:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, November 05, 2011

هيروشيغي: مائة منظر لـ ايدو


كان اوتاغاوا هيروشيغي فنّانا يابانيّا كرّس حياته لرسم لوحات رائعة عن الطبيعة اليابانية. وطوال مسيرته الفنّية، ترك هذا الرسّام بصمة خاصّة في تاريخ الرسم العالمي بفضل لوحاته الخشبية الجميلة وأفكاره المبتكرة التي جعلت منه فنّانا مفضّلا بالنسبة للكثيرين.
أحد أشهر أعمال هيروشيغي هو سلسلة لوحاته بعنوان مائة منظر لـ ايدو. وايدو هو الاسم القديم لـ طوكيو عاصمة اليابان.
وتتألّف هذه السلسلة من مائة وثمان عشرة لوحة. وفيها يصوّر هيروشيغي بطريقة شاعرية مظاهر الحياة والطبيعة في كلّ فصل من فصول السنة.
وقد اعتُبرت هذه المجموعة على الدوام واسطة العقد في أعماله الفنّية. كما أنها اليوم من بين أعظم الأعمال الفنّية في اليابان. ويمكن النظر إليها، أيضا، باعتبارها احتفاءً بفنّ وثقافة اليابان في نهايات فترة الشوغن.
رسم هيروشيغي مناظر هذه السلسلة في العام 1856م. ويجب أن نتذكّر أن ايدو (أو طوكيو كما أصبحت تسمّى في ما بعد) كانت وقتها تمرّ بتحوّلات كبيرة. وكانت، كما هي اليوم، إحدى أكبر المدن في العالم.
وأوّل ما ستلاحظه وأنت تنظر إلى هذه اللوحات المطبوعة على الخشب هو اهتمام الرسّام بإظهار التفاصيل الصغيرة. وعندما تتملّى هذه اللوحات أكثر ستشعر كما لو انك تشمّ شذى الأزهار والروائح العطرية المنتشرة في الهواء وتسمع أحاديث الناس وأصوات الكائنات.
وسترى في بعض هذه اللوحات الغيوم الداكنة وهي تجود بأمطارها، بينما يبحث الناس لهم عن ملاذ وهم يعبرون فوق جسور تطلّ على مياه بلّورية زرقاء.


من المثير للاهتمام أن نعرف أن هيروشيغي كان في بدايات حياته يعمل كرجل إطفاء. وعندما بلغ الحادية والثلاثين، قرّر أن يضيف إلى اهتماماته دراسة الطباعة والرسم. لذا درس على يد الفنّان الياباني المشهور اوتاغاوا تويوكوني.
وقد استطاع هيروشيغي بسرعة أن يطوّر قدرته على التقاط تأثيرات الأماكن والناس والمواسم في لوحاته بفضل موهبته ومثابرته وإصراره على أن يصبح فنّانا مختلفا.
في هذه السلسلة تبدو الألوان اقرب ما تكون إلى ألوان الطبيعة الأصلية. وقد استخدم الرسّام لهذه الغاية تقنية متطوّرة لمزج الأصباغ بحيث تنتج أسطحا مظلّلة وانعكاساتٍ جميلة ولمعانا خفيفا يتغيّر بحسب نوعية ودرجة الضوء.
ومن خلال التوليفات البارعة وأنظمة الألوان، استطاع هيروشيغي أن يصوّر القوّة الكبيرة للطبيعة، مستحضرا المزاج الشاعري لتعاقب فصول السنة ودورات الطقس وأوقات اليوم المختلفة.
اليوم تُعتبر هذه الرسومات كنزا ثقافيا مهمّا. وقد عُرضت في العديد من متاحف العالم الكبيرة. كما أعيد استنساخها مرارا. وهي متوفّرة بالكامل على الانترنت، بالإضافة إلى معظم أعمال الرسّام الأخرى.
كان هيروشيغي أثناء حياته فنّانا معروفا وناجحا تجاريا. لكنّ المجتمع الياباني لم يلتفت إليه بالشكل الكافي. ومثل زميله كيتاغاوا اوتامارو، فإن شهرته لم تبدأ إلا بعد أن اكتشف أعماله الأوربّيون.
وقد هيمن، هو وزميله الآخر كاتسوشيكا هوكوساي، على الفنّ الشعبيّ في اليابان خلال النصف الأوّل من القرن التاسع عشر.
في نهايات حياته، أنتج هيروشيغي رسومات اقلّ جودة. والسبب انه كان يرسم بسرعة فائقة ليواكب طلبات الزبائن والسوق.
في أكتوبر من عام 1858 توفّي اوتاغاوا هيروشيغي متأثّرا بإصابته بمرض الكوليرا عن اثنين وستّين عاما. وترك وراءه أكثر من أربعة آلاف لوحة، ما يؤهّله لأن يكون احد أكثر الرسّامين إنتاجا في العالم. "مترجم".

