:تنويه

تنويه: كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة للمؤلف ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. .


الخميس، أبريل 03، 2025

ثيرڤانتِس في الجزائر


في 26 سبتمبر من عام 1575، وقع ميغيل دي ثيرڤانتِس، الذي سيصبح فيما بعد روائيّا مشهورا، أسيرا بيد جماعة من القراصنة. كان ابنا لرجل ميسور الحال من قشتالة بأسبانيا. وقد خدم بامتياز كبير تحت قيادة دون جون النمساوي في معركة ليبانتو قبل ذلك بأربع سنوات حيث فقد يده اليسرى، وهو الآن عائد مع شقيقه رودريغو إلى إسبانيا في إجازة.
لكنهما لم يصلا ومن معهما إلى ڤالنسيا، إذ قامت مجموعة من القراصنة البربر الذين كانوا يجوبون غرب البحر المتوسّط، بتمويل من العثمانيين، بالاستيلاء على سفينة الأخوين قبل ثلاثة أيّام من عيد ميلاد ميغيل التاسع والعشرين، ونُقلوا كعبيد إلى الجزائر.
في تلك الفترة، كان كلّ من الأوروبيّين المسيحيين من ناحية والمسلمين من ناحية أخرى يخوضون حروبا مقدّسة ضدّ بعضهم البعض. وكانت القرصنة أحد مظاهر ذلك الصراع. وقد وفّرت روايات اضطهاد مسلمي الأندلس من قِبل محاكم التفتيش الإسبانية سيّئة السمعة، بتحريض ممّا يُسمّون بملوك اسبانيا الكاثوليك، مبرّرا كافيا في نظر المسلمين لمحاربة الإسبان في البحر.
وكان المغاربة المنفيّون من إسبانيا نشطين كقراصنة في شمال إفريقيا. كانت الجزائر وتونس وطرابلس وقتها تحت سيادة الدولة العثمانية، إما كمحافظات تُدار مباشرة من قبل الترك أو كتابعات مستقلّة تُعرف باسم دول البربر. وكان وصول القراصنة العثمانيين الى المغرب في نهاية القرن الخامس عشر مبشّرا بالأيّام العظيمة لقراصنة البربر.
عند وقوع ميغيل دي ثيرڤانتِس ومن معه في قبضة القراصنة، كان أوّل ما قاموا به فحص كلّ أسير لمعرفة مكانته ومقدار الفدية التي يُتوقّع أن يجلبها. وقد تركت الرسائل التي عُثر عليها مع ثيرڤانتِس انطباعا لدى الخاطفين بأنه شخص مهم وقادر على تأمين مبلغ كبير من المال. لذلك اتخذوا كلّ الوسائل لضمان سلامته وقيّدوه بالسلاسل وعيّنوا له حرّاسا وراقبوه ليلا ونهارا. لكنه لم ييأس لحظة واحدة، بل بدأ على الفور في التخطيط لهروبه هو ورفاقه الأسرى.
وفي العام التالي أرسل والد ثيرڤانتِس العجوز ما استطاع جمعه من مال من ممتلكاته ومن حصيلة زواج بناته لفدية ابنيه المحتجزين. لكن عندما عُرض المبلغ على الخاطفين أعلنوا أنه غير كافٍ على الإطلاق لشراء حريّة ميغيل، لكنه كاف كفدية لأخيه الأصغر رودريغو. وبناءً على ذلك، أُطلق سراح رودريغو وأبحر إلى إسبانيا حاملاً أمرا سرّيا من شقيقه ميغيل لتجهيز بارجة مسلّحة وإرسالها عن طريق ڤالنسيا ومايوركا لإنقاذهم من الأسر.
ظلّ ثيرفانتس تحت حراسة مشدّدة، لكن عقله كان نشطاً دوماً ومشغولا بالتفكير في خطّة للهرب. وفي النهاية تمكّن من الدخول في علاقة مع مسئول من وهران تعهّد بنقل رسائل يطلب فيها المساعدة للأسرى الإسبان. ولكن سوء حظّه لم يفارقه بعد. فقد وقع الرسول في أيدي أشخاص آخرين.


