:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Tuesday, December 12, 2006

كُن رفيق الشيخ

لا بدّ وأن الكثيرين تلقّوا على هواتفهم النقّالة نفس هذه الرسالة النصّية التي تقول: "كن رفيق الشيخ (...) واحصل يوميّا على رسالتين أعدّهما خصّيصا لك. رسوم الاشتراك النصف شهرية 12 ريالا فقط".
وكما هو واضح فإنّ مضمون الرسالة والطريقة التي صيغت بها تذكّرنا إلى حدّ كبير بإعلانات المحلات التجارية التي تدغدغ جيوب العملاء بإغرائهم بالجوائز الثمينة والحظ السعيد.
وعبارة "كن رفيق الشيخ" بحدّ ذاتها، وبما تنطوي عليه من جاذبية وسحر، تكفي لدغدغة مشاعر المتلقّي وإثارة حماسه، فالشيخ في الوعي الجمعي شخصية مقدّسة وطلب رفقته غاية سامية يهفو إليها الجميع، وبفضل بركته ينال الأتباع الغنيمة والفوز في الدنيا والآخرة مصداقا للقول الدارج "إجعل بينك وبين النار مطوّعا"!
إن لغة هذا الإعلان جذّابة وبارعة، وقد خطر ببالي أن من صاغه بهذه الطريقة الاختزالية التي لا تخلو من إعجاز، لا بدّ وأن يكون شخصا ملمّا بأصول واستراتيجيات الإعلان والتسويق التي تقتضي، من ضمن ما تقتضي، معرفة نفسيات الزبائن والقوى والعوامل التي تؤثّر في طباعهم وسلوكيّاتهم واتجاهاتهم.
وبما أن السلع في "السوق" كثيرة ومتنوّعة، فلا بدّ من لفت نظر كلّ زبون محتمل إلى أن السلعة - الرسالة "أعدّت خصّيصا له"، زيادة في إشعار جمهور السوق بأن المرسل مهتمّ بكلّ واحد منهم وواع باحتياجاته الفردية وشواغله الخاصّة.
من الواضح أن مهنة الوعظ، ككلّ المهن الأخرى تقريبا، تمرّ بتحوّلات وتغييرات مهمّة بحيث تنسجم في النهاية مع منطق السوق ومقتضيات البيزنس وحسابات الربح والخسارة.
لكن بالرّغم من هذا كلّه فإن واقع قطاعات كبيرة من السوق يقول شيئا آخر. فهناك من الشواهد ما يشير إلى أن سوق الوعّاظ في تراجع مستمر، يستوي في ذلك التقليديون منهم والتجديديون.
وربّما كان أهم مظاهر هذا التراجع إقبال الناس الكبير والمتزايد على شراء الكتب والمؤلّفات الحديثة التي تبحث في تطوير الذات وتحسين الملكات والمهارات الشخصية التي تعين الإنسان على أن يعيش حياته بأكبر قدر من السعادة وأقلّ عدد من المشاكل والمنغّصات.
وفي هذه الكتب ذات الرواج العالي لا نجد إشارات دينية إلا في ما ندر، كما انها لا تقول مباشرة لقارئها إفعل كذا ولا تفعل كذا أو قل هذا ولا تقل ذاك. كلّ ما نقرأه فيها هو عبارة عن نظريات وقصص ودروس مستوحاة من ثقافة الغرب وأعرافه وقيمه وتجاربه التي يعتبرها العقل الجمعي عندنا "منافية لتراثنا ولقيمنا الأصيلة".
مع أن العلاقات الانسانية في نهاية المطاف هي علاقات تأخذ طابع العمومية والمشاركة حتى وإن تلوّنت بالبعد الثقافي الخاص بمجتمع ما أو جماعة بشرية معيّنة.
أليس هذا دليلا على أن الوعّاظ عندنا فشلوا في تلبية متطلّبات الناس الذين أصبحوا يبحثون عن مصادر بديلة للنصح والإرشاد مستمدّة من نماذج ثقافية لشعوب استطاعت أن تحقّق مراكز متقدّمة في معارج النهوض والرّقي الإنساني والحضاري بينما ما زلنا كشعوب إسلامية نغطّ في نومنا وتخلفنا ونردّد كلام وعّاظنا الذين ثبت أن معظمهم منفصلون عن واقع الاجيال الجديدة ولا يتحدّثون لغة العصر ويفتقرون إلى مواهب خاصّة لعلّ من أهمّها الحبّ والتسامح؟

Saturday, December 09, 2006

بقايـا صـور: 2 من 2

تحدّثت في بداية الحلقة السابقة عن القدرية، وكيف أن الإمعان في الاحتجاج بها وتوظيفها في كل أمر، من شأنه أن يعلمنا التواكل ويمنعنا من اتّخاذ القرار الصحيح والصائب.
ومناسبة هذا الكلام أنني بعد أن انخرطت في دراسة الإدارة اكتشفت – ولكنْ متأخّرا – أن ذلك القرار كان خاطئا لانه لم يكن نابعا عن رغبة حقيقية أو اختيار شخصي، وإنما لأن شخصا قرّر بالنيابة عنّي أن ذلك التخصّص أصلح لي وأنسب.
وأعتقد أن الكثير من الطلبة في ذلك الوقت وقعوا في نفس الخطأ، بعضهم غيّر تخصّصه بعد السنة الثانية، وضحّوا بالكثير من الساعات والموادّ التي كانوا قد أكملوها للتوّ، والبعض الآخر دفعوا ثمنا أكبر عندما تعذّر عليهم مواصلة الدراسة وانسحبوا كليّا من الجامعة بعد أن ووجهوا بالكثير من المشاكل والعقبات.
كانت مادّة اللغة العربية إحدى الموادّ الإجبارية التي يتعيّن على كلّ طالب أخذها. وقد لاحظت وجود عدد غير قليل من الطلبة غير العرب معنا في تلك الشعبة وكان معظمهم من الأخوة الأفارقة الذين تلقوا منحا تعليمية ليدرسوا على حساب الجامعة.
وفي أحد الأيام وبينما كان الأستاذ المحاضر يشرح لنا قصيدة عربية قديمة تمجّد العرب وتثني على سجاياهم الحميدة من كرم وفروسية وشجاعة إلخ، إذ بطالب أفريقي يقاطع المدرّس بطريقة فجّة وهو يضحك، ثم قال وهو يهزّ رأسه ساخرا: أنتم هكذا يا عرب، دائما تمدحون أنفسكم بما ليس فيكم فأنتم كذا وأنتم كذا بينما غيركم يدرك أن هذا كله كذب والله لا يحبّ الكذابين والمنافقين"!
فوجئ الأستاذ بتعليق الطالب ودهش الطلبة في القاعة من فجاجة الأفريقي وسلاطة لسانه. وقبل أن يتفوّه الأستاذ بكلمة تعليقا على ما حدث دوّى في القاعة صوت صفعة قوية نزلت على وجه الأفريقي وكان مصدرها الكرسي الذي بجواره.
كان الطالب الذي سدّد الصفعة بدويا قحّا ولم يكن يكفّ عن التفاخر بالانساب والاحساب، غير أنه مع ذلك كان معروفا بالاتّزان والرصانة وحسن الخلق. لكن يبدو أن كلام زميلنا الأفريقي أغضبه كثيرا وأخرجه عن طوره وألجأه إلى استخدام العنف الجسدي.
في تلك الأثناء كانت الأنظار متّجهة نحو المدرّس بانتظار معرفة كيف سيعالج الأمر. زميلنا الأفريقي ما لبث أن عاد إلى كرسيّه والتزم الهدوء، بينما اتّجه نحوه المدرّس وأخذ يعنّفه ويلومه على الكلام الذي صدر عنه. وأضاف أنه من غير اللائق أن يتهجّم على العرب ويسئ إليهم بينما هو يقيم في كنفهم وينعم بضيافتهم وطيب معاملتهم.
وكان من المثير للاهتمام أن المدرّس لم يوجّه كلمة نقد واحدة للطالب المهاجم بل لقد أعطى انطباعا بأنه كان راضيا ضمنا عمّا حدث.
وقد كانت تلك الحادثة الغريبة والطريفة موضوعا لنقاشات مطوّلة بين الطلبة. وكنت مع الفريق الذي رأى أن المدرّس لم يحسن التصرّف ولم يتعامل مع الحادثة تعاملا مسئولا بل إن موقفه كان أسوأ من موقف الطالبين.
وكان هناك من يرى أن اللجوء إلى العنف الجسدي داخل الفصل أو خارجه مسألة لا تحتمل التساهل أو التسامح معها أبدا وأيّا تكن الأسباب والمبرّرات، وأن الأولى بالعقوبة كان الطالب صاحب الصفعة لانه فعل ذلك دون اكتراث بالمعلم ولا اعتبار لحرمة الفصل.
وربّما كان سبب ردّ فعل المدرّس الذي أتى باهتا وضعيفا هو عجزه عن معاقبة الطالب الثاني على جموحه واستهتاره ففضّل أن يختار الهدف الأسهل، تحوّطا وربّما تفاديا لإثارة المزيد من المشاكل.
والحقيقة أن غالبية الطلبة الأفارقة الذين عرفناهم في الجامعة لم يكونوا مختلفين كثيرا عن زميلهم لجهة نظرتهم إلى العرب. فالكثير منهم يؤمنون في قرارة أنفسهم بأن العرب حوّلوا الإسلام فعلا إلى أداة للعنصرية والتعالي على الغير. وعندما يتمعّن المرء في هذه الصورة الذهنية التي تكرّست في عقول بعض الأفارقة عن العرب فلا بدّ أن يربطها بتلك الحمولة الثقيلة من تاريخ الرقّ والعبودية الذي شهدته سواحل أفريقيا في الأزمنة الغابرة والذي يختصّ العرب بنصيب وافر منه كما يذهب إلى ذلك بعض الأفارقة.
انتهت تلك المشكلة بصلح وباعتذار متبادل بين أطرافها وانهمك الجميع بالاستعداد للاختبارات الفصلية. وكان أكثرنا دأبا واجتهادا طالب تخطى عمره التسعين عاما. كان ذلك الشيخ الجليل مثالا للانضباط والمثابرة، ولطالما رأيته قاطعا المسافة الطويلة ما بين المكتبة وقاعات المحاضرات ماشيا على قدميه وحاملا حقيبته التي كانت تنوء بالكتب والكراريس والمذكّرات. وكان الطلبة والمدرّسون يقدّرونه ويحترمونه كثيرا، إذ لم تمنعه ظروف التقاعد والشيخوخة من التحصيل العلمي، لا من أجل منصب أو جاه أو سلطان، وإنما ابتغاء اكتساب المزيد من العلم والمعرفة.
في مستهلّ الفصل الدراسي الثاني من ذلك العام، كان هناك إعلان يشير إلى أن شخصية فكرية بارزة سيحلّ ضيفا على الجامعة. ولم يكن ذلك الضيف سوى روجيه غارودي المفكّر الفرنسي الذي أثارت آراؤه ومواقفه بشأن إسرائيل والصهيونية عاصفة من الجدل آنذاك.
وقد حرص الكثيرون على حضور المحاضرة التي حظيت باهتمام كبير داخل أروقة الجامعة وخارجها. وقد حرصت على ألا تفوتني المحاضرة، لكني مثل الكثيرين غيري لم أخرج منها بأية فائدة تذكر.
وبالرغم من أن غالبية من تحدّثوا في تلك الأمسية أثنوا على جهد المترجم ومقدرته في نقل الكثير من المفردات والمصطلحات إلى العربية بتمكّن واضح، فإن مضمون المحاضرة الفلسفي الثقيل ولغتها الجافة والمغرقة في الأكاديمية فوّت علينا فرصة فهم واستيعاب الكثير من الأفكار التي أثارها المحاضر في كلامه.
وقد خطر لي وقتها أن حديث غارودي لا يمكن أن يفهمه سوى بعض الأكاديميين الذين ألمّوا بشيء من الفكر اللاهوتي المسيحي واطلعوا على الاتجاهات والمدارس الفلسفية السائدة في الغرب.
وأزعم أن كثيرا من المشايخ والمتديّنين الذين سجّلوا الحضور الأبرز في تلك الأمسية لم يكونوا بأحسن حالا منّا نحن الطلبة العاديّين. ومع ذلك فقد كانت وجوههم تتهلّل فرحا واستبشارا لأن غارودي أصبح مسلما ولانه أثخن إسرائيل والصهيونية بالتهم والانتقادات الشديدة.
بعد ذلك بفترة كانت هناك أمسية أخرى للشاعر العراقي عبد الوهاب البيّاتي الذي قرأ على الحاضرين بعضا من قصائده الجميلة واستعرض طرفا من تجربته في الأدب والديبلوماسية. ولم يفسد تلك الأمسية سوى مناكفات أنصار الحداثة وخصومها من الأدباء السعوديين الذين تنافسوا في ما بينهم، وبطريقة طفولية، في تبادل النعوت والاتهامات الشخصية، الأمر الذي أثار استياء الحضور واستهجانهم.

Tuesday, December 05, 2006

بقايـا صـور: 1 من 2

من أهم سمات تفكيرنا، أفرادا وجماعات، إيماننا الذي لا يتزعزع بالقدرية؛ أي أن قدر الإنسان سابق على مجيئه إلى هذه الدنيا وكلّ ما يحصل له في الحياة مكتوب ومقرّر سلفا.
وربّما لهذا السبب لا نجد للتخطيط أهميّة تذكر في حياتنا والكثير من أمورنا تمشي بالبركة ولسان حال كلّ منّا: "الله يختار اللي فيه خير"..
ولا بدّ وأن هذه الفكرة كانت ماثلة في ذهني وأنا أخطو أولى خطواتي نحو الجامعة.
قدّمت أوراقي إلى المسجّل الأكاديمي وقمت بتعبئة النموذج الخاص وكنت قد كتبت في خانة الاختيارات: "آداب – إعلام" قبل أن أدفع بالأوراق إلى الموظّف المسئول.
ألقى الرّجل نظرة متفحّصة على الشهادات والدرجات ثم قال: إسمع يا إبني، معدّلك عال ومن الظلم أن تدفن نفسك في قسم الإعلام، أنا أنصحك بأن تختار الإدارة وأنا متأكّد بأنها تناسبك.
قلت دون تردّد أو تفكير: خلاص اللي تشوفه حضرتك وعسى الله يختار اللي فيه خير..
في الجامعة، بدأت تجربة مختلفة لم أعهدها من قبل. في تلك الفترة بالذات تشكّلت الكثير من تصوّراتي وأفكاري عن الناس وعن الحياة عموما، وزاد اهتمامي بالقراءة والاطلاع خاصةً بعد أن تعرّفت على بعض الزملاء الذين كانوا يقضون جلّ وقتهم في المكتبة وبين الكتب.
ومثل الكثير من زملائي آنذاك كنت حريصا على ألا اسجن نفسي في دائرة المناهج والمحاضرات والتخصّص بل أن أحاول توسيع مجال اهتماماتي وتطوير قدراتي المعرفية بحسب الإمكان.
كان أوّل مدرّس ألتقيه في الجامعة أستاذ الثقافة الإسلامية.
والحقيقة أنني قبل بداية الدراسة أجهدت نفسي في تصوّر طبيعة منهج الثقافة الإسلامية، وكنت أتساءل ما إذا كانوا سيعيدون تدريسنا كتاب التوحيد الذي تشرّبناه حتى الثمالة خلال المرحلتين المتوسطة والثانوية دون أن نفهم منه شيئا.
بعد أن استقرّ بنا المقام داخل القاعة الكبيرة، دخل علينا المدرّس لأوّل مرّة، وكان شخصا ملتحيا طويل القامة يرتدي الثوب والغترة والعقال ويتكلّم بلهجة أهل الشام.
قال بعد أن ألقى السلام: أرجو بعد أن تنتهوا من المحاضرة أن تمرّوا على المكتبة الفلانية وأن تبتاعوا منها المذكّرة التي ألّفتها خصّيصا لهذه المادّة. ثم أضاف متصنّعا الحرص على جيوبنا: لا تدفعوا اكثر من أربعين ريالا للنسخة، وأريد أن ألفت أنظاركم إلى أن المذكّرة هي المنهج المقرّر عليكم في هذه المادّة، لذا رجاءً إنسوا الكتاب الأصلي وركّزوا على المذكرة.
ومنذ المحاضرة الأولى شنّ الأستاذ هجوما عنيفا على ما أسماها بالفرق الضّالة وكان من بينها الماسونية والقاديانية والشيوعية والاشتراكية. لكنه كان يخصّ الشيعة "أو الروافض كما كان يسمّيهم" من اثني عشرية وزيدية واسماعيلية وغيرهم بالنصيب الأوفر من الهجوم والتحقير.
ذهبنا إلى المكتبة واشترينا المذكّرة ووجدناها هي الأخرى مليئة بصيغ التكفير والاتهام والإساءة لكافّة الفرق والمذاهب الإسلامية تقريبا، والشيعة منها بشكل خاص.
وتوالت المحاضرات واحدةً بعد الأخرى ومعها كانت تتزايد وتيرة الاتهام والتبديع والتفسيق. وقد لاحظت تبرّم بعض الطلبة مما يحصل، خصوصا زملاءنا الشيعة الذين قادهم سوء حظّهم للتسجيل في شعبة ذلك الأستاذ دون أن يفطنوا إلى شغفه الشديد بخوض المعارك المذهبية واصطناع الخصوم.
وفي أحد الأيّام ولم يكن قد مضى على بدء الفصل الدراسي أكثر من أسبوع، وبينما كان الأستاذ منهمكا كما هي عادته في "فضح الروافض وتبيان خطرهم الأكيد على الأمّة" كما كان يردّد، إذ بطالب يقف في منتصف القاعة مقاطعا الأستاذ بحدّة ومتّهما إيّاه بإثارة الفتنة والكراهية ثم قال: ألا تتّقي الله يا دكتور، أليس حريّا بك أن تحرص على مراعاة واحترام مشاعر بعض طلبتك في هذه القاعة ممن كفّرتهم وشهّرت بهم بطريقتك في الكلام وبمضمون مذكّرتك التي أجبرتنا على شرائها لتعلّمنا كيف نكره بعضنا وكيف يكفّر بعضنا الآخر، هل هذه هي الثقافة وهل هذا من الإسلام في شئ؟
كان الدكتور المحاضر يحاول جهده إسكات الشاب أو على الأقل تهدئته، ولكن هيهات.
لم يسكت إلا بعد أن أيقن أنه قال كلّ ما عنده. في تلك الأثناء ساد المكان هرج ومرج جرّاء ما حدث ولم تهدأ القاعة إلا بعد أن خرج الأستاذ منها حاملا معه حقيبته وكتبه ومذكّراته.
ولم يكن ذلك الطالب الذي اعترض على المدرّس وتصدّى له وأفحمه سوى شابّ من أهالي القصيم، وهو أمر أثار دهشة الكثيرين منا ممّن كانوا يحملون تصوّرات معيّنة عن تلك المنطقة وأهلها.
حدثت هذه القصّة قبل اكثر من عشر سنوات. وعندما كنت أقرأ وأسمع ما قيل أو كتب مؤخّرا عن دور ما لجماعة الإخوان في تغذية التطرّف والإرهاب في بلدنا، تذكّرت ذلك المدرّس ومرّت بخاطري قصص أخرى لا مجال هنا لسردها ولكن يمكن وضعها في ذات السياق. إلا أنني مع ذلك ما أزال أعتقد أن التطرّف عندنا هو منتج محلي صرف وليس ظاهرة غريبة وفدت إلينا من الخارج. ويظهر أنه بولغ كثيرا في الحديث عن امتداد خارجي للعنف عندنا وذلك لاسباب إعلامية مفهومة ولها ما يبرّرها إلى حدّ ما.
وقد تساءلت وقتها عن السبب الذي دفع أستاذنا الفلسطيني الأصل لأن يركب موجة التكفير والكراهية بعد أن خبر هو نفسه الظلم وتجرّع مرارة التحامل والأذى والنفي. ثم هل ُيعقل ألا يكون الاستاذ على علم بأن ما يقوله وما يروّج له يصبّ في النهاية في مصلحة اسرائيل التي تسعى إلى تقسيم المنطقة طائفيا ومذهبيا لكي ينشغل العرب عن مخطّطاتها ويغرقوا في صراعات داخلية لا تنتهي؟
وأذكر أن زميلا آخر قال معلقا على ما حدث: هذا الرجل لا يمكن أن يكون إيجابيا في ظلّ ظروف قد يكون وضعها له غيره، وهو في الحقيقة لا يختلف عن أيّ شخص يسلّم عقله للغير كي يفكّروا له.
ومنذ بضعة أسابيع كنت جالسا بالبيت أشاهد بالصّدفة قناة إقرأ الفضائية عندما أطلّ من الشاشة وجه بدا وكأنّني أعرفه أو سبق لي رؤيته من قبل. ولم تمرّ لحظات حتى عرفت الرجل. وتأكّد صدق حدسي عندما ظهر اسمه أسفل الشاشة. كان هو نفسه أستاذ مادّة الثقافة الإسلامية العتيد الذي كان مولعا بإثارة المعارك المذهبية والمفاضلة بين الملل والنحل المختلفة.
كان هذه المرّة يرتدي مشلحا من النوع النفيس ويداعب بين أصابعه حبّات مسبحة أنيقة الألوان وكانت لحيته قد طالت كثيرا وكساها الشيب بالكامل. لكنّ صوته الجهوري وملامحه الصارمة ظلا على حالهما.
وتساءلت إن كان الأستاذ ما يزال على عهدنا به بعد كلّ هذه السنوات أم تراه ناله بعض ما نال غيره من بركات 11 سبتمبر فرقّقت طباعه وخفّفت من غلواء أفكاره وقناعاته القاطعة..
بالتأكيد لم تغب عن بالي صورة الرجل كعالم دين وأستاذ جامعي، ومع ذلك فقد استضافه مذيع القناة باعتباره محلّلا للأحداث وخبيرا بالشأن السياسي. وتلك إحدى مشاكل الفضائيات العربية التي لا تعترف بالتخصّص ولا تستضيف عادةً سوى من يتّفقون مع أفكارها ويتبنّون مواقفها.
لكن تلك قصّة أخرى..

