها أن يحضر زواجه. كانت القافلة تستغرق في رحلتها إلى أيّ من الوجهتين ثلاثة أشهر: شهرا ذهابا، وشهرا للإقامة وإنجاز أمور البيع والشراء، وشهرا ثالثا في العودة إلى المكان الذي جاءت منه.
فكّر النجديّ في عرض صديقه، وفي النهاية عزم على أن يسافر إلى الزبير لحضور الزواج. وأثناء سفره إلى هناك، توفّي والد صديقه "الزبيريّ". وعندما وصل، أخفى عنه صديقه الخبر الحزين واستقبله بحفاوة وأقام له وليمة كبيرة، ثم أفرد له جزءا من بيته كي يقيم فيه.
وبعد أسابيع، وفي ساعة متأخّرة من إحدى الليالي، دخل المضيف على صديقه ليطمئنّ عليه فوجده يقلّب الجمر في الموقد الذي أمامه وقد علت وجهه علامات التفكير والوجوم. فسأله عن الأمر فتحفّظ في الإجابة، فاستحلفه أن يُعلمه إن كان بدر منه ما أغضبه دون قصد. فقال له: لم يأتِ منك قصور، لكن الليلة بعد أن صلّينا المغرب في الجامع، لمحت عند عودتنا إلى البيت امرأة يبدو أنها من نساء جيرانك، وقد بهرني جمالها لدرجة أن ملامحها لم تفارق مخيّلتي. ويبدو أنني وقعت في هواها. وأريد منك أن تطلب لي يدها إن كانت ما تزال عزباء".
فقال له صديقه: حصل خير. الآن عدد إلى نومك واترك لي الأمر لأتدبّره". وفي الصباح، ذهب الزبيريّ ليسأل عن المرأة وعن عائلتها، واكتشف أنها لم تكن سوى ابنة جاره التي كان قد خطبها لنفسه ودعا صديقه لحضور زواجه منها. فذهب إلى بيت عمّه وأبلغه عن تنازله عن ابنته لصالح صديقه بعد أن مدح له أخلاقه ونسبه، وأكّد له أن ابنته ستكون أكثر سعادة باقترانها به.
ولم يمانع والد الفتاة في الأمر. ولم تمرّ بضعة أيّام حتى تزوّجا ثم قال له صديقه: إن كنت تريد أن تعيش معي هنا فعلى الرحب والسّعة، وإن كنت تريد الرحيل إلى ديرتكم فسأجهّز راحلتكما خلال أيّام وأختار من تسافران معهم بأمان. وقرّر صديقه أن يرحل هو وزوجته إلى نجد.
ومرّت أشهر وبعدها سنوات تغيّرت خلالها أحوال الزبيريّ، فكسدت تجارته وشحّت زراعته. وشيئا فشيئا لم يعد يملك من أسباب الرزق ما يرغّبه بالبقاء في العراق. فقرّر أن يعود إلى نجد بعد أن باع مزرعته وصفّى أعماله.
كان صديقه النجديّ قد أصبح تاجرا معروفا وصار يتمتّع بسمعة طيّبة في أوساط التجّار في منطقته. وكان يتابع من بعيد أحوال صديقه الزبيريّ ويتقصّى أخباره من أصحاب القوافل.
وعندما وصل الزبيريّ إلى نجد، حلّ ضيفا على صديقه القديم فرحّب به وأقام له وليمة خاصّة، وقبل العشاء استخبره عن أحواله وتجارته في الزبير فحكى له كلّ شيء. ثم طلب منه مبلغا من المال كي يقيم له به تجارة بسيطة فقال له: ليس عندي من المال سوى القليل، لكنّي سأقصد التجّار الذين اعرفهم وسأطلب منهم أن يساعدوك بقدر ما يستطيعون".
وهنا تغيّر وجه صديقه وانقلب ارتياحه إلى غمّ ثم نهض من المجلس دون كلام، وعندما استوقفه صديقه للعشاء قال له: لا كثّر الله خيرك، عشاؤك كُلْه لوحدك! كنت أتوسّم فيك الخير وقد خيّبت ظنّي بعد كلّ ما فعلته لك". ثمّ انصرف من فوره.
خرج الزبيريّ من بيت صديقه حانقا مغضبا. وكان الوقت شتاءً والبرد على أشدّه. وأثناء سيره في تلك الليلة، رأى عند طرف إحدى المزارع بيتا خرِبا فالتمس فيه مأوى يحميه من البرد حتى الصباح. وقرّر أن يبيت هناك، على أن يذهب صباحا إلى أهل البادية المجاورة لعلّ احدهم يستأجره ليرعى حلاله.