كان الخاطفون قد أصبحوا أكثر جشعا وطالبوا والد ثيرفانتِس الذي وصل الى الجزائر بضعف الثمن الذي كان قد دفعه، وهدّدوا إن لم يدفع بنقل ابنه على متن سفينة خاصّة إلى القسطنطينية. وبالفعل وُضع ثيرفانتِس مقيّدا بالسلاسل في سفينة متّجهة إلى المياه التركية.
وشعر أبوه أنه بمجرّد وصوله إلى القسطنطينية، من المحتمل أن يظلّ ابنه سجينا حتى نهاية حياته. فبذل جهودا مضاعفة لتأمين إطلاق سراحه واقترض بعض المال من بعض التجّار الجزائريين، بل واستخدم ذلك المال لافتداء أسرى آخرين. ثم أخيرا أُطلق سراح ثيرڤانتِس وسُمح له بالعودة إلى موطنه بعد خمس سنوات في الأسر.
لم يكن ثيرفانتِس يفتقر إلى المغامرة، لأنه كان من النوع الذي تأتي إليه المغامرات طائعة، لذا عاد إلى مهنته القديمة وانضمّ إلى الجيش الذي كان الملك فيليب يحشده لفرض مطالبته بتاج البرتغال. وفي هذا البلد، كما في كلّ البلدان الأخرى التي قادته إليها حياته المتجوّلة، كوّن ثيرفانتِس العديد من الأصدقاء ولاحظ ما يجري حوله.
كان في جميع النواحي رجلاً عمليّا وقويّا، وأحيانا كان على النقيض تماما من "دون كيشوت" بطل روايته، الذي كان يرى كلّ شيء مضخّما وعلى غير صورته الحقيقية. لكنه من ناحية أخرى كان النظير الحقيقي لبطله في رغبته تقديم المساعدة والراحة عندما يحتاجهما أحد، وتَرْك العالم أفضل ممّا وجده.
وبعد سنوات، عندما نشر ثيرڤانتِس رواية "دون كيشوت"، حقق الكتاب نجاحا غير مسبوق في تاريخ الأدب، إذ انتشر بسرعة هائلة، وفي أقلّ من عقد من الزمان تُرجم إلى جميع اللغات الرئيسية في أوروبا، وحقّق نجاحا مُدويّا في جميع أنحاء القارّة. واليوم، تُعدّ هذه الرواية ثاني أكثر الكتب نشراً ودراسة بعد الانجيل وأنجح كتاب غير ديني أُلّف على الإطلاق.
بعض المؤرّخين يصفون تجربة أسر ثيرڤانتِس في الجزائر بأنها الحدث الأكثر سموّا في مسيرته الروحية والذي ينتظم بقوّة حياته بأكملها. في تلك الفترة العصيبة، يبدو أنه وجد الإلهام والدافع لتغيير مساره من حياة الجندية الى عالم الأدب.
الشاعر والروائي الإسباني خوان غويتيسولو يصف ما حدث بقوله: كان السجن بمثابة إعصار في النواة المركزية لموهبة ثيرڤانتِس الأدبية العظيمة. فالسنوات الخمس التي قضاها في الجزائر غيّرت حياته جذريّا، وقد صاغ ثيرفانتِس رؤيته المعقّدة والمثيرة للإعجاب عن إسبانيا خلال سجنه في الأرض الجزائرية، في معارضة للنموذج المنافس الذي اصطدم به هناك".
وترى الاكاديمية الاسبانية ماريّا غارثيز أن ثيرڤانتِس أدرج في "دون كيشوت" مجموعات مهمّشة وغامضة ثقافيّا، كالموريسكيين، أي المسلمين السابقين الذين اعتنقوا المسيحية أو أُجبروا عليها، والغجر وغيرهم. وتضيف: ما من شك في أن تجربته كأسير في الجزائر وعلاقاته الشخصية مع المسلمين والمنشقّين ولقاءاته مع ثقافات وأديان مختلفة هناك أتاحت له فرصة دراسة هذه القضايا من منظور فريد".
في الجزائر ما تزال ذكرى ثيرڤانتِس حيّة الى اليوم، فهناك شارع يحمل اسمه، وهناك مغارة قيل انه أقام فيها وعدد من رفاقه الأسرى بعد محاولتهم الهرب من السجن. ويقال انه في تلك المغارة التي تحمل اسمه بدأ التفكير في كتابة روايته.

Credits
cervantesvirtual.com

الثلاثاء، أبريل 01، 2025

خواطر في الأدب والفن


  • ذات مرّة كتب نيل غيمَن يقول:
    أؤمن بأن البشر قابلون للتطوّر وأن المعرفة لا حدود لها وأن العالم تديره عصابات مصرفية سرّية، وتزوره كائنات فضائية بانتظام منهم طيّبون ومنهم أشرار.
    وأعتقد أن المستقبل سّيء ومشرق معا، وأن امرأة الجاموس البيضاء ستعود يوما لتسحق الجميع. وأعتقد أن جميع الرجال مجرّد فتيان ناضجين يعانون من مشاكل عميقة في التواصل.
    وأعتقد أن جميع الساسة محتالون بلا مبادئ، وما زلت أعتقد أنهم أفضل من البديل. وأعتقد أن كاليفورنيا ستغرق في البحر عندما يحين وقت الكارثة الكبرى، بينما ستذوب فلوريدا في جنون وتماسيح ونفايات سامّة.
    وأعتقد أن الصابون المضادّ للبكتيريا يدمّر مقاومتنا للأوساخ والأمراض، لذلك في يوم ما سنتعرّض جميعا للبرد الشائع مثل سكّان المرّيخ في فيلم حرب العوالم.
    وأعتقد أن أعظم شعراء القرن الماضي كانوا إديث سِتويل ودون ماركيز، وأن اليشَم هو سائل منوي مجفّف من التنّين، وأنني قبل آلاف السنين في حياتي السابقة كنت شاماناً سيبيريّاً بذراع واحدة.
    أؤمن بأن مصير البشرية يكمن في النجوم. وأؤمن بأن الحلوى كانت ألذّ طعما في صغري، وأن طيران النحلة الطنّانة مستحيل هوائيّا، وأن الضوء موجة وجسيم، وأن هناك قطّة في صندوق ما حيّة وميّتة في آن، وأن هناك نجوما في الكون أقدم من الكون نفسه بمليارات السنين.
    أؤمن بإله شخصي يهتمّ بي ويرعاني ويشرف على كلّ ما أفعله. وأؤمن بكون فارغٍ بلا إله، فوضى سببية، وضجيج في الخلفية، وحظّ أعمى.
    أؤمن بالصدق المطلق والأكاذيب الاجتماعية المعقولة. وأؤمن بحقّ المرأة في الاختيار وحقّ الطفل في الحياة، وأنه – رغم أن حياة الإنسان كلّها مقدّسة- لا حرج في عقوبة الإعدام إذا كان بالإمكان الوثوق بالقانون ثقةً تامّة، وأؤمن بأن لا أحد سوى الأحمق يثق بالنظام القانوني.
    وأؤمن أن الحياة لعبة، وأن الحياة مزحة قاسية، وأن الحياة هي ما يحدث عندما تكون على قيد الحياة، وأنك يمكن أن تستلقي وتستمتع بها."
  • ❉ ❉ ❉

  • تأثرت المُثُل الجمالية اليابانية بشكل كبير بالبوذية المحليّة. ففي التقاليد البوذية، يُعتبر كلّ شيء إما متطوّرا من العدم أو متحلّلا منه. وهذا "العدم" ليس فراغا، بل هو فضاء من الإمكانات.
    فإذا كانت البحار تمثّل الإمكانات، فكلّ شيء أشبه بموجة تنبع منها وتعود إليها. فلا توجد أمواج دائمة، ولا توجد أمواج مثالية. ولا تكتمل الموجة في أيّ لحظة، حتى في ذروتها. والطبيعة تُعتبر كُلاًّ ديناميكيّا جديرا بالإعجاب والتقدير. وهذا التقدير للطبيعة ظلّ عنصرا جوهريا في العديد من المُثُل الجمالية اليابانية والفنون وغيرها من العناصر الثقافية.
    وفي هذا الصدد، يختلف مفهوم "الفن" اختلافا كبيرا عنه في التقاليد الغربية. فبينما يُعتبر مفهوم الجماليات فلسفةً في المجتمعات الغربية، يُعتبر في اليابان جزءا لا يتجزّأ من الحياة اليومية.
    فوشيكادن، (أو "الروح المُزهرة" في ترجمته الانغليزية) هو عنوان كتاب مشهور ألّفه فنّان ومسرحيّ ياباني يُدعى زيامي موتوكيو في القرن الرابع عشر. ولم يُنشر الكتاب في حينه، بل حُفظ بعيدا عن الأنظار حتى عام ١٩٠٩، لأن مؤلّفه رأى أن إبقاءه سرّا يجعله ذا قيمة.
    ويتضمّن الكتاب نصّا مشهورا يقول "الزهور توجد في الخفاء". ويُستشهد بهذه العبارة كثيرا لجمالها الشعريّ الصوفي، لكنها في الواقع تحمل معنى عمليّا للغاية. إذ تشير إلى أن أعظم الأثر يتحقّق بإخفاء الأمور. قد لا تكون الأسرار نفسها عميقة عند كشفها، لكن ندرتها وعنصر المفاجأة فيها يمكن أن يتحوّلا إلى فنّ مؤثّر أو حتى استراتيجية للنجاح. وإخفاء الأسرار بحدّ ذاته تقنية بارعة لخلق "الزهرة" أو القيمة الأسمى في الفن.
    فمثلا، في عالم الأعمال، نُفّذ مشروع صنع أوّل هاتف "آيفون" بسرّية تامّة، وحافظ المشاركون فيه على سرّية وجوده، ما أحدث مفاجأة كبيرة عند الإعلان عنه وساهم في رواجه الكبير في السوق.
    وبالمثل، هناك فنّان انغليزي مشهور يُدعى بانكسي اكتسبت أعماله جاذبيةً إضافيةً لأن هويّته ظلّت مجهولة، ما أضفى عليه ستارا من السرّية والغموض وأكسب أعماله الجدارية التي يرسمها خلسةً في الليل شهرة عالمية.
    ويذهب زيامي موتوكيو أبعد من ذلك بالقول إنه لا ينبغي لأحد أن يخبر الآخرين حتى بسرٍّ ما. كان الرجل أشبه ما يكون باستراتيجيّ وأمير حرب منه إلى مجرّد فنّان. ففي وقتٍ كانت العديد من الفرق والممثّلين يتنافسون على الشهرة، كان موتوكيو يتأمّل في كيفية التفوّق كمُؤدٍّ وإسعاد الجمهور ورفع مكانة فرقته.
  • ❉ ❉ ❉



    ❉ ❉ ❉

  • في محاولة لمساعدة البيئة وخلق مفهوم جديد للجنازة، اقترحت جماعة بيئية أرجنتينية منذ فترة إزالة الشواهد من على القبور واستبدالها بالأشجار بغرض تحويل المقابر إلى غابات حضرية تغذّي المدن بالأكسجين.
    "دعونا نكن أشجارا" هو اسم المشروع الذي يشجّع كلّ شخص على التحوّل إلى شجرة عندما يموت. وقال أصحاب الفكرة إن أفضل طريقة لتكريم الشخص المتوفّى هي منحه الحياة، مضيفين أن الموت والحياة متضادّان، لكنهما بحاجة إلى بعضهما البعض للبقاء وضمان أن كلّ موت يُولّد حياة جديدة.
    المشروع يهدف الى كسر نموذج الجنازة التقليدي و"تحقيق تغيير جذري في كيفية تعاملنا مع وفاة أحد أفراد الأسرة، وفي الوقت نفسه العمل معا لتعزيز التشجير وإدراك أهمية إعطاء الحياة معنى حقيقيّا وتذكّر الراحلين وهم منغمسون في الطبيعة، وإعادة تعريف الموارد الطبيعية واستخدامها بطريقة أفضل".
    وبالإضافة الى التغيير البصري والجمالي، تهدف مراسم الغرس إلى إظهار أهمية دورة الحياة الطبيعية، ومساعدة الناس على عيش حاضرهم دون التفكير في الغد، ليتمكّنوا من الاستمتاع بالحياة والاحتفال بها. كما أنها تساعد على تذكّر الانسان أحبّاءه الراحلين بطريقة أكثر بهجة وذلك بالتوحّد مع الطبيعة.
    ويقول القائمون على الفكرة أنه عندما تُزرع شجرة تمثّل كلّ شخص متوفّى، فإن المقابر لن تُملأ بشواهد القبور بعد الآن، بل بالأشجار التي ستصبح رئة جديدة للعالم. وبما أن الشجرة تُمثّل ذلك الشخص الذي رحل، فإن زيارة أحد الأقارب ستصبح أكثر متعةً، إذ سيجد نفسه في مساحة خضراء يشارك في تطويرها، تجفّ أوراق أشجارها شتاءً وتنمو لها أوراق جديدة في الربيع وهكذا.

