المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف تشيكوف

شاعر الطبيعة

صورة
نتوق أحيانا إلى ما لا نستطيع بلوغه؛ إلى ما هو جميل ومثالي وبعيد المنال. في الشتاء، مثلا، قد تتطلّع الى أن تجد المتعة في مشهد خريفي ليس هذا أوانه. ومع ذلك ربّما لا يأتي الخريف بأكثر مما تمنحنا إيّاه هذه اللوحة "الى فوق"، والتي يصوّر فيها الرسّام الروسي إيساك ليڤيتان نهرا تصطفّ على جانبيه بعض الأشجار في أعماق الريف الروسي. كان ليڤيتان (1860 - 1900) يُضفي على رسوماته للطبيعة أمزجة متنوّعة مع مسحة روحانية تصبح انعكاسا للظرف الانساني. وبعض صوره الأخيرة التي رسمها قبيل وفاته كانت تنبض بالضوء، مع غيوم داكنة في السماء. كما كانت مشبعة بالتجارب والمشاعر الإنسانية الذاتية من حزن وسلام ومرح وابتهاج وما إلى ذلك. وكان أيضا يصوّر الكثير من المشاعر في اعماله متبنّيا نوعا من الواقعية القاسية الممزوجة بشيء من روح الشعر الواهب للحياة. ولهذا يصبح وجود البشر في المنظر غير ضروريّ بل وحتى زائدا عن الحاجة. التنظيم الذهني الجيّد والشكّ والضعف والمزاج الكئيب الذي تعكسه بعض صوره يعكس قدرة ليڤيتان الرائعة على النفاذ الى عمق الطبيعة الروسية السرّية والناعمة ممّا لم يستطع فعله رسّام آخر قبله...

تشيكوف: نظرة مختلفة

صورة
لأكثر من مائة عام، يجلس رجلان ملتحيان وطاعنان في السنّ على أكتاف الروس الذين ينوءون تحت حملهما الثقيل: تولستوي وديستويفسكي. تولستوي يجلس على الكتف الأيمن وديستويفسكي على الكتف الأيسر، أو العكس. العبء الثقافي الذي يمثّله هذان الرجلان ستشعر به بعد لحظات قليلة من لقائك مع أيّ شخص غريب يكون على دراية بسيطة بالأدب الروسيّ. فعندما يعرف انك روسيّ، سرعان ما يهتف: آه تولستوي وديستويفسكي"! الميراث الأدبيّ الضخم للرجلين يثقل كواهلنا كـ "رُوس"، بل ويسحقنا بلا رحمة. والمشكلة انه يتوجّب علينا أن نحملهما معنا أينما ذهبنا أو ارتحلنا إلى أن نموت. ما من شكّ في أن الرجلين عبقريّان. لكن المحزن أن حجم وعمق كتاباتهما حَجَب بريق كتّاب روس آخرين لا يقلّون أهميّة وموهبة. وأعرف على الأقل كاتبا واحدا ينافسهما، بل ويتفوّق عليهما أحيانا. هذا الكاتب اسمه انطون تشيكوف. وهناك عدد من الأسباب التي تجعل من تشيكوف ندّاً قويّا لتولستوي وديستويفسكي. السبب الأوّل هو أن تشيكوف كان كاتبا موجزا. صحيح أن طول أو حجم كتاب ما ليس معيارا صالحا للحكم على جودته وقيمته. فهناك روايات كثيرة طويلة وضخمة، لكنها...

حديقة تولستوي

صورة
توفّي تولستوي قبل زهاء المائة عام، أي في العشرين من نوفمبر عام 1910، وأصبح اسمه في العالم مرادفا لعظمة الأدب الروسيّ. لكن في روسيا، ما تزال فلسفته ودعوته لنبذ العنف وترجماته المتحرّرة للإنجيل تثير نقاشا واسعا. في عام 1910، قرّرت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية التبرّؤ من الكاتب. وفي الذكرى المئوية لوفاته، رفضت الكنيسة العديد من الالتماسات كي تعيد النظر في قرارها. وفي الحقيقة لو كان تولستوي ما يزال حيّا لما انزعج كثيرا من هذا الموقف، فقوّة موهبته منحته فرصة فريدة كي يسلك طريقه الخاصّ ويحتفل بالحياة بكلّ تجلّياتها على طريقته. قراءة تولستوي توفّر للمرء متعة عظيمة، وكلّما قرأت له تضاعفت تلك المتعة، فكلماته تولّد روائح وأصواتا واهتزازات في المشاعر والأمزجة. وكلماته أكثر اتّساعا من أيّ عقيدة فلسفية وأكثر أهمّية حتى من الكاتب نفسه. في كلّ الأدب، ربّما، لا يوجد كاتب منح العالم أعمالا تثير الإعجاب بقوّتها وبالخوف من صدقها مثلما فعل تولستوي. مارسيل بروست اعتبره والده الروحيّ، وهو يهيمن على أفكاره وعلى أحداث رواياته. تولستوي كاتب عظيم، لأنه يمنح الحرّيّة لأبطاله. وهم، إذ يدخلون ذاكر...