Wednesday, November 02, 2011

"أخبار "الصحوة الإسلامية


الكثيرون لاحظوا خلال الأشهر الأخيرة إصرار الإعلام الإيراني على وصف الثورات العربية بـ "الصحوة الإسلامية". في البداية، كنت أتصوّر أن الإيرانيين يستخدمون هذا الوصف من باب استلهام أفكار ثورتهم التي حدثت في أواخر الثمانينات وربطها بما يحدث الآن في المنطقة. لكن يبدو أن لهذا التسمية أسبابا وخلفيات سياسية وأيديولوجية أعمق بكثير ممّا يظهر على السطح، وكما يشرحها الأكاديمي والكاتب الإيراني صادق زيباكلام في المقال المترجم التالي.
في جميع أرجاء الشرق الأوسط والعالم بأسره، كانت هناك نقاشات وتحليلات كثيرة خلال الأشهر التسعة الماضية تحاول البحث في جذور وأسباب وآثار ومستقبل ما يسمّى بالربيع العربي. وما يزال الأكاديميون والصحافيون والمحلّلون السياسيون يعكفون على دراسة مختلف جوانب وأبعاد هذه الأحداث المحيّرة وغير المتوقّعة.
يحدث هذا في كلّ مكان، باستثناء إيران الإسلامية. فالزعماء الإيرانيون، وكذلك وسائل الإعلام المملوكة للدولة، تتعامل مع الثورات العربية دون أيّ التباس. والنظرة الإيرانية إلى هذه الأحداث الجسام بسيطة جدّا وواضحة.
القادة الإيرانيون لا ينظرون للربيع العربي على انه حركة سياسية واجتماعية تهدف إلى دمقرطة المجتمعات العربية، بل باعتباره "صحوة إسلامية" على حدّ وصفهم. وهم يتنافسون، واحدا بعد الآخر، في مديح هذه "الصحوة الإسلامية المجيدة". وقد يظنّ المرء أن هذا مجرّد كلام شكلي تمليه المشاعر الدينية القويّة عند العديد من القادة الإيرانيين.
لكن الأمر اكبر بكثير من مجرّد كونه وصفا أو تسمية. فالقادة الإيرانيون لم يغيّروا الاسم فحسب، ولكنهم، وهذا هو الأهم، حوّروا مضامين وأسباب وغايات الربيع العربي كذلك.
وبالتالي فإن هذه "الصحوة الإسلامية الكبرى"، على حدّ تعبيرهم، إنما تستمدّ الإلهام والتأثير من المفاهيم الإسلامية الراديكالية والثورية التي جاءت بها الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979م. وهذا يعني ابتداءً أنها معادية للغرب، وللولايات المتحدة وإسرائيل على وجه الخصوص.
ووفقا للقيادة الإيرانية ووسائل إعلامها، فإن العرب ثاروا ضدّ مبارك وبن علي وبقيّة الحكام العرب، ليس لأنهم طغاة ومستبدّون، وإنما لأنهم، وفي المقام الأوّل، موالون للغرب وأصدقاء للدولة اليهودية.
إن حقيقة أن مبارك كان يحتفظ بعلاقات طيّبة مع إسرائيل هو عامل أهم بكثير في أعين القادة الإيرانيين من أسلوب حكمه الديكتاتوري. كما أن علاقته الجيّدة مع واشنطن أهمّ عندهم كثيرا من حقيقة انه كان يزجّ بمعارضيه في السجون ويرفض إجراء انتخابات حرّة في مصر.
تغطية أخبار الربيع العربي في إيران تبدو مشوّهة، خاصّة إن كنت ممّن لا يستطيعون الوصول إلى وسائل الإعلام البديلة. وبالتالي سيتكوّن عندك انطباع بأن العرب لا يبحثون عن التغيير الديمقراطي، وأن غاية ما يريدونه هو أن يقطعوا أيّ علاقة تربطهم بالولايات المتحدة وإسرائيل.