  • Credits
    neilgaiman.com
    the-noh.com

    الأحد، مارس 30، 2025

    طبيعة إيغون شِيلا


    نادراً ما كانت لوحات المناظر الطبيعية التي رسمها إيغون شيلا (1890 - 1918) جميلة، ولكن كثيرا ما كانت مذهلة. وقد تحوّل الفنّان من رسم صور الطبيعة الرعوية ومناظر القرى الخلّابة إلى رسم مناظر خريفية لأشجار رفيعة وأزهار ذابلة ومدن خالية من البشر في أغلب الأحيان.
    وهذه اللوحات ليست هي التي اشتهر بها شيلا، بل ولا حتى التي حظي بسببها بالاحترام والتقدير. غير أنها مع ذلك كانت مفعمة بروح الحياة.
    الارتباط بين صور شيلا للناس وصوره للأماكن ليس مجرّد حساسية تعبيرية. بل إن النوعين رمزيان بعمق ويشتركان في لغة مشحونة بالرموز الشخصية ذات المعنى المكثّف. فالزهور الحيّة والميّتة، وخاصّة عبّاد الشمس، توجد في نفس المساحة، ما قد يشير إلى شيء أموميّ أو متجدّد في الحياة. أما أشجار الخريف فربّما تلمّح إلى الفناء والتهديد والعزلة، وهي الأشياء التي توحي بها صور العديد من الأشخاص الذين خلّدهم هذا الرسّام النمساوي.
    والرسّام يضفي لمسة روحانية على الوسط المسيحي الذي نشأ فيه. إذ تظهر الأضرحة في الغابة كالفطر، وتتمتّع أبراج الكنائس بطاقة أوّلية ذكورية. وقد كتب عام 1910 يقول: لكلّ شجرة وجهها. ولديّ القدرة على التعرّف على نوع عينيها ونوع ذراعيها ومكوّناتها وعلى كائنها الحيّ".
    كان الوسط الفكري لمدينة ڤيينا في نهاية القرن التاسع عشر، حيث نشأ وعاش شيلا، مزيجا نيتشويّاً بنكهة ڤاغنرية من الرغبة في التواصل والتسامي. وكان لدى شيلا مزيج جنوني من الثقة والازدراء وهوس بالحقيقة الداخلية والأقنعة الزائفة والخداع الاجتماعي.
    وقد كتب مرّة يقول: الجميع يحسدونني، وكلّهم مخادعون. زملائي السابقون ينظرون إليّ بعيون منافقة. وفي ڤيينا لا يوجد سوى الظلّ، والمدينة سوداء، وكلّ شيء يحدث وفقا لوصفة".
    ورغم أن شيلا يتحدّث بلغة أهل ڤيينا، إلا أنه فضّل أن يعيش ويعمل خارجها. وهذا قاده إلى مدن مثل شتاين وكروماو حيث وُلدت أمّه. وقد اكتسب إلهاما من هذه الأماكن وصوّر غرابتها، لكنها لم تسحره.
    في صورة رسمها لنفسه عام 1911، نشعر بقوّة ثقته بنفسه، حيث أحاط شعره الداكن بهالة من الضوء الأبيض ورسم يديه بزاوية تجعلهما تبدوان كسلاحين، بينما ارتدى زيّ رجل أنيق وسترة طاووس. وعلى عكس صوره لأشخاص آخرين، يقف هو منتصباً.
    لكن شيلا نادرا ما يمنح أشجاره نفس الثقة بالنفس. وإحدى أقوى صوره عنوانها "منظر لنهر مع شجرتين" من عام 1913، رسمها ضمن منظر طبيعي قاحل، باستثناء بضع زهور صغيرة ذات ألوان زاهية.