عصر تولستوي وتشايكوفسكي

صورة
يزخر الرسم الروسي بالعديد من بورتريهات الكتّاب والموسيقيين والممثّلين ورعاة الفنّ في روسيا. وبعض تلك البورتريهات يعود تاريخها إلى زمن آخر القياصرة، ثمّ الثورة والعهود التي تلتها. أحد الكتّاب تأمّلَ في صور هذه الشخصيات الروسية واكتشف انه يندر أن ترى واحدا منها وهو يبتسم. ربّما كان هناك اعتقاد شائع بأن البورتريه مثل الحديث المتوتّر بين الرسّام وجليسه، يمكن أن يقرّبنا من الموضوع أكثر ممّا تفعله الصور الفوتوغرافية الحديثة. وهذا أحيانا صحيح. في البورتريه الذي رسمه فاسيلي بيروف لدستويفسكي نقف وجها لوجه مع الروائيّ الكبير. وهو في الصورة يبدو في حالة انحناء ويرتدي جاكيتا بنّيّ اللون، نظراته منسحبة وبعيدة، بينما أصابعه متشابكة. الضوء يلمع على جبينه الفتيّ. وعلى شعره ولحيته ونظراته المتحفّظة ثمّة إحساس بالإنهاك وتركيز داخليّ مثير للاهتمام. كان دستويفسكي في ذلك الوقت ما يزال يعيش ذكريات اعتقاله المريرة قبل ثلاثين عاما عندما كان في الثامنة والعشرين من عمره على خلفية انتسابه لجماعة بتراشيفسكي الراديكالية. وقد سيق إلى معسكرات العمل الشاقّ في سيبيريا واُجبر على الخدمة في الجيش، وهو ما أ...

عن الصحّة والمرض

صورة
ذهبت إلى المستشفى وفي ذهني عبارة منسوبة إلى الأديب الروسيّ انطون تشيكوف، الذي كان طبيبا أيضا، يقول فيها: لا فرق كبيرا بين الأطبّاء والمحامين. الفارق الوحيد هو أن المحامين يسرقونك، بينما الأطبّاء يسرقونك ويقتلونك"! وعندما دخلت على الطبيب، تمعّن قليلا في نتائج الفحوصات والتحاليل التي أمامه ثم قال: لقد تأخّرت كثيرا. هذا النزيف يثير الانزعاج فعلا. وأقدّر انك بحاجة إلى عمليّتين: الأولى لا بدّ من إجرائها دون إبطاء. ثمّ بعد شهرين على الأقلّ سنشرع في التفكير في الجراحة الثانية". خلال السنوات العشر الأخيرة، وباستثناء مراجعتي المنتظمة لطبيب الأسنان، لا أتذكّر أنني زرت مستشفى أو رأيت طبيبا. ولطالما آمنت بأن الأطبّاء، أو معظمهم على الأصح، لا يحلّون مشاكل المرضى، وإنّما يضيفون إليها مشاكل جديدة. كما أنني ممّن يؤمنون بأن الزمن أفضل معالج، وبأن كلّ إنسان هو، بمعنى ما، طبيب نفسه، وأنك كلما فكّرت اقلّ بصحّتك كلّما كان ذلك أفضل، لأن الانشغال أكثر مما ينبغي بأمور الصحّة والمرض قد يتطوّر إلى نوع من الهاجس أو الوسواس الذي يحرم الإنسان من الاستمتاع بمباهج الحياة. قلت للطبيب: إذن أ...

