:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, June 16, 2012

المعنى بين الحقيقة والمجاز

من الأشياء المثيرة للاهتمام التحوّل الذي يطرأ أحيانا على بعض ألفاظ اللغة لتنتقل من حيّز الحقيقة إلى فضاء الاستعارة والمجاز.
خذ مثلا كلمة غزْل أو نسيج، التي تحيلنا إلى مهنة قديمة تتطلّب قدرا من البراعة والفنّ. ثم تأمّل كيف غادرت مفردة النسج، الرقيقة والناعمة، معناها الحقيقيّ لتكتسب معنى استعاريّا يرمز إلى الدهاء والخداع والتآمر، كما في قولنا: فلان ينسج حيلة أو يحيك مؤامرة.
من المعروف أن العنكبوت ينسج بيته من الخيوط الرقيقة والرفيعة، لكن القويّة بما يكفي للإطباق على فرائسه من الحشرات والهوامّ الصغيرة.
وفي ملحمة الاوديسّا، يتحدّث هوميروس عن بينيلوب زوجة البطل اوديسيوس. كانت مشهورة بوفائها لزوجها لدرجة أنها انتظرت عودته من حرب طروادة عشر سنوات كاملة ورفضت عشرات الخاطبين الذين تقاطروا على بيتها يطلبونها للزواج. كانوا يلحّون عليها بأن تتزوّج احدهم، محاولين إقناعها بأن اوديسيوس مات ولن يعود أبدا.
وفي محاولتها لصرفهم وإشغالهم، أبلغتهم أنها لن تتزوّج حتى تنتهي من نسج كفن لوالد زوجها. ولكي "تنسج" خطّتها جيّدا، كانت بينيلوب تنسج غزلها في النهار ثم تنقضه في الليل. أي أنها كانت خدعة "دبّرتها بليل" كما يقولون.
والحقيقة أن كلّ عناصر المؤامرة متوفّرة في هذه القصّة الجميلة والمعبّرة: الظلام، الخداع، الحيلة، التسويف، شراء الوقت والتظاهر بفعل شيء لصرف الأنظار وتشتيت الانتباه عن الهدف الحقيقي.
لكن بعد أربع سنوات من التأخير والمماطلة، كشف احد خدم بينيلوب عن خدعتها، ما أثار غضب الخاطبين. فأصرّوا على أن تختار على الفور ودون إبطاء واحدا منهم كزوج.
في تلك الأثناء عاد اوديسيوس سرّا من رحلته الطويلة متخفيّا في ثياب رجل متسوّل. وبعد أن وصل، أمر بذبح جميع الخاطبين عقابا لهم على انتهاك بيته وتنغيص حياة زوجته.
بالمناسبة، يقال أن كلمة غزَل "بفتح الزين" التي تعني محاولة التقرّب من النساء والتودّد إليهنّ مشتقّة من الغزال الشادن. لكن أظنّ أن هذه المفردة، أيضا، ليست بعيدة عن غزل أو نسج الخيوط، لأن فعل الغزَل يتطلّب، هو الآخر، قدرا من الرقّة والعذوبة وينطوي، بنفس الوقت، على شيء من الحيلة والدهاء، وحتى الفنّ.
وعلى ما يبدو، فإن تحوّل بعض المفردات وانتقالها من الحقيقة إلى المجاز لا يتّصل باللغة فحسب، وإنما أيضا بطريقة عمل دماغ الإنسان وبالحواسّ التي تترجم الصور والحالات والمواقف إلى أفكار واستعارات.
والاستعارة، في نهاية الأمر، ليست أكثر من حيلة جميلة تعوّض عن نقص إمكانيات اللغة في الإمساك بصورة أو موقف أو مزاج معيّن.

موضوع ذو صلة: نساء الأوديسّا

Wednesday, June 13, 2012

فيتشين: جسر بين ثقافتين

"كان شتاء عام 1920 واحدا من أصعب الشتاءات في تاريخ الثورة الروسية. كان كلّ شيء يتّجه للأسوأ. وأصبح المواطنون المتحمّسون لرؤية روسيا جديدة وحرّة جائعين ونصف متجمّدين وجدّ مكتئبين.
كان الوضع الاقتصادي في البلاد كلّها قد وصل إلى حالة يُرثى لها. أضف إلى ذلك أن الشتاء البارد بشكل غير عاديّ أنهك الناس أكثر وجعلهم فريسة للصقيع والظلام، وقبل كلّ شيء الجوع.
وما بين الموجات المخيفة من فقدان التعاطف الإنساني وعدم اكتراث الطبيعة، كان يتعيّن علينا أن نتحوّل إلى الطبيعة وأن نصلّي من أجل الرحمة". - من مذكّرات الكسندرا فيتشين "مسيرة الماضي"

في فترة عصيبة من التاريخ، كان نيكولاي فيتشين (1881-1955) يدرس في مدرسة الفنّ في كازان. كان يتنقّل جيئة وذهابا باستخدام القطار على خط موسكو - كازان في عطلة نهاية الأسبوع. وبالإضافة إلى مشاكل النقل ونقص الطعام والوقود، كان من الصعب عليه أيضا تدبير الألوان وقماش الرسم.
في سيرته الذاتية، يقول فيتشين عن فترة دراسته آنذاك: كان البرد لا يطاق في الداخل. كنّا نرسم على معاطف الفرو والقفّازات والأحذية الثقيلة. كان من المستحيل خلع الملابس. كنت اشعر بعمق كيف أنني كنت افقد طاقتي الإبداعية بسرعة. كلّ أشكال الفنون في ذلك الوقت كانت تُستخدم من اجل الدعاية".
وعندما وجد فيتشين نفسه مضطرّا لرسم اللجان البيروقراطية بقرار من الأنظمة السوفياتية لـ ماركس ولينين وغيرهما، بدأ الرسّام يفكّر في خطّة للهرب. وانتظر إلى أن أصبحت الحياة في منتهى البؤس. فقد مات والداه بالتيفوئيد، كما أصيب فيتشين نفسه بالتهاب رئوي ولم يعد بمقدوره مواصلة الدراسة.
كان موظّفو فرق الإغاثة الأمريكية قد بدءوا يتوافدون على روسيا. ولم يكن فيتشين يخفي إعجابه بالحياة في أمريكا. وعندما وصل إليها برفقة زوجته الكسندرا وابنته آيا كتب يقول: يوجد سلام وحرّية في هذه البلاد. يمكن للمرء أن يعمل ويرسم ما يريد. ليس هناك مآسٍ ولا فوضى يائسة تمزّق أعصاب الناس. إن جذوري هناك. لكنّي فقدت رغبتي في العمل وإرادتي في الحياة والأمل".

على الرغم من الاضطرابات ذات الأبعاد الملحمية التي عايشها، كان نيكولاي فيتشين يواصل إبداعه. ولا يُعرف مدى تأثير تجاربه المريرة في الحياة على أسلوبه الفنّي الجريء والمتفجّر والعاصف.
لكن ما نعرفه من نظرة سريعة على حياته وعلى أعماله التي لا نظير لها، هو أن الحروب العالمية والثورات والصراعات الأهلية والمجاعات وانهيار الاقتصاد والمرض والهجرة القسرية والعوائق اللغوية وتجربة الطلاق في نهاية المطاف لم تستطع أن تسحق عزيمة فيتشين وإصراره على أن ينتج فنّا مختلفا. وبينما كانت الأرض تهتزّ تحت قدميه بطريقة خطيرة، كانت لوحاته تفوز بالعديد من الجوائز وتُعرض في أنحاء متفرّقة من العالم.
واليوم، وبعد مرور أكثر من خمسين عاما على وفاته، ما تزال أعماله تحقّق أرقام بيع قياسية في المزادات العلنية.
ولد نيكولاي فيتشين عام 1881 في كازان عاصمة جمهورية التتّار الواقعة على نهر الفولغا. كان والده يمتلك محلا للنجارة متخصّصا في نحت وتذهيب المناظر التي تذهب لتزيين الكنائس. وفي متجر والده، وقع الصغير نيكولاي في حبّ حفر الخشب. وفي الرابعة، أصيب بمرض التهاب السحايا المهلك ودخل في غيبوبة لمدّة أسبوعين. حتّى أفضل الأطبّاء لم يمكنهم فعل شيء من اجله وتوقّعوا أن يصاب بتخلّف عقلي إن كُتبت له الحياة. وكان على والديه أن يصلّيا من أجل حدوث معجزة. ثمّ لم يلبث الطفل أن شُفي من مرضه بما يشبه المعجزة.
بدأ نيكولاي فيتشين دراسة الرسم عندما بلغ الرابعة عشرة. كان من بين أساتذته اييليا ريبين الذي يقول فيتشين عنه: كان يثمّن الأصالة في أعمال تلاميذه. ولم يكن يرى عمل الطالب في ما يرسم فحسب، بل روحه أيضا".
لكن ريبين لم يلبث أن غادر الأكاديمية. "لقد تركنا لوحدنا. لم يعد هناك احد يمتدحنا أو يسخر منّا. لذا أصبحنا نعتمد على قدراتنا الذاتية. وبدأت أجرّب أساليب مختلفة في الرسم. وفي بدايات الشتاء تغيّر أسلوبي بشكل جذريّ".
في ذلك الوقت، فازت إحدى لوحاته بجائزة في معرض أقيم بـ روما. ثمّ دُعي للمشاركة في معارض دولية مختلفة. واشترى أعماله بعض الأمريكيين الذين ساعدوه في ما بعد على تيسير هجرته إلى أمريكا.
وبدأت جوائز عديدة أخرى تأخذ طريقها إليه. وأصبح جامعو الأعمال الفنّية في ايطاليا وفرنسا وألمانيا والولايات المتّحدة يطلبون أعماله.

تخرّج فيتشين من الأكاديمية مع منحة للسفر إلى الخارج لدراسة الفنّ. وتجوّل في عواصم الفنّ في أوروبّا. واستوعب فنّ النمسا وايطاليا وألمانيا وفرنسا. واستكشف خلال رحلته تلك تقنيّات اللون والضوء والهواء التي كان يستخدمها رينوار وديغا ومانيه ومونيه وسورا. وترك كلّ واحد من هؤلاء تأثيرا ما عليه طوال حياته.
في عام 1913، أصبحت الفتاة الأرستقراطية الجميلة الكسندرا بلكوفيتش ابنة مؤسّس أكاديمية كازان للفنون زوجة لـ نيكولاي فيتشين. وفي عام 1914، أي في بداية الحرب العالمية الأولى، رُزق الزوجان بطفلتهما الأولى وأسمياها آيا. وخلال الثورة البلشفية عام 1917، فرّت الكسندرا وآيا إلى منزل العائلة الريفي. وفي عام 1923، وبعد الحصول على مساعدة بعض الأصدقاء، غادرت العائلة روسيا إلى مدينة نيويورك التي وصلتها بالقارب واتخذتها مقرّا ووطنا بديلا.
في نيويورك، استأنف فيتشين عمله في الرسم والتدريس على الفور. وبعد ثلاث سنوات، أصيب بمرض السلّ، ونصحه طبيبه بالبحث عن مكان يتوفّر فيه جوّ جافّ. وأوصاه احد أصدقائه بالذهاب إلى قرية تاوس في نيومكسيكو.
وبحلول عام 1926، وصل فيتشين وعائلته إلى تاوس. كان وقتها في منتصف العمر تقريبا. وقد رحّب به الهنود الحمر والأمريكيون من أصول اسبانية. وألهمه ذلك أن يرسم كرم الطبيعة والناس.
في ذلك الحين، بدأت لوحاته تكتسب جرأة ونضجا إضافيين. أصبحت مناظره أكثر حيوية وأخفّ وأكثر إشراقا بفعل الألوان النقيّة والساطعة.
في مقال روسي عن فيتشين، كتبت غالينا تولوزاكوفا تقول: التغيير الجذريّ في نظرة فيتشين إلى العالم حدث في تاوس بـ نيومكسيكو. أصبحت لوحاته تضجّ بالألوان المبهجة والمشرقة والساخنة والشديدة الكثافة".
في تاوس، اشترى الرسّام منزلا أعاد تشكيله وقام بتوسعته. ثم تحوّل المنزل في ما بعد إلى "متحف الفنّ في تاوس"، حيث يمكن للزوّار اليوم التجوّل على مهل بين الغرف والإعجاب بأعمال الرسّام، بدءاً بالخشب المحفور باليد، إلى ضربات فرشاته التي تبدو عشوائية على قماش لوحاته.

كانت الكسندرا بلكوفيتش العازل الذي يفصل فيتشين عن العالم الخارجيّ. وكانت تقوم بالاتصالات نيابةً عنه وتدير العديد من أعماله. كما كانت تحرص على إبقاء الزوّار على مسافة منه وهو يرسم. ولم يكن يتسامح مع أيّ إلهاء أو تبديد لوقته. كانت الكسندرا تتحمّل قلقه وعصبيّته. غير أن تلك العلاقة كانت مليئة بالتوتّر والصراع أيضا. وبعد إحدى فورات غضبه الموجّهة نحو الكسندرا أمام بعض رعاته، طلبت منه الطلاق. وقالت في ما بعد: كان من الممكن أن أغفر له لو انه لم يفعل ذلك أمام الزوّار".
وفي عام 1934، انتهى زواج فيتشين الصاخب من الكسندرا. وبعد أن قطع أواصره مع موطنه الأوّل، والآن مع الزوجة التي أحبّها، لم يكن أمام فيتشين إلا أن يعود مع آيا مجدّدا إلى نيويورك. وقرّر أخيرا أن يستقرّ في وادٍ قرب سانتا مونيكا حيث عاش بقيّة أيّامه. وخلال تلك الفترة، سافر مع طلابه للرسم في المكسيك وفي جزيرة بالي في أقاصي البحار الجنوبية.
على النقيض من الانطباعيّين المعروفين بضربات فرشاتهم القصيرة لخلق توتّر سطحي مع طابع ليّن وأنثوي، فإن نيكولاي فيتشين كان يستخدم فرشاة جريئة وعريضة خالقا توتّرا انفعاليا مع مسحة ذكورية. ولسنوات طويلة، سواءً أثناء حياته أو بعد فترة طويلة من وفاته، استمرّ عشرات الرسّامين يشيدون به ويحاكون أعماله المشرقة والقويّة.

Credits
fechin.com
taosartmuseum.org

Monday, June 11, 2012

عذراء أورليان

جان دارك ترفض حتى الآن أن تُوارى الثرى أو تنعم بالراحة الأبدية.
حاول أن تكتب اسمها في محرّك بحث أمازون للكتب وستحصل على أكثر من 6000 نتيجة. المحفوظات الوطنية الفرنسية تضمّ، هي أيضا، عشرات آلاف المجلّدات عنها.
ما حقيقة ما يقال عن هالة النور التي كانت تحيطها في المعارك وأسراب الفراشات التي كانت تتبع أثرها أينما ذهبت؟
ترى هل هناك شيء ما خاصّ في شخصيّة هذه المرأة يبرّر هذا الاهتمام المستمرّ بقصّتها طوال أكثر من خمسمائة عام بعد موتها؟
ولدت جان دارك قبل 600 عام. وستّة قرون هي فترة طويلة لتخليد ذكرى فتاة. وطبقاً لعائلتها وأصدقائها، لم تكن في بواكير حياتها تعرف أكثر من نسج الملابس والاهتمام بقطعان ماشية أبيها.
وقد خلّدها كلّ من شكسبير وفولتير ومارك توين وبرنارد شو وبريخت وفيردي وتشايكوفسكي وروبنز. ومؤخّرا، كانت حياتها موضوعا لمسلسل درامي تلفزيونيّ.
عندما كانت جان دارك في السادسة عشرة من عمرها أعلنت نفسها محاربة عذراء أرسلها الله لتخليص فرنسا من أعدائها الإنجليز. كانت تقول إنها تتلقّى وحياً من الملائكة على هيئة أصوات كانت تسمعها مصحوبة بنور عظيم.
لكن في العام 1428، ألحّت عليها تلك الأصوات بأن تنفّذ المهمّة التي كانت تحضّر نفسها لها. ولم تلبث الفلاحة البسيطة والمغمورة أن تحوّلت إلى بطلة ملهمة تحدّت كلّ القيود التي كانت مفروضة على النساء في القرون الوسطى المتأخّرة.
لم يكن احد يتوقّع أن تصبح جان دارك قائدا عسكريا. لكنّها غيّرت مسار حرب المائة عام، بل مسار التاريخ نفسه.
قامت جان دارك بقصّ شعرها وارتدت ملابس الرجال وحملت درعا وسيفا بإيعاز من الله. كانت محمومة في إصرارها على النجاح في مهمّة كانت بكلّ المقاييس شبه مستحيلة.
لم تكن تعرف كيف تركب الخيل أو تقود المعارك. ومع ذلك تمكّنت من إيقاظ الجيش الفرنسي المنهك والعاجز وبثّت فيه روح الحماس ونقلته من نصر غير محتمل لآخر. ثم تمكّنت من رفع الحصار عن اورليان عندما تجاهلت الاستراتيجيات الحذرة للجنرالات المخضرمين.
كانت جان دارك الأمّية والبسيطة تتنقّل بين الأساقفة والنبلاء والملوك. وكانت مصرّة على قهر العدوّ لدرجة أنها هدّدت رجال بلدها بالعنف، رغم نفورها من فكرة سفك الدماء.
ولكي تتجنّب الاضطرار إلى استخدام سيفها في المعارك، كانت تقود جيشها وهي تحمل راية طولها 12 قدما مكتوبا عليها عبارة "ملكوت السماء". وقال بعض من شاهدوها أنها كانت تقاتل في ميدان المعركة وحولها هالة من نور. وتحدّث أعداؤها عن سحب من الفراشات كانت تقتفي خطاها أينما ذهبت، بينما قال آخرون إنها كانت في حلف مع الشيطان.
وبعد كلّ معركة، لم تكن جان دارك تحتفل بالنصر، بل كانت تنعي الضحايا. ويتذكّرها رجالها وهي جاثية على ركبتيها وتبكي بينما تمسك برأس احد جنود العدوّ وهو يحتضر.
لقد فاقت شجاعة جان دارك شجاعة الرجال المتمرّسين في الحروب. وكانت دموعها تفيض بسهولة كأيّ فتاة مراهقة في مثل سنّها.
بعد سلسلة من الانتصارات، عانت جان دارك من الانتكاسات التي كانت قد تنبّأت بها لها أصواتها. فقد تمّ القبض عليها وبيعت للإنجليز، مكبّلة الأيدي والأقدام، ووضعت في زنزانة رطبة لأكثر من عام.
وأمام المحكمة رفضت أن تقرّ بان الأصوات التي كانت تتلقاها كانت هواجس ضارّة ومؤذية. وحُكم عليها أخيرا بالموت حرقاً. كان عمرها آنذاك 19 عاما. ونُفّذ الحكم أمام حشد من الناس الغاضبين. ثم عُرض جسدها المتفحّم على أيّ شخص مهتمّ بفحصه.
وبعد 30 عاما، أي في عام 1450، جرت محاكمة لإعادة تأهيل جان دارك ونقض حكم الإدانة الذي جلب لها الموت. ثم بعد 70 عاما، منحتها الكنيسة صفة قدّيسة.
ومثل كلّ الشخصيات المقدّسة التي تفصلها صفة القداسة عن جمهور الإنسانية الأوسع، تحوّلت جان دارك إلى أسطورة لامرأة نصبت نفسها وكيلة عن إرادة الله. ووجدت طريقها إلى المخيّلة الجماعية باعتبارها أسطورة حيّة وخالدة.
وبعد قرون على وفاتها، تبنّاها المسيحيون والنسويون والقوميون الفرنسيون وثوّار المكسيك وحتى مصفّفو الشعر الذين استلهموا قَصّة شعرها ورءوا فيها رمزا للتحرّر من قيود السلطة الأبوية.
الأطبّاء اليوم يشخّصون الأصوات التي كانت جان دارك تسمعها على أنها أعراض لمرض الفصام أو الصرع وحتى مرض السلّ.
جان دارك تحبط الجهود المبذولة لتأكيد صفاتها البشرية. كيف يمكن تفسير ما كانت تقوله لها أصواتها، سواءً في توجيه تحرّكاتها في المعارك أو في برمجة إجاباتها على أسئلة المحقّقين؟ وماذا عن استبصارها المشهور والروايات التي تزعم أن لمسة منها رفعت طفلا من بين الأموات، أو عن قدرتها على توجيه الرياح لتسيير أشرعة قواربها المتوقّفة؟
قد لا نكون بحاجة إلى سرد يعقلن التجربة الإنسانية أو يضخّمها بأن يضفي عليها هالة من الغموض. لكن طالما أننا نتطلّع إلى أبطال ليلهمونا وإلى قادة ترفعنا رؤاهم فوق أفقنا المحدود وتُقدّس قيمهم لتسمو فوق حياتهم الدنيوية، فإن قصّة جان دارك تظلّ واحدة من القصص الجديرة بالتذكّر والاحتفاء. "مترجم".

Sunday, June 10, 2012

من موسيقى التراث

هناك عوامل عدّة أسهمت في تشكيل الموسيقى العربية على مرّ القرون. وأهمّ تلك العوامل تأثّرها بموسيقى ما وراء النهرين وفارس واليونان القديمة واسبانيا وإيران. وهناك عامل آخر لا يقلّ أهمّية ويتمثّل في أن كثيرا من عناصر الموسيقى العربية تداخلت وتمازجت مع الموسيقى التركية زمن الإمبراطورية العثمانية.
الموسيقى التركية في ذلك الوقت أنتجت عددا من الأعلام الذين تجاوزت انجازاتهم تركيا ووصلت إلى العالم العربيّ وإيران وبعض بلدان آسيا الوسطى الناطقة بالتركية والفارسية.
ومن أشهر أولئك الأعلام تاتيوس أفندي الذي ما تزال أعماله وابتكاراته الموسيقية تحظى بشهرة واسعة وما يزال الناس يتذكّرونها إلى اليوم. ولد تاتيوس أفندي في اسطنبول عام 1858 لعائلة ارمنية تُدعى موناكيان. وبعد أن أنهى دراسته الابتدائية بدأ في تعلّم صناعة المشغولات الفضّية. ثم أصبح يبدي اهتماما بالموسيقى. لذا ترك عمله واشترى آلة قانون مستعملة ثم بدأ تعلّم العزف عليها بمساعدة عمّه الموسيقيّ. وفي ما بعد تعلّم العزف على الكمان وأتقن أساليب الغناء وعزف بصحبة ألمع الموسيقيين في زمانه.
معزوفات تاتيوس أفندي الكثيرة والمشهورة تعكس تنوّع التراث الموسيقيّ التركي كما تشهد بمعرفته الواسعة ببنية الموسيقى التراثية التركية. كان مشهورا خاصّة ببراعته في تدوين النوتة بمجرّد سماعه للموسيقى. وقد تتلمذ على يديه عدد من أشهر الموسيقيين مثل منير مظهر ومصطفى سونار وعبدالقادر توري وغيرهم.
قضى تاتيوس أفندي سنواته الأخيرة مريضا ووحيدا. كانت صحّته تتدهور بسرعة بسبب إسرافه في تناول الكحول. ومات متأثّرا بتليّف الكبد في مارس 1913م ودُفن في المقبرة الأرمنية في اسطنبول.
أشهر أعماله المحفوظة إلى اليوم هي مجموعة البشارف والسوزناك والمقامات، بالإضافة إلى العديد من الأغاني. والكثير من أعماله تُدرّس في معاهد الموسيقية العربية وتُعزف بانتظام مثل سماعي كرد حجاز كار وسماعي رست وغيرهما. لكن بعض أعماله الأخرى فُقدت لأنها لم تدوّن ونُسيت مع مرور الزمن.