Thursday, November 30, 2006

بين شعورين

"المزاج العام تغيّر كثيرا. والحزن أصبح سمة غالبة".
كثيرا ما أسمع هذه العبارة، وأكيد أن الكثيرين غيري سمعوها. وأعتقد ان هذا التشخيص للمزاج الاجتماعي العام غير بعيد تماما عن الحقيقة. حتى ضحكات الناس تحسّ أحيانا انها لا تأتي من القلب. صحيح أن الحزن يداهمنا من حين لاخر لكنه حزن عابر قد يدوم لبعض الوقت ثم لا يلبث أن يزول.
لكني اتحدّث عن نوع آخر من الحزن يدوم ويبقى فترة أطول.
ربّما يكون ما حدث من انهيار في سوق الاسهم قد أثر في الناس وزاد من إحساسهم بالاحباط وخيبة الامل، خاصة أن لا شئ تغيّر ووضع السوق باق على حاله الذي لا يسرّ بعيدا او قريبا.
وقد سمعت مؤخرا أناسا يعبّرون عن قلقهم من المستقبل، إذ بالرغم من الارتفاع الكبير والمستمر في أسعار النفط فإن معاناة الناس مستمرّة مع ارتفاع ايجارات المساكن بشكل جنوني ومع ازدياد أسعار المستلزمات المعيشية وما يلحق بها من رسوم وضرائب وفواتير وخلافه.
وعلى ذكر الايجارات، من يصدّق مثلا ان شقّة من أربع غرف في بعض المدن يمكن ان تبلغ تكلفتها ثلاثين الفا سنويا وأحيانا أكثر؟!
وهناك هذه الايام من يقول انه يتعيّن الان إعادة النظر في تعريف من هو الفقير. فالفرد الذي يتقاضى راتبا قد لا يقلّ عن العشرة الاف ريال أحيانا ربّما يجد نفسه في نهاية الامر في عداد الفقراء والمحتاجين. حيث أن الاقساط والديون والايجارات والرسوم العديدة والمختلفة قد تلتهم الراتب الشهري بلمح البصر مهما كان كبيرا ظاهريا.
وبعض الاشخاص ممن يتقاضون رواتب يغبطهم عليها الكثيرون قد يحلّ اليوم الرابع أو الخامس من الشهر الجديد وجيوبهم خاوية، وليس بوسعهم سوى ان ينتظروا بفارغ الصبر حلول نهاية الشهر والراتب الجديد الذي سرعان ما يصبح هو الاخر أثرا بعد عين بسبب الديون والرسوم والاقساط وما في حكمها.
والظاهر ان الخضّة الاخيرة التي تعرّض لها سوق الاسهم، ويقال انها خضّات عديدة، لم تفعل سوى انها عمّقت احساس الكثيرين بالتشاؤم وتلاشي الامل، والخوف مما قد تأتي به الايام.
ومع ذلك يبدو ان هناك الكثير مما يمكن فعله لتجاوز هذا الاحساس العام بالاحباط والقلق لدى الناس.
ففي وطننا خير كثير وموارده المالية والاقتصادية يمكن ان تكفي قارّة بأكملها وتغني مواطنيها بل وان تفيض عن حاجتهم اذا ما احسن استخدام تلك الموارد وأديرت بطريقة عادلة ورشيدة.
وإذا كان ثمّة بقيّة من تفاؤل فمردّه إلى رجل واحد هو الملك عبد الله بن عبد العزيز الذي يعقد عليه الناس الامال العريضة بتفعيل الاصلاح الذي يضمن تسخير امكانات الوطن وموارده من اجل خدمة اكبر شريحة من المواطنين.
وهذا بدوره يتطلّب وضع آليات صارمة للمحاسبة والمساءلة وسنّ قوانين مغلظة تحارب كافة اشكال الفساد والاحتكار وتأخذ على أيدي الفاسدين والمستهترين وتحفظ للمال العام حرمته من أجل أن يطمئن الناس الى حاضرهم ويتطلعوا إلى المستقبل بتفاؤل وأمل.
طبعا في البال كلام كثير حول هذا الموضوع لكن هذا ما سمح به المقام.

Monday, November 13, 2006

المدوّنون السعوديون والتحدّيات

عن الواشنطن بوست، 12 نوفمبر 2006 م
بقلم فايزة صالح عبد القادر امبه

عندما كان فؤاد الفرحان، أشهر مدوّن سعودي، طالبا في جامعة ولاية واشنطن، ارتدى ذات يوم قميصا مزركشا مكتوبا عليه "حقوق الحيوان مساوية لحقوق الإنسان"، ونام في حديقة الجامعة أثناء إضراب عن الطعام احتجاجا على قتل الثعالب.
ذلك النوع من الحرّية الذي جرّبه خلال اقامته في الولايات المتحدة لستّ سنوات منح الفرحان فرصة للتعبير عن نفسه، وهو أمر لم يستطع فعله عندما عاد إلى السعودية منذ خمس سنوات.
يقول الفرحان وهو مبرمج كمبيوتر يبلغ من العمر 31 سنة: لا يمكنك أن تكتب في الصحافة هنا ما تشاء ولا أن ترفع لافتة في مسيرة احتجاج. ويضيف: في المدوّنة ثمّة عالم مختلف، والتدوين هو الطريقة الوحيدة التي استطيع من خلالها التعبير عما أريد.
والفرحان جزء من موجة متزايدة من الشبّان العرب الذين حوّلوا المدوّنات إلى وسيلة لتجاوز القيود المفروضة على حرّية التعبير في منطقة تغلب عليها السياسات السلطوية والمحافظة.
والبلوغنغ ممارسة جديدة هنا، وهو مرادف تقريبا لكلمة "تدوين" التي صيغت فقط هذا العام. لكنها انتشرت بسرعة في أوساط الشباب الذين يعيشون في المناطق الحضرية وأسهمت في توسيع هامش حرّية النقاش.
وقد استخدم نشطاء عديدون مدوّناتهم لتنظيم المظاهرات وعمليات المقاطعة، بينما انتقد آخرون الفساد والسياسات الحكومية. أما المدوّنون الاقلّ ميلا للحديث في السياسة فقد حوّلوا مدوّناتهم إلى منتديات لنقاشات ساخنة حول الدين، أو إلى أماكن لتبادل القصص الشخصية والتخيّلات الجنسية.
يقول هيثم صبّاح محرّر الشرق الاوسط في موقع "أصوات عالمية": منذ سنوات كان عدد المدوّنات العربية في الشرق الاوسط لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة. اليوم أصبح عددها بالالاف وباتت تشكّل مصدرا جديدا للمعلومات والاخبار.
ورغم أن الانترنت متاحة اليوم لحوالي 10 بالمائة فقط من سكّان العالم العربي، فإن النسبة آخذة في الارتفاع بشكل دراماتيكي. بل لقد تضاعفت خمس مرّات منذ العام 2000 م، طبقا لاحد المواقع الاليكترونية الذي يرصد أعداد مستخدمي الانترنت في العالم.
وقد تضاعف عدد المدوّنين في السعودية ثلاث مرّات منذ بداية هذا العام ليصل إلى حوالي 2000 مدوّن حاليا.
وتشكّل الفتيات حوالي نصف عدد المدوّنين في المملكة التي تعتبر واحدة من اكثر دول العالم تمسّكا بالتقاليد، حيث تجبر النساء على ارتداء ملابس محتشمة ويحظر عليهن قيادة السيارات او السفر دون محرم أو وليّ أمر ذكر.
وبدافع من إغراء الكتابة باسم مستعار، أنشأت نساء سعوديات مدوّنات لهن ملأنها بالشعر الأنثوي والحكايات الرومانسية وإظهار التبرّم والشكوى من القيود التي يفرضها على حياتهن مجتمعهن الابوي.
ومع تزايد نفوذ المدوّنين وجاذبية التدوين في العالم العربي، تزايدت سياسات القمع والتقييد. فقد اعتقل ستّة مدوّنين مصريين في وقت سابق من هذه السنة، كما ُحجب عدد من المدوّنات في البحرين والمملكة العربية السعودية من قبل أجهزة مراقبة الانترنت التابعة للدولة.
وفي الشهر الماضي وصف عبد الله الجاسر أحد مسئولي وزارة الثقافة والاعلام السعودية الاعلام الاليكتروني بأنه "خطر"، وتحدّث عن اجتماع يعقد في ديسمبر القادم بالرياض للبحث في طرق جديدة لمراقبة الانترنت، طبقا لما ذكرته صحيفة الحياة السعودية.
وفي إجراء مضادّ، بادر المدوّنون إلى استجماع قواهم وتعزيز دورهم الجماعي. فعندما تمّ حجب مدوّنة الناشط البحريني محمود اليوسف الشهر الماضي لنشره معلومات عن فضيحة فساد حكومي، سارع مدوّنون في البحرين ومصر والسعودية إلى نشر خبر حجب مدوّنة اليوسف وحثّوا الناس على التوقيع على عريضة مقدّمة للحكومة البحرينية.
ورغم أن الحكومات الخليجية تقوم وبشكل روتيني بحجب المواقع الاباحية والمواقع المعارضة وتلك التي تتناول الارهاب والمخدّرات، فإنه من الصعب على تلك الحكومات أن تراقب المدوّنات. ففي غضون ساعات، كانت مدوّنة اليوسف قد عادت ومن موقع آخر.
لقد اتاحت التكنولوجيا الجديدة للناس إمكانية أن يفعلوا ما لا يستطيعون فعله في بلد كالمملكة العربية السعودية، حيث الملكية المطلقة التي تحظر التجمّعات العامة والاحزاب السياسية وجماعات الحقوق المدنية وتقصر حق التصويت في الانتخابات البلدية المحدودة على الرجال دون النساء.
وخلال هذا الشهر، ستقوم رابطة المدوّنين السعوديين التي أنشاها الفرحان وعدد من أصدقائه بنشر ميثاق رابطتهم على الانترنت وفتح باب العضوية فيها للمدوّنين من الجنسين الرجال والنساء.
وبعد ذلك سيقوم الاعضاء بانتخاب رئيس للرابطة، ذكرا أو أنثى، وسيقترحون أيّ تعديلات على الميثاق وفق تصويت الاغلبية.
وقد أقرّ أوّل تعديل في الميثاق عندما صوّتت أغلبية الاعضاء على حذف فقرة اقترحها الفرحان تحظر تناول الاديان بالنقد، على أساس أن احترام الأديان أمر بدهيّ ومتعارف عليه ضمناً.
يقول الفرحان أنه يستمد آراءه الديمقراطية من الدين، وأن أيّ إصلاح سياسي يجب أن ينبثق من الاسلام نفسه. وكثيرا ما انتقد في مدوّنته الحكومة لفشلها في الوفاء بوعودها، كما انتقد بعض كبارالمسئولين الذين وصفهم بالديناصورات التي تعيش في الماضي ولا تتحسّس واقع وهموم الجيل الجديد من الشباب.
وفي بلد يتعرّض فيه الاصلاحيون والصحفيون ونشطاء حقوق الانسان والمحامون للسجن أحيانا بسبب انتقادهم للحكومة، فإن ذلك لا يثني من عزيمة البعض في المجاهرة بآرائهم حتى مع إدراكهم لمخاطر اغضاب الحكومة. فالمهم أن لكتاباتهم مصداقية عند القارئ وأن دافعهم في النهاية هو حبّ الوطن والمصلحة العامة.
وغالبا ما يستخدم الفرحان في كتاباته أسلوب الفكاهة للتخفيف من أثر انتقاداته اللاذعة.
وأحد الملامح المهمّة في مدوّنته رابط يتضمّن تصريحا أدلى به مسئولون حكوميون في العام 2000 وفيه يتنبؤون بحلّ مشكلة البطالة خلال خمس سنوات.
وفي الموقع مؤشّر يقرأ تنازليا ما تبقّى من أيام تلك المدّة التي يفترض أن تختفي البطالة بنهايتها.
كما يحتوي موقع الفرحان على استقصاء من سؤال واحد يقول: هل تثق بالحكومة؟ وقد أجاب 60 بالمائة ممن شاركوا في الاستبيان بالنفي.
غير أن من اللافت أن دفاع الفرحان عن حرّية التعبير يقف عند عتبات مدوّنات سعودية معيّنة مثل مدونة "Mystique" ذات المضمون الجنسي الصريح.
يقول الفرحان معلقا على الموضوع: أحترم حقّ تلك المدوّنة في أن تكتب ما تشاء، لكن لا اظنّ أنني سأقف لادافع عما تكتب. فالحرّية التي أؤمن بها لا تتضمّن مثل هذا النوع من الكتابات.

نص التحقيق بالانجليزية هنــا ..

Wednesday, October 25, 2006

فراق الأحبّة

في حضرة الموت تخرس الكلمات وتتثاقل الحروف وتعجز اللغة عن تصوير مشاعر الأسى والحزن على فراق من نحبّ.
بالأمس رحل خالي إلى رحاب ربّه بعد صراع مع المرض لم يمهله طويلا. ومات بنفس المرض الذي فتك من قبل بأمّي وبخالي الآخر.
لقد حصدهم الموت جميعا في فترة لم تتجاوز الثلاث سنوات ومضوا كلّ في أثر الآخر كأغصان نضره تتكسّر غصنا فغصنا.
ويبدو أن الحزن هو الحاضر الأكبر في حياتنا وأن الفرح زائر طارئ، وإن جاء بالصّدفة فلكي يعقبه مزيد من الآلام والأحزان.
خالي رحمه الله لم يكن من ذلك النوع من الناس الذين نراهم ونقابلهم كلّ يوم. ولو أردت أن أصفه بكلمة واحدة لما تردّدت في القول إنه كان "إنسانا".
كان ينضح امتلاءاً بالودّ والألفة والعاطفة الصادقة.
وما أقسى أن أتمثّل في خاطري في هذه اللحظات أنه لن يكون بإمكاني أن أرى ذلك الإنسان مرّة أخرى بعد اليوم. سأفتقد وإلى الأبد وجهه الوضّاء ومحيّاه الباسم وضحكته الصّافية.
الآن وأنا جالس أتأمّل سطوة الموت وعبث الأقدار، يخطر بذهني شريط من الذكريات والصور التي تتوالى تباعا كأنها حدثت بالأمس فقط.
وربّما كان أكثر ما يحزنني الآن هو شعوري أنني لم أرَ خالي أثناء حياته بما فيه الكفاية، ولم أجلس معه أو أحادثه كما ينبغي.
السبب هو أنه عاش حياة السفر والإغتراب وهو بعدُ في سنّ مبكّرة. حدث هذا في أوائل الستّينات من القرن الماضي.
وفي الغربة أسّس خالي لنفسه حياة جديدة وأصبح عنده بيت وزوجة وأولاد. لكنّه كان يأتي إلينا بين فترة وأخرى زائراً ومسلّماً. وأذكر كيف كانت أمّي تطير فرحا عند سماعها خبر مقدمه. كانت تحضنه الدقائق الطوال في عناق صامت لا يقطعه سوى نشيجهما وكلمات أمّي التي يختلط فيها البكاء والعتب وهي تلثم وجهه ويديه.
كنت آنس إليه وأستمتع بكلامه وأعوّل كثيرا على توجيهاته ونصائحه.
ومن ناحيته كان رحمه الله محبّا للآخرين عفيفا نقيّا ذا عاطفة إنسانية راقية، ولم أره في يوم من الأيام إلا باشّا مبتسماً.
ومن فرط إنسانيته وحرصه على ألا يثقل على أحد، أخفى خالي عن الجميع طبيعة مرضه. ولم نعرف حقيقة ما كان يعانيه إلا قبل وفاته ببضعة أسابيع.
كنت على اتّصال دائم به، وقبل ثلاثة أيّام عرفت من نبرة صوته أنه متعب جداً، وأبلغته عن نيّتي في القدوم لزيارته والاطمئنان عليه. لكنه تظاهر بأن الأمر ليس بالخطورة التي أتصوّرها وحلف عليّ بألا آتي وأن أكتفي حاليا بالاتصال الهاتفي إلى أن تتّضح الأمور أكثر.
وبالأمس، توقّفت ساعة الزمن للحظات عبرت خلالها روح خالي العزيز إلى الضفّة الأخرى، إلى حيث مساقط النور وشطآن الضياء لتتّحد مع أرواح من سبقوه من الأهل والأحبّة في مقعد صدق عند عزيز مقتدر.
رحل مبكّرا وفي صمت تاركاً في النفس غصّة وفي القلب جرحاً لا يندمل.
رحم الله العزيز "أبا خالد" رحمة واسعة وأسكنه فسيح جنّاته وألهم أهله ومحبّيه الصبر والسلوان.

