:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, May 18, 2013

الأساطير واللغة 2 من 2

وُجدت الأساطير مع الإنسان منذ آلاف السنين. وقراءتها تساعدنا على فهم الحياة والتجربة الإنسانية بشكل أفضل وتزيد معرفتنا بالماضي وبالكثير من الحضارات التي سادت ثم بادت. كما أنها تعلّمنا بأن هناك الكثير من الأديان والثقافات في هذا العالم، وبالتالي تجعلنا أكثر تسامحا وانفتاحا.
بعض الأساطير أسهمت في صياغة الأديان وفي تشكيل تاريخ العديد من الأقوام والحضارات. وبعضها كان وما يزال مصدرا للكثير من الأعمال الشعرية والمسرحية والأدبية والموسيقية والفلسفية.
الأساطير القديمة ما تزال تعيش معنا في ثقافتنا ونجد لها مرجعيات في العديد من المفردات والتعبيرات اللغوية المعاصرة.

  • أغاني السيرانات:
    في بعض الأحيان، نسمع أو نقرأ عبارة "أغاني السيرانات". والسيرانات هنّ حوريّات بحر بملامح فاتنة. كنّ يستلقين على الشواطئ للإيقاع بالبحّارة من خلال أغانيهنّ الساحرة التي تصيب عقل من يسمعها بالخبل والذهول. الإغريق المتأخّرون يصفونهنّ كنساء لهنّ أجنحة الطيور، وهي صورة مستعارة من قدامى المصريين.
    أغاني الحوريّات، لفرط جمالها، تصيب العقل بالتشوّش والذهول لأنها تعمل على شلّ قدرة الإنسان على التفكير والحكم العقلاني على الأمور. في الأوديسّا، تحذّر سيرسي اوديسيوس من الاستماع إلى السيرانات لأن أغانيهنّ قد تدفعه إلى الجنون. كما تحثّ بحّارته على ربطه بالسارية وسدّ أذنيه بالشمع كي تكونا منيعتين على الاستماع لتلك الأغاني الساحرة.
    أسطورة السيرانات يبدو أنها موجودة في العديد من ثقافات العالم. في الأسطورة هنّ مخلوقات خطيرة جدّا، ولكنهنّ أيضا يتمتّعن بجاذبية لا تقاوَم. كما يمكن اعتبار قصّتهن أمّاً لجميع الرموز الأسطورية الأنثوية، فهنّ مثيرات وفاتنات وقويّات.
    في جميع الحضارات القديمة تقريبا، كانت الأنثى تُعبد كآلهة، وفي نفس الوقت يُخشى جانبها كشيطان. والسيرانات يجسّدن جوهر السحر الذي تملكه المرأة وتزهو به على الرجل. لكن في الفنّ، فإن الأسطورة تتحدّث إلى الجنسين. وهي، بمعنى ما، تمثّل كلّ تلك الأشياء التي يقضي الإنسان حياته وهو يتجنّبها خوفا، لكنّه يندم على ذلك في النهاية.
    السيرانات نجدها اليوم في العديد من الأعمال الفنّية والأدبية وفي شعار شركة ستاربكس وفي رواية فرانز كافكا بعنوان صمت السيرانات .
    في وقتنا الحاضر، تكتسب أغاني السيرانات معنى مجازيّا. فالساسة الذين يبذلون للناس الوعود السخيّة والبرّاقة كي ينتخبوهم، إنما يعكسون بهذه الوعود معرفتهم بسيكولوجيا الإنسان وميله لتصديق الكلام المنمّق والمعسول. لذا فإن هؤلاء الساسة بارعون في غناء السيرانات، وبالنتيجة فإن الناس يميلون إلى الافتتان بـ "غنائهم" وتصديق وعودهم.

  • حصان طروادة:
    تتحدّث هذه الأسطورة عن إحدى أكثر الحيل شهرة في جميع العصور. الحرب بين الإغريق وأهل طروادة هي الآن في عامها العاشر. الطرواديّون شعروا بالابتهاج عندما استيقظوا في صباح احد الأيّام ليجدوا أن الجيش الإغريقي الذي كان يحاصر مدينتهم قد غادر أخيرا. غير أن الإغريق تركوا وراءهم هديّة غريبة هي عبارة عن حصان خشبيّ عملاق.
    تنفّس الطرواديّون الصعداء لأنهم اعتقدوا أنهم ارتاحوا أخيرا بعد أن خاضوا حربا ضارية وطويلة. وعندما رأوا الحصان الضخم أمام بوّابة مدينتهم ظنّوه رمزا للسلام وتحيّة للإلهة أثينا. لكنّ بعض الأهالي خمّنوا أن الحصان الخشبي قد يكون خدعة وأنه من الأسلم أن يتمّ إحراقه في مكانه.
    عرّاف المدينة، واسمه لوكون، حذّر الملك برايام حاكم المدينة من الحصان قائلا انه مكيدة وليس رمزا للسلام. غير أن بوسيدون، إله البحر، الذي كان يقف إلى جانب الإغريق، أرسل إحدى أفاعي البحر الضخمة كي تقتل لوكون وولديه. برايام ظنّ أن لوكون قُتل لأنه أدلى بنبوءة كاذبة. لذا أمر الملك بإحضار الحصان الخشبيّ إلى داخل أسوار المدينة.
    كان الإغريق قد وضعوا خطّة محكمة بعد عشر سنوات من الحصار الفاشل الذي فرضوه على طروادة. فقد تظاهروا بأنهم تخلّوا عن الحرب وقرّروا العودة إلى ديارهم. لكنهم تركوا ذلك الحصان الخشبيّ خارج الأسوار بعد أن ملئوه بالجند.
    وبعد يوم وليلة من الاحتفالات الصاخبة، انهار الطرواديون من الإنهاك الشديد بسبب إفراطهم في شرب النبيذ. الجنود الإغريق الذين كانوا مختبئين داخل الحصان استغلّوا الوضع وخرجوا من مخبئهم وفتحوا بوّابة المدينة. ثم دخل الجيش الغازي بأكمله إلى داخل المدينة وسوّوا أسوارها بالأرض ثم باشروا في قتل أو أسر جميع سكّانها.
    أسطورة حصان طروادة تحمل رمزيّة رائعة، وهي تعيدنا إلى ماض بعيد كان يخلو تقريبا من اللغة، وإلى مكان كانت فيه الرموز مرتبطة ارتباطا وثيقا بسعي الإنسان للبقاء على قيد الحياة. الحصان هو رمز للحرب، لكنه بنفس الوقت نموذج أصيل لقدرة الإنسان على الابتكار وعلى التدمير. كان حصان طروادة الوسيلة المثلى لحسم نزاع ملحميّ طويل أدّى في النهاية إلى القضاء على حضارة.
    وعلى الرغم من أن هذه القصّة منشؤها التاريخ القديم، إلا أننا ما نزال إلى اليوم نستخدمها في لغة الخطاب اليومي. وعندما نطلق على شيء ما "حصان طروادة"، فإننا نعني أنه حسن المظهر ولكنّه ينطوي على نيّة شريرة بداخله.
    وقد يكون حصان طروادة شخصا أو جماعة ما تحاول الإطاحة بشركة أو بلد أو حكومة من الداخل. كما يمكن أن يُطلق هذا الوصف على مجموعة مخرّبة أو جهاز يتمّ دسّه داخل صفوف العدو، أو على هديّة تُقدّم إلى شخص ما بنيّة الخداع وإيقاع الضرر. وتنويعا على هذا المعنى، تُستخدم هذه العبارة لوصف نوع من برامج الفيروسات التي تبدو قانونية وبريئة في الظاهر، لكنّ تأثيرها مدمّر على جهاز الحاسوب الذي تُنصب عليه.


  • سهم كيوبيد:
    لآلاف السنين، ظلّ الناس يتساءلون عن الكيفية التي يقع فيها البشر في الحبّ، أو كيف ينجذبون عاطفيّا إلى بعضهم البعض. وكانوا يعتقدون أن قوى خارجية تضرب ضربتها فجأة وتجرّد الإنسان من إرادته الواعية.
    الدراسات الحديثة تؤكّد أن هناك استجابات فسيولوجية يتمّ تحفيزها بأنواع مختلفة من الكيمياء الداخلية، بما في ذلك الغدد الصمّاء والأدرينالين والاندورفين والأوكسيتوسين.
    اليونانيون القدماء كان لهم تفسيرهم الخاصّ عن سرّ الوقوع في الحب، إذ كانوا يعزون ذلك إلى ما يُعرف بسهم إيروس إله الحبّ. سهم إيروس "أو كيوبيد عند الرومان" يشير ضمنا إلى وجود الفيرومونات وغيرها من الإشارات الفيزيائية والكيميائية.
    لكن ما هو مفقود في هذه الأسطورة في كثير من الأحيان هو حقيقة أن إيروس أو كيوبيد كان له سهمان: احدهما ذهبيّ يجلب الحبّ والجاذبية، والآخر رصاصيّ يُُحدث الكراهية والتنافر.
    أبوليوس يشير إلى هذه الثنائية في روايته الشهيرة عن كيوبيد وسايكي، بينما تتضمّن ترنيمة هوميروس إلى أفرودايت مقطعا يقول إن الحبّ لا يعرف حدودا وأن الإلهة وابنها يضربان جميع المخلوقات الحيّة برغبة غير عقلانية.
    في أوّل مرّة ظهر فيها كيوبيد، وكان ذلك في كتاب التحوّلات لـ اوفيد، استخدم سهمه بطريقة شرّيرة. أبوللو تعمّد إهانته عندما وصفه بأنه ولد سخيف لا عمل له سوى إطلاق السهام. وقد انتقم منه كيوبيد بأن أطلق عليه سهما ذهبيّا ليجعله يقع في الحبّ، كما أطلق سهما آخر، رصاصيّا هذه المرّة، باتجاه دافني الجميلة ليجعلها تخشى الحبّ وتكرهه. لذا فإن أبوللو في القصّة يطارد دافني إلى أن تتحوّل إلى شجرة غار كي تهرب منه، وكلّ هذا بسبب سهام كيوبيد التي لا ترحم.

  • نهر ستيكس المظلم وكعب أخيل:
    كثيرا ما يأتي الحديث عن نهر ستيكس المظلم مترافقا مع الحديث عن كعب أخيل. في الأساطير اليونانية، كان نهر ستيكس حدّا فاصلا بين العالم العلوي للأحياء وعالم الموتى السفلي. كان النهر أسود لدرجة انه يستحيل رؤية أيّ شيء تحت سطحه.
    الإغريق كانوا يعتقدون أن آلهتهم لا تختلف كثيرا عن البشر من حيث أنها، هي أيضا، عرضة للأفكار والمشاعر الشرّيرة. الفارق الوحيد هو أن الآلهة اكبر وأقوى من البشر، كما أنها مستثناة من الشعور بالخوف من الموت.
    كان الموت بالنسبة لليونانيين القدماء شيئا مرعبا. تصوّرهم المأساوي عن أرض الموت الكئيبة هو الذي كان يدفعهم للتعلّق الشديد بالأرض ومباهجها. كانوا يعتقدون أن أرواح البشر بعد موتهم تسكن في منطقة باردة ومظلمة تُدعى هيديز. هناك يقضي الأموات وقتهم في البكاء والتطلّع للعودة إلى الأرض التي تركوها وراءهم.
    عندما تصل أرواح الموتى إلى نهر ستيكس، يتمّ نقلهم في قارب يقوده بحّار عجوز وغامض يقال له كيرون. البحّار لا يتكلّم أبدا إلى أيّ من ركّابه، كما أن أحدا منهم لا يتحدّث معه. صمت الموت يلفّ الجميع منذ اللحظة التي يستقرّون فيها على القارب.
    ويتوجّب على كلّ راكب أن يدفع لـ كيرون أجرا نظير نقله في قاربه. لذا كان اليونانيون يضعون عملة نقدية في فم كلّ شخص يموت. كما أن البحّار لا يحمل سوى أولئك الذي تمّ دفنهم بعد موتهم. ومصير كلّ من لا يفي بهذين الشرطين هو أن يهيم على وجهه على شاطئ النهر بلا هدف لمئات السنين. فيرجيل ودانتي وصفا في وقت لاحق الأرواح وهي تتدافع بشكل محموم ويائس على شاطئ نهر ستيكس للحصول على مكان في القارب.
    عندما تصل الأرواح إلى الشاطئ الآخر، تدخل من بوّابة كبيرة يحرسها كلب له ثلاثة رؤوس. وخلف هذه البوّابة يتمّ إصدار الحكم النهائي، فالأخيار يذهبون إلى الفردوس أو الحدائق السماويّة. أما الأشرار فيُرسلون إلى تارتاروس أو الجحيم، وهو مكان غامض تسكنه الأشباح والظلال والكوابيس.
    بعض علماء النفس يشيرون إلى أن تارتاروس، أو الجحيم، ليست سوى رمز لهذا العالم الذي نتقبّل فيه كلّ شيء ظاهريّا ودون نقد أو تمحيص. أمّا "الأجر" الذي يتقاضاه كيرون من ركّاب قاربه فهو رمز لشرط تخلّي الإنسان عن أي رغبة متبقيّة له في الواقع الماديّ الذي كان يعيش ضمنه قبل موته.
    نهر ستيكس هو رمز للانتقال من حالة الحياة إلى الموت. غير أن مياه هذا النهر هي التي منحت القوّة التي كانت تسعى إليها والدة أخيل لحماية ابنها.
    تذكر الأسطورة أن أخيل كان ابنا لـ ثيتيس، وهي حورية بحر ونصف إلهة. وأبوه كان بيليوس، ملك منطقة في جبل بيليون. وقد سمعت أمّه ذات مرّة كلام ساحرة تتحدّث عن موت أخيل في حرب ستحدث مستقبلا في طروادة. لذا أخذت الأمّ رضيعها إلى أن بلغت به نهر ستيكس المظلم كي تغمره في الماء ليصبح خالدا. كانت تمسك به من كاحله وهي تغمره. لذا أصبح جسده غير معرّض للخطر باستثناء بقعة واحدة فيه هي كعبه.
    لكن في وقت لاحق، مات أخيل قرب نهاية حرب طروادة نتيجة سهم أصابه في كعبه بعد قتله للبطل هيكتور. الأسطورة تشير إلى أن الجرح الذي أصاب أخيل كان مميتا لأن كعبه كان الموضع الوحيد الذي اجتمعت فيه قابليّته للفناء من شتّى أنحاء جسده. أوفيد يشير في "التحوّلات" إلى أن أبوللو هو من حدّد لـ باريس نقطة ضعف أخيل وساعده في مهمّة قتله.
    ومثل العديد من الأساطير، فإن وجود النهر في هذه الأسطورة يحمل رمزيّة خاصّة. فالنهر دائم الجريان ومياهه تتغيّر باستمرار. لذا فإن الأنهار رمز مثاليّ للتحوّلات والانتقال من طور لآخر. بل إنها تمثّل اكبر التحوّلات جميعا: أي الانتقال من الحياة إلى الموت، كما يجسّده نهر ستيكس الذي يجب أن يعبره جميع البشر قبل أن يدخلوا هيديز أو عالم الأموات.
    ورغم أن أسطورة أخيل قديمة جدّا، إلا أنها لم تدخل التداول اللغوي إلا في القرن التاسع عشر. وهي تُستخدم ككناية عن الضعف القاتل أو المنطقة الهشّة والسريعة العطب. وأوّل من استخدمها كان الشاعر الانجليزي سامويل تيلر كولريدج عندما وصف ايرلندا بأنها "الكعب الضعيف لـ أخيل البريطانيّ". هذه الأيّام، لو سمعت مديرا أو مسئولا يتحدّث عن احد أقسام مؤسّسته واصفا إيّاه بأنه "كعب أخيل" المؤسّسة، فالمقصود أن ذلك القسم لا يحقّق مكاسب أو أرباحا وأن بقاءه على هذا الوضع قد يشكّل خطرا على مستقبل الشركة.