    ذات مرّة كتب شيلا قائلا: ينمو البشر والحياة النباتية بوسائل وآليّات مختلفة. نحن حيوانات وأجسادنا تُطهى بشكل كامل في الرحم، متذبذبة في البدء والمنتهى. ولكن عقولنا أكثر شجريةً، فتَنبت كبراعم خضراء حسّاسة للصقيع والرياح. بعض الأغصان تبقى وكثير منها لا يدوم. وبعض المشاعر نحيلة وهشّة وبعضها الآخر مغطّى بقشرة من اللحاء القديم".
    الشجرتان في تلك اللوحة تشتركان في مشهد النهر وتمتلكان كلّ ما تحتاجانه للنمو: أرض مفتوحة وشمس وماء على مسافة. وعلى النقيض ممّا تبدو عليه المباني في مناظر مدينة الرسّام، فإن الشجرتين ليستا مكتظّتين أو ملتحمتين ولا تقاومان تعدّي الأعشاب الضارّة أو حافّة الغابة. لكنهما تبدوان بائستين تماما، مثل الكثير من الأشخاص الذين يعيشون في عزلة.
    أحيانا كان شيلا يركّز انتباهه على نباتات وأشجار مفردة. وكانت أزهار عبّاد الشمس من بين زخارفه المُفضّلة. وقد رسمها في جميع مراحل حياتها، من الإزهار الكامل إلى اللون البنّي ثم الذبول. ومن السهل تخيّل أن نيّته كانت إضفاء سمات بشرية على هذه الزهور. وربّما استلهم مثال ڤان غوخ الذي عُرضت أعماله في ڤيينا أثناء حياته "أي شيلا"، وبالتحديد ما بين عامي ١٩٠٦ و١٩٠٩.
    مناظر شيلا الطبيعية تتخلّلها رسائل وجودية عن الظرف الإنساني. فآمال الربيع والصيف ووعودهما تتلاشى أمام الاضمحلال والموت قبل أن تتجدّد دورة الفصول من جديد. لذا، ترمز لوحات الطبيعة هذه إلى الحياة نفسها وتحمل دلالات عالمية. وقد شرح شيلا انطباعه الشخصي عن هذا التحوّل بين الفصول بقوله: كثيرا ما كنت أبكي وعيناي نصف مفتوحتين عند حلول الخريف".
    كرسّام للبورتريه، كان شيلا يتمتّع بقدرة فائقة على اختراق شخصياته. وهو مكتشف بارع لدواخل النفوس وكاشف لأعمق الأسرار. وأعماله التي رسمها لأشخاص تستثير أفكارا كالموت والعوز واليأس والوحدة. وفيها نستشعر العجز والخوف والقلق من عدم اليقين والموت، وهو موضوع أزلي وقديم. وقد كتب عنه ناقد في زمانه يقول: يعيش شيلا في عالم مظلم بشخصياته المشوّهة بشكل مرعب".
    فنّ شيلا يتضمّن بشكل عام استكشافا لافتا للنفس البشرية بطريقة مفعمة بالعاطفة الصادقة والرمزية العميقة. ولا تزال أعماله تثير الجدل والاستفزاز وتلقى صدى لدى الجمهور بعد قرن من وفاته. كما لا يزال فنّه يحظى بالاحتفاء والدراسة بسبب تأثيره العميق على عالم الفنّ الحديث.
    ولعلّ أفضل وصف للتأثير العميق لفنّه هو ما لخّصته مؤرّخة فنّ تُدعى جين كالير بقولها: إن أهميّة أعمال شيلا لا تكمن في كونها صادمة، بل في كونها إنسانية بامتياز. إن فنّه عالمي في أهميّته وقدرته على التأثير في المتلقّي".
    توفّي إيغون شيلا بسبب الأنفلونزا عام 1918 عن عمر لا يتجاوز الـ 28 عاماً. وهناك صورة فوتوغرافية له تعود الى عام 1918 وتصوّره وهو على فراش الموت. كان فنّانا غير عادي، وكان بداخله على الأقل بضع ثورات لم تتحقّق. وهو لم يتقدّم في العمر قطّ، ومع ذلك كان عجوزا دائما، أو ربّما لم يعش طويلا بما يكفي ليصبح شابّا.

    Credits
    egon-schiele.com
    neuegalerie.org