وبينما هو نائم، دخل عليه في منتصف الليل رجلان ملثّمان يحملان صندوقا. وبينما هما يلتمسان طريقهما في الغرفة المظلمة تعثّرا به، وعندما اكتشفا وجود رجل غريب في المكان أمسكا به ثم قيّداه ظنّا منهما بأنه لصّ.
وعندما تأكّدا بأنه عابر سبيل فقير، فكّا وثاقه وهدّءا من روعه وقالا له: لقد وقعنا الليلة على كنز وسنضع هذا الصندوق بعهدتك، فاحتفظ به إلى أن نعود إليك عند الفجر. بقي الرجل مستيقظا حتى الصباح بانتظار عودة الغريبين، لكنهما لم يعودا. فأخذ الصندوق ودفنه في الخرابة دون أن يفتحه ليعرف ما بداخله.
ثم انتظر يومين وثلاثة دون أن يعود الرجلان، فشكّ في أنهما قد يكونان قُتلا أو حدث لهما مكروه. ففتح الصندوق ووجده مليئا بالجنيهات الذهبية، فأخذ حفنة منها ثم دفن الصندوق في طرف الغرفة وذهب إلى السوق القريب وجلس هناك يبيع ويشتري. ومن وقت لآخر، كان يذهب إلى البيت فيُخرِج الصندوق من مكانه ويفتحه ويأخذ منه بعض الجنيهات ثم يعود إلى تجارته في السوق.
ويوما بعد يوم، تحسّنت أحواله الماديّة وأصبح التجّار يتعاملون معه ويثقون به لأمانته واستقامته. وبعد فترة، أصبح يملك دكّانا ثم اثنين. ومع انتظام عمله وتزايد أرباحه، بنى له بيتا في طرف السوق وقام بتجهيزه وتأثيثه.
وفي إحدى الليالي، جاءته في البيت امرأة مسنّة مع ابنتها وسألته إن كان عنده احد، فقال لا. فعرضت عليه أن تقيم عنده هي وابنتها فتقومان على خدمته وتنظّفان بيته مقابل أن يوفّر لهما الطعام، فوافق.
أثناء عمله في السوق، لاحظ الرجل أن جميع زملائه من التجّار كانوا يذكرون صديقه القديم بالخير ويثنون على أخلاقه وكرمه وأمانته. وكان الزبيريّ يقول في نفسه أنهم لم يجرّبوه ولم يعرفوه مثلما عرفه، ولو علموا عن حقيقته لنبذوه واحتقروه. ثم جلس يفكّر في خطّة يكشف بها للناس حقيقة الرجل. وهداه تفكيره لأن يقيم وليمة كبيرة يجمع عليها أعيان المنطقة ثم يعزم صديقه معهم. وقرّر بينه وبين نفسه انه، سواءً حضر الرجل أم لم يحضر، فإنه سيخبرهم بما فعله معه.
أقام الرجل الوليمة، وكان قد أرسل إلى صديقه القديم يدعوه للحضور، فحضر. وعندما امتلأ المجلس، استأذن الرجل ضيوفه في أن يروي لهم قصّة. وقال: تعرّفت إلى رجل ونشأت بيننا صداقة قويّة، وقد ضحّيت من اجله بأغلى ما املك وآثرته على نفسي، لدرجة أنني تنازلت له عن المرأة التي كانت ستصبح زوجتي وزوّجتها له". وأضاف: لكن عندما ضاقت بي الحال وأصبحت معسرا، أتيته طالبا منه العون فتحجّج بالظروف وقال سأطلب من التجّار أن يساعدوك".
انفعل الحاضرون مما سمعوا وقالوا: هذا رجل ناكر للجميل وليس بالكفؤ ولا بالشهم، ولو عرفناه لصبّينا له في مؤخّرة الفنجال". كان من عادات أهل البادية انه إذا قصدهم رجل بخيل أو جاهل بعلوم الرجال صبّوا له القهوة في مؤخّرة الفنجان كي يُعْلموه أنهم استضافوه على كره منهم.
ثم استحلفه الحضور في أن يقول لهم اسم ذلك الشخص. فأشار إلى صديقه الجالس أمامه. لكن معظمهم لم يصدّقوا كلامه، بينما بدأ آخرون يوبّخون صديقه بشدّة ويهدّدونه بألا يسلّموا عليه أبدا بعد اليوم. وبعد لحظات صمت، وقف الرجل واستأذن في الكلام ثم قال: يا فلان، أسألك بالله أن تخبرهم عن قصّة الرجلين الملثّمين اللذين دخلا عليك في بيت الطين، وعن المرأتين اللتين ما تزالان تخدمانك في بيتك إلى اليوم". وأضاف: أريد أن تعرف أن احد الرجلين كان أنا، وأن المرأتين هما أمّي وأختي".
ذُهل الحاضرون ممّا سمعوا وساد المجلس هرج وصخب وأقبل الرجلان على بعضهما واحتضن كلّ منهما الآخر وهما يبكيان من شدّة التأثّر وعِظم الموقف. وبعد أن هدأ المجلس، واصل النجديّ كلامه قائلا: أنا لم أعطِك مالا لأنك أضعت مال أبيك بعد وفاته بسبب إسرافك وقلّة حرصك. ولو أعطيتك مالا لأضعته أيضا. وأريد منك أن تعرف أن ما وراء ظهور الرجال غير ما نراه أحيانا، وأن كلّ حلالي وما املك هو لك. وأشهِد الله والحاضرين أنني وهبتك أختي في هذه الليلة زوجةً لك على سنّة الله ورسوله".
انتهت حكاية الصديقين عند هذا الحدّ. وعلى مدى عشرات السنين، ظلّ الناس يتناقلون القصّة من جيل إلى جيل ويحكونها في مجالس أنسهم وسمرهم كمثال على الصداقة النادرة التي يجتمع فيها الوفاء والتضحية مع الحكمة وحسن التدبير.

2 comments:

Haitham Al-Sheeshany said...

لم أسمع بها قبل ولا أستغرب وقوعها بدون مبالغات ولا تضخيمات

قد تكون أول فكرة أتتني بعد القراءة هي: زمن أول حوّل!

أشكرك

Prometheus said...

أهلا هيثم.
كل عام وأنت بخير.
صحيح، تغيّرت الأحوال كثيرا. والقصّة حقيقية ومن الصعب تخيّل أن يوجد في عصرنا مثل تلك النماذج العظيمة من الوفاء والتضحية بين الأصدقاء.
تحيّاتي ومودّتي لك.