    موضوع ذو صلة: نساء الأوديسّا
  • Wednesday, May 15, 2013

    الأساطير واللغة 1 من 2

    وُجدت الأساطير مع الإنسان منذ آلاف السنين. وقراءتها تساعدنا على فهم الحياة والتجربة الإنسانية بشكل أفضل وتزيد معرفتنا بالماضي وبالكثير من الحضارات التي سادت ثم بادت. كما أنها تعلّمنا بأن هناك الكثير من الأديان والثقافات في هذا العالم، وبالتالي تجعلنا أكثر تسامحا وانفتاحا.
    بعض الأساطير أسهمت في صياغة الأديان وفي تشكيل تاريخ العديد من الأقوام والحضارات. وبعضها كان وما يزال مصدرا للكثير من الأعمال الشعرية والمسرحية والأدبية والموسيقية والفلسفية.
    الأساطير القديمة ما تزال تعيش معنا في ثقافتنا ونجد لها مرجعيات في العديد من المفردات والتعبيرات اللغوية المعاصرة.

  • موسيقى اورفيوس:
    أحيانا، تتردّد على الألسن عبارة "الموسيقى تروّض الوحوش"، في إشارة إلى ما للموسيقى من قوّة في إثارة مشاعر الإنسان بل وحتى الحيوان.
    العلم الحديث يشير إلى أن الموسيقى تعمل على مستوى أعمق في الدماغ، وهو أمر ما يزال تفسيره إلى اليوم لغزا. وهناك من العلماء من يتحدّث عن القوّة الغريبة للموسيقى في استحضار تجارب وحالات تقصر عنها غيرها من الفنون.
    عبارة "الموسيقى تروّض الوحوش" مستوحاة من الأسطورة اليونانية القديمة عن أورفيوس، الموسيقيّ الذي أحبّه أبوللو إله الموسيقى. هذه الأسطورة، مع العديد من الأساطير الأخرى، تشهد على أن موسيقى أورفيوس كانت قادرة على تهدئة أكثر الحيوانات عنفا وتوحّشا.
    الموزاييك الرومانيّ يصوّر أورفيوس وهو يعزف على القيثارة بينما يحيط به في جوّ من الوئام حشد من الحيوانات التي كثيرا ما يعادي بعضها بعضا في الأحوال الطبيعية. تشير الأسطورة إلى أن اورفيوس عندما يغنّي كان يستدرج البشر والحيوانات المتوحّشة والأنهار وحتى الصخور الصمّاء كي تتبعه وتقتفي أثره. ذات مرّة، عندما كان يعزف موسيقاه الشجيّة في الغابة، اقتلعت أشجار السنديان نفسها من جذورها وتبعته وهو يهبط إلى سفح الجبل ثم غرست نفسها على شاطئ البحر في المكان الذي أنهى اورفيوس أغنيته عنده. وعندما مات في نهاية الأسطورة بكت الطيور على أطراف التلال وأسقطت الأشجار أوراقها أسفاً وفاضت الأنهار بمياهها حزنا على رحيله.
    القيثارة في هذه الأسطورة ترمز إلى تقدير الموسيقى والفنون. والآلهة والبشر الذين يحملون هذه الآلة يتميّزون غالبا بإحساسهم العالي ورهافة مشاعرهم. وإذا رأيت صورة لشخص وسيم يحتضن هذه الآلة الوترية الصغيرة، فهناك احتمال كبير بأنه إمّا أبوللو أو اورفيوس، وهما أكثر الشخصيات في الأساطير الإغريقية ميلا إلى الموسيقى. أمّا إن سمعت ذات يوم موسيقى حزينة تتحدّث عن حبّ ضائع أو بلا أمل، فاعلم أن روح اورفيوس هي من ألهمت صاحبها ذلك اللحن.
    اورفيوس، كشخصية رمزية، يرتبط بالموسيقى والحزن وبعدم قدرته على نسيان حبّه لزوجته يوريديسي. وليس من المستغرب أن نرى حضوره في العديد من المعالجات الحديثة لهذه القصّة. فهو موجود، على سبيل المثال، في فيلم اورفيوس الأسود وفي لوحة كميل كورو وفي موسيقى جاك اوفنباخ وفي تمثال رودان ، بالإضافة إلى عشرات الأعمال الأدبية والفنّية والمسرحية.