Friday, October 20, 2006

أحزان جبلية

في هذه المحطّة، نستمع الى لحنين..
الأول للمطربة الكردية اينور دوغان.
و اينور اسم لمع بقوّة في سماء الأغنية التركية ولقيت أغانيها وموسيقاها إشادة وتقديراً من أوساط الموسيقى العالمية، خاصةً بعد أن رفعت الحكومة التركية الحظر الذي كانت تفرضه على الغناء باللغة الكرديّة.
ومثل بقيّة المغنين الأكراد، تستمدّ اينور موضوعات وألحان أغانيها من أجواء كردستان ومن الفولكلور والقصص والأساطير الكثيرة التي تزخر بها التقاليد والثقافة الكردية عموما.

أما اللحن الثاني فهو للموسيقار الإيراني همايون شجريان.
شجريان، بالاضافة إلى كونه مغنيا، يجيد العزف على آلتي التومباك والكمان "الكمنجة بالفارسية".
وهو سليل عائلة من الموسيقيين والمغنّين، فوالده هو الموسيقي الكبير محمد رضا شجريان وشقيقته عازفة ومؤلفة موسيقية بارزة.
صوت همايون شجريان، المولود عام 1975، يبدو أكبر من سنّه، ومن الواضح أنه تعلّم من والده تقنيات تطويع الصوت والتحكّم في الأداء.
وهو في النهاية امتداد لجيل كامل من الموسيقيّين الذين حافظوا على التقاليد الصوتية العريقة في الموسيقى الفارسية.
الموسيقى الكردية والفارسية تنتميان إلى عائلة موسيقية واحدة، وما يجمع بينهما أيضا هو هذا الوجد والحزن الشفيف الذي تشيعه في نفس السامع.
قد لا يكون هذا مستغربا، خاصةً إذا لاحظنا تركيز الموسيقى الكردية والفارسية على مواضيع معيّنة مثل الهجرة والاغتراب والعيش في المنافي وما يرتبط بذلك من مشاعر الحزن والحنين..

Sunday, October 08, 2006

محطّات

تشوّش ذهني


يحار المرء أحيانا وهو يرى ويقرأ هذا السيل المنهمر من الأخبار والتحليلات والقصص الإخبارية التي يقصفنا بها كل دقيقة، بل كلّ لحظة، هذا الجيش العرمرم من القنوات الفضائية والمحطّات الإذاعية والمواقع الاليكترونية التي لا ُتعدّ ولا ُتحصى.
ومبعث الحيرة كامن في حقيقة أن الإنسان لا يعود يثق كثيرا بأحكامه ولا باستنتاجاته التي يكوّنها عن حدث ما أو قضيّة معيّنة.
فالتحليلات والتفسيرات متضاربة والآراء والروايات متعدّدة ومتباينة، وهي حال تجعل ذهن المتلقي عرضة للتشوّش والارتباك والحيرة ومن ثمّ العجز عن تحليل الأمور وفهمها من خلال وضعها في سياقها المنطقيّ الصحيح.
قد لا يكون من المناسب استدعاء نظريّة المؤامرة في كلّ حين، غير أنّ المرء لا يسعه سوى أن يتساءل: هذا الضخّ الإعلامي الصاخب والرهيب الذي يحكم قبضته علينا آناء الليل وأطراف النهار والذي يشلّ بزخمه وكثافته قدرة الإنسان العاديّ على التركيز والفهم، هل ُيراد من ورائه تغييب الحقيقة أو طمسها وإخفاؤها؟
هل هناك ثمّة جهة ما أو لعلّه أخ أكبر أو شبكة من القوى يهمّها أن تتوارى الحقيقة في زاوية بعيدة بحيث لا يعلم الناس بالضبط ماذا جرى ولا كيف جرى، ولا سبيل إذن لتحقيق هذا الهدف سوى بإشغال الناس وصرف أنظارهم بعيدا عن طريق غمرهم بهذا الطوفان الذي لا ينقطع من التغطيات المشوّشة والقصص الغامضة والتحليلات المتناقضة التي لا تسهم سوى بتزييف الوعي وسلب الإرادة ومن ثم إفقاد المتلقّي قدرته الواعية والرشيدة على التمييز والفهم.
إننا نعيش الآن عصر ثورة تكنولوجيا الاتصالات وجبروت الإعلام الذي يسيّر الإنسان كالآلة ويصوغ حياته بل ويشكّل عالمه الداخليّ كلّه، بما في ذلك عقله وروحه من خلال ما يستقبله من رسائل وإشارات تجعله يتكيّف لا إراديا مع الواقع من حوله وتسلبه - وهذا هو الأخطر - قدرته الواعية على التفريق بين الخير والشرّ والحقّ والباطل والعدل والظلم.

❉ ❉ ❉

ميتافيزيقيا الحزن


صور "مايكل كينا" من النوع الذي يدفعك إلى تأمّلها لمحاولة فهمها واستكشاف عوالمها وأجوائها الداخلية.
ولقطاته الفوتوغرافية التي يصوّر فيها طبيعة منعزلة وهادئة بأقلّ العناصر والتفاصيل تثير في النفس إحساسا بالهدوء والسكينة في عالم يتسم بالتشوّش والفوضى.
وأهم ما يلفت الانتباه في صوره، من حيث الشكل، هي أنها جميعا باللونين الأبيض والأسود.
ربّما يعود السبب إلى أن هذين اللونين هما الأكثر قدرة على إبراز التباين بين الضوء والعتمة وعلى استثارة الحواسّ والنفاذ إلى روحانية المشهد.
في بعض مناظر هذا المصوّر حزن ممزوج بألم الغياب والفقد. وفي بعضها الآخر نوستالجيا، تأمّل، وانسحاب من عالم الأشياء المحسوسة إلى مناطق الرؤى الخفيّة والضاجّة بصور التوق والكآبة.
تشعر أحيانا وأنت تتأمّل بعض صور مايكل كينا انه يخلع على الحزن إحساسا جماليا، وبأن عناصر الطبيعة وتفاصيلها، كما يصوّرها، ليست في الحقيقة سوى بوّابات أو نوافذ تطلّ على لحظات الحزن الهاربة.
في بعض اللقطات لا نتبيّن ملامح الأفق أو السماء أو البحر. فالأبعاد تختفي والحدود التي تفصل بين الأشياء تتلاشى لتتّخذ مظهرا شبحيا مغرقا في التجريدية والإبهام.
وفي صوره الليلية تكثر الظلال وتتعدّد اتجاهات وزوايا الضوء، ربّما لتكثيف الإحساس بما يثيره الليل من صور الخطر والتكتّم والجمال والغموض والخوف والانكشاف.
وأحيانا تحسّ بأن الصور تتحوّل إلى ممرّات أو مناطق عبور في منتصف المسافة بين الواقع كما نعرفه ونحسّه وبين عالم آخر أشبه ما يكون بالحلم.

❉ ❉ ❉

استراحة موسيقية



❉ ❉ ❉

بساطة الشكل وقوّة التأثير


إن حكمت على هذه اللوحة من ناحية أصالة موضوعها، فلا شكّ أنها تفتقر للأصالة إلى حدّ ما، بمعنى أن هناك رسّامين كثر سبق وأن رسموا موضوعها من قبل.
لكن إن حكمت عليها من حيث جودة الرسم، فإن تفاصيل اللوحة تشي بأن من رسمها كان فنّانا من طراز خاصّ.
وما يميّز اللوحة هو حالة الخشوع التي تظهر عليها المرأة من خلال حركة عينيها المتّجهتين إلى أسفل. لاحظ أيضا طريقة الرسّام في تمثيل الأقمشة المنسدلة بشكل ناعم، كالخمار الأبيض والعباءة الزرقاء اللامعة.
الرسّام هو جيوفاني باتيستا سالفي المعروف اختصار بـ ساسوفيراتو. كان هذا الفنّان متأثّرا في الأساس بأسلوب مواطنه الرسّام الايطالي رافائيل. لكنه اقتبس أيضا من أساليب رسّامين آخرين مثل ديورر ودومينشينو وغويدو ريني.
كان ساسوفيراتو كثير الترحال في شبابه، خاصّة إلى المناطق القريبة من اومبريا وبيروجيا. كما كان مرتبطا بدير سانت بييترا الذي رسم في سقفه عددا من المناظر التي تحكي قصصا دينية.
وقد ظلّ يرسم على مدى عشر سنوات صورة بعد الأخرى للعذراء لصالح رعاته الخاصّين أو للكنائس العامّة كجزء من حركة الإصلاح المضادّة آنذاك. وهناك خمس عشرة لوحة رسمها للعذراء في أوضاع شتّى ونالت الكثير من الشعبية والانتشار في زمانه.
أن يكرّر فنّان رسم لوحة بذاتها يُعدّ اليوم أمرا غير مألوف. لكنّنا نحتاج لأن نرى هذه الصور من خلال عيون مشتريها وصانعها والجمهور الذي كانت تستهدفه وقتها.
المشتري كان في الغالب الكنيسة التي كانت تريد للصور أن تكون ذات تأثير قويّ على جمهور المؤمنين. والرسّام من ناحيته كان يفصّل فنّه على مقاس ورغبات المشتري. أما الجمهور فكان يريد صورا مبسّطة، لكنْ قويّة، ويمكن أن تداعب أوتار النفس بسهولة.
وقد حقّق لهم ساسوفيراتو كلّ هذا من خلال هذه السلسلة من الصور التي أودع فيها بعضا من لحظات الدفء الإنسانيّ التي يمتزج فيها الدينيّ بالدنيويّ.

Wednesday, October 04, 2006

مشرّف على خط النار

لفت صديق انتباهي أمس إلى مقابلة طريفة أجرتها شبكة السي إن إن الاخبارية الأمريكية الأسبوع الماضي مع الرئيس الباكستاني برويز مشرّف الذي كان في زيارة رسمية لواشنطن للقاء الرئيس الأمريكي وللترويج لكتابه الجديد "على خط النار"، الذي تحدّث فيه عن رؤيته لحرب الولايات المتحدة على ما يسمّى بالإرهاب.
وقد بحثتُ عن نصّ تلك المقابلة على الإنترنت فلم أجده، لكني عثرت على مقتطفات منها وردت في تقرير للاسوشييتدبرس ُنشر بداية الأسبوع. وأعتقد أن المقابلة تستحقّ أن تروى نظرا لطرافتها وصراحة الأسئلة التي ُطرحت على الضيف. وعلى الارجح فإن ناشر الكتاب الامريكي هو الذي أوصى مشرّف بالظهور في البرنامج كجزء من سلسلة الانشطة والرحلات والمحاضرات التي ترمي للترويج للكتاب.
مشرّف حلّ ضيفا على برنامج اسمه "ذي ديلي شو" يقدّمه المذيع جون ستيوارت بحضور عدد من أفراد الجمهور.
في البداية يرحّب المذيع بمشرّف على الطريقة الباكستانية فيقدّم له كوبا من الشاي الأخضر المعطّر بنكهة الياسمين، ثم يناوله قطعة من التوينكي وهو نوع من الكعك الأمريكي. وبعد أن يفرغ مشرّف من احتساء الشاي وأكل الكعك يشكر مضيفه على كرمه ويثني على نكهة التوينكي وطعمه المميّز.
وقبل أن ينهي الرئيس كلامه إذا بالمذيع يباغته فجأة بالسؤال التالي على طريقة المحقّقين ورجال الشرطة مع المشتبه بهم:
- أين أسامة بن لادن؟
مشرّف الذي تفاجأ بالسؤال نظر إلى المذيع وهو يبتسم ثم قال بنبرة هادئة: لا أعرف، إذا كنت تعرف أين هو فدلّني على الطريق إليه وأنا أتبعك.
المقابلة تضمّنت أيضا سؤالا عما تردّد في وقت سابق من أن ريتشارد ارميتاج وكيل وزارة الخارجية الأمريكية وجّه قبيل الهجوم على أفغانستان تحذيرا إلى مشرّف عندما قال له على التليفون: إذا لم تنضمّوا إلينا في حربنا ضد الإرهاب فسنقصف بلدكم ونعيده إلى العصر الحجري".
وكان مشرف قد أكّد في كتابه صحّة ما نسب إلى ارميتاج. (بالمناسبة، لا أستغرب أن يقول ارميتاج ما قاله ولا أرى فرقا بين ارميتاج وبولتون، كلاهما بلطجي في ثياب ديبلوماسي).
في المقابلة قال مشرّف معلّقا على موقفه من غزو أفغانستان والعراق: كان عليّ أن أحافظ على مصلحة باكستان أولا وأخيرا ولم يكن لي خيار سوى أن ادعم الولايات المتحدة في حربها، ولو لم افعل لواجهنا هجوما أمريكيا مؤكدا.
ثم أضاف: لقد تعلّمت فنّ المشي على حبل مشدود ومع مرور الوقت أتقنت تلك اللعبة تماما.
وفي ختام المقابلة أجلس المذيع ضيفه على "الكرسيّ الساخن"، وهي فقرة تضئ فيها أنوار الفلاشات الحمراء في زوايا الاستديو ويتعيّن على الضيف أن يستعدّ لتلقّي السؤال الأخير وهو في الغالب اكثر الأسئلة إحراجا.
ستيوارت وجّه لمشرّف السؤال التالي: لو جرت اليوم انتخابات في باكستان لتولّي منصب رئيس الوزراء أو البرلمان، وتقدّم للترشيح كل من اسامة وجورج بوش، من برأيك سيفوز؟
فكّر مشرّف للحظات ثم قال: اعتقد أن الاثنين سيخسران وسيكون أداؤهما بائسا جدا".
وهنا ضجّت القاعة بالضّحك. والحقيقة أن طريقة مشرّف البارعة في التهرّب من الإجابة على السؤال تدلّ على سرعة بديهته وعلى ديبلوماسيّته ولباقته العالية. حيث أن الكثيرين يعرفون أن أسامة بن لادن يتمتّع بشعبية كبيرة في باكستان، خاصّة في أوساط الجماعات الدينية المتطرّفة التي تضمر العداء الشديد لمشرّف نفسه ولسياسات الولايات المتحدة في باكستان والعالم.
مقابلة مشرّف مع الشبكة الامريكية تطرح سؤالا عن السلوك المزدوج الذي يتعامل به زعماء العالم الثالث مع وسائل الاعلام، اذ يندر أن يتحدّثوا الى إعلامهم المحلي وإذا فعلوا فلا بد وأن يفرضوا مسبقا نوعية الاسئلة والمواضيع التي يتناولها الحوار الذي دائما ما يدور في اطار رسمي وصارم بحيث لا يقول الزعيم شيئا ذا معنى في النهاية.
لكنهم يبدون في غاية الديمقراطية والسماحة والأريحية مع وسائل الاعلام الغربية التي يتحدّثون فيها عن أمراضهم وهواياتهم وحتى عن امورهم الصغيرة وأشيائهم الحميمة و بكلّ شفافية. يصدق هذا على مشرّف وعلى غيره.

Saturday, September 23, 2006

رمضان كريم

كالعادة ومع حلول اول أيّام الشهر الفضيل داهمتني نوبات الصداع العنيفة. وهي لا تأتي عادةً سوى في اليوم الاول، وسرعان ما تختفي في الايام التي تليه. صداع يضرب مقدّمة الرأس كالمطرقة ويسبّب زغللة وتشوّشا في النظر، ووتيرة الالم لا تخفّ عادةً الا بعد الافطار وتناول قرص بروفين أو حتى قرصين إذا لزم الامر.
المشكلة أن الانسان الصائم لا يستطيع أن يكسر صيامه ليتناول حبّة دواء هي في الحقيقة لا تسمن ولا تغني من جوع لكنها تستطيع إراحة متناولها من أذى جسدي أو ذهني ألمّ به فجأة.
أظنّ أن صداع أولّ يوم من رمضان أصبح عندي كالهاجس أو الخوف المرضي، بمعنى أنني لو لم افكّر به أو اترقّب مجيئه لربّما لا يأتي أبدا. وهناك من قال لي إن سبب هذه النوبات له علاقة بالاثار الانسحابية للتدخين وقد يكون اختلالا في وظائف المعدة نتيجة الامتناع المفاجئ عن الطعام والشراب مما ينعكس سلبا على الجهاز العصبي والدماغ.
وقد سمعت منذ يومين المفكّر الاسلامي المعروف والمثير للجدل جمال البنّا وهو يقول ان التدخين حلال في نهار رمضان، لانه – كما قال – لا يفطّر الصائم وهو مثل الهواء الذي يدخل الرئتين وأثره اقلّ من اثر المغذّيات الطبيّة التي تدخل جوف الصائم ومع هذا رخّصها العلماء، ولهذا لا يسري على التدخين ما يسري على الاكل والشرب حسب رأي البنّا.
طبعا رأي الاستاذ البنّا قد يروق للمدخّنين الذين لا يقوى بعضهم على الصيام بسبب ضعفهم واستسلامهم لسحر السيجارة الذي لا يردّ ولا يقاوم احيانا. لكن هذا الرأي لن يعجب أصحاب الفتاوى بالتأكيد، خاصة وأن بعضهم يذهب الى أن التدخين محرّم في كلّ الاحوال نظرا لمضارّه الكثيرة والثابتة، وبناءً على هذا فحرمته في رمضان اشدّ وأعظم.
كتبت هذه الخاطرة قبيل المغرب. وبعد أن تناولت الافطار وأدّيت الصلاة في البيت كما هي عادتي عمدت الى البروفين فأخذت حبّة على السريع وما هي الا دقائق حتى أحسست ببعض الراحة والاسترخاء بعد نهار طويل كنت خلاله كالمشلول الذي لا يقوى على فعل شئ لمساعدة نفسه والتخفيف من معاناته مع نوبات الصداع اللعين.
ورمضان كريم.

