:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Friday, July 08, 2011

فان دايك في انجلترا


لا بدّ وأن تتحرّك مشاعرك وأنت ترى لوحة الليدي ديغبي لـ انطوني فان دايك. تبدو المرأة نائمة، رأسها يستريح برفق فوق يدها. لكن بعد ذلك، ستلاحظ أن إحدى عينيها مفتوحة بطريقة غير طبيعية، وتدرك أنها ميّتة. فان دايك يستحضر في هذه اللوحة صورة خالدة من صور الصفاء والجمال ضمن فكرة الموت.
وهناك لوحات حزينة أخرى لهذا الرسّام. وهي تعكس أجواء القرن السابع عشر: الطاعون، الحرب والموت المبكّر. ومع ذلك، ثمّة لوحات أخرى لـ فان دايك تصوّر مواضيع دينية وأسطورية، بالإضافة إلى بورتريهات للعديد من الأشخاص بملابسهم الرائعة الألوان. وهذه الأخيرة هي التي اشتُهر بها أكثر من غيرها.
كان فان دايك في لوحاته يحتفظ بالحدّ الأدنى من الرمزية بحيث يمكنك تركيز الاهتمام على الفرد، لا سيّما تعابير وجهه وحركات يديه. لوحته التي رسمها لـ ماريا لويزا دي تاسيس لا بدّ وأن تغريك بابتسامتها التي تشبه كثيرا ابتسامة الموناليزا.
المؤرّخ كريستوفر هيل وصف ذات مرّة فان دايك بأنه كان يروّج للحكم المطلق بتزييفه لحقيقة المظهر في لوحاته". لكن الردّ على هذا الكلام قد يكون شديد التعقيد.
ولد انطوني فان دايك في انتويرب في بلجيكا عام 1599، وهي مدينة تقع على خطّ المعركة بين الإصلاح البروتستانتي والكاثوليكية المضادّة للإصلاح. وقد بُنيت المدينة كي تكون مركزا تجاريّا. وكان والد فان دايك تاجر أقمشة. والكثير من رعاته كانوا من التجّار أيضا.
في ذلك الزمان، شهدت الفنون والثقافة طفرة كبيرة، وبخاصّة في إيطاليا التي ازدهرت فيها دراسة الثقافة اليونانية والرومانية الكلاسيكية خلال عصر النهضة. الفنّ في تلك الفترة، بحسب ما يقوله الناقد الماركسي الروسي البارز بليخانوف، كان يمرّ بتحوّل مهم تمثّل في حقيقة أن الفكرة المسيحية المثالية عن الشكل البشري كانت في تراجع بفعل الأفكار الدنيوية التي كان ظهورها محتّما مع بداية النضال الحضري من أجل التحرّر.
صور المادونات، على سبيل المثال، أصبحت مشبعة بملامح الوجود الأرضي البحت، لدرجة أنه لم يعد يجمعها شيء مع العذراوات التقيّات في العصور الوسطى.
كان ذلك العصر عصر دافنشي ومايكل أنجيلو ورافائيل وتيشيان وعلم دراسة المنظور والتشريح البشري.
الأساليب الفنّية الجديدة كانت تغزو جميع أرجاء أوربّا. والتجارة والسفر والطباعة سهّلت التفاعل بين الأشكال والأساليب الفنّية المختلفة. ولوحات المناظر الطبيعية الضخمة التي نشأت في هولندا عادت إلى الظهور مجدّدا في لوحات عصر النهضة في فينيسيا، والتي استفاد منها فان دايك خلال إقامته في انجلترا.
الفنّان الألماني البريخت ديورر (1471-1528) زار فينيسيا في وقت لاحق، وساعد في إدخال أساليب عصر النهضة الإيطالي إلى بلده. و هولبين (1497-1543) قام بتزيين الكنائس الألمانية متأثّرا بأسلوب عصر النهضة. ثم هاجر بعد ذلك إلى انجلترا البروتستانتية.
ولد فان دايك في خضمّ هذه العاصفة السياسية والاجتماعية والثقافية. كانت عائلته كاثوليكية ملتزمة. فاثنتان من شقيقاته انضمّتا إلى احد الأديرة بينما أصبح شقيقه كاهنا. وهو نفسه، أي الرسّام، انضمّ إلى جماعة يسوعية.
تتلمذ أنطوني فان دايك على احد رسّامي انتويرب الكبار، وهو هندريك فان بيلين عندما كان عمره عشر سنوات. وبعد بضع سنوات أخرى، أصبح يدرس على يد بيتر بول روبنز.
كان روبنز الرسّام الأوّل في العالم الكاثوليكي. وكان يتبع التقاليد الفلمنكية التي بدأها رسّامون مثل بريغل الذي كان يحاكي الطبيعة ويرسم مشاهد ريفية. لكن بعد أسفاره في ايطاليا، أصبح فان دايك متأثّرا بجمال وبساطة أعمال انيبالي كاراتشي وكارافاجيو.
وعندما عاد إلى بلجيكا، أصبح أوّل فنّان يرسم الصور الكبيرة. وأعماله في ذلك الوقت مليئة بالحركة والناس، لكن ما يزال فيها إحساس بالضوء والمكان. ومقارنة مع صوره، كانت لوحات الرسّامين من مواطنيه صغيرة ورسمية ومتيبّسة.
استوعب فان دايك بسرعة أسلوب وتقنيات روبنز. وكان الأخير يعتبره أفضل تلاميذه. لكن على الرغم من تأثير روبنز الكبير عليه، إلا انه كان قد بدأ بالفعل أسلوبه الخاصّ به.
وكان أفراد الطبقة البرجوازية الصاعدة في انتويرب يرعونه ويقدّرونه. وفي لوحاته العديدة التي رسمها لهم، يظهر هؤلاء بملابسهم السوداء وياقاتهم البيضاء وعلى وجوههم علامات الفخر والزهو بوضعهم الجديد.



في ايطاليا، رسم فان دايك العديد من الصور الجميلة واللوحات الدينية. كما عمّق دراسته لفنّ عصر النهضة في فينيسيا، وخاصّة تيشيان. وقبيل وفاته، كان قد جمع سبع عشرة لوحة من أعمال هذا الأخير.
كان تيشيان الأكثر شهرة بين معاصريه بسبب