  • لمسة ميداس:
    في الأسطورة، كان ميداس ملكا على فريجيا، وهي منطقة تقع اليوم في تركيا. كان هذا الملك معروفا بحماقته وجشعه. كان شخصا ثريّا جدّا وكان يعيش في قصر فخم مع ابنته الوحيدة. متعته الأولى كانت جمع الذهب وهاجسه الدائم كان تكديس المال. وقد اعتاد على أن يمضي أيّامه في إحصاء ثروته من النقود الذهبيّة.
    لكن ذات يوم، مرّ بمملكته دايونيسيس إله الخمر والمجون. فدعاه ميداس إلى قصره كي يقوم بواجب إكرامه. ومن باب ردّ الجميل، عرض عليه دايونيسيس أن يحقّق له أمنية، وحثّه على أن يفكّر جيّدا في نوعيّتها. فتمنّى ميداس أن تتوفّر له القدرة على تحويل كلّ شيء يلمسه إلى ذهب. ووعده دايونيسيس أن يحقّق له أمنيته تلك اعتبارا من اليوم التالي.
    وفي صباح ذلك اليوم، استيقظ ميداس من نومه مبكّرا كي يتأكّد أن أمنيته أصبحت حقيقة. ومدّ يده ليلمس طاولة فتحوّلت فورا إلى ذهب. وغمره شعور بالفرح والسعادة لما حدث. ثمّ لمس كرسيّا وسجّادة وباباً فتحوّلت جميعها إلى ذهب. ثمّ جلس إلى المائدة لتناول الإفطار ومدّ يده إلى وردة كي يشمّ عبيرها فتحوّلت في الحال إلى ذهب. وبعد قليل جاءت ابنته الحبيبة لتطوّقه بذراعيها فلم تلبث أن تحوّلت إلى تمثال من الذهب. عندها هبّ ميداس من مكانه مذعورا وسارع من ساعته إلى دايونيسيس ملتمسا منه أن يبطل مفعول تلك الأمنية.
    شعر دايونيسيس بالحزن لما حلّ بميداس وقال له: عليك أن تذهب الآن إلى نهر باكتولوس وتغسل يديك من مائه. وذهب الملك إلى النهر وفعل ما طُلب منه. وعندما عاد إلى قصره كان كلّ شيء قد عاد إلى طبيعته الأولى. ومن يومها تغيّر ميداس كثيرا وصار شخصا آخر. أصبح إنسانا كريما يعطف على الآخرين ويتحسّس همومهم ومشاكلهم. وعاش شعبه حياة مرفّهة بعد أن قرّر أن يقاسمهم ثروته الطائلة.
    أمنية ميداس لم تكن في الواقع نعمة وإنّما لعنة. وجشع الملك يدعونا لأن ندرك قيمة السعادة الحقيقية وأن نفكّر في العواقب التي قد تقودنا لأن نصبح عبيدا لرغباتنا الأنانية. الثراء قد لا يجلب السعادة بالضرورة وقد لا يحلّ كلّ المشاكل، لأن الثروة قد تخلق مشكلات من تلقاء نفسها.
    هذه الأيّام عندما نقول إن لشخص ما لمسة ميداس، فإننا نعني أنه يملك ثروة كبيرة، أو انه ناجح في جميع مشاريعه الماليّة وأن كلّ ما يفعله مضمون الربح. لكن يمكن أن يكون لهذه العبارة معنى ساخر، انطلاقا من حقيقة أن لمسة ميداس كانت في واقع الأمر نقمة أكثر ممّا هي نعمة.


  • صخرة سيزيف:
    من التعبيرات المتداولة والمستندة إلى أساطير عبارة "مهمّة سيزيفية" التي تشير إلى عمل مضنٍ ومستعصٍ وعبثيّ وليست له نهاية. في الأساطير اليونانية، كان سيزيف ملكا على كورينث وكان فخورا جدّا بذكائه وخداعه الذي لا ينتهي للآلهة وللبشر، وإغوائه لابنة أخيه وخرقه لقانون إكرام الغرباء بقتله الضيوف.
    كلّ هذه الانتهاكات الفادحة استوجبت عقابه وذلك بوضعه في تارتاروس، وهي أسفل درَك من الجحيم. مهمّة سيزيف الأبدية هناك كانت تلزمه بدحرجة صخرة إلى قمّة جبل. وعندما يصل إلى القمّة تتراجع الصخرة إلى أسفل الجبل، وبالتالي كان عليه دائما أن يبدأ من جديد في دفع الصخرة إلى قمّة الجبل في مهمّة لا تنتهي أبدا.
    هذه العقوبة كانت إحدى أكثر العقوبات ترويعا التي يمكن أن تواجه إنسانا. ولحسن الحظ، فإن أحفاد سيزيف لم تلاحقهم تلك اللعنة. فحفيده المسمّى بيلليروفون كان البطل الذي قتل وحش الشيميرا بمساعدة كلّ من أثينا وبيغاسوس الجواد المجنّح.
    سيزيف، ببعديه الوجودي والمأساوي، نجده اليوم في رواية يوم في حياة إيفان دينيسوفيتش للكاتب الروسي الكسندر سولجينِتسين وفي كتاب أسطورة سيزيف لـ البير كامو. كامو أضفى على سيزيف مسحة نبل ورأى أن حكايته تلخّص مصير الإنسان المعاصر الذي يصحو في الصباح ليذهب إلى عمله ثم يعود في المساء إلى بيته، وفي اليوم التالي يكرّر نفس ما فعله في اليوم السابق.. وهكذا.
    لكن سيزيف، حسب كامو أيضا، كان يمرّ بمرحلة من مراحل تطوّر الوعي، فقد تقبّل مهمّته على الرغم من عبثيّتها لأنها سمحت له بأن ينمو وأن يتعلّم. لقد عرف سيزيف مصيره وتقبّله، وبإمكان البشر أن يتعلّموا منه فيقبلوا أقدارهم.
    يقول البير كامو في كتابه: إن أسوا مصير يمكن أن يواجهه الإنسان هو أن يجد نفسه مسجونا في وجود عبثيّ، لكنه يجهل عبثيّته. لذا فإن سيزيف بعد أن أدرك عدمية مصيره كان يحقّق انتصارا صغيرا في كلّ مرّة يدفع فيها بالصخرة إلى قمّة الجبل. كان قد فهم عدم جدوى عمله ولم يعد منشغلا بمحاولة أن يجد معنى لما يقوم به.

  • صندوق باندورا:
    كثيرا ما نقول لشخص ما على سبيل التحذير: لا تفتح هذا، انه صندوق باندورا"، ما يعني أنه لو فعل هذا الشيء فستكون النتائج وخيمة بحيث لا يمكن تجنّبها أو إبطالها مفاعيلها.
    هيسيود، الشاعر الروماني، كان المصدر الأساسيّ لقصّة باندورا. وأصل الأسطورة أن زيوس كبير الإلهة أمر هيفيستوس زوج افرودايت بأن يصنع له، أي لـ زيوس، ابنة. وقد صنع له امرأة جميلة وأسماها باندورا. كانت باندورا عبارة عن هديّة جميلة شارك جميع الآلهة في تشكيل ملامحها. وكانت أوّل امرأة تُخلق على الأرض في عالم كان حتى ذلك الوقت مقتصرا على الآلهة والرجال فقط.
    وأرسل زيوس ابنته باندورا إلى الأرض لتتزوّج ابيميثيوس، وهو رجل مهذّب ووحيد. لكن كان لـ ابيميثيوس أخ اسمه بروميثيوس، وكان زيوس حانقا على الأخير لسرقته النار وإعطائها للبشر دون إذن من زيوس.
    وقبل أن يرسل زيوس باندورا إلى الأرض أعطاها صندوقا له قفل ثقيل وأخذ منها وعدا بألا تفتح ذلك الصندوق أبدا. غير أنها كانت امرأة فضولية وأرادت أن تعرف ما بداخل الصندوق.
    وفي إحدى الليالي، وبينما كان زوجها نائما، سرقت منه المفتاح وفتحت الصندوق. ومنه خرجت إلى العالم كافّة الشرور والآفات التي لم يخبرها البشر من قبل، كالأمراض والكراهية والحسد والجريمة والألم والموت والحزن.
    عندما فتحت باندورا الصندوق لم يكن ذلك الفعل يعبّر عن خبث أو سوء طويّة. كانت فقط تمارس فضولها، لأنها عندما رأت ما حدث سارعت إلى إغلاق الصندوق ولكن بعد فوات الأوان.
    باندورا هي النسخة اليونانية من حوّاء التي حُذّرت بألا تأكل التفّاحة. حوّاء أيضا كانت جميلة وفضولية ولم تستطع مقاومة أكل الفاكهة المحرّمة. ونتيجة لذلك طُردت هي وآدم من الجنّة التي أصبحت فردوسا مفقودا لأن ذرّية آدم وحوّاء، أي البشر، عانوا من الآثار السلبية لذلك الفعل، أي الألم والخطيئة والموت. لقد حُرم البشر وإلى الأبد من نعمة الخلود وأصبح يتعيّن عليهم أن يناضلوا وأن يعانوا من مشاكل ومشاقّ الحياة.
    ومن الواضح أن هاتين القصّتين توفّران مبرّرا جيّدا للرجال لأن يلوموا النساء ويحمّلوهنّ المسئولية عن كافّة الشرور والمصائب التي حلّت بالأرض.
    سيغموند فرويد ذهب إلى أن صندوق باندورا يرمز إلى أعضاء الأنثى التناسلية، وأحيانا إلى الأخطار والرغبات والمخاوف المكبوتة في اللاوعي. والأدباء والشعراء، مثل فولتير وغوته، رأوا في باندورا معنى مجازيّا يتمثّل في أن جمال الأنثى غالبا ما يخفي ميلها إلى الخداع والتدمير.
    أسطورة صندوق باندورا تنطوي في أصلها على تحذير للبشر بأن لا يحشروا أنوفهم في ما لا يخصّهم. وهذه الأيّام أصبحت العبارة تُستخدم للإشارة إلى أن عملا ما، مهما بدا صغيرا وبلا أهميّة، يمكن أن يؤدّي إلى نتائج قويّة ومؤلمة وذات آثار بعيدة المدى، وأن تَرْك وضع ما على حالته الراهنة قد يكون أفضل كثيرا من تغييره. من قبيل هذا، أن تسمع تصريحا لوزير أو مسئول في بلد ما يؤكّد فيه انه لن يناقش مسألة معيّنة لأنه لا يريد أن يفتح "صندوق باندورا"، ما يعني أن مناقشة تلك المسألة يمكن أن تؤدّي إلى نتائج وخيمة وغير متوقّعة.
  • Sunday, May 12, 2013