Sunday, September 17, 2006

تصريحات البابا - 2

ما يزال الحديث عن تصريحات البابا الأخيرة والجدل الواسع الذي أثارته وما تزال تثيره.
اليوم سألت زميلا، كثيرا ما استفدت من فكره الثاقب ورؤيته الصائبة للأمور، سألته عن رأيه في مغزى الخطاب وتوقيته فقال:
إننا نخطئ عندما نظنّ أن البابا رجل مخرّف أو عبيط. البابا يا عزيزي رجل حادّ الذكاء، مثقّف، يفكّر ويزن الأمور جيّدا قبل أن يتفوّه أو يصرّح بأي كلام. ولو تمعّنت في الخطاب مليّا لعرفت كم أن فكر الرجل واسع ونظرته بعيدة.
قلت: قرأت الخطاب، واطلعت على نصّه الآخر الموجود على موقع الفاتيكان. كان كلامه في اللاهوت والفلسفة عموما وقد تحدّث عن صورة الله وصورة الإنسان وبنية الإيمان في الأديان كما تحدّث عن الله والعقل وأورد إشارات سريعة إلى أفكار ديكارت وابن الهيثم وغيرهما من الفلاسفة. لكن الانطباع الذي تشكّل لديّ هو أن البابا أقحم في خطابه، بشكل متعسّف ولغاية ما، قصّة الحوار بين الإمبراطور والسفير عن الإسلام.
قال: أنا لا أشاطرك الرأي، بل ازعم أن الرجل يعني ما يقوله تماما. البابا يدرك أن ثمّة حوارا على وشك أن يبدأ بين الإسلام والمسيحية وهو يريد من خلال ما قاله أن يفرض رؤيته وشروطه لذلك الحوار قبل بدئه. وقد يكون قصد ايضا بعث رسائل الى ايران وتركيا لها علاقة بملف الاولى النووي ومحاولات الثانية الانضمام الى الاتحاد الاوربي.
قلت: لكن لماذا الحديث عن تجاوزات مزعومة للإسلام بينما اغفل تماما الحديث عن أخطاء الكنيسة؟
قال: هذا تصوّر ليس في مكانه تماما. يجب أن نقرأ خطاب البابا وأن نفهمه من منظور معاصر، كما يجب ألا ننسى مثلا أن البابا الحالي كان عضوا مهما في لجنة محاكمة عصر التفتيش والجرائم التي ارتكبت آنذاك. ممارسات الكنيسة في الماضي معروفة لكن لم يتبقّ من آثارها اليوم شئ مع تجذّر القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم المسيحي. بينما العنف الذي يمارسه الاسلاميون الآن ليس وليد صدفة بل تمتدّ جذوره عميقا في تاريخ الإسلام. لا اعتقد أن أحدا يجادل في هذه الحقيقة. وهو عنف يصيب المسلمين ويصيب غيرهم. هذا ما أراد أن يقوله البابا بوضوح.
قلت: هل عند البابا اجندة معينة أو رسالة أراد أن ببعثها لطرف أو أطراف ما؟
قال: لا شكّ في أن لدى البابا اجندة محدّدة ترتكز على التبادلية في علاقة المسيحية مع الإسلام في مقابل التوافقية التي تبنّاها سلفه والتي يرى البابا الحالي أنها لم تفلح في كبح جماح العنف الإسلامي ولم تحقّق التقارب المنشود بين الفريقين.
وليس من قبيل المصادفة أن يتحدّث البابا في خطابه عن كون الدين، أيّ دين، ذا صلة وثيقة بالروح والنفس وليس بالجسد، ومن هنا أهمية عنصر الإقناع في العقيدة في مقابل الإجبار والقسر.
قلت: هل للوجود الإسلامي المتنامي في أوربا علاقة بكلام البابا؟
قال: البابا يدرك جيدا تزايد أعداد المسلمين في أوربا والعالم الغربي وما يستتبع ذلك من اشكالات دينية وثقافية. وهو يريد من هؤلاء أن يلتزموا بالقيم المسيحية المعاصرة مثل تقديس الحريات الفردية واحترام عقائد الآخرين والإيمان بحرية الفكر وان يبتعدوا عن ممارسة العنف والتفجير والقتل.
وعلى نطاق اوسع، كأن البابا أراد أن يقول إن على المسلمين إن أرادوا التعايش معنا أن يتعاملوا معنا بنفس قيمنا وأعرافنا، إذ لا يعقل أن نبني في بلداننا مساجد ومراكز ثقافية للمسلمين يمارسون فيها عباداتهم بحرية بينما تحرّم بعض الدول الإسلامية بناء كنيسة على أراضيها وتمنع المسيحيين المقيمين فيها من حقهم في ممارسة عباداتهم.
كما لا يعقل – بحسب رأي البابا الجديد طبعا – أن يتمتّع المواطن المسيحي في الغرب بكامل حرّيته في أن يترك المسيحية ويعتنق الإسلام باعتبار تغيير الديانة حقا من أهم حقوق الإنسان، في الوقت الذي يعاقب كلّ من يتحوّل إلى المسيحية في أوطان المسلمين بالقتل ويساق الناس إلى دور العبادة سوقا كالبهائم دون مراعاة لحقوق الإنسان أو اعتبار لحرياته الفردية.
ويضيف الزميل مختتما ملاحظاته: هذه هي التبادلية التي يريد البابا الجديد ومساعدوه ان تكون اساسا لعلاقة الفاتيكان المستقبلية بالعالم الاسلامي.

Friday, September 15, 2006

تصريحات البابا - 1

لسوء الحظ لم يخب ظنّي كثيرا في البابا الجديد الذي اثبت بتصريحاته امس انه شخص متعصّب واستفزازي وعبيط.
وكان واضحا منذ البداية، اي منذ تسلّمه منصب البابوية، انه رجل متطرّف وغير متّزن.
البابا الالماني اتّهم الاسلام بالعنف وبأنّه دين شرّير وغير إنساني، الامر الذي اغضب المسلمين وأثار استياءهم، فيما طالب بعض علمائهم بأن يعتذر البابا عن كلامه وأن يلعب دورا ايجابيا في التقريب بين الاسلام والمسيحية. (النص الحرفي لخطاب البابا بالانجليزية على هذا الرابط ).
ولا أريد في هذه العجالة الدفاع عن الاسلام او المسلمين فهناك الكثير مما لا يحسن قوله او التحدّث فيه. لكن مما لا شكّ فيه أن هناك حتى من المسيحيين انفسهم من يقول إن التراث الكنسي نفسه مملوء بالتعصّب وأنه يضمر كراهية شديدة للاديان الاخرى ويتّخذ موقفا معاديا من المرأة بشكل خاص.
والامر الثابت والمؤكد هو ان الاديان جميعها تكنّ العداوة والبغضاء لبعضها البعض لان كلا منها يعتقد انه وحده الدين الحق وما سواه على باطل.
يقال إن هذا البابا شخص اكاديمي ويفهم كثيرا في الاديان المقارنة، ومع ذلك فقد تحدّث عن الاسلام كاشفا عيوبه ومنتقدا نقائصه ونسي في ذات الوقت ان المسيحية نفسها ما انتشرت هي الاخرى سوى بحدّ السيف وشنّ الحروب وسفك الدّماء.
لقد تحدّث البابا عن نزعة الاسلام الحربية ونسي الاف الوثنيين الذين قتلتهم المسيحية بعد أن اتّهموا بالزندقة.
كما نسي أو تناسى ان المسيحية حملت كثيرا من الشعوب قسرا وبحدّ السيف على اعتناق الكاثوليكية.
كما تناسى الحروب الصليبية والمذابح الرهيبة التي ارتكبها فرسان الصليب وقتها ضدّ المسلمين.
وتناسى محاكم التفتيش والحروب الضارية بين الكاثوليك والبروتستانت وأنهار الدماء التي سالت بسبب تلك الحروب.
ثم تناسى في غمرة حديثه عن شراسة الاسلام وعدم احترامه للعقل ما فعله اسلافه بغاليليو وحكاية صكوك الغفران ونبش الكنيسة قبور المعترضين على ممارساتها الظلامية لاعادة محاكمتهم وشنق جثثهم او حرقها!
في تاريخ المسيحية، كما في تاريخ غيرها من الاديان، الكثير من الامور القاسية والاحداث الكريهة، وأستذكر في هذا السياق القول المأثور: Everyone has a skeleton in their closet
وأتعجّب كيف لشخص في مثل منصب البابا ان يشير لاحداث وقعت قبل مئات السنين ليؤسّس عليها حكما تعميميا على دين بأكمله، في حين ان من يرتكب الارهاب اليوم من المسلمين هم فئة قليلة ومنبوذة لا تمثل الاسلام ولا يتحمّل جميع المسلمين وزر جرائمها الخسيسة.
اليوم وبعد تصريحات البابا الالماني ترحّمت على روح سلفه المسالم الطيب جون بول السادس الذي سعى طوال حياته لان يكون داعية سلام وحوار ولم يعرف عنه انه اغضب احدا او اساء لأتباع ايّ من الاديان.

Thursday, September 07, 2006

أسئلة المدوّنين

الشكر لـ أحمــد على ادراجه اسمي ضمن المدوّنين السعوديين الذين اختارهم للاجابة على قائمة الاسئلة التي تناقش ظاهرة المدوّنات العربية.
وفي ما يلي اجاباتي على الاسئلة..

هل أنت راض عن مدونتك شكلا وموضوعا؟
- بالتاكيد لا. الوقت عزيز جدا، وما اخصّصه للمدوّنة من وقت لا يكاد يكفي لكتابة شئ ذي أهمية. احيانا اشعر بالعجز والاحباط عندما اضطرّ للعدول عن نشر موضوع اشتغلت عليه كثيرا، مخافة ان يقرأه احد فيفسّره خلافا لما اقصده. اريد ان اكتب عن امور مهمّة تعتمل في ذهني، لكن هواجسي كثيرة والرقيب بداخلي يمارس معي اقصى درجات الاستبداد والمنع.

هل تعلم أسرتك الصغيرة بأمر مدونتك؟
- نعم. وكثيرا ما يناقشونني حول مضمون بعض كتاباتي.

هل تجد حرجا في أن تخبر صديقا عن مدونتك؟ هل تعتبرها أمرا خاصا بك؟
- لا. بل لقد اخبرت اكثر من صديق بأمر المدوّنة. وهم ممّن اثق بهم كثيرا وأعوّل على سلامة أحكامهم ولا اجد غضاضة في تقبّل انتقاداتهم ومآخذهم. لكن من حيث المبدأ اعتبر المدوّنة شأنا شخصيا، واذا كنت لا تثق بأحد فالافضل الا تخبر اي انسان بأمر مدوّنتك.

هل تسببت المدونات بتغيير إيجابي لأفكارك؟ أعطني مثالا في حالة الإجابة نعم.
- ان كان ثمّة من تغيير ايجابي فهو مجرّد الشعور بأن المدوّنة في حد ذاتها تشجع الناس على الكتابة وتحرّضهم على النقاش وتسهم في فتح نوافذ يتنفّس الانسان عبرها شيئا من هواء الحرية، حتى وإن كانت حرّية مقيّدة الى حدّ كبير بفعل المحاذير والاعتبارات التي نعرفها جميعا.

هل تكتفي بفتح صفحات من يعقبون بردود في مدونتك أم تسعى لاكتشاف المزيد؟
- بل اسعى دوما لقراءة ما يكتبه الاخرون وبقدر ما يسمح به الوقت.

ماذا يعني لك عداد الزوار؟ هل تهتم بوضعه في مدونتك؟
- لا اهتم كثيرا بعدد الزوّار فالمعرّف المجهول لا يهتمّ بالشهرة لانه لا يطلبها اصلا. وبحكم التجربة عرفت انني اكثر من يزور مدوّنتي، والارقام في نهاية الامر لا تعني شيئا.

هل حاولت تخيّل شكل أصدقائك المدونين؟
- بصراحة تشكّل لدي انطباع عن السمات الشخصية لبعضهم من خلال قراءة ما يكتبونه وطريقتهم في الكتابة. هذا شئ يحدث تلقائيا وأعتقد أنه طبيعي.

هل ترى فائدة حقيقية للتدوين؟
- ربّما تكون الفائدة الاهم هي ان التدوين يوفّر للكاتب فضاءا خاصا يشبع من خلاله بعض الحاجات السيكولوجية والمعنوية، واهمها الاحساس بالكينونة وتأكيد الذات واستقلالية الرأي والتفكير.

هل تشعر أن مجتمع المدونين مجتمع منفصل عن العالم المحيط بك أم متفاعل مع أحداثه؟
- إن كان المقصود بالسؤال مجتمع المدوّنين العرب فأزعم انهم متفاعلون كثيرا مع ما يحدث حولهم من احداث وتطوّرات. وهذا شئ ايجابي ولا شك.

هل يزعجك وجود نقد بمدونتك؟ أم تشعر أنه ظاهرة صحية؟
- ابدا على الاطلاق. النقد مهمّ بل وضروري. لكن هناك فرقا بين النقد والتهجّم. النقد البنّاء ينبّه الانسان الى اخطائه ويحفّزه على التصحيح والتجاوز. اما التهجّم المجاني والسباب الشخصي فأمر مرفوض ومستهجن، وهو مؤشّر على عدوانية وسقم عقول من يمارسونه.

هل تخاف من بعض المدوّنات السياسية وتتحاشاها؟ هل صدمك اعتقال بعض المدونين؟
- ليس هناك مبرّر للخوف من المدوّنات التي تناقش قضايا السياسة، فالسياسة شان عام في النهاية، وطبيعي ان تدفعنا الاحداث الى التفاعل معها من خلال رأي يقال هنا او تعليق يكتب هناك.
اما اعتقال المدوّنين او مضايقتهم وارهابهم فأمر لا يدل بنظري سوى على تخلّف في التفكير وقصور عن فهم حقائق العالم المتغيّر من حولنا. الدول اليوم تتنافس في صون حقوق شعوبها وحفظ كرامتهم واحترام إنسانيتهم. والتعرّض لانسان بسبب رأي قاله او كتبه تصرّف لم يعد العالم مستعدّا لتحملّه او التسامح مع مرتكبيه. لكن الحرية يجب ان تظل حريّة مسئولة ومحكومة بسلطة الضمير والاعراف المرعية. ومن الصعوبة بمكان تقبّل شتم الاخرين او تشويههم او النيل من كراماتهم تحت لافتة حرية الرأي والتفكير. الحرية مسئولية اولا وأخيرا..

هل فكّرت في مصير مدونتك حال وفاتك؟
- لم يخطر ببالي مثل هذا السؤال الغريب. من المؤكّد انني سأكون ساعتها منشغلا اكثر بمصيري انا والى اين ساذهب بعد رحيلي عن هذه الحياة. ثم ما فائدة بقاء المدوّنة من عدمه بعد ان أموت؟! الشهرة سواء كانت مدحا او ذمّا لا تفيد الانسان في شئ بعد ان يفنى وينقطع كل اثر له من هذا العالم.

تحب تسمع إيه؟
- مزاجي الموسيقي شرقي في الغالب. وأنا مهتم هذه الايام بسماع الموسيقى الاذارية والتركية. هناك مؤلّفون موسيقيون رائعون يستحقون ان ُتسمع موسيقاهم وان ُيحتفى بهم من امثال أليهان صمدوف وجوكان كيردار و ييدي كارانفيل او فريق القرنفلات السبع. وهناك الثنائي الايراني المتميّز راما موروفاتي ورضا منظوري اللذان يعزفان البيانو ببراعة منقطعة النظير. ومن وقت لاخر استمع الى همايون شجريان في الحانه العذبة على آلتي الكمان والتومباك.

Wednesday, August 30, 2006

عرف القبيلة وسلطة القانون

اشتبك س و ص في معركة بالسكاكين والحجارة والعصيّ انتهت بإصابة س بكدمة غائرة في جبينه خلفت ندبا لا يزول. حدث هذا منذ اكثر من عشرين عاما. وقتها تدخّل رجال القبيلتين ليصلحوا ذات البين وحكموا على ص بدفع مبلغ من المال وألزموه بإقامة وليمة يسترضي بها خصمه لكي تهدأ النفوس وتطيب الخواطر.
مرّت سنوات عديدة على الحادثة ونسي طرفاها ما حدث، غير أن بعض معارف وأصدقاء س لم يتوقّفوا عن تذكيره بما حدث له، وظلوا يلومونه على ما اعتبروه تهاونا منه في حقّ نفسه عندما لم ينتصف من خصمه كما ينبغي. وكان بعضهم الأكثر لؤما يردّدون على مسامعه عبارات مثل: لو فيك خير ما خليت فلان يفتح جبهتك ويسوّد وجهك وانت ساكت".
كان لكلام هؤلاء اثر تراكمي في نفس س، ومع الأيام اصبح على اقتناع بأنه لن يمحو الوشم المحفور على جبينه مع ما يسبّبه له من إحساس بالخزي سوى وشم آخر يحفره هو على وجه خصمه أو عاهة يلحقها به لتلازمه مدى الحياة.
وفي أحد الأيام وبينما كان س يمشي في بعض نواحي بلدتهم معتمرا ما يطلقون عليه في تلك المنطقة بـ "الشبرية" وهي خنجر كبير يشدّه الرجل على خصره لدواعي الزينة والكبرياء، إذ لمح حشدا من الناس يقفون على حافة بئر.
عندما استطلع الأمر قيل له ان في البئر رجلا يحاول نزح الماء من هناك وأنه بحاجة إلى من يساعده في تلك المهمة. ولان س رجل شهم بطبعه ولا يتردّد في مساعدة الآخرين فقد شمّر عن ساعده وشدّ غترته على رأسه بإحكام وبدأ في نزول درجات السلم المؤدي إلى البئر.
فور وصوله إلى قاع البئر نظر س في وجه الرجل الذي ينتظر مساعدته. وصعق وهو يرى أمامه خصمه القديم.
انعقد لسان س من هول المفاجأة وتوقّف عقله عن التفكير، ودون أن يشعر نزع "شبريته" واغمدها في بطن ص.
كانت فكرة الثأر قد مسخت إحساسه وسحقت روحه وأصبح منقادا بطريقة غريزية لهواجس نفسه المظلمة بفعل ما كان ُيضخّ في عقله من عبارات تحقّره وتصفه بالجبن وتوهمه بأنه لن يعود رجلا سويّا أو جديرا بالاحترام إلا عندما ينتقم ممن ألحق به عار تلك اللطخة الأبدية.
انتشلت جثة ص من البئر وتبيّن انه مات على الفور. واقتيد س إلى السجن بعد اعترافه بجريمته.
في ما بعد، تدخّل بعض المحسنين من أجل إنقاذه من القصاص ودفعوا لعائلة المغدور اكثر من أربعة ملايين ريال مقابل عفوهم عن قاتل أبيهم، لكنهم رفضوا كلّ مبادرات العفو وأصرّوا على إنفاذ الحكم.
وهذا ما حدث..
سمعت القصة أعلاه من أحد الأشخاص منذ أيّام وقد نقلتها كما سمعتها. وهي تؤشّر إلى مدى قسوة المجتمع وتغلغل فكرة العار والأخذ بالثأر في وجدان بعض أفراده إلى درجة التحريض على القتل. وخلال الاسبوعين الاخيرين تابعت في بعض منتديات الانترنت تطوّرات قضية أخرى عن شابّ اقام علاقة غير شرعية مع فتاة من قبيلة اخرى. وقد تدخّل المصلحون وفرضوا على قبيلة الشاب تعويضا ضخما يكفّر به عن خطئه بعد أن رفض بشكل قاطع فكرة الزواج من الفتاة. لكن ما أن انقضت بضعة ايام على الصلح ودفع التعويض حتى نصب شقيقا الفتاة كمينا للشاب اطلقوا عليه خلاله الرصاص انتقاما لشرفهم المثلوم. والدرس المستفاد من هاتين الحادثتين وغيرهما من الحوادث التي تزخر بها الصحف هو أن الحلول والمعالجات المستندة إلى العرف العشائري وحده لا تجدي دائما بل قد تؤدّي أحيانا إلى مشاكل أخطر وأنه لا بديل في النهاية عن تطبيق أحكام القانون المكتوبة والمتعارف عليها لان لها قوّة ردع أكبر تجعلها اكثر إلزاما وثباتا.

