:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Tuesday, January 27, 2009

نهر الأسلاف


الصيحة لا تصدر عنك. لست أنت الذي يتكلم. أسلاف بأعداد لا تحصى هم الذين ينطقون عبر فمك. أنت لا تعبّر عن رغباتك الشخصية وإنما تعبّر من خلال قلبك عن رغبات أعداد لا تحصى.
إن موتاك لم يعودوا يقبعون في التراب، وإنما صاروا طيورا وأشجارا وهواء. انك تجلس بينهم وتستطعم بلحمهم وتستنشق أنفاسهم . لقد صاروا أفكارا وأحاسيس وها هم يحدّدون مشيئتك وسلوكك.
إن أجيال المستقبل لا تتحرّك في الزمن اللايقيني بعيدا عنك. إنهم يعيشون وينشطون وتتملّكهم الرغبات داخل قلبك وكليتيك.
واجبك الأوّل وأنت توسّع أناك في هذه اللحظة الموقتة التي تسير فيها على الأرض هو أن تفلح في أن تعيش المسيرة الخالدة. أن تحيا المرئي واللامرئي من ذاتك.
أنت لست فردا. انك وحدة من جيش كامل. لحظة واحدة تحت الشمس تضيء وجها من وجوهك. وما أن تضيئه حتى تتحوّل عنه لتضيء وجها آخر أكثر شبابا.
سلالتك هي الجسد الأكبر. فهي الماضي والحاضر والمستقبل. أنت تعبير لحظوي. أما عشيرتك فإنها الوجه. أنت الظل وعشيرتك اللحم.
أنت لست حرّا. جموع من الأيدي تقبض على يديك وتتحرّك. حين تغضب، يرغي ويزبد احد أسلافك عبر فمك. وحين تحبّ، يتلعثم احد سكّان الكهوف. وعندما تخلد إلى النوم، تنفتح القبور وينفتح رأسك بأشباح الموتى.
رأسك ترعة من الدماء تتجمّع على ضفافها قطعان وقطعان من ظلال الموتى ويشربونك لكي يحيوا.
يصيح الموتى بداخلك: لا تمت كي لا نموت.
"لم نتمكن من الابتهاج بالنساء اللاتي رغبناهن. فلتتمكّن أنت ولتضاجعهن. لم نتمكّن من تحويل أفكارنا إلى أعمال. حوّلها أنت. لم نستطع القبض على ملامح وجه آمالنا لنتحقق منها. فلتتحقق أنت منها ولتكمل عملنا".
لا يكفي أن تسمع في داخلك صخب الأجداد. لا يكفي أن تشعر بهم يتدافعون أمام عتبة عقلك. إنهم جميعا يتدافعون لكي يتشبّثوا بحرارة عقلك ولكي يبلغوا مرّة أخرى ضوء الأيام.
كلّ فعل لك يتردّد صداه في آلاف الأقدار. وحيثما تسير وتكتشف وتقيم مأواك، فإن نهر الأجداد سيجري وينفذ إليك.
"أنا لست فردا واحدا. أنا لست فردا واحدا". يجب أن تحرقك هذه الرؤيا في كل لحظة.
أنت لست جسدا ضعيفا ويائسا. فخلف قناعك الترابي المتحرّك يقبع وجه منذ آلاف السنين. إن عواطفك وأفكارك أكثر قدما من قلبك ومن عقلك.
وحده الذي يتخلص من جحيم ذاته هو الذي يشعر بالجوع حين يرى احد أبناء جنسه يتضوّر جوعا، ويقفز فرحا حين يرى امرأة ورجلا من عشيرته يتبادلان القبل.
كافح من اجل جسدك الأكبر كما تكافح من اجل جسدك الأصغر.
عليك أن تعيش هذه الهويّة بعمق، ليس كفكرة مجرّدة وإنما كلحم ودم.
- نيكوس كازانتزاكيس، روائي يوناني