وفي الصحف الإيرانية لا تتوفّر أيّ تقارير أو تحليلات حول ماذا يريد العرب، ولا عن معارضتهم للقمع السياسي وفرض الرقابة على وسائل الإعلام، ولا عن مطالبهم الأخرى مثل سيادة القانون والانتخابات الحرّة والنزيهة.
وعلى هذه الخلفية، فإن الهجوم على السفارة الإسرائيلية في القاهرة حظي بتغطية إعلامية واسعة في إيران، وصُوّر في الإعلام الإيراني كما لو انه السبب الأساس في اندلاع هذه الانتفاضات العربية الضخمة. كما افرد الإعلام الإيراني مساحة واسعة لتعليقات الإسلاميين المعادية أو المهدّدة للغرب، في حين حجب تعليقات الليبراليين، بل وحتى الإسلاميين المعتدلين الذين لا يسعون إلى مواجهة مع الغرب.
وهناك عامل مهمّ آخر يتحكّم في صوغ التفسير الرسمي الإيراني لموضوع الربيع العربي. فالعديد من القادة الإيرانيين ينظرون إلى النظام الإسلامي على انه في حالة صراع ايديولوجي مستمرّ مع "الغرب المنحلّ والفاسد". و"الصحوة الإسلامية الكبرى" يُنظر إليها باعتبارها مؤشّرا واضحا على التفوّق الأخلاقي للإسلام وهزيمته لخصومه. وبالنظر إلى أن القادة العرب الذين يكافحون بيأس من اجل بقائهم في الحكم هم حلفاء إستراتيجيون للغرب، فإن زوالهم هو في الواقع هزيمة للغرب نفسه.
لو فُسّر الربيع العربي على انه صراع من اجل الإصلاح السياسي والديمقراطية، فإنه عندها لن يوفّر مكسبا ايديولوجياً لقادة إيران الإسلاميين ضدّ عدوهم. لذا فإن البعد الأيديولوجي في الصراع مع الغرب هو أمر مهمّ جدّا بالنسبة لزعماء إيران، لدرجة أنهم صوّروا موجة الاحتجاجات الحالية ضدّ المصاعب الاقتصادية في بلدان غربية عدّة، بما فيها احتجاجات وول ستريت، كدلالة واضحة على قرب انهيار الحضارة الغربية.
غير أن أحداث سوريا شكّلت معضلة حقيقية لإيران. فالربيع العربي بمجمله كان يمكن أن يشكّل نصرا معنويا لإيران الإسلامية على الغرب لولا العامل السوري الذي لا يتوافق إطلاقا مع النظرية العظيمة للصحوة الإسلامية.
وقد تمكّنت القيادة الإيرانية في نهاية المطاف، وبصعوبة، من حشر النظام الليبي بقيادة القذّافي في خانة أتباع الغرب. وتصوير القذّافي باعتباره دمية في يد الغرب كان السبيل الوحيد لإدراج الثورة الليبية، هي الأخرى، ضمن فعاليات "الصحوة الإسلامية" ضدّ الغرب.
غير انه لم يكن من الممكن وصف بشّار الأسد على انه حليف غربي. وفي نفس الوقت، لم يكن هناك من وسيلة لتجاهل واقع الاحتجاجات العارمة ضدّ نظامه. ولهذا السبب، شكّلت الثورة في سوريا ثغرة واسعة في نظرية الصحوة الإسلامية.
في البداية تجاهل قادة إيران، فضلا عن وسائل الإعلام التي تديرها الدولة، الأحداث في سوريا. لكن عندما تناول بعض الكتّاب الإيرانيين المستقلّين مسألة القمع الوحشي الذي يتعرّض له الشعب السوري، اضطرّت القيادة الإيرانية للتدخّل والتعليق على ما يحدث هناك. وأكّدت، ببساطة، أن "طبيعة الاحتجاجات في سوريا مختلفة عمّا يحدث في بقيّة أنحاء العالم العربي. ففي حين أن الثورات في البلدان العربية الأخرى حقيقية، فإن ما يحدث في سوريا لا يزيد عن كونه اضطرابات وقلاقل دبّرها عملاء إسرائيليون وأمريكيون ضدّ نظام بطولي وثوري"!