ولا يقلّ شهرة عن تاتيوس أفندي زميله ومعاصره الموسيقيّ الكبير جميل بيه الطنبوري. كان مشهورا ببراعته في العزف على آلة الطنبور، ومن اسمها اكتسب كُنيته. كما اشتهر أيضا بتقاسيمه وارتجالاته وبإلمامه الكبير بفنّ المقامات في الموسيقى العثمانية الكلاسيكية.
ولد جميل بيه الطنبوري في اسطنبول عام 1873م. وكانت أولى دروسه الموسيقية على آلتي الكمان والقانون. وبعد انتهائه من الدراسة الإعدادية، كرّس كلّ وقته لتعلّم الموسيقى. وعندما بلغ العشرين من عمره أصبح اسمه مشهورا بين عازفي الطنبور في اسطنبول. وقد عُرف جميل بيه بابتكاراته الموسيقية الكثيرة شكلا ومضمونا، وببراعته في العزف على مجموعة من الآلات الموسيقية دفعة واحدة مثل التشيللو والقانون والكمان.
وكان لأعماله تأثير كبير على أجيال عديدة من الموسيقيين الأتراك والعرب. البشارف والمقامات "أو الفصول كما تُسمّى بالتركية" والمعزوفات والتقاسيم والسماعيّات واللونغات الكثيرة التي ألّفها ما تزال تُعزف إلى اليوم. وهي تنمّ عن ذوق رفيع ويتطلّب عزفها الكثير من الموهبة والإتقان. ولا يكاد يخلو كتاب من كتب الموسيقى العربية الأكاديمية من وصف وتحليل لأعماله المعروفة والمشهورة مثل سماعي فرح فازا و سماعي شد عربان "ومعنى الكلمة ضبط الأوتار على النغمات العربية دون غيرها" و لونغا نكريز و سماعي حسيني و سماعي محيّر . ومعظم أعماله حُفظت بعد وفاته، لكنه رحل قبل أن يكمل بعضها الآخر.
كان جميل بيه الطنبوري إنسانا حسّاسا وعصبيّا جدّا. وقد عانى كثيرا من آثار إدمان الكحول، خاصّة عند نهايات حياته. وكانت وفاته في يوليو من عام 1916 عن 45 عاما.
وأختم هذا الموضوع بقطعة موسيقية أخرى من التراث بعنوان سماعي بيات "الفيديو الثاني فوق". هذه المعزوفة شائعة ومشهورة كثيرا. وكنت أظنّ في ما مضى أنها لـ جميل بيه الطنبوري. لكن اكتشف مؤخّرا فقط أنها للموسيقي المصريّ إبراهيم العريان الذي عاش في بدايات القرن الماضي. وللأسف لا يُعرف عن حياته أو عن أعماله الأخرى الشيء الكثير. هذه المقطوعة الجميلة والواسعة الانتشار ظلّت تُعزف مرارا وتكرارا وهي تُعتبر من التحف الموسيقية الخالدة التي لا تتقادم ولا تبلى بمرور الزمن.