:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Wednesday, September 11, 2013

روح الإنسان

هل ما نراه في هذه اللوحة بورتريه شخصيّ؟ دراسة سيكولوجيّة؟ تصوير لحالة ذهنية عن الوحدة والخواء؟ أم محاولة من الرسّام للامساك بجمال الطبيعة؟
لو كان الرسّام يريد حقّا تصوير جمال الطبيعة لما حجب جانبا من المنظر بتضمين اللوحة رجلا يقف في منتصفها. الطبيعة في هذا المشهد صعبة ووعرة: منحدرات عميقة وخطرة، ضباب كثيف وسماء بيضاء باردة في الأفق. وهناك أيضا انطباع عن طقس عاصف جدّا. أي أننا أمام مكان غير مريح بالمرّة، بل وخطير جدّا على سلامة الإنسان. وبالتأكيد لا احد يرغب بالمجيء إلى هنا. مثل هذا المكان المخيف والمملوء بالخطر يمكن للإنسان بالكاد أن يبقى فيه للحظات على أقصى تقدير. لكنّ الرجل يبدو صامدا كما لو انه يستطيع الوقوف حيث هو والتأمّل في هذا المكان إلى الأبد.
لأن صور كاسبار ديفيد فريدريش تركّز على الطبيعة أكثر من البشر، فإن لها ملمحا متساميا وصالحا لكلّ زمان ومكان. عالما صوره، الداخليّ والخارجيّ، يبدوان متوحّدين. وهذا كان إنجازا عظيما للعصر الرومانسي الذي كان فريدريش، بصوره التأمّلية والمثيرة للذكريات، أحد أعلامه الكبار.
والغريب أن هذا الفنّان شقّ طريقه في الرسم بقوّة رغم ما يقال من انه لم يكن مولعا كثيرا أو موهوبا في رسم البشر. وقد وجد حلا بسيطا لهذه المشكلة بأن صار يرسمهم من الخلف أو جانبيّا.
لكن كان هناك جانب أكثر عمقا في فنّه. فالطبيعة والكون كانا أهمّ موضوعين بالنسبة له. لذا ركّز على أن يقيم حوارا مع المتلقّي من خلال مناظر الطبيعة التي كان يرسمها.
اللوحة فوق هي أشهر أعمال فريدريش على الإطلاق واسمها مسافر "أو متجوّل" فوق بحر الضباب. وهي عند بعض مؤرّخي الفنّ المثال الأشهر والأكثر وضوحا عن رومانسية القرن التاسع عشر. وفيها يقف رجل على طبيعة صخرية ويطلّ على منظر من الغيوم والضباب الكثيف.
هذا المنظر، وغيره من مناظر فريدريش الطبيعية والمعروفة، تمثّل ذروة الرسم الألماني خلال الحقبة الرومانسية. والكثيرون يرون في هذه اللوحة صورة مجازية عن التوق الوجودي واللامبالاة أو عدم اليقين، وأحيانا عن حالات التشوّش والفوضى. وقد اختيرت غلافا لأحد كتب نيتشه ولكتب ومجلات ودواوين شعر لا حصر لها.
كما لم تغب اللوحة عن صنّاع الأفلام السينمائية التي تتحدّث عن الكوارث البيئية وعن الحروب بين الكواكب أو عن المستقبل المجهول الذي ينتظر البشر. بإمكانك، مثلا، أن تحصي ما لا يقلّ عن أربعة من أفلام الخيال العلمي صُمّمت ملصقاتها بوحي من هذه اللوحة.
كانت الطبيعة الألمانية دائما مصدر إلهام كبير لـ فريدريش. وكان يحرّك مشاعره الجمال الذي كان يجده في وطنه. كما كان يستهويه تصوير الجبال والأشجار والضباب الكثيف فوق سطح البحر.
وكان من عادته أن يقصد منطقة الجبال الممتدّة على طول الحدود بين ولايتي بوهيميا وساكسونيا في جنوب شرقي ألمانيا وجمهورية التشيك، للتأمّل والرسم. وقد رسم العديد من الاسكتشات التمهيدية لهذه اللوحة في عين هذا المكان. ثم عاد إلى البيت بكومة كبيرة من هذه الرسومات، وبدأ رسم اللوحة الأصلية في محترفه.
وعلى الرغم من أن اللوحة مركّبة من عدّة مناظر طبيعية مختلفة من تلك المنطقة، إلا أن المنظر كلّه يبدو متناسقا ومقنعا. وبعض قمم الجبال التي تظهر غارقة في الضباب يمكن تحديد أماكنها اليوم على الطبيعة. لكنّها في حقيقة الأمر تقع في أماكن مختلفة من سلسلة الجبال تلك. وبالتالي فإن المنظر الرائع الذي تراه في هذه اللوحة لا وجود له في الواقع.