رمزية أزهار الكرَز

صورة
تحتلّ أشجار الكرز مكانة مهمّة في ثقافة العديد من شعوب العالم. فهي رمز للخصوبة والزواج والجمال والتواضع. الصينيون القدامى كانوا يعتبرون الكرز رمزا للخلود. وفي حديقة إحدى إلهات الصين، تُزهر شجرة الكرز مرّة كلّ ألف عام. في الأساطير القديمة، ارتبط الكرز بطائر العنقاء الذي ينهض من بين الرّماد. وفي سويسرا، يسود اعتقاد بأن شجرة الكرز يمكن أن تحمل بوفرة إذا كان أوّل آكلي ثمارها امرأة وضعت لتوّها مولودا. وفي رواية بستان الكرز لـ انطون تشيكوف، يرمز الكرز إلى ماضي روسيا الغابر. في نهاية الرواية، تبيع العائلة منزلها ليُهدم، ثم تبيع بستان الكرز الذي تملكه لتُقطع أشجاره وتباع كحطب. الدرس المستخلص من الرواية هو أن المجتمع يتغيّر ويتطوّر باستمرار، وأن التغيير أمر محتوم بصرف النظر عمّا يريده الفرد أو ما يتمسّك به من أفكار أو قيم. لكن ليس هناك شعب ارتبطت أزهار الكرز بثقافته وفنّه بمثل ما ارتبطت باليابانيين. فهي عندهم الزهرة الوطنية. وهي كانت وما تزال تُعتبر إحدى الصور النمطية الغربية عن اليابان والتي تُستحضر عادة، جنبا إلى جنب، مع صور أخرى مثل السوشي وفتيات الغيشا ومحاربي الساموراي. كما أ...

آخر أيّام تولستوي

صورة
قبل حوالي مائة عام، توفّي ليو تولستوي عن عمر يناهز الثانية والثمانين بعد أن عانى من التهاب رئوي حادّ. وقد تابع العالم آنذاك أخبار مرضه ونقلتها الصحف في روسيا وخارجها يوما بيوم. ولم يكن تولستوي على علم بتلك الضجّة التي كانت تثور من حوله. وقبل وفاته بتسعة أيّام، كان الكاتب المشهور قد ترك منزله في ياسنايا بوليانا سرّا عند الفجر بصحبة سكرتيره الخاصّ. كان واضحا أن تولستوي اتخذ قراره النهائي بأن ينفصل عن حياته العائلية ويرتاح من شجار زوجته الدائم مع سكرتيره. وفي الليلة التي غادر فيها منزله كتب يقول: لقد فعلت ما يفعله الناس في مثل سنّي. قرّرت أن اترك الحياة الدنيوية وأقضي أيّامي الأخيرة في هدوء وعزلة". وفي طريقه إلى محطّة القطار، عرّج على دير شيماردينو لرؤية شقيقته، وقضى ليلة في فندق بجانب أحد الأديرة. ثم غادر مرّة أخرى في الرابعة فجرا باتجاه الجنوب. هروب تولستوي من ياسنايا بوليانا أصاب معاصريه بالذهول. البعض رأى في تصرّفه "تحرّرا بطوليّا" من قيود الحياة وإزالة للحواجز الأخيرة بينه وبين الله. كما وصفت الصحافة الروسية قراره بأنه "انتصار روحي"، بينما وصف بعض الكتّ...

تاركوفيسكي: نحت في الذاكرة

صورة
كتب المخرج السينمائي الروسي اندريه تاركوفيسكي مطوّلا عن رسّاميه المفضّلين في كتابه النحت في الزمن. ليوناردو دافنشي كان أكثر الرسّامين الذين أشار إليهم في كتابه وأفلامه، ويأتي بعده مباشرة بيتر بريغل الأب. كان تاركوفيسكي مفتونا، على وجه الخصوص، بما يمكن أن يُسمّى "الخاصّية السينمائية" للوحات بريغل. في لوحات هذا الرسّام، تبدو الحركة المتباينة للأشياء كما لو أنها تسير باتجاه قدرها النهائي والمحتوم. وهو كان ميّالا لملء لوحاته بعشرات الناس المنهمكين في أعمالهم وأنشطتهم اليومية ويبدون كما لو أنهم لا يعرفون شيئا ولا يكترثون بشيء. في فيلم سولاريس، يركّز تاركوفيسكي على مضمون المكتبة على متن المحطّة الفضائية المعلّقة فوق محيط لا متناه وزاخر بالمخلوقات الغريبة. البشر الذين يكافحون كي يبقوا عقلاء، فيما بحر سولاريس يعبث بذكرياتهم وبوعيهم، ينظرون إلى لوحة بيتر بريغل "صيّادون على الثلج" المثبّتة على حائط مكتبتهم الخشبية. هذه الصورة الدافئة والمريحة تصوّر صيّادين يعودون خاليي الوفاض وهم يهبطون إحدى التلال مع كلابهم المتعبة، بينما يلهو الفلاحون على برك المياه المثلجة أسفل منهم. مك...