:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, June 16, 2012

المعنى بين الحقيقة والمجاز

من الأشياء المثيرة للاهتمام التحوّل الذي يطرأ أحيانا على بعض ألفاظ اللغة لتنتقل من حيّز الحقيقة إلى فضاء الاستعارة والمجاز.
خذ مثلا كلمة غزْل أو نسيج، التي تحيلنا إلى مهنة قديمة تتطلّب قدرا من البراعة والفنّ. ثم تأمّل كيف غادرت مفردة النسج، الرقيقة والناعمة، معناها الحقيقيّ لتكتسب معنى استعاريّا يرمز إلى الدهاء والخداع والتآمر، كما في قولنا: فلان ينسج حيلة أو يحيك مؤامرة.
من المعروف أن العنكبوت ينسج بيته من الخيوط الرقيقة والرفيعة، لكن القويّة بما يكفي للإطباق على فرائسه من الحشرات والهوامّ الصغيرة.
وفي ملحمة الاوديسّا، يتحدّث هوميروس عن بينيلوب زوجة البطل اوديسيوس. كانت مشهورة بوفائها لزوجها لدرجة أنها انتظرت عودته من حرب طروادة عشر سنوات كاملة ورفضت عشرات الخاطبين الذين تقاطروا على بيتها يطلبونها للزواج. كانوا يلحّون عليها بأن تتزوّج احدهم، محاولين إقناعها بأن اوديسيوس مات ولن يعود أبدا.
وفي محاولتها لصرفهم وإشغالهم، أبلغتهم أنها لن تتزوّج حتى تنتهي من نسج كفن لوالد زوجها. ولكي "تنسج" خطّتها جيّدا، كانت بينيلوب تنسج غزلها في النهار ثم تنقضه في الليل. أي أنها كانت خدعة "دبّرتها بليل" كما يقولون.
والحقيقة أن كلّ عناصر المؤامرة متوفّرة في هذه القصّة الجميلة والمعبّرة: الظلام، الخداع، الحيلة، التسويف، شراء الوقت والتظاهر بفعل شيء لصرف الأنظار وتشتيت الانتباه عن الهدف الحقيقي.
لكن بعد أربع سنوات من التأخير والمماطلة، كشف احد خدم بينيلوب عن خدعتها، ما أثار غضب الخاطبين. فأصرّوا على أن تختار على الفور ودون إبطاء واحدا منهم كزوج.
في تلك الأثناء عاد اوديسيوس سرّا من رحلته الطويلة متخفيّا في ثياب رجل متسوّل. وبعد أن وصل، أمر بذبح جميع الخاطبين عقابا لهم على انتهاك بيته وتنغيص حياة زوجته.
بالمناسبة، يقال أن كلمة غزَل "بفتح الزين" التي تعني محاولة التقرّب من النساء والتودّد إليهنّ مشتقّة من الغزال الشادن. لكن أظنّ أن هذه المفردة، أيضا، ليست بعيدة عن غزل أو نسج الخيوط، لأن فعل الغزَل يتطلّب، هو الآخر، قدرا من الرقّة والعذوبة وينطوي، بنفس الوقت، على شيء من الحيلة والدهاء، وحتى الفنّ.
وعلى ما يبدو، فإن تحوّل بعض المفردات وانتقالها من الحقيقة إلى المجاز لا يتّصل باللغة فحسب، وإنما أيضا بطريقة عمل دماغ الإنسان وبالحواسّ التي تترجم الصور والحالات والمواقف إلى أفكار واستعارات.
والاستعارة، في نهاية الأمر، ليست أكثر من حيلة جميلة تعوّض عن نقص إمكانيات اللغة في الإمساك بصورة أو موقف أو مزاج معيّن.

موضوع ذو صلة: نساء الأوديسّا

No comments: