:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, May 28, 2016

لوحات الفانيتا

"فانيتا" كلمة لاتينية تعني الفراغ أو الخواء، لكنّها أيضا تشير إلى معنى التشاوف أو الخيلاء والتفاخر الأجوف بالمال أو السلطة أو الجمال والزينة.
ولو بحثنا عن كلمة بالعربية تعطي نفس الدلالة لما وجدنا أفضل من العبارة التي تقول: ما الدنيا إلا متاع الغرور". والفانيتا أيضا هي نوع من لوحات الطبيعة الساكنة يريد رسّاموها أن يذكّرونا من خلالها بقِصَر الحياة وبعبثية المتع الدنيوية وبحتمية الموت.
وفي هذا النوع من اللوحات، نجد غالبا جماجم ترمز للموت، بالإضافة إلى رموز أخرى مثل الفواكه المتعفّنة والأزهار الذاوية التي ترمز للتحلّل، والشموع المطفأة والدخان والساعات والأدوات الموسيقية والساعات الرملية وغيرها من أدوات قياس الزمن.
كما يمكن أن تتضمّن هذه اللوحات كتباً، سواءً كانت مكدّسة فوق بعضها البعض أو مفتوحة على صفحة بعينها، وموادّ من الكريستال والفضّة وتماثيل صغيرة وآنيات زهور وعملات معدنية وقلائد وخواتم من اللؤلؤ تنبثق من صناديق مزخرفة. وكلّ هذه الأشياء ترمز لقصَر الحياة وفجائية الموت.
وقد اعتاد الناس في أوربّا خاصّة، ومنذ زمن طويل، على أن يستحسنوا هذه اللوحات ويقتنوها لسكونيّتها ولرمزيّتها العميقة. وهذه الفكرة لا تقتصر على الرسم فحسب، وإنّما تمتدّ أيضا لتشمل الشعر والموسيقى والأدب.
وهناك جملة أخرى باللاتينية لها دلالة دينية وتتردّد كثيرا هي "ميمنتو موري"، وتعني حرفيا "تذكّر أنك مخلوق فانٍ"، وهي فكرة ظلّت تحظى بالرواج والشعبية في أوساط الكتّاب والفنّانين المسيحيين على مرّ قرون.
والفكرة تنطوي على نصيحة للناس بأن عليهم أن يستعدّوا للموت في أيّ وقت لأنه يأتي على حين غرّة وبلا سابق إنذار. والسبب هو أن أوربّا شهدت ابتداءً من القرن الرابع عشر مجاعات متكرّرة وحروبا كثيرة مدمّرة مات على إثرها الكثيرون، بالإضافة إلى تفشّي وباء الطاعون الذي اكتسح القارّة وحصد أرواح مئات الآلاف من البشر.
كان الموت وقتها يتربّص بالجميع. ومع ذلك كان الناس يجتهدون في البحث عن التسلية والمتعة متى ما كان ذلك ممكنا. لذا انتشرت آنذاك في بعض أرجاء ألمانيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا أغاني تحمل حوارات متخيّلة بين الموت والبشر.
وإحدى أشهر تلك الأغاني كانت كلماتها تقول: إن كنت لا تستطيع أن تعود إلى الوراء لتصبح كالطفل وتغيّر حياتك للأفضل، فلن تستطيع أن تدخل ملكوت الربّ. إن الموت يسرع الخطى، فدعنا نمتنع عن ارتكاب الخطايا".
المعروف أن رسومات الفانيتا ازدهرت في هولندا على وجه الخصوص، وبالتحديد في ذروة ازدهار ما عُرف بالعصر الذهبيّ للرسم الهولنديّ. وأحد أشهر الرسّامين الهولنديين الذين برعوا في رسم الفانيتا هو إدفارت كولير الذي عاش في القرن السابع عشر.
في إحدى لوحاته المشهورة "إلى فوق"، يرسم كولير مجموعة من الأشياء مرتّبة فوق طاولة مغطّاة بالدانتيل البنّيّ اللون. من بين هذه الأشياء تاج ذهبيّ مزيّن بالحرير الأحمر ومرصّع باللآليء الحمراء والسوداء والبيضاء. وعلى الطاولة أيضا هناك صندوق اسود مُحلّى بالذهب تبرز منه مجوهرات وعقود ذهبيّة وفضّيّة.
وبين التاج والصندوق بورتريه لرجل وجيه موضوع داخل إطار مذهّب صغير وبيضاويّ الشكل. وفي خلفية الصورة، هناك مزهرية ذهبيّة ضخمة وإلى يمينها كتاب مفتوح على صفحة تحتوي على نصّ لاتينيّ.
في لوحات الفانيتا المعاصرة، نجد نفس الفكرة التي تعبّر عن قلق الإنسان وحالة عدم اليقين تجاه المستقبل. والرسّام المعاصر يعزّز هذه الفكرة بتوظيفه لأشياء معيّنة كالمرايا والمزهريات الزجاجية والشموع والعظام والجماجم والكتب، بالإضافة إلى منتجات التجميل الحديثة والعبوات البلاستيكية التي تُظهر ميل الإنسان وافتتانه بالسلع الاستهلاكية.
وعندما تتأمّل لوحات الفانيتا وتتمعّن في رمزيّتها، لا بدّ أن تتذكّر رسومات الفنّان الألمانيّ كاسبار فريدريش. كانت رؤية هذا الرسّام سابقة لعصره، لكن الناس في زمانه لم يقدّروا فنّه ولم يحتفوا به كما ينبغي.
مناظر فريدريش المتعدّدة عن الطبيعة الشتوية لم تكن عن الحياة في الشتاء، بل كانت عن الشتاء نفسه؛ عن وحشته وجبروته وعن الإحساس الذي يثيره بالخواء والقفر والعزلة.
أيضا تمتلئ لوحاته بصور الأشجار والجذوع العارية التي تسكنها الغربان والبوم بجانب المقابر والأديرة والأطلال.
في تلك اللوحات أيضا، كان فريدريش يعبّر، وبطريقته الخاصّة، عن مضيّ الزمن والطبيعة المؤقتة للحياة وعن حالته الذهنية الخاصّة.

Credits
arthistory.net

Wednesday, May 25, 2016

عن الفنّ والإبداع/2


يبدو أننا عندما نتحدّث عن "رسّامين عظام"، فنحن في الغالب نقصد الرسّامين الذين نحبّهم أو الذين نعتبرهم نحن "عظماء".
وحتى الآن، لا توجد أداة محدّدة لقياس جدارة فنّان من عدمه، لأنه ليست هنالك معايير واضحة لذلك.
لماذا مثلا لا يُعتبر جون ووترهاوس أو لورانس الما تاديما أو جون سارجنت أو ويليام بوغرو أو جان اوغست آنغر من الرسّامين العظماء المعترف بهم، تماما مثل فان غوخ ومونيه وبيكاسو؟
بالمناسبة وعلى سيرة آنغر، بعض النقّاد اليوم يعتبرون لوحاته مصطنعة وباردة. ومن الملاحظ أن لا احد من شخوصه حرّ، فالجميع مكبّلون بقوانين الطبيعة وبالقدَر، وكأنهم لا يستطيعون الهرب. ومع ذلك ففي لوحاته تلك الجاذبية المتجمّدة.
كان آنغر يريد أن يصبح رسّام تاريخ، يرسم مثل تلك اللوحات الفخمة المليئة بالشخوص التي رسمها مثله الأعلى رافائيل. وبسبب كلّ الواقعية والإيهام في فنّه، تبدو لوحاته اصطناعية وتجريدية. ولذا لم يكن مدهشا أن يُعجَب به بيكاسو وديغا ودي كوننغ وغيرهم من الرسّامين الحداثيين. وبالرغم من هذا، لا نسمع باسمه هذه الأيّام إلا بالكاد.
النقّاد أيضا يتّفقون على انه من الأمور التي تؤثّر في كون رسّام ما عظيما هو مدى تأثيره على الفنّانين الذين أتوا بعده وعلى تاريخ الفنّ عموما. ولهذا السبب تضمّن الموضوع السابق إشارة إلى بيكاسو باعتباره رسّاما عظيما لأنه أرسى مدرسة ونهجا وترك أثرا كبيرا على أجيال من الرسّامين الذين جاؤا بعده.
وفي المقابل، بعض الرسّامين فشلوا في أن يكون لهم تأثير، ثمّ لم يكن لهم معجبون كثر بمثل ما كان لمونيه وديغا مثلا. وهذان الاثنان كانا بارعين في الرسم الأكاديمي، لكنهما تعلّما المزيد وشيّدا فوق ما شيّده أسلافهما.
إن جوهر أيّ عمل فنّي هو فكرة وصورة. والعمل الفنّي ليس فقط صورة جذّابة وجميلة، وإلا فإن تلك النساء الجميلات اللاتي تزيّن صورهنّ أغلفة مجلات الأزياء والموضة اليوم سيكنّ بمثل عظمة "فينوس" تيشيان مثلا وربّما أعظم.
ولو قال احد من الناس إن يوهان شتراوس هو موسيقاره المفضّل والعظيم لكان هذا من حقّه الذي لا ينازعه فيه احد. لكن لو قال إن شتراوس أعظم من موزارت، لكان من حقّّ أيّ احد أن يعترض عليه لأن ما يقوله ببساطة غير صحيح.
الظروف التي تحكم الفنّ والموسيقى والأدب تتغيّر مع مرور الزمن وباستمرار. وعندما تتغيّر فإن بعض الفنّانين ترتفع مكانتهم والبعض الآخر تنخفض. خذ مثلا يوهان سيباستيان باخ، هذا الموسيقيّ العبقريّ لم يُشتهر ولم يعرفه الناس إلا خلال المائتي عام الأخيرة، وكان قبل ذلك نسيا منسيّا ولا يكاد يتذكّره احد.
ومع انتشار المدارس الفنّية الحديثة، توارى تاديما و ووترهاوس وسارجنت وغيرهم وقلّت أهمّيتهم. ونفس الشيء يمكن قوله عن الرسّامين ما قبل الرافائيليين الذين لن نعد نرى صورهم سوى في بعض أفلام الفانتازيا والخيال العلمي.
وأخيرا، هناك رأي رائج في أوساط بعض النقّاد ومؤرّخي الفنّ يقول إن أيّ فنّان لا يمكن أن يدخل نادي المشاهير الدائم إلا إذا بقي مائتي سنة، على الأقلّ، في التداول. لكن هذا الرأي لا ينسجم مع الواقع، ومثال باخ المشار إليه آنفا يقدّم الدليل الواضح على عدم صحّته.
للحديث بقيّة ..

Credits
alma-tadema.org
jeanaugustedominiqueingres.org
johnsingersargent.org
bouguereau.org

Monday, May 23, 2016

عن الفنّ والإبداع


بعض الابتكارات لها قدرة غريبة، ليس فقط على إعادة تعريف الواقع، وإنّما أحيانا على تغييره جذريّا. التكعيبية، مثلها مثل نظرية دارون ومصباح إديسون وآيفون أبل، كانت فكرة استطاعت أن تتجاوز كلّ شيء حولها وتحيله إلى التقاعد والتقادم.
رسم بابلو بيكاسو لوحته المشهورة آنسات أفينيون وعمره لا يتعدّى الخامسة والعشرين وعمل عليها لمدّة عام. وعندما عرضها على بعض زملائه قالوا: هذه كارثة!
وقال آخرون: إن من رسمها لا بدّ أن يكون شخصا يفكّر في الانتحار! وقال فريق ثالث: هذه لوحة قبيحة وفوضوية ومزعجة، فهي تنتهك جميع قوانين المنظور والتجسيد. كما أنّها انحراف واضح عن كلّ قواعد الجمال التي كانت سائدة قبل ذلك لأكثر من خمسة قرون.
لكن لا أحد توقّع أن تصبح "الآنسات" إحدى أكثر اللوحات تأثيرا في القرن العشرين. كانت أوّل عمل تكعيبيّ، وأصبحت محفّزا لثورة في الفنّ وفي الثقافة الغربية.
وخلال بضع سنوات، أصبحت التكعيبية الحركة الفنّية المهيمنة في أوربّا، وصار الرسّامون التكعيبيون يبيعون أعمالهم بأسعار خيالية.
بيكاسو نفسه لم يلبث أن أصبح بعد ذلك الرسّام الأشهر في العالم وصار اسمه مقترنا بالإبداع والعبقرية.
وقد رسم أكثر من سبعمائة اسكتش للوحة قبل أن يستقرّ على واحد منها رأى انه راضٍ عنه أكثر من غيره.
كان بيكاسو يعيش في مشهد فنّي ينفتح أكثر فأكثر على التأثيرات المتنوّعة. وكان يتطلّع إلى ما هو أبعد ممّا كان في أذهان معظم منافسيه ومعاصريه.
وفي بيئة كانت تُضفي مسحة رومانسية على كلّ ما هو غريب وإكزوتي، كان هذا الرسّام مهاجرا إسبانيّا أسود العينين ولا يتحدّث الفرنسية إلا بالكاد. لذا أصبح محطّ اهتمام الإعلام والناس.
وعندما أصبح الوقت مواتيا لكسر قواعد الفنّ، حطّم بيكاسو جميع القواعد والقوانين.
السؤال: لماذا أتت التكعيبية خلال بضع سنوات، بينما استغرقت الانطباعية عدّة عقود؟ وما علاقة هذا بالعبقرية؟ وبماذا يختلف بيكاسو عن فان غوخ الذي كان هو الآخر مبدعا وصاحب موهبة كبيرة، ومع ذلك لم يتمتّع بشهرة بيكاسو؟
قبل عشر سنوات من وصول بيكاسو إلى باريس، كان فان غوخ قد قتل نفسه وعمره لا يتجاوز الرابعة والثلاثين ولم يكن قد باع ولا لوحة واحدة من لوحاته أثناء حياته.
السؤال الثاني الأكثر أهميّة: ما الذي يجعل رسّاما ما مشهورا وآخر مجهولا؟ لا بدّ أن هناك أسبابا أخرى لا علاقة لها بالفرد وأكبر حتى من الفكرة نفسها.
هذه الأسئلة وغيرها سنتناولها في الموضوع القادم.

Credits
pablopicasso.org
khanacademy.org