    لماذا مات سقراط؟

    روبن ووترفيلد مترجم وباحث وأستاذ للفلسفة اليونانية القديمة. وكتابه "لماذا مات سقراط: تبديد الأساطير" هو سرد كاشف ومفصّل عن الأسباب والتداعيات التي أطاحت بالفيلسوف الأهمّ والأشهر في العالم.
    في الكتاب، يحاول المؤلّف رسم صورة لمجتمع أثينا خلال السنوات الثلاثين التي سبقت محاكمة سقراط والتي انتهت بإعدامه في العام 399 قبل الميلاد.
    الصورة التي لدينا اليوم عن المحاكمة وعن الرجل نقلها أتباع سقراط المباشرون، أي أفلاطون وزينوفون الرواقيّ، وتكرّست في العديد من الأعمال الأدبيّة والفنّية من ذلك العصر. وهي صورة لرجل نبيل يهمّ بتناول كأس من الشراب السامّ بعد أن حكمت عليه ديمقراطية أثينا القديمة بالإعدام ظلماً.
    لكن ووترفيلد يشير إلى أن هذه الصورة ليست حقيقية تماما بعد أن خالطها الكثير من الخرافات والأساطير التي سرعان ما تحوّلت بالتواتر إلى حقائق تاريخية لا تقبل الشكّ. وربّما لهذا السبب ما تزال قصّة حياة وموت سقراط تفتن الناس وتثير كثيرا من الجدل والتكهّنات.
    كانت المحاكمة في جزء منها استجابة لعصر مضطرب. فقد كانت أثينا في ذلك الوقت تعاني من آثار هزيمتها في الحرب مع سبارتا وتمرّ بتغييرات اجتماعية عاصفة. فرَق القتل والمصادرات، ومن ثمّ الحرب الأهلية كانت بعض أعراض الطغيان المدعوم من سبارتا. ثم لم يلبث أن انتشر وباء التيفويد الذي أدّى إلى مقتل حوالي ربع سكّان المدينة. لكن مع نجاح الأثينيين في استعادة الديمقراطية أخيرا، بدأت عملية تسوية حسابات. والمؤسف أن بعض أفراد الدائرة المقرّبة من سقراط لم يكونوا بعيدين تماما عن تلك المشاكل. لذا بادر الديمقراطيون الجدد إلى توجيه التهم له بالمعصية وإفساد الشباب والدعوة لعبادة آلهة جديدة.
    ووترفيلد درس العديد من المصادر اليونانية الفعلية من تلك الفترة. وهو يرى أن تهمتي المعصية وإفساد شباب أثينا كانتا بالفعل كافيتين لإصدار حكم بالموت على سقراط. غير أن الادّعاء اتّهمه بما هو أكثر. فقد رأى أن سقراط لم يكن مجرّد شخص ملحد ومعلّم روحيّ لطائفة غريبة. لكنّه كان أيضا شخصا نخبويّا أحاط نفسه بشخصيّات غير محبوبة سياسيّا. وكان هو من درّس وعلّم أولئك الأشخاص الذين اعتُبروا مسئولين مباشرة عن الهزيمة في الحرب.
    وكانت مزاعم المحكمة تلك لا تخلو من حقيقة. فـ أفلاطون وزينوفون اللذان كانا من أقرب أصدقاء سقراط، كانا يؤلّهانه كمعلّم وموجّه. بينما تسبّب كلّ من آلسيباياديز وكرايتياس، اللذين كانا هما أيضا قريبين جدّا من سقراط، في دفع أثينا إلى شفا كارثة عسكرية. وقد وظّفت المحكمة كلام هذين الأخيرين وأفعالهما ووضعتها في سياق سياسيّ يدفع باتجاه تأكيد التهم وتثبيت الحكم.
    يتوقّف ووترفيلد مطوّلا ليصف هاتين الشخصيّتين وغيرهما من الشخصيّات الطموحة والمنعدمة الضمير التي هيمنت على الحياة العامّة في ذلك العصر. كان آلسيباياديز أحد جنرالات أثينا البارزين وكان مشهورا بوسامته وبكثرة خيوله وبثرائه وإفراطه في السُكْر. وقد فّرّ إلى سبارتا ثمّ إلى بلاد فارس، وأخيرا دبّر مؤامرة ضدّ الديمقراطية في عام 411 قبل الميلاد. وكان سقراط على علاقة غراميّة مع آلسيباياديز استمرّت عدّة سنوات. في ذلك الوقت، كان أمرا طبيعيا أن يصطفي الأستاذ واحدا من تلاميذه ويقيم معه علاقة حميمة. غير أن سقراط وآلسيباياديز كانا شريكين غير محتملين: الأوّل فيلسوف عجوز ودميم إلى حدّ ما، والثاني شابّ ارستقراطيّ ساحر وطموح ومتكبّر.
    أما كرايتياس الذي سبق له هو أيضا أن تتلمذ على يد سقراط فقد أصبح في ما بعد احد أعضاء الطغمة التي استولت على السلطة بعد ذلك بثلاث سنوات. وعندما كان في السلطة، حكم كرايتياس على المئات من أهل أثينا بالموت بإجبارهم على تناول السمّ، كما دفع بآخرين غيرهم للذهاب إلى المنفى.
    والنقطة التي يثيرها المؤلّف هي أن موت سقراط كان احد أسبابه هو علاقته المثيرة والفاحشة مع هذين الشخصين اللذين كانا من أعنف وأكثر أعداء الديمقراطية في زمانه. وليس هناك من شكّ في أن ارتباط سقراط بـ آلسيباياديز على وجه الخصوص وُظّف ضدّه في المحكمة. وهذه ليست نظرية ووترفيلد وحده، بل كان هذا الرأي رائجا على نطاق واسع في أثينا القديمة أيضا.
    بحلول العام 399 قبل الميلاد، كان كلّ من كرايتياس وآلسيباياديز قد قُتلا. وكان على المحكمة أن تبتّ في المهمّة التي لم تُنجز بعد، أي التخلّص من سقراط نفسه.
    لقد اعتُبر سقراط شرّا ينبغي إزاحته لأنه بدا وكأنه يؤمن بالحكم عن طريق الخبرة ويفضّل الحكم الأوليغاركي "أي حكم الأقليّة الديكتاتورية" على الديمقراطية التقليدية، ومن ثمّ عُدّ مسئولا عن نتيجة الحرب مع سبارتا التي دامت ما يقارب الثلاثين عاما. لذا كانت إدانته والحكم عليه بالموت أمرا لا مفرّ منه.
    ومن سوء حظّ سقراط، أن قائمة المتعاطفين معه كانت تضمّ أيضا جماعات وفرَقاً محتقرَة ومنبوذة اجتماعيّا. وقد استغلّت المحكمة هذا العامل الإضافي في تثبيت الحكم. الكلبيّون، مثلا، كانوا قد نصّبوا سقراط معلّما لهم. وكان هؤلاء معروفين بابتذالهم وجموح أفكارهم. كما كانوا يسخرون من القانون علنا ويرفضون اعتبار أنفسهم مواطنين.
    الآباء الطيّبون وأرباب الأسر المحافظة الذين وجدوا سقراط مذنبا بتهمة "إفساد الشباب" لم يكونوا خائفين كثيرا من مغازلات الفيلسوف ونزواته، بقدر ما كانوا قلقين من احتمال أن يتحوّل أبناؤهم إلى كلبيّين ساخرين.
    كانت أثينا آنذاك في حالة اضطراب ومجتمعها غارقا في المشاعر الدينية، لدرجة أن أيّ مصيبة تحلّ يمكن أن تُفسّر على أنها علامة تحذير من الآلهة. وكانت خسارة الحرب تعني أن الآلهة غاضبة، ولم يكن سقراط سوى القربان أو كبش الفداء المناسب. ترى مَن غيره يمكن أن يكون مسئولا عن الهزيمة وهو الذي كان يدرّس الشباب ويحرّضهم على أن يتمردّوا على آبائهم ويشكّكوا في القيم القديمة؟
    الدين في أثينا كان شأنا عامّا ومرتبطا ارتباطا وثيقا بقيم المدينة. وكانت المعصية أو انعدام التقوى تُعرّف وفقا لمعايير المجتمع، تماما مثلما نعرّف هذه الأيّام مفردات مثل الفحش أو الفجور.
    من الناحية الفنّية، صُنّفت المحاكمة تحت فئة "المحاكمات المقرّرة"، أي التي تفترض وجود درجات مختلفة ومتفاوتة من الذنب. فإذا وُجد المدّعى عليه مذنبا، فإن المدّعي العام يقترح عقوبة، بينما يحقّ للمدّعى عليه أن يقترح عقوبة اقلّ. ثم تكون هناك جولة ثانية من التصويت.
    ولكي نفهم لماذا مات سقراط، من المهمّ أن ننظر في عوامل أخرى، من بينها سلوك سقراط نفسه. إذ يشير أفلاطون إلى أن سقراط هو من وضع خطّة موته لأنه لم يقل شيئا في دفاعه عن نفسه. وهذا الكلام لا يخلو من حقيقة. فقد سخر من إجراءات المحكمة، وبدلا من أن يقترح دفع غرامة أو الذهاب إلى المنفى، أصرّ على أنه يريد عشاءَ مجانيّا على نفقة الدولة! الكثيرون ممّن كتبوا عن سقراط آنذاك ونُشرت كتبهم بعد وفاته، ومن بينهم أفلاطون وزينوفون، احتاروا في تفسير ذلك التصرّف الغريب.
    في الصفحات الأخيرة من كتابه الذي يتناول فيه وقائع المحاكمة، يقدّم أفلاطون شرحا مذهلا عن تأثيرات السمّ على جسد سقراط. ويصف الشلل الصاعد ببطء، بدءا من القدمين ثم الساقين وحتى الصدر، بينما يظلّ عقل سقراط صافيا متنبّها إلى أن يصل الموت بهدوء. رواية أفلاطون عن الحادثة غنيّة بقوّتها الانفعالية وبتفاصيلها الإكلينيكية الدقيقة.