Wednesday, August 23, 2006

على الرصيف


على احد الأرصفة البعيدة عن صخب الحركة وضوضاء السيّارات، اعتادت جماعات من الرجال والنساء أن تُمضي بعض الوقت من كلّ يوم في ممارسة رياضة المشي بهدوء ودون مضايقات أو مشاكل.
اليوم بالذات لفت انتباهي وجود كتابات غريبة على أرضية الرصيف وفي أكثر من مكان.
والقاسم المشترك بين تلك الكتابات أن من كتبها هو شخص واحد. وهذا واضح من أسلوب الخطّ وطريقة الكتابة.
هناك مثلا جملة موغلة في فحشها وبذاءتها، وفيها يعبّر العابث المجهول عن رغبته في فعل كذا وكيت. "أظن أن لا حاجة للتصريح فالمعنى واضح كما أتصوّر". وعلى مسافة أخرى كانت هناك جملة ثانية لا تقّل فحشا عن الجملة الأولى.
وتخيّلت مشاعر النساء وبينهن أمّهات وعجائز وشابّات صغيرات وهنّ يقرأن مثل تلك الكتابات البذيئة والمشينة.
أما الجملة الثالثة وهي الأهم فتقول: اسمحي لي بان أتحسّس (...) لأن الذي يسمح لأهله بالخروج في الشوارع هو ديّوث".
والحقيقة أن هذه العبارة الأخيرة تكشف بوضوح عن هويّة من كتب ذلك الكلام القبيح والسمج.
والمؤكّد أن من كتبه ليس شابّا مراهقا أو جاهلا أو متهوّرا. فهؤلاء لا يعرفون معنى الدياثة وربّما لم يسمعوا بها في حياتهم.
وقد خطر لي أن الكاتب ينتمي لتلك الفئة من الناس التي تستكثر على النساء حتى مجرّد الخروج من بيوتهن، فما بالك بممارسة رياضة المشي وهنّ في كامل حشمتهن ووقارهن.
والانطباع الآخر هو أن بعض من يزعمون حرصهم على الفضيلة وغيرتهم على أعراض الناس قد يكونون في نفس الوقت من أكثر الناس فجورا وبذاءة وخروجا على مقتضيات اللياقة والأدب.
تخيّلوا شخصا يتحدّث عن الدياثة وقلّة الغيرة على المحارم، لكنه لا يستنكف عن كتابة مفردات في غاية الابتذال وقلّة الحياء تحت لافتة الدفاع عن الفضيلة وحماية الأخلاق العامة.
فكّرت في ردود فعل بعض الرجال الذين يزاولون المشي بصحبة نسائهم وبناتهم وهم يرون تلك الكتابات القبيحة التي تملأ أرضية الرصيف.
بعضهم سيقول: ما لنا وللمشاكل وقلة الحياء! من الأفضل أن نُبقي على نسائنا وبناتنا في المنازل على أن يتعرّضن لما يجرح مشاعرهنّ ويؤذي أعينهن من مثل هذه الكتابات السفيهة والفاجرة.
وبذا يكون الفاعل وجماعته قد حقّقوا غرضهم.

Sunday, August 20, 2006

عن الحرب

لعلّ ابلغ وصف قرأته عن محصّلة الحرب الاخيرة بين حزب الله واسرائيل هو ما قاله احد المحللين السياسيين عندما كتب يقول إن حزب الله انتصر في حرب الارادة بينما كسبت اسرائيل حرب الابادة.
وما من شكّ في ان الضّرر الذي حلّ بلبنان جرّاء همجية اسرائيل ووحشيّتها كان فادحا بكل المقاييس البشرية والمادية.
ورغم ذلك فقد اصبح السيّد حسن نصر الله حديث الناس في كلّ البقاع العربية، فرجل الشارع المتعطّش لرؤية نموذج بطولي وسط كل هذه الهزائم والمرارات العربية وجد ضالّته في شخص زعيم حزب الله الذي اصبح ينافس عبدالناصر في ذروة صعوده وشعبيته ايام الستينات.
شخصيا لا اشعر بكثير ميل الى الاحزاب الايديولوجية او الدينية. وبرأيي ان الاحتفاء بالحياة وصون الموارد وادّخارها لتنمية الانسان وبناء الحضارة هو نقيض لثقافة الاستشهاد والموت التي تزدهر في الحروب التي لا تجلب سوى الموت والدمار. الحروب لا تحلّ المشاكل بل تعقّدها اكثر. وأظن الا بديل عن الحوار حتى مع الاعداء خاصة اذا كانوا اكثر تفوّقا منّا من الناحية العسكرية واشدّ قدرة على التدمير والفتك. إن مزارع شبعا وقصة الاسرى وغيرها من القضايا بالامكان حلّها بالوسائل السلمية وعن طريق التفاوض. اما الاصرار على مقارعة عدوّ بمثل اجرام اسرائيل وهمجيّتها وتفوّقها العسكري الكاسح فعمل لا يخلو برأيي من سوء التقدير والرغبة الجامحة في الانتحار الذاتي. إنني اتفهم منطق من يتحدّثون عن انجاز حزب الله لنصر معنوي مهم على اسرائيل، كما اقدّر عاليا شجاعة مقاتلي الحزب وبسالتهم الرائعة في التصدّي لجنود العدو وآلته العسكرية المدمّرة على نحو ما اشار اليه الصحفي البريطاني المخضرم ديفيد هيرست في الغارديان منذ يومين عندما كتب يقول ان حزب الله انجز ما لم تكن تحلم به الدول العربية مجتمعة. لكن هل يستحق لبنان المسكين كل هذا الدمار والقتل والخراب ثمنا لحرب كان يمكن تجنّبها منذ البداية بشئ من التبصّر والتأنّي والحكمة؟
في هذه الحرب رأيت مشاهد عبثية لا يمكن أن أنساها، وربما كان اهمها مشهد اجتماع بعض الساسة اللبنانيين مع كوندوليزا رايس وتبادل الابتسامات وتناول الطعام معها فيما كانت القنابل والصواريخ الامريكية الصنع تحصد ارواح اطفال قانا وتدمّر كلّ ما على الارض من حياة وبشر وحجر. العالم كله كان ينادي بوقف فوري لاطلاق النار بينما كانت امريكا وحدها وعلى لسان كلبتها الجرباء تصرّ على استمرار الحرب وتشحن الى اسرائيل المزيد من القنابل الذكية لايقاع اكبر قدر من القتل والتدمير بلبنان وشعبه.
القنوات التلفزيونية كانت لاعبا مهما في هذه الحرب. قناة الجزيرة، مثلا، كانت تغطيتها متميّزة وشاملة. قناة العربية لم يكن لها وجود بالمرّة خلال هذه الازمة. قناة المنار كانت هي الاخرى حاضرة حتى مع طغيان الجانب الحماسي والعاطفي على برامجها، وهو امر طبيعي ومفهوم في مثل هذه الظروف.
وحدها من بين كافة القنوات اللبنانية انفردت قناة LBC باتخاذ موقف مناوئ بوضوح للمقاومة اللبنانية. وقد صدمت القناة مشاهديها عندما بثّت طوال يومين مشاهد معادة تصوّر جنودا صهاينة وهم يأسرون بعض مقاتلي حزب الله. القنوات التلفزيونية الغربية تبنت في غالبيتها وجهة نظر اسرائيل وتجاهلت مناظر القتل والتدمير التي ارتكبها الاسرائيليون.
الصحف بدورها زخرت بالكثير من المقالات والتعليقات التي تناولت الحرب وجوانبها وخلفياتها بالتفصيل والتحليل. ولعل اهم تلك المقالات ما كتبه سيمور هيرش في النيويوركر عندما اكد ان الحرب كان مخطّطا لها من قبل ولم يكن اختطاف الجنديين سوى الذريعة التي استغلتها اسرائيل والولايات المتحدة لشنّ العدوان على لبنان.
وكان هناك مقال اخر حظي باهتمام خاص ونشر في جريدة النهار، وكاتبته اكاديمية لبنانية شيعية هي الدكتورة منى فيّاض التي اعتبر مقالها انتقادا صريحا ومباشرا لحزب الله وللذات الشيعية بشكل عام. وقد تناولت بعض الصحف الامريكية هذا المقال بالذات بالتعليق والتحليل، فيما اعتبر الكثيرون نشر المقال مؤشّرا على مدى تسامح حزب الله مع مخالفيه حتى وإن اتوا من ضمن دائرته.

Saturday, July 15, 2006

سعـودي جينز

قامت وحدة الإنترنت بمدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتكنولوجيا أمس بحجب اشهر مدوّنة سعودية تصدر بالإنجليزية.
ففي خطوة غير محسوبة ولا مبرّرة كما يبدو، بادرت المدينة بحجب مدوّنة سعـودي جـينـز Saudi Jeans عن قرّائها داخل المملكة دون أن تعطي أسبابا لذلك التصرّف.
والحقيقة أن القرار متسرّع وغير مبني على اعتبارات منطقية، علاوةً على انه يشكّل تعدّيا واضحا على حرّية التعبير وعلى حقّ الناس في الوصول إلى المعلومة والخبر.
كان الأخ أحمـد العمـران، صاحب المدوّنة، يتبنّى آراء ومواقف معتدلة وعاقلة إجمالا ولم يكن في ما يكتبه ما يمكن أن يصنّف على انه ضدّ الدين أو الأخلاق. ومعظم مواضيعه كانت تتناول ظواهر اجتماعية تكتب عنها الصحف المحلية بطريقة اكثر حدّة وأشدّ قوةً في معظم الأحيان.
فأين مبرّرات ودواعي الحجب يا ترى؟!
إن قرار المدينة بحجب أشهر وأكثر المدوّنات السعودية ذيوعا وانتشارا في الخارج سيثير علينا بلا شكّ ثائرة المنظّمات والهيئات العالمية المعنية بحرّية الإعلام والإنترنت التي لن تدع المناسبة تمرّ مرور الكرام، بل ستصعّد القضية في الأوساط الإعلامية وستتعامل معها باعتبارها قضية تمسّ حرية الرأي والتفكير.
اعتقد أن حجب سعودي جينز يثير قضية في منتهى الأهمية، إذ أن هناك فكرة خاطئة تسيطر على عقول بعض المعنيين بالرقابة على الإعلام عندنا، مؤدّاها أن كل مواطن سعودي يجب أن يكتب بالعربية ابتداءً. وإن حدث وكتب بالإنجليزية فالمتوقّع منه أن يكتب كلام مديح وثناء لا شكوى أو انتقاد، والمطلوب منه أيضا أن يعكس صورة إيجابية عن بلده ومجتمعه وألا يتناول بالحديث الجوانب أو الظواهر السلبية لكي لا تتشوّه صورة مجتمعنا "الطهراني والملائكي" في أعين العالم.
إنني أتصوّر أن الذين حجبوا سعودي جينز فعلوا ذلك وفي ذهنهم مثل هذه الفكرة الساذجة والخيالية والتي تعكس جهلا بواقع الإعلام في العالم. فخبراء ودارسو الإعلام في الغرب يرون في الكتابات التي تسلط الضوء على الظواهر السلبية والأماكن المظلمة في مجتمع ما دليلا على صحّة وعافية ذلك المجتمع ومؤشّرا على حيويته وقدرته على نقد نفسه وكشف عيوبه وإصلاح اخطائه، مع ما يعنيه ذلك ضمنا من تسامح أجهزة السلطة وتحضّرها وُرقيّ أساليبها في التعامل مع الصحافة والإعلام عموما.
إنني أضمّ صوتي هنا إلى أصوات بقية المدوّنين السعوديين الداعين إلى رفع الحجب فورا عن سعودي جينز، التي اعتبر صاحبها وبلا ادنى مبالغة نموذجا حضاريا ومشرّفا للشباب السعودي بثقافته وسعة اطّلاعه وحسّه الصحفي الممتاز. ومن الظلم الفادح أن نكافئ الناجحين والمتميّزين في بلدنا بكبتهم وإسكات اصواتهم استنادا الى حجج واهية وغير مقنعة.
كما نهيب جميعا بمدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتكنولوجيا "‍!" لأن تعيد النظر في سياسة الحجب وأن تخفّف من شهيّتها المستعرة هذه الأيام في حجب المواقع، والتي لم تسلم منها المواقع العلمية والطبية ولا حتى موسوعات المعارف أو مواقع الترجمة التي لا يستغني عنها طلبة العلم والباحثون عن معلومة أو فكرة مفيدة تعينهم في مجال تخصّصهم أو اهتمامهم.

Tuesday, June 13, 2006

لوحات عالمية

يمكن اعتبار أيّ عمل فنّي تحفة إبداعية عندما يتضمّن قيمة فكرية تبقى وتدوم مع مرور الزمن، وعندما يثير في المتلقّي إحساسا بالمتعة أو الاثارة والفضول.
ومنذ البداية، حرصت على أن تتضمّن مدوّنة اللوحات الفنية العالمية أشهر الاعمال التشكيلية في تاريخ الفن وأكثرها رواجاً وانتشاراً.
وكان هناك تركيز خاص على أن تكون الاعمال المختارة – التي قاربت الان المائة - ممثّلة لكافّة مدارس واتّجاهات وأساليب الفنّ النشكيلي وعصوره المختلفة.
وفي الحديث عن كلّ لوحة راعيت أن يكون الشرح مبسّطا ومختصرا ومفيدا دون تكلّف أو استدعاء للاساليب الاكاديمية الجافّة والمعقّدة.
وقد قال لي صديق منذ أيّام ان ما تتضمّنه مدوّنة الفنّ التشكيلي من معلومات فنّية قيّمة يعدّ جهدا متميّزا على مستوى المواقع الالكترونية العربية التي تعنى بالفن التشكيلي، اذ يندر أن تجد في موقع واحد كلّ هذا العدد الكبير من الاعمال الفنية العالمية مع شروحات مبسّطة عن كلّ لوحة وعن صاحبها. وهو ما يطمح اليه كلّ من يريد أن يعرف شيئا ولو بسيطا عن الفنّ التشكيلي.
وربّما يلاحظ زائر هذه المدوّنة ان اللوحات المختارة ضمّت اعمالا لفنّانين أحياء وهو أمر ركّزت عليه منذ البداية لانه يشكّل جزءا من قناعتي بأن الفنّ الخالد والمتميّز ليس شرطا ان يقتصر على من مات من الرسّامين. وليس من المعقول ان نتوقّف عند دالي، آخر من توفّي من جيل الفنّانين الكبار "1989"، ونتجاهل من ظهروا بعده من الرسّامين الذين ظلّوا ينتجون ويبدعون ويتفوّقون. ولهذا اخترت لوحات لعدد من الرسّامين الأحياء انطلاقا من قناعتي بأن الابداع نهر طويل ومتشعّب وكلّ ينهل من هذا النهر بقدر اجتهاده ومقدرته.
والحقيقة أن المشهد الفني التشكيلي العالمي يضمّ اليوم العديد من الرسّامين المتميّزين وكلّ منهم يستحقّ ان يُفرد له المجال للحديث عنه وعن أعماله. وقائمة هؤلاء طويلة، لكن يمكن الاشارة في هذا المقام الى بعض الاسماء مثل رون هيكس Ron Hicks ، ومورغان ويسلنغ Morgan Weistling، ودوغلاس هوفمان Douglas Hofmann ، وايشا فان دن بوغيرد Escha van den Bogerd ، وفابيان بيريز Fabian Perez ، وهنري اسنشيو Henry Asencio ، وبينو ديني Pino Daeni ، وفريدون رسولي Freydoon Rassouli ، وويليام ويتيكر William Whitaker ، وخوسيه رويو Jose Royo ، وأخيرا وليس آخرا رومان فرانسيس Roman Frances الفنّان الاسباني الرائع الذي يملك موقعا جميل الاخراج بالاضافة إلى مدوّنته الشخصية التي أدرجتها ضمن روابط هذه المدوّنة.
لقد بدأت فكرة "لوحات عالمية" في منتديات النقاش الاليكتروني. لكن نظرا إلى أن طبيعة تلك المنتديات سريعة وموّقتة ولأن كثيرا منها يبدأ ويختفي دون سابق انذار، فقد استقرّ الرأي على أن تُخصّص مدوّنة قائمة بذاتها لتضمّ تلك السلسلة بشكل دائم كي تشكّل اطلالة سريعة لكلّ من يرغب في الاطلاع ولو بشكل مختصر على بعض جوانب تاريخ الفنّ التشكيلي في العالم.

Monday, May 22, 2006

ليس بالوعظ وحده

طوى صاحبي الجريدة ودفعها أمامه على الطاولة ثمّ قال وهو يشعل سيجارته بعصبيّة:
كلّما قرأت حديثا لاحد المشايخة هذه الأيام كلّما ترسّخت في ذهني صورة الإله كما تعكسها الآداب والفنون القديمة: شيخ ضخم بلحية طويلة وعينين ينبعث منهما الشّرر وليس له من همّ أو شغل سوى إرسال الصواعق والفيضانات والكوارث إلى بني البشر عقاباً لهم على خطاياهم وذنوبهم وآثامهم.
قلت: خيراً إن شاء الله.
قال: في هذه الجريدة حديث لأحد المشايخ عن كارثة سوق الأسهم. وقد ذكر أن شخصاً أتاه يشكو له سوء حاله وتردّي أوضاعه المالية بعد أن فقد كل ما يملك في سوق البورصة. وقال الشيخ انه سأل الرجل: يا فلان، هلا سألت نفسك ما إذا كنت قد ظلمت أحدا من الناس فانتقم الله منك بأن جعلك تخسر أموالك في السوق. وعلى ذمة الشيخ، ما هي إلا لحظات حتى خرّ الرجل أمامه وأجهش بالبكاء وهو يقول: أي والله. قد ظلمت أختي واستوليت على مالها دون وجه حقّ. فردّ عليه الشيخ: إذن هذه بتلك، فاستغفر لربّك الآن وبادر بالتوبة وانتهِ عن الظلم!
قلت: ربّما كان ما رواه الشيخ صحيحاً.
قال: لكنّه يقول ضمناً إن ملايين الناس الذين خسروا أموالهم في السوق هم أناس ظلمة وأن ما أصابهم هو عقاب من الله.
قلت: قد يكون ما حدث هو عقاب من الله فعلا. من يدري!
قال: لكن ما ذنب الفقراء والمساكين الذين أصابتهم خسارة مضاعفة جرّاء ما حصل. ثم لماذا يسكت هؤلاء المشايخة عن لوم من تسبّبوا حقّاً في انهيار السوق ولا يتحدّثوا عن ظلمهم وجشعهم وموت ضمائرهم؟
قلت: ربّما يرون أن تلك هي مهمّة المحلّلين وخبراء الاقتصاد الذين ينظرون إلى الأمور من منظور علمي وشامل. ولا تنس أن أحاديث الوعظ والإرشاد موجهّة بالأساس إلى جموع البسطاء والعوامّ لامتصاص غضبهم وتخفيف نقمتهم، وهؤلاء يجدون في مثل هذا الكلام ما يعزّيهم في خسارتهم من خلال استدعاء فكرة التطهّر من الذنوب وثنائية الثواب والعقاب والتذكير بأن الدنيا دار الفناء والآخرة دار البقاء "وللآخرة خير وأبقى".
قال: لكن هذا النوع من الوعظ يبرّئ الجناة ويدمغ الضحايا المساكين بالظلم. وأغرب من هذا كله الإيحاء بأن من خسروا في السوق كانوا كلهم ُظلاماً. وهذا لا يستقيم مع العقل والمنطق كما أن فيه تشكيكاً بمدى إحساس الخالق بالعدالة، وكأن الله يجري انتقامه على الظالم والبريء معاً.
قلت: على كلّ، ما حدث قد حدث فعلا ولا رادّ لقضاء الله. ودور المشايخ في هذه الحالة هو تهدئة الناس وضبط تصرّفاتهم الانعكاسية من خلال دغدغة مشاعرهم الدينية، وبذا تتمّ السيطرة عليهم وكبح ردود أفعالهم. وأنا لا أقول إن هذا أمر سيئ. فلولا هذا الأسلوب لرأينا الكثير من مظاهر العنف والاضطراب التي عمّت بلدانا كثيرة عقب أحداث مشابهة فنشرت الفوضى وأشاعت الخراب.
قال: لكن ليس هناك من ضمانة على أن هذا الأسلوب يجدي دائماً.
قلت: هذا صحيح. فالأثر التراكمي للشعور بالإحباط واليأس وخيبة الأمل قد يدفع بالناس خارج دائرة ضبط النفس ويفقدهم السيطرة على انفعالاتهم مهما حاول الوعّاظ عكس ذلك. والأفضل أن ُيسمح للناس بالتنفيس عن غضبهم واستيائهم بأساليب سلمية وحضارية. وهذا لا يتحقّق سوى بتفعيل مؤسّسات المجتمع المدني وإيجاد المزيد من قنوات الرأي والتعبير، وفوق هذا وذاك بالمساءلة والمحاسبة وسنّ القوانين التي تساوي بين الناس وتوقف المتنفّذين والجشعين عند حدّهم وتضمن تكافؤ الفرص وتكفل لكل ذي حقّ حقّه.

Monday, May 15, 2006

حوكمة و توجرة و صوملة

من وقت لاخر نطالع المزيد من المصطلحات والتعابير والمفردات الجديدة التي تفرضها التطوّرات والنظريات والأحداث المستجدّة.
ومن بين المصطلحات الجديدة التي دخلت أدبيات الاقتصاد والتي لا بدّ وانّ الكثيرين لاحظوا رواج استخدامها في الفترة الأخيرة مصطلح "حوكمة الشركات".
وفي التغطية التي تخصّصها القنوات التلفزيونية المهتمّة بأخبار وتطوّرات الأسهم يرد هذا المصطلح دائما، خاصةً على ألسنة المحللين الماليين وخبراء الاقتصاد.
سألتُ زميلا متخصّصا في الاقتصاد عن معنى المصطلح ودلالته فقال إن حوكمة الشركات Corporate Governance مصطلح اقتصادي حديث نسبيا، وهو يعني إخضاع الشركات المساهمة للقوانين الرسمية التي تفرض المراقبة والمتابعة وضمان أن تتّسم بيانات تلك الشركات وممارساتها الإدارية والمالية بأقصى درجات الإفصاح والشفافية حمايةًً لحقوق المساهمين فيها.
ومن بين المصطلحات المستجدّة نسبياً ما يعرف بالـ Commercialization وهو يعني إدارة المنظمات والمؤسّسات الحكومية على أسس تجارية Profit-oriented ابتغاء تحقيق الربح. والمقابل العربي طويل جدا كما هو واضح، ولا أدري لماذا لا يستعاض عن هذا الشرح المملّ بكلمة واحدة هي التوجرة على وزن العولمة والحوكمة وسواهما.
من الواضح أن العربية لغة ثريّة ومرنة وقادرة على توليد المفردات والاشتقاقات الجديدة. وكلّ المفردات والمصطلحات التي نقلت إلى العربية من اللغات الأخرى، خاصة الإنجليزية، وجدت طريقها للتداول والاستخدام على نطاق واسع وأصبحت تقترن في الأذهان بمعانيها ودلالاتها الأصلية.
ومن أمثلة ذلك في علم السياسة البلقنة والافغنة واللبننة، وكلّها مفردات أصبحت تدلّ على التفتيت والتقسيم المرتبط بالصراعات والحروب الأهلية.
وأختم بتعليق طريف قرأته في أحد المنتديات الإليكترونية عن مصطلح الصوملة، إذ ربط الكاتب الساخر بين المصطلح وحادثة انهيار سوق الأسهم في المملكة. وقال إن الرئيس الصومالي بعث ببرقية إلى رئيس هيئة سوق المال بالمملكة يهنّئه فيها على الجهود المضنية التي بذلتها الهيئة من اجل "صوملة" الشعب السعودي!
وعلّق كاتب آخر على تلك الملاحظة الطريفة بقوله انه كان يتعيّن على الرئيس الصومالي أن يبعث رسائل مماثلة لوزير المالية ورئيس مؤسّسة النقد وغيرهما لأن في ذلك اعترافا بفضل هؤلاء وتنويها بجهودهم وأدوارهم العظيمة في عملية الصوملة تلك التي نتج عنها إفقار ملايين المساهمين الذين تبخّرت مدخّراتهم المقدّرة بأكثر من ترليون ريال في فترة قياسية لا تتجاوز بضعة أسابيع في ما اصبح يسمّى الآن بسرقة القرن.

Friday, May 12, 2006

شذى الأندلس

ازدانت البيئة الأندلسية بعدد غير قليل من النساء الشاعرات اللائي اسهمن في إثراء الأدب الأندلسي بألوان طريفة من موضوعات الشعر ومقطوعات القصيد.
ويرى د. مصطفى الشكعة أن ما تركته شاعرات الأندلس من اثر لا ُيمحى في مسيرة الشعر هناك يعد أمرا بيّنا، وليس أدلّ على ذلك من أنّهن فرضن وجودهن فرضا على موكب الشعر في الأندلس فكنّ فيه كأزهار الشقائق بلونها الزاهي الأرجواني تشرئب مميّزةً مختالة وسط بساط الاقاح الذي يغطي السهول ويوشّي السفوح مع إطلالة الربيع.
وقد تمتّعت المرأة في مجتمع الأندلس بكامل حرّيتها في بيئة جديدة لم ترتبط تقاليدها بأثقال وقيود كتلك التي ارتبطت بها بيئة المشرق.
ومن هنا شاركت المرأة في كل فنون الشعر وأبوابه فكانت تتغزّل في الرجل تماما كما يتغزّل الرجل فيها وكانت تلحّ في إغرائه وتصف محاسنها وتذهب إليه زائرة تطرق بابه وتنادمه.

فأميرة المريّة مثلا كانت تقول غزلا رقيقا لكنه جرئ تقوله في فتى .. لكنها هنا اكثر جرأة وأعلى صوتا:
ألا ليت شعري هل سبيل لخلوة
ُينزّه عنها سمـع كل مراقـب
ويا عجبا اشتاق خلـوة من غدا
ومثواه ما بين الحشا والترائب!
ولم يكن الفتى الذي اخرج الأميرة أمّ الكرم عن أناتها وكتمانها واحتشامها سوى فتى من فتيان قصر أبيها عرف بالسمّار، وهاهي تصف جناية الحب وما فعله بها:
يا معشر الناس ألا فاعجبوا
مما جنتـه لوعـة الحـبّ
لولاه لم ينزل ببـدر الدجى
من افقه العلــوي للتُربِ
حسبي بمن أهواه لو انــه
فارقني تابعـــه قلبـي!

وهذه نزهون الغرناطية تطمئن الوزير أبا بكر بن سعيد على مكانته من قلبها، وكان بينهما روابط عشق، وتؤكد له انه الحبيب المقدّم الذي يحتل مكان الصدارة من ودّها ومشاعرها:
حللــت أبا بـكر محـلا منعتـه
سواك وهل غير الحبيب له صدري
وإن كان لي كم من حبيـب فإنـما
يقـدّم أهل الحق حـبّ أبي بكر!

أما ولادة فكانت مالئة الدنيا وشاغلة الناس، وكانت أخبارها مثيرة في حياتها كما كانت أشعارها أثيرة لدى الناس، فقد روى كثرة من مؤرّخي عصرها أنها كتبت بالذهب على عاتقها الأيمن:
أنا والله أصلــح للمعــالي
وامشي مشيتي وأتيـه تيــها
وكتبت على العاتق الأيسر:
وُأمكِنُ عاشقي من صحن خدّي
وأعطي قبلـتي من يشتهيـها!

وهاهي ولادة تهيم بالشاعر الملهم بن زيدون فتكتب إليه:
ترقب إذا ُجنّ الظــــلام زيارتي
فإني رأيتُ الليـل اكتــمَ للســرّ
وبي منك ما لو كان بالشمس لم تلحْ
وبالبدر لم يطلع وبالليــل لم يسرِ!
ويقول بن زيدون بعد لقاء ولادة:
ودّع الصبر محبّ ودعــك
ذائع من سرّه ما استودعـك
يا أخا البــدر سنـاءً وسناً
حفظ الله زمـانا أطلــعـك
إن يطــل بعدك ليلي فلكم
بتّ أشكو قصر الليل معـك!

وتكثر اللقاءات بين العاشقين وتجري بينهما أسمار يتخللها عزف جوار وغناء قيان. وكان منتدى ولادة عامراً بالشعر والموسيقى والغناء، وكان لها جارية سوداء عذبة الصوت. ويبدو أن بن زيدون استحسن غناءها فأخذ يلتمس منها إعادة اللحن، وهنا تتحرّك غيرة المرأة المحبّة في خاطر الشاعرة الأميرة فتنشئ أبياتا تدافع فيها عن جمالها وكبريائها:
لو كنت تنصـف في الهـوى
لم تهوَ جاريتي ولم تتخيّــرِِ
وتركتَ غصنا مثمرا بجمـاله
وجنحتَ للغصن الذي لم يثـمرِ
ولقد علمتَ بأنني بدر الـدجى
لكن ُدهيتُ لشقوتي بالمشتري!

ثم تقول شاكية فراق صاحبها بن زيدون وقد غاب عنها بعض الوقت:
ألا هل لنا من بعد هذا التفــرّق
سبيل فيشكو كل صبّ بما لقــي
وقد كنتُ أوقات التزاور في الشتا
أبيتُ على جمر من الشوق محرقِِ
تمرّ الليالي لا أرى البين ينقضـي
ولا الصبر من رقّ التشوّق معتقي
سقى الله أرضا قد غدت لك منزلا
بكل سكوب هاطل الوبـل مغدقِِ!

أما مهجة القرطبية فرغم جودة شعرها إلا أنها كانت من الخلاعة في القول والفحش في الشعر ما جعلها تذهب في تعبيراتها مذاهب تنال من عفة قائلتها وتخدش حياء سامعها، وليس في ما هو متوفّر من شعرها ما يصلح للنشر غير هذين البيتين:
لئن حلأت عن ثغرها كل قائـم
فما زال يحمي عن مطالبه الثغرُ
فذلك تحميه القواضــب والقنا
وهذا حماه من لواحظها السحرُ!

وفحش القول عند مهجة لم يكن قصرا على الغزل أو الهجاء بل كان يجري على لسانها سليقةً وطبيعة.
أهدى إليها صديق خوخاً وكان متوقّعا منها أن تقول تعليقا عذبا ورقيقا لتلك الفاكهة اللذيذة فضلا عن كلمة شكر لصاحب الهدية، وفعلا قالت في أول أبياتها:
يا متحفاً بالخوخ أحبابـه
أهلا به من مثلج للصدور

ورغم رقّة البيت إلا أن البيت الذي يليه يلطم المشاعر ويخدش الحياء من وقاحة تشبيهه وبذاءة معانيه!

وهذه حفصة الركونية تعبّر للوزير الوسيم أبي جعفر عن ولعها به ونهمها إلى حبّ يدفع بها إلى الغيرة ثم ينتقل بها من مرحلة الغيرة إلى مرحلة الأثرة والأنانية:
أغار عليك من عيني رقيبي
ومنك ومن زمانك والمكـان
ولو أني وضعتك في عيوني
إلى يوم القيامة ما كفانــي!

وفي حبّ أبي جعفر هذا تفقد حفصة دلال المرأة وكبرياءها، فالمرأة مهما لجّ بها العشق والصبابة فإنه يجمل بها أن تكون المطلوبة لا الطالبة والمعشوقة لا العاشقة، لكن حفصة تضرب بذلك كله عرض الحائط ويستبد بها العشق إلى صاحبها وربما لم يكن مضى على فراقهما وقت طويل فتبعث إليه بهذه الأبيات:
أزورك أم تــزور فإن قلبي
إلى ما تشتهي أبـدا يميــل
وقد ُامّنت أن تظمى وتضحى
إذا وافى إليّ بـك القبــول
فثغـري مورد عـذب زلال
وفـرع ذؤابتـي ظلّ ظليـلُ
فعجّل بالجـواب فما جميـل
أناتك عن "بثينة" يا "جميـل"!

على أن حفصة في أبياتها الجميلة السابقة قد وضعت معشوقها في موضع التخيير "أزورك أم تزور"، ولكنها هذه المرة لا تفعل ذلك وإنما تذهب إليه بنفسها مقتحمة وتطرق بابه في جرأة وتبعث إليه ببطاقة كتبت عليها شعرا يتدفق إثارةً وتحريضاً:
زائــر قد أتى بجيد الغزالِ
مطلع تحـت جنحـه للهلالِ
بلحاظ من سحر بابل صيغت
ورضاب يفوق نبت الدوالـي
يفضح الورد ما حوى منه خدّ
وكذا الثغـر فاضــح للآلي
ما ترى في دخــوله بعدَ إذنِ
أو تراه لعارض في انفصالِ؟!

إن الشاعرة العاشقة جريئة في طرق باب معشوقها والسعي إليه وهي مثيرة محرّضة في أبياتها تلك التي تصف فيها نفسها مبديةً مفاتنها مفصّلةً محاسنها وهي مع ذلك كله مهذّبة متذلّلة في طلب الأذن بالدخول.
فأيّ نوع من الشعراء كان هذا الوزير المطارَد؟
لقد كان إنسانا هادئا شاعرا متّزنا، فلنستمع إليه يقصّ قصّة ذهاب حفصة إليه وطرقها بابه وظروف انشغاله آنئذ وكيف تلقاها واستقبلها..

يقول أبو جعفر:
اقسم ما رأيتُ ولا سمعتُ مثل حفصة، ومن بعض ما اجعله دليلا على تصديق عزمي وبرّ قسمي أني كنتُ يوما في منزلي مع من يجب أن يخلى معه من الاجواد الكرام، وإذا بالباب يضرب فخرجت جارية تنظر من الطارق فوجدت امرأة فقالت لها: ما تريدين، فقالت: ادفعي إلى سيّدك هذه الرقعة، فجاءت برقعة فيها:
زائر قد أتى بجيد الغزال – الأبيات
فعلمتُ أنها حفصة وقمت للباب وقابلتها بما يقابل به من يشفع له حسنه وآدابه والغرام به وتفضّله بالزيارة..

وكان أبو جعفر على حبّه الشديد لحفصة في نهاية من الاتزان قولا وسلوكا، وكانت هي في منتهى الرعونة قولا وسلوكا. إن غزلها بالرجل فاق غزل كل الرجال بالنساء، وأيّ شاعرة أنثى تفوق حفصة في قولها هذا في الغزل:
ثنائـي على تلك الثنــايا لأنني
أقول على علـم وانطق عن خبرِ
وانصفـها لا اكذب الله إننــي
رشفتُ بها ريقا أرقّ من الخمرِ!

لقد كان أبو جعفر ملكا يجلس على عرش قلب حفصة، وكان هناك ملك آخر يجلس على عرش الحكم ويطمع في عرش ذلك القلب فلم يفلح في أحلامه، فلم يكن يملك مؤهّلات تمهر قلب الشاعرة، فاستغل سلطانه وأزاح منافسه من أمامه قتلا. وهناك بيتان لحفصة ُيعتقد على نطاق واسع انهما ما صدرا عنها إلا رثاءً للوزير الشاعر الرقيق العاشق المعشوق:
ولو لم تكن نجما لما كان ناظري
وقد غبت عنه مظلما بعـد نورهِ
سلام على تلك المحاسن من شجِّ
تناءت بنعماه وطيب سـرورهِ

Sunday, May 07, 2006

تصريحات الترابي

لعلّ افضل ما فعلته تصريحات الدكتور حسن الترابي الأخيرة هو أنها سلّطت الضوء على بعض مناطق النقاش المحرّمة وأثارت الجدل من جديد حول بعض المسائل الخلافية المتعلقة بالفقه والفكر الإسلامي بشكل عام.
ومن الطبيعي أن يهاجم حرّاس النصوص الجامدة ممّن ربطوا أفئدتهم وعقولهم بأقفال، من الطبيعي أن يهاجموا الدكتور الترابي ويزعموا – كذبا طبعا – أن آراءه التنويرية تلك تشكّل انتهاكا للدين وكسراً لبيضته.
على كلّ، أنا اعتقد أن الدكتور الترابي يستحقّ ألف تحية على جرأته وشجاعته في المجاهرة بآرائه رغم علمه بأن السفهاء لن يتردّدوا في قذفه بالحجارة عندما قرّر أن يفكر خارج الصندوق. الترابي – وأقول هذا عن قناعة ويقين – رجل شجاع وهو يبدع ويصيب الهدف بدقّة عندما يخرج من بحر السياسة ويلبس إهاب المفكّر.
وأرى أن الدكتور الترابي وأمثاله من المفكّرين الإسلاميين الداعين إلى تجديد الفكر الديني مثل محمد اركون ونصر حامد أبو زيد وجمال البنّا وغيرهم، هؤلاء هم اكثر غيرةً وحرصا على الإسلام من أصحاب الأفكار السلفية الظلامية، لأنهم أدركوا أن التفسيرات الجامدة للنصّ الديني هي التي أوصلت الإسلام اليوم إلى هذا المأزق الأخلاقي والحضاري الذي يعيشه نتيجة انعدام الآليات والوسائل التي يمكن من خلالها أن يتواءم مع روح العصر ويواكب ما يموج به العالم من تحدّيات وأفكار ومتغيّرات.
الإسلام على أيدي العديد من رموزه واتباعه اصبح مقترنا في أذهان العالم بالعنف والإرهاب والجمود والاستبداد والفساد وإهدار إنسانية النساء. وما قاله الترابي هو صرخة احتجاج على تغييب العقول وخطوة أخرى متقدّمة على طريق إعادة الوجه الإنساني للإسلام وتحريره من الأوهام والأباطيل التي الصقها به فقهاء السلطان والانتهازيون والمرجفون.

Tuesday, May 02, 2006

كلّ يعظم دينه

قال لي صاحبي الذي لا يعجبه العجب ولا يتردّد في تحليل الأمور والظواهر بطريقته الخاصة والغريبة أحياناً:
اليوم رأيتُ لافتةً كبيرةً منصوبةً في زاوية بأحد الطرق الرئيسية تقول: لقد جاءوا إلى بلادنا وهم كفّار، فلماذا لا يعودوا لبلدانهم وهم مسلمون.
ويبدو أن الذين وضعوا تلك اللافتة هناك لا يدركون طبعا مدى التأثير السلبي الذي تتركه في نفس كلّ من يراها ويعرف معناها من غير المسلمين الذين يعيشون بيننا.
قلت: المشكلة أن وصم كل من يخالفنا في الدين بالكفر، هكذا وبهذه الطريقة السافرة والمستفزّة، لا يمكن إلا أن يرسّخ في أذهان الكثيرين صورة بلدنا كما ينقلها الإعلام الخارجي الذي لا يكلّ ولا يملّ هذه الأيام من الحديث عن انعدام الحريات الدينية في المملكة.
قال: أعرف زميلا آسيويا اعتنق الإسلام مؤخّرا وقد نقل عنه رفاقه انه فعل ذلك ليس عن اقتناع أو إيمان حقيقي، وانّما طمعا في أن يحظى بغرفة مستقلة وراتب وطعام افضل.
وكان له ما أراد.
قلت: أنا لا ألوم الذين يعلنون اعتناقهم للإسلام هنا طمعا في منفعة ما أو معاملة افضل، فهم أذكياء ولا شكّ وقد درسوا ثقافتنا جيّدا ورأوا مجتمعاً غارقاً حتى أذنيه في هستيريا الدروشة الجماعية وعرفوا كيف أننا نحتفي بقشور الدين دون جوهره، وأدركوا أن المسلم وإن كان خاملا كسولا افضل من غير المسلم وإن كان في غاية الجدّ والالتزام في عمله.
قال: مشكلة المسلمين لا تكمن في أن عددهم قليل، بل هم كثرة كاثرة.
قلت: ولكنّهم بمقاييس النهوض والتقدّم والحضاري في ذيل قائمة الأمم، بسبب الجهل والفقر والأميّة وغيرها من علامات التخلّف. المشكلة ليست في العدد بل في النوعية، في الكيف لا الكمّ.
قال: ومع ذلك كثيرا ما نسمع الوعّاظ يشكون إلى الله ضعف المسلمين وهوان أمرهم بالرغم من كثرتهم، في حين أن الربّ سبحانه منشغل بقضايا أهمّ وأعظم من هذه الشكاوى الساذجة، من قبيل معالجة ثقب الأوزون والحفاظ على توازن المجرّات والكواكب كي تستمرّ الحياة وتستقيم أمور الكون.
قلت: أرى انك تشتطّ كثيراً وتبتعد عن مسار الحوار. بدأت بالحديث عن اللافتة وأنت الآن تتحدّث عن الأوزون والمجرّات! ومع ذلك فأنا مع من يقول بأن التبشير لأيّ دين من الأديان هو ضرب من ضروب العبث وممارسة لا تدلّ سوى على ارتكاس في الأفهام وخواء في العقول.
قال: المشكلة أن كل فئة تمارس التبشير تزعم أن دينها هو وحده الصحيح وأنها حريصة على أن يدخل الناس كلّهم الجنّة. مع أن أحداً لا يمكنه أن يتخيّل كيف سيكون عليه حال الجنّة من فوضى وازدحام إذا اصبح الناس كلّهم مهتدين.
قلت: يخيل إليّ أحيانا أن أهداف المبشّرين من أيّ دين تتناقض مع ما أراده الله سبحانه وتعالى الذي اقتضت حكمته أن يخلق الناس مختلفين في عقائدهم وأعراقهم ودياناتهم وألزمهم - بالرغم من ذلك - بأن يتحابّوا ويتقاربوا ويتعاونوا.
قال: لو أنّ المسلمين يكفّون عن تصنيف العالم ما بين مسلمين أو كفّار لانصلحت أحوالهم ولاختفت الكثير من الظواهر السلبية في حياتهم. يجب أن يكون عنصر المفاضلة في الأساس ما بين الخير والشرّ.
قلت: بدلا من تضييع الجهود والأموال في إقناع الآخرين بدخول الإسلام، لماذا لا ينصرف العمل إلى توعية المسلمين أنفسهم بترك التعصّب والغلوّ، وان يصنع كل فرد من نفسه أنموذجا ُيقتدى به في التسامح واحترام معتقدات الآخرين كي نحبّب الغير إلى ديننا بدل أن يكرهوه وينفروا منه بسبب وساوس البعض منّا وميلهم الغريزي إلى كراهية المخالفين وإقصائهم وتكفيرهم.

Thursday, April 27, 2006

تخاريف التراث

كلّ الذين هاجموا الدّين الإسلامي أو حاولوا تشويهه وكلّ من سيسعى مستقبلا لارتياد هذا الطريق ما عليه إلا أن يقرأ في كتب التراث والمفسّرين ورواة الأحاديث النبوية والتراث ليختار منها أسانيدها التي تدعم فكره وموقفه ووجهة نظره‏.‏
جريدة الأهرام المصرية نشرت مقالا للكاتب عبده مباشر يدعو فيه إلى ضرورة الإسراع في تنقية كتب التراث مما تتضمّنه من خزعبلات وأساطير تتنافى مع العقل وتصادم المنطق، حتى لا يتخّذها الخصوم سلاحا يشوّهون به الإسلام..

اقتصر جهد علماء الدين الإسلامي المتشدّدين منهم وغير المتشدّدين على إطلاق الحملات ضدّ من هاجموا وعملوا على تشويه الدين الإسلامي‏،‏ ولم يفكّروا في إعادة النظر في كتب التراث لتنقيتها من الشوائب ومن كلّ ما يتعارض مع نصوص القرآن والمنطق‏.‏
وكما هو معروف فإنّ هذا التراث ليس نصّا إلهيا بل هو عمل من أعمال بشر‏،‏ وأيّا ما كانت أوزانهم أو أقدارهم أو تاريخهم فإنهم جميعا ليسوا من المعصومين‏،‏ ولا يمكن أن تكون أعمالهم معصومة بأيّة صورة من الصور‏.‏ وإعادة النظر في كتب التراث أصبح الآن ضرورة لا تحتمل التأجيل‏،‏ وإذا كان من المستحيل على فرد أن يقوم بذلك فإن المؤسّسة الدينية يمكنها تحمّل هذه المسئولية‏.‏ وهنا لا أقترح مؤسّسة بعينها‏،‏ ولكن الباب مفتوح أمام المؤسّسة الإسلامية التي ترى أنها مؤهّلة لإنجاز هذه المهمّة‏.‏
وما أطالب به الآن سبق أن طالب به مفكّرون إسلاميون وعلماء وغيورون على الدين والقرآن والسنّة‏.‏ ومن آخر الأصوات التي طالبت وتطالب بذلك مجموعة من المفكّرين المعاصرين من بينهم عبد الفتاح عساكر الذي أعدّ دراسة غير منشورة حول هذه القضية وإن كان قد نشر صفحات منها خلال الفترة الماضية‏.‏
وللتدليل علي ضرورة وأهمية هذا العمل‏،‏ سأختار سطورا من كتب التراث‏.‏ وأحبّ أن أوضّح أن هناك ما لا يمكن نقله إطلاقا لما فيه من فجاجة وتجاوز في المعنى واللفظ‏.‏ يقول المولى جلّ وعلا في كتابه الكريم "وجاء ربك والملك صفا صفا". الفجر ـ آية‏ 22‏
فيقول البخاري ومسلم وغيرهما: فيأتيهم الله تبارك وتعالى في صورة غير صورته التي يعرفون فيقول أنا ربّكم‏،‏ فيقولون‏‏ نعوذ بالله منك‏،‏ هذا مكاننا حتى يأتينا الله‏‏ فإذا جاء ربّنا عرفناه‏.‏
فيأتيهم الله تعالى في صورته التي يعرفون‏،‏ فيقول‏‏ أنا ربكم‏،‏ فيقولون‏‏ أنت ربّنا‏،‏ فيتّبعونه‏.‏
والخلل واضح فيما قاله البخاري ومسلم ومن سار على نهجهما‏،‏ فهل للمولى صورة يعرفها الناس؟ بالطبع لا‏.‏ وهل يبلغ الاجتراء على الله بالقول‏،‏ انه يأتي عباده متنكّرا؟
لقد قال المولى عن نفسه "ليس كمثله شيء" وهو القائل: "فلا تضربوا لله الأمثال". وفي موضع آخر يقول البخاري ومسلم وأهل الحديث‏: لا تزال جهنّم يلقى فيها وتقول‏‏ هل من مزيد‏،‏ حتى يضع ربّ العزّة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول‏‏ قط قط.
وقد قبل عدد من الرواة هذا الحديث وبدءوا في تأويله ولم يتساءلوا‏‏ هل للمولى قدم؟
ولم يتبيّنوا ما في ذلك من إخلال بتنزيه المولى تبارك وتعالي‏،‏ وما في ذلك من انتقاص للخالق‏.‏
وروى الترمذي وابن حنبل والطبري والبيهقي وغيرهم هذا الحديث: والذي نفس محمّد بيده لو أنّكم دلّيتم رجلا بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله! ومن أمثلة هذه الأحاديث أن آخر وطأة وطأها الله تعالى كانت بمدينة الطائف.
وان الرّب سيطوف في الأرض بعد خرابها وقد خلت عليه البلاد.
وان الله خلق الملائكة من نور صدره وذراعيه.
وان الله خلق وجه آدم على صورة وجه الرحمن. وعن خليل الرحمن إبراهيم أبي الأنبياء قال البعض: إن إبراهيم سيستغفر ويشفع لأبيه الكافر يوم القيامة فيأبى الله‏،‏ ويتحوّل أبوه إلى ضبع يتلطّخ في نتنه!
أما نبيّ الله ورسوله موسى فقد شرحوا قوله تعالى: "وكان عند الله وجيها" بقولهم: إن الوجاهة هي أن خصيتي موسى ليس بهما فتاق وأن حجمهما طبيعي‏!
‏ وفي رواية أخرى ذكروا أن موسى عليه السلام ضرب ملك الموت حتى فقأ عينه‏،‏ وعاد إلى الله أعور لمجرّد أن الله أمره بقبض روحه‏!‏ وقال البخاري عن سيّدنا سليمان أنه قال‏:‏ لأطوّفن الليلة بمائة امرأة، وصحّح لهم آخرون وقالوا إنه قال‏:‏ لأطوّفن الليلة على تسعين امرأة‏..‏ وقال آخرون‏،‏ إن العدد سبعون أو ستّون امرأة‏!.
نبيّ الله سليمان عند أهل الحديث يعلن على الملأ أنه سيجامع في ليلته هذا العدد من النساء‏.‏ فهل يمكن قبول أن ينطق الرسول المصطفى نبيّ العفّة بمثل هذا الهراء؟!
ولكنهم لم يتوقّفوا عند ذلك الحدّ بل قال مسلم وابن حنبل‏: إن النبيّ صلي الله عليه وسلم كان ينظر إلى النساء الأجنبيات فتعجبنه‏،‏ فيأتي إلى واحدة من نسائه ليقضي حاجته من النساء‏،‏ ويتزيّدون فيقولون: مرّة أتى هذه ومرّة آتى تلك‏! ونعود لنتساءل‏،‏ ألا يستحقّ الأمر تنقية كتب التراث من هذا الهزل؟ ولم يتوقّف رواة الحديث وكتّاب التراث أمام قول الله تعالي عن رسوله المصطفى: "ولو كنت فظا غليظ القلب لا نفضوا من حولك"‏،‏ فيقول البخاري ومسلم وغيرهما إن نساء قريش قلن لعمر بن الخطاب‏: أنت أغلظ وأفظ من رسول الله‏..‏ أي أن النبيّ حاشا لله فظّ وغليظ‏،‏ وعمر أفظ وأغلظ منه‏!‏ وامتدّت الإساءات إلى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول تبارك وتعالي: "ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين"، وفي رأي الترمذي وأبي داود وابن ماجه أن المستقدمين هم بعض الصحابة كانوا يتقدمون إلي الصفوف الأولى للصلاة حتى لا يروا النساء‏،‏ أما المستأخرون فهم بعض الصحابة‏،‏ كانوا يتأخّرون إلي الصف الأخير من صفوف الصلاة لكي "يبصبصوا" إلى النساء من تحت آباطهم عند الركوع في الصلاة وقالوا إن ذلك هو سبب نزول الآية‏!‏
ويبلغ التخريف مداه عندما يقول البخاري والنسائي‏: إن الشيطان علّم كلا من أبي هريرة ومعاذ وأبي بريدة وأبيّ بن كعب وأبي أيوب الأنصاري وزيد بن ثاقب وأبي سعيد الساعدي آية الكرسي وفضلها‏.‏
ويعني ذلك وصف الصحابة أو بعضهم بالجهل‏،‏ ووصف الشيطان بالعلم‏،‏ بل ويعلّم الصحابة‏!‏ وأصحاب التراث لهم موقف سلبي من المرأة‏،‏ فيقول البخاري: لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة‏.‏ وقال البخاري ومسلم: يقطع الصلاة الحمار والمرأة والكلب الأسود‏!‏ وقالوا أيضا: أكثر أهل النار النساء‏،‏ والشؤم في ثلاثة‏: الفرس والمرأة والدار‏!
‏ وقال مسلم‏: المرأة تقبل في صورة شيطان‏،‏ وقالوا ولولا حوّاء ما خانت أنثى زوجها‏.‏ وإذا كان المستشرقون يقولون إن الإسلام انتشر بحدّ السيف فإن لكلامهم أصلا باطلا في الصحيحين‏،‏ فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره الله أن يقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمّدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة‏،‏ فإن فعلوا فقد عصموا دماءهم وأموالهم‏.‏
ومن المعلوم يقينا أن آيات الكتاب تكذّب ذلك‏،‏ فقد قال الله تعالى: "لا إكراه في الدين لكم دينكم ولي دين‏‏ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"‏،‏ ولكن رواة الحديث أبوا إلا أن يقولوا ما قالوه‏،‏ لكي يستخدمه المستشرقون حجّة على الإسلام والمسلمين‏..‏ ومن الطريف المبكي أن الرضاعة التي وردت في القرآن في قوله تعالى: "الوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة"، قال فيها ابن حزم‏: يجوز رضاعة الكبير ولو كان شيخا‏!‏ وقال مسلم‏: يجوز رضاعة الكبار من الكبار‏!
‏ أما لماذا قالوا بذلك؟ قالوا حتى يمكن للرجل أن يرضع من امرأة أجنبية خمس مرّات مشبعات‏،‏ بعدها يمكن أن يخلو بها لأنه صار منها بمكان الابن‏،‏ أي ابنها من الرضاعة‏!
‏ وقالوا استهانةً بعقول المسلمين: إن الأبرص كافر‏!‏ أما لماذا، فلأنه اشترك مع الكفار في إشعال النيران لحرق إبراهيم‏،‏ كما قال البخاري!‏ وقالوا ما هو أسوأ‏،‏ عندما أكّدوا أن القرود أقامت حدّ الرّجم على قردة متزوّجة وقرد مارسا الزنا!
‏ وقالوا‏‏ إن بقرة اعترضت على صاحبها عندما ركبها‏ وقالت له إني لم أخلق لهذا ولكني خلقت للحرث‏!
‏ وقالوا: إن الذئب اعترض على الراعي عندما استنقذ منه الشاه وقارعه بالحجة!
‏ وفي وصف الملائكة قالوا: إن هناك ملكا على صورة ديك تحت العرش يكلم الله!‏ وقال ابن حنبل إن هناك أربعة ملائكة رؤوسهم تحت الكرسي والكرسي تحت العرش وكل ملك له أربعة وجوه‏: وجه رجل‏‏ ووجه أسد‏‏ ووجه نسر‏‏ ووجه ثور‏!
‏ وقال الذهبي وغيره‏: إن ملكا على هيئة حية يطوّق العرش‏.‏
وتفسيرا لقوله تعالى‏:‏ "ويحمل عرش ربّك فوقهم يومئذ ثمانية" قال ابن حنبل وابن ماجه وأبو داود والترمذي وغيرهم‏: إن الملائكة الثمانية هم ثمانية وعول ولهم أظلاف والعرش عليهم‏.‏
أي أنهم جعلوا الملائكة ديوكا وأسودا أو أسودا ونسورا أو حيّات وتيوسا!‏ الملائكة الذين قال عنهم المولى عز وجل "بل عباد مكرّمون" جعلوهم هكذا‏،‏ أو هكذا كتبوا وتخيّلوا‏.‏
وجاء دور العلماء والفقهاء لتنقية التراث من هذا الهراء‏.‏

Tuesday, April 25, 2006

عن الأسهم .. مرّة أخرى

الشغف بالأسهم والانشغال بها اتّضح الآن انه لم يكن سوى وهم كبير. بعض الناس تحرّروا بالكاد من هذا الوهم خاصة من اكتووا اكثر من غيرهم بنار السوق بعد حادثة الانهيار الكبير الذي لم نر من نتائجه وآثاره حتى الآن سوى النزر اليسير.
وطوال الأيام الماضية لاحظت ظهورا متكرّرا على التلفزيون لمشايخة لا حديث لهم سوى عن الفقر وفضائله الكثيرة. أحد هؤلاء قال إن الله اصطفى الفقراء وفضّلهم على سائر المخلوقات وان معظم أهل الجنة الذين سيسعدون بصحبة الأنبياء والرّسل هم الفقراء.
وابتكر شيخ آخر ظهر على قناة الإخبارية نظرية جديدة في علم الاجتماع لم يسبقه إليها ماكس ويبر ولا ابن خلدون، عندما قال إن البورصة قلبت أحوال الناس رأسا على عقب وساوت بين الأمير وسوّاق الحمير، في حين أن الناس – كما قال – مقامات، فقد خلق الله الأمير ليظلّ أميرا في حين يجب أن يكتفي سوّاق الحمير بوظيفته ويعرف قدره لانه عندما يتصرّف بخلاف ذلك فإنما يخالف إرادة الله سبحانه وتعالى.
الشيخ عرعور هو الآخر اتّصل بإحدى الفضائيات معزّيا ضحايا الأسهم في مصابهم ومعدّدا مزايا الفقر العظيمة ومذكّرا المشاهدين بما كان عليه الصحابة من زهد وتقشّف وبعد عن زخرف هذه الدنيا الفانية. واضاف: المهم في النهاية ليس جمع المال وإنما الصّحة والعافية.
جلست استمع إلى ما يقوله هؤلاء المشايخة وأدهشني اتّساق ألفاظهم وتناغم أفكارهم وكأنهم يرقصون على نغم واحد، وُخيّل اليّ أن ثمّة من يستمع إليهم من وراء ستار فيهزّ رأسه موافقا ويبتسم من كلامهم متمنّيا في قرارة نفسه لو انهم لا يكفّون عن الكلام.
الآن وبعدما وقعت الفأس في الرأس وبعدما اتّضح أن لا شئ تغيّر وان السوق باقية على حالها وأن رئيسها مقيم على كرسيّه ما أقام عسيب وما استمرّ نزول المؤشر، لماذا لا يفكّر المسئولون في معالجة ولو رمزية يواسون من خلالها الضّحايا ويشعرونهم بأن هناك من يتألم لألمهم ويحزن لحزنهم.
ما من شكّ في أن الملك عبدالله بن عبدالعزيز حريص كلّ الحرص على مصلحة المواطنين واستشعار وتلمّس همومهم، واتمنى لو طرح عليه أحد المسئولين اقتراحا بأن توضع الزيادة الأخيرة في سعر برميل النفط "خمسة دولارات حتى الآن" في صندوق خاص يستفيد من دخله ضحايا الأسهم، خاصة ذوي الدخل المحدود ممّن اضطرّوا إلى بيع بيوتهم وسياراتهم وممتلكاتهم بعد أن توهّموا أن الدخول إلى كازينو الأسهم يمكن أن يحسّن أحوالهم ويعدهم بحياة افضل فإذا بهم يخسرون كلّ شئ.
قد يقول قائل: أنت تتحدّث عن خمسة دولارات، والخسائر تريليون! وأقول إن هذا صحيح، لكنّي لا أتحدّث عن أموال تذهب لجيوب أصحاب الملايين والمليارات. هؤلاء لا أحد يأسف عليهم ولا يتعاطف معهم فهم في النهاية منبع الداء وأصل البلاء.
أنا أتحدّث عن الفقراء الذين استدانوا ورهنوا أو باعوا كلّ ما يملكون وخرجوا من السوق بخفّي حنين، وفي افضل الأحوال بوعد غامض من المشايخة بدخول الجنّة.

Sunday, April 23, 2006

هجوم "فضائي" على المنطقة

يبدو أن الطلب على المعلومات والأخبار في ازدياد مطّرد. ومنطقة الشرق الأوسط بكل ما تمور به من أحداث وتطوّرات مهمّة ما تزال تجتذب اهتمام القوى الكبرى التي تتطلّع كلّ منها لان تكون لاعبا مؤثّرا وفاعلا في الفضاء الإعلامي والسياسي للمنطقة.
وفي هذا الاتجاه بدأت أول من أمس شبكة السي إن إن التلفزيونية الأمريكية بثا مفتوحا على القمر الأوربي هوت بيرد. وينتظر أن تقدم القناة على نفس الخطوة قريبا فتتيح لمشاهديها في الشرق الأوسط مشاهدة برامجها دون تشفير على القمرين العربيين عربسات ونايلسات.
وعلى الأرجح فإن القناة الأمريكية أرادت استباق ظهور الجزيرة الدولية في مطلع يونيه القادم والتي من المنتظر أن تؤجّج حمّى المنافسة على استقطاب اكبر شريحة من المشاهدين الذين يتوقون إلى تغطية إخبارية متوازنة وذات مصداقية لاخبار المنطقة والعالم.
البي بي سي من ناحيتها باشرت استعداداتها لاطلاق قناة بالعربية يتوقع أن تبدأ البثّ في منتصف العام القادم، بينما تعكف قناة CFI الفرنسية على التحضير لبدء خدمتها الإخبارية باللغة العربية اعتبارا من مطلع العام المقبل.
وضمن هذا الإطار رسّخت قناة روسيا اليوم Russia Today الإخبارية الروسية أقدامها بقوّة في ميدان التغطية الإخبارية منذ أن بدأت البثّ قبل حوالي الشهرين على القمر الأوربي.
"روسيا اليوم" تبثّ برامجها بالإنجليزية على مدار الساعة، ومن خلال متابعتي غير المنتظمة لبعض برامج القناة أستطيع القول أنها تتميّز بقدر كبير من الموضوعية والمصداقية والحياد.
في البداية كنت اعتقد أن القناة ستبدي تعاطفا مع وجهة النظر الإسرائيلية لكن سرعان ما تبيّن أن هذا الظنّ لم يكن في محلّه بدليل تعاطيها المهني والممتاز مع أخبار النزاع الفلسطيني الإسرائيلي ومع مرض شارون الذي وصفه أحد محللّي القناة بأن التاريخ سيتذكّره على انه كان قاتلا محترفا ازهق الكثير من أرواح الأبرياء وأقحم المنطقة في مشاكل لا حصر لها.
قناة "روسيا اليوم" هي الأخرى تستعد منذ الآن لاطلاق خدمتها باللغة العربية والتي ستبدأ بثّها في نهاية العام الحالي. القناة العربية ستضمّ صحفيين عربا وروسا وسيقوم على إدارتها مدير مكتب الجزيرة في موسكو سابقا اكرم خزام.
خزام يعرفه المشاهد العربي من خلال طريقته الاستعراضية الطريفة التي كان يختم بها تقاريره. لكن ما من شك في انه كان مراسلا مجتهدا ومتميّزا. إلا أن تصريحاته المضادّة لإرهاب الجماعات الاسلاموية أثارت عليه غضب العناصر الاخونجية في الجزيرة الذين أصرّوا على طرده. وربّما يتعيّن على خزام إن أراد النجاح في مهمّته الجديدة أن ينسى فترة عمله في الجزيرة باشتراطاتها ومحاذيرها الكثيرة.
وأتمنّى أن تكون القناة العربية الجديدة نافذة يتعرّف من خلالها المشاهد العربي على جوانب من الثقافة الروسية التي ما زلنا نجهل عنها الكثير.

Thursday, April 20, 2006

عيسى وموسى وكريشنا

"يجب أن يعترف المسلمون بكريشنا كنبيّ مرسل من الله".
هذا الاقتراح المثير للاهتمام طرحه منذ أيام كي اس سودارشان زعيم حزب راشتريا سانغ القومي الهندوسي.
وقد علّل سودارشان اقتراحه ذاك بالقول إن من شأن مثل ذلك الاعتراف أن يخفّف من توتّر العلاقات بين المسلمين والهندوس في الهند، ويولّد مناخا من الثقة والتقارب بين الطائفتين.
ومنذ يومين نشرت جريدة خليج تايمز تعليقا كتبه صحفيّ هندي مسلم أثنى فيه على أفكار الزعيم الهندوسي وأورد بعض المبرّرات التي قال إنها تسند ذلك الاقتراح والاهم أنها لا تتعارض مع ما ورد في القرآن الكريم.
اللافت للانتباه أن سودارشان قال انه يكفي أن يعتبر المسلمون كريشنا مجرّد نبيّ وليس إلها كما يعتقد الهندوس.
الكاتب الهندي أشار أيضا إلى بعض الآيات التي تذكر إحداها أن القرآن الكريم لا يتضمّن جميع قصص الأنبياء "منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص" ، وقال إن الهند هي إحدى اكبر واقدم الحضارات الإنسانية وليس من المعقول ألا يكون الله قد أرسل بعض أنبيائه لهداية الهنود، خاصة أن الهندوسية ومن ثمّ البوذية التي خرجت من رحمها، جاءت قبل الإسلام بحوالي ألفي عام.
بل إن الكاتب ينقل عن الدكتور ظهور الحق الذي سبق وأن ترجم القرآن الكريم قوله إن النبيّ ذا الكفل المذكور في القرآن ليس سوى بوذا نفسه. فمفردة ذو تعني ساكن المكان، والكفل مشتقة من كلمة كابيل Kapil وهي اسم المكان الذي ولد فيه غوتاما بوذا.
وبما أن كل نبيّ أرسل إلى قومه بلغتهم فليس ثمّة من سبب يدفعنا للاعتقاد باستحالة أن يكون نبيّ قد أرسل إلى الهنود في زمن ما متحدّثا بلغتهم أي السنسكريتية.
كما أن خلوّ القرآن من أية إشارة إلى نبيّ هندي لا يقلّل من احتمال أن يكون الله قد أرسل فعلا مثل هذا النبيّ في زمن من الأزمنة.
ويختم الكاتب ملاحظاته بالقول إن تأثير مثل هذا الاقتراح فيما لو تحقّق هو تأثير سايكولوجي بالدرجة الأولى، لكنه قد يكون خطوة مهمّة على طريق تكريس التفاهم والوئام بين الطائفتين الأكبر في الهند.
شخصيا اعتقد أن اقتراح سودارشان لا يخلو من الوجاهة وسلامة المقصد. مع أن الحقيقة التي يعرفها الجميع هي أن اعتراف المسلمين وكتابهم المقدّس بالمسيح وموسى لم يمنع نشوب الحروب والصراعات الدموية بينهم وبين اتباع تلك الديانتين.
لكن هناك من قد يتساءل، ومعه حق، عن المانع في أن يعترف مسلمو الهند بكريشنا كنبيّ للهندوس إذا كان من شأن تلك الخطوة أن تعود بالفائدة على المسلمين في نهاية الأمر.
والحقيقة أنني كثيرا ما فكّرت في سبب إصرار المسيحيين واليهود على عدم الاعتراف بنبوّة محمد (ص) مع انهم ليسوا مطالبين باتّباعه أو اعتناق مبادئه، فلم أجد إجابة منطقية على السؤال. واعتقد أن مثل هذا الموقف، بمعايير العقل الحديث الذي يحترم الآخر ويراعي خصوصيته، لا يمكن فهمه إلا باعتباره شكلا متطرّفا من أشكال الإقصاء ورفض الآخر.
سألت صديقي المشاكس عن رأيه في موضوع اعتراف الأديان كلّ بنبيّ الآخر فقال: لا تشغل نفسك كثيرا بهذا الهراء، فالأديان كلها تمارس التكفير والعنف والإقصاء. ولو اعترف مسلمو الهند اليوم بكريشنا الأسطوري فمن يضمن ألا تتم مطالبتهم غدا بالاعتراف بآلاف الآلهة الآخرين من طيور وبشر وشجر وحجر وبقر. وأضاف: من الأفضل لمسلمي الهند أن يتمسّكوا بالعلمانية ويشدّدوا عليها، إذ أنها هي التي حافظت على وجودهم ووفّرت لهم الحماية ومنحتهم قدرا معقولا من الحرّيات والحقوق. ولولا العلمانية لما كان لهم اليوم وجود في الهند بسبب تطرّف مطاوعة الهندوس وجنونهم".

Tuesday, April 18, 2006

الكتابة بين الاسم الحقيقي والمستعار

أثارت قضيّة القبض مؤخّرا على رباح القويعي أحد كتّاب المنتديات، بتهمة "الإساءة للدين واعتناق أفكار هدّامة"، النقاش من جديد حول ما إذا كان من الحكمة أن يكتب الشخص آراءه في الانترنت ويذيّلها باسمه الحقيقي.
والحقيقة أنني كنت وحتّى وقت الكشف عن الحادثة اعتقد أن رباح اسم مستعار، إذ كان يتعذّر عليّ أن افهم كيف لإنسان أن يكتب باسمه الحقيقي مثل تلك المواضيع الحسّاسة في وسط يعتبر الدين تابو ويجرّم كل من يشتبه، حتى مجرّد اشتباه، في مساسه بالعقائد والقيم الدينية.
ما من شكّ في أن الاسم الحقيقي يدلّ على وضوح صاحبه وجرأته وصراحته، ويصدق هذا على معظم منتديات النقاش غير العربية التي يؤمن مشرفوها أن ما تقوله لا يستحق أن يقال طالما انك لا تستطيع وضع اسمك الحقيقي عليه. لكن الكاتب الغربي يتمتّع بحرّية لا حدود لها ولم يعد الدين في كثير من بلاد الغرب خطّا احمر لا يجوز عبوره أو تجاوزه.
وقد قال لي أحد مرتادي تلك المنتديات انه يندر أن تجد هناك اسما مستعارا وإن وجد فإن مبرّر صاحبه هو أن اسمه الحقيقي مملّ أو انه طويل أو صعب التهجئة. لكن حتّى هذه الجزئية تفرض سؤالا آخر وهو: ترى كيف لمشرف المنتدى أن يميّز دائما بين الاسم الحقيقي والمستعار. هناك حالات يكاد التمييز فيها بين النوعين يصبح ضربا من المستحيل.
صحيح أن الاسم المستعار يحمي صاحبه نسبيا من المساءلة ويمنحه الجرأة على ارتياد المناطق المحظورة في السياسة والمجتمع. لكن التخفّي وراء اسم مستعار قد يغري صاحبه بالإساءة إلى الآخرين وتشويههم والتهجّم عليهم خاصةً إذا كان من النوع الذي ينعدم عنده الضمير ويفتقر إلى الحدّ الأدنى من اعتبارات الأدب والمروءة. وما أكثر هذه الفئة في مواقع الحوار العربية خاصةً في المنتديات التي تحتضن كتّابا تكفيريين أو مهووسين دينياً!
وهناك انطباع سائد بين الناس مؤدّاه أن الأفراد الذين يستخدمون أسماء مستعارة يعتبرون من لابسي الأقنعة، ومعظم الناس لا يثقون في من يلبس قناعا. ومع ذلك فهناك أسباب وجيهة لاستخدام الاسم المستعار وأولّها مجال الأعمال على الإنترنت عندما لا يرغب الشخص أن يعرف الآخرون شيئا عن أنشطته التجارية. والثاني يتعلق بالسياسة والدين، ففي العالم الثالث هناك قيود كثيرة على حرية الفكر والتعبير، الأمر الذي يفرض إغفال الاسم الحقيقي واللجوء لاسم مستعار.
ثم هناك المواضيع الحميمة أو ذات الطبيعة السرّية كالجنس مثلا، فمعظم الناس لا يستطيع الحديث عن هذا الجانب على الملأ لو انه ذيّل كلامه باسمه الحقيقي.
ويصحّ القول أن من أهمّ أسباب ميل بعض الكتّاب نحو التخفّي هو نزعة الخوف من أيّ التزام أدبي أو معنوي قد تفرضه الكتابة. فالكتابة بالاسم الحقيقي يعني الانكشاف أو الإفصاح عن الشخصية بطريقة يستحيل أحيانا العدول عنها أو إصلاح الآثار والنتائج التي قد تجرّ إليها. هنا يوفّر الاسم المستعار لصاحبه فرصة للتراجع إذا وضع نفسه في مأزق، ويحتفظ لنفسه بالخيار في الانسحاب والبدء من جديد باسم مختلف.
وعودا على بدء، فإن قصّة رباح القويعي مع اسمه الحقيقي وما جرّه عليه من متاعب يمكن النظر إليها باعتبارها مثالا نادرا في التسرّع وفقدان الاتزان وعدم التفكير في العواقب. لكن من الناحية الموضوعية يمكن اعتبار القضية تعبيرا حيّا عن حيرة الجيل الجديد إزاء التناقض بين ما يقرؤونه في متون الكتب وما يرونه على ارض الواقع من ممارسات شاذّة وشائنة باسم الدين. وما حدث يدلّ على أن الكبت والتلقين الأعمى وتغييب حريّة الفرد وإرادته وعقله باسم الدين أيضا يمكن أن يتولّد عنه مواقف عكسية تدفع بالإنسان إلى التمرّد ومن ثمّ انتهاج ما قد يراه البعض أكثر المواقف غلوّا وتطرّفا.