البشر هم جزء من الطبيعة. وهم بنفس الوقت منفصلون عنها. ومن خلال جلبهم إلى الصور، فإن فريدريش يخلق مستوى آخر من الوعي. والتائه المجهول في هذه اللوحة يجعل الصورة تتكلّم بينما يقف في وسط المشهد تماما مديرا ظهره للناظر.
لاحظ التباين الحادّ بين مقدّمة الصورة وخلفيّتها. هنا رجل، أو بالأصحّ صورة ظلّية داكنة لرجل، يقف وحيدا أمام طبيعة ضبابية. يمكنك الإحساس بوجود الأرض إلى أسفل رغم انك لا تراها بوضوح.
اللوحة بأكملها هي عن هذا الرجل. وأنت مدعوّ لتحديد من يكون. طبعا يمكن أن يكون أيّ شخص، مع أننا نعرف من لوحات أخرى أن فريدريش له نفس هيئة هذا الرجل. لكنّه هنا يحصر نفسه ورؤيته إلى الداخل، في حين أن الملابس الداكنة تدعم بقاءه مجهولا.
انه يقف في تأمّل، مفتونا بضباب البحر ومفكّرا في المستقبل الغامض، كما لو أننا إزاء تجربة دينية وروحية مثل تلك التي تحدّث عنها "إيمانويل كانت" في فلسفته المستنيرة. وفريدريش يضفي غموضا على الشخص برسمه من الخلف. والمتلقّي غير متأكّد فيمَ يفكّر الرجل وما هي طبيعة استجابته للطبيعة التي ينظر إليها. وبفصل الشخص عن الناظر، فإن الأخير يركّز أكثر على جمال البيئة المحيطة بدلا من التفكير في دور الرجل في الطبيعة.


هذه اللوحة تحتفظ بحضور قويّ جدّا من خلال حجمها الكبير. ولأنها رُسمت بمثل هذه العناية الكبيرة، فإنها تفتح نافذة على عالم آخر. عندما تتأمّلها قليلا، ستشعر بأنك تسقط فيها أو ترتفع إليها. وبإمكانك أيضا أن تترك العنان لعينيك لتتجوّلا فيها وأن تتنفس الهواء وتشعر بوخز الرياح الباردة التي بداخلها.
السماء تبدو بلا نهاية، على الرغم من أنها محجوبة بغيوم متناثرة هنا وهناك. الفنّان رسم غيوما بطبقات متعدّدة باستخدام طلاء غير شفّاف. كما استخدم طبقات شفّافة من الورنيش ليحصل على هذه الإنارة العظيمة والضوء الطبيعي.
عندما تقف أمام اللوحة الأصلية، ستشعر بتغيّرات اللون المثير للدهشة وبلمعان الغيوم والسماء الناتج عن مزج العديد من الأصباغ كالأزرق والأبيض ودرجات الرمادي والزهريّ والبنفسجيّ وحتى الأصفر.
من الواضح أن فريدريش كان يفكّر في تفاصيل صوره لفترات طويلة. أحيانا كانت عملية الخلق تستمرّ عدّة سنوات، ولهذا السبب لم تكن حياته ميسورة من الناحية المالية.
التوليف في اللوحة يبدو بسيطا. لكن هناك منطقا رياضيا وراءه. الصخرة التي في المقدّمة تشكّل مثلّثا يقف المسافر على قمّته، وهذا هو السبب في أن الشخص يقع في مركز الاهتمام. وبسبب الصورة الظلّية لمعطفه الذي يبدو داكنا مثل الأرض التي يقف عليها، فإن الرجل يصبح، من الناحية البصرية، امتدادا للأرض.
البعض فسّر هذه الصخرة كرمز للإيمان بالله أو بقوّة علوية متسامية. وهو معنى معقول ووارد. وأنت تتملّى في هذا المنظر، يمكنك أن تدرك عظمة وبهاء الطبيعة والخلق كما تتجلّى في روح إنسان. عقل الرجل ومشاعره ربّما تبلغ عنان السماء التي فوقه، ومع ذلك هو ما يزال مرتبطا بالصخرة حيث يقف. وبهذه الطريقة يصبح رمزا للإنسان في الكون. انه مشدود إلى الأرض ومنفصل عن نفسه. وهو لا يستطيع رؤية المظهر الكامل والحقيقيّ للعالم المحيط لأنه مغطّى بالضباب. كما انه يواجه المحن والأخطار، مثل المكان العاصف والشديد الانحدار الذي يقف في وسطه.
ولكن عندما يكون قلبه عامرا بالسلام والطمأنينة، فإنه يصبح قادرا على الاتصال بالخالق. وإذا كان هذا الرجل ينظر ويراقب بهدوء واهتمام، فإنه يستشعر وجود المقدّس في كلّ شيء يراه من حوله. وهذا هو ما كان يفعله كاسبار ديفيد فريدريش عندما يراقب عن كثب العالم الخارجيّ ويصوّر تفاصيله بدقّة.
البعض يرى أن المسافر في الصورة هو فريدريش نفسه. الرجل الذي يقف متأمّلا هذه الصخور الضبابية لديه نفس شعر فريدريش الأحمر. لكنّ هناك نظرية أخرى تقول إن الرجل هو حارس غابات من هذه المنطقة يُدعى فريدريش فون غوتهارد. وهو هنا يرتدي بزّة خضراء من تلك التي يرتديها عادة الحرّاس المتطوّعون في الغابات. ويُرجّح أن يكون هذا الرجل قد قُتل في حادث عام 1813م. وعليه قد تكون اللوحة بمثابة تحيّة له أو إحياء لذكراه.
في هذا التوليف، يستخدم فريدريش ألوانا أكثر إشراقا من المعتاد. وهو يرسم السماء بمزيج من الأزرق والورديّ، بينما تتردّد أصداء هذين اللونين أيضا في الجبل والصخور التي تتراءى عن بعد. كما انه يرسم الشخص في معطف أخضر داكن، وهو زيّ ألمانيّ بامتياز.
الضوء في اللوحة يبدو أنه آت من تحت الصخور ليضيء الضباب بطريقة أو بأخرى. والصخرة التي يقف عليها المسافر تحتفظ بصورتها الظلّية، مع أن تفاصيلها الأخرى، خاصّة عند القدمين، تبدو ملاحظة ومرئيّة.
ثمّة رأي يقول إن الرسّام تزوّج حوالي الوقت الذي رسم فيه اللوحة، وهو عامل ربّما ولّد في نفسه تقديرا متجدّدا للحياة البشرية وللعلاقات الإنسانية.
ومثل غالبية أعمال فريدريش، فإن اللوحة لم تنل التقدير الذي تستحقّه في زمانه. لكن بعد موته، اكتسبت اهتماما كبيرا. والسبب هو انه كثيرا ما أسيئ فهم الرسّام في عصره. كان فريدريش يناضل لكي يفهم النقّاد والجمهور فنّه. لكنه استمرّ يرسم وفقا لقناعاته الفنّية الخاصّة وليس لكي يحصل على استحسان أو ثناء من احد. وقد نال قدرا كبيرا من النجاح في أخريات حياته، بل لقد وجد زبائن جددا من أفراد العائلة الملكية في روسيا.
وعلى الرغم من أن العديد من النقّاد ما زالوا غير قادرين على فهم الاستعارات الرمزية التي كان فريدريش يودعها مناظره الطبيعية، إلا أن أعماله اليوم تحظى باحترام كبير. وخلافا لمعظم الفنّانين، لم يجد فريدريش الكثير من الإلهام في أعمال الفنّانين الكبار الذين سبقوه، واهتمّ أكثر بما علّمه إيّاه أساتذته في مراحل تعليمه النظامي.
وهذا هو السبب في أن فريدريش أصبح يتمتّع بأسلوب فريد من نوعه. صار بمقدوره أن يحوّل المناظر الطبيعية من مجرّد غابات إلى أرض للعجائب، حيث يرمز كلّ فرع من شجرة إلى شيء أكبر وأكثر عمقا. الأشجار لم تعد أشجارا فقط، وإنّما مخلوقات خشبية جميلة تمثّل الإيمان الذي لا يتزعزع بالله. وأشعّة الشمس لا تلقي ضوءها على الأرض فحسب، وإنّما تُظهر نور الخالق وهو يضيء على الخليقة.
كانت الرومانسية تتعامل مع مواضيع محدّدة من قبيل تمجيد الإنسان لنفسه ودوره في الطبيعة والألوهية الموجودة في الطبيعة وكذلك العاطفة. وهذه السمات كانت تناسب كثيرا أفكار فريدريش المثالية.
لكنّ المؤسف أن استقبال الجمهور لأعماله أصبح فاترا عندما تقدّمت به السنّ. حتى رعاته فقدوا الاهتمام بعمله في الوقت الذي كان يجري فيه استبدال الرومانسية بأفكار جديدة وأكثر حداثة.
وعندما توفّي لم يكن هناك احد يطلب أو يهتمّ بلوحاته. كان النقّاد يعتقدون أن رسوماته شخصيّة أكثر ممّا ينبغي، ومن هنا صعوبة فهمها. غير أنهم كانوا يتجاهلون حقيقة مهمّة، وهي أن هذا العامل بالذات هو ما يجعل من فريدريش فنّانا أصيلا ومتفرّدا.
ومع ذلك، لم تغب المعاني المجازية التي كان فريدريش يضمّنها لوحاته عن الفنّانين الرمزيين والسورياليين الذين أتوا في ما بعد، وأصبح هؤلاء يشيرون إليه كمصدر إلهام مهمّ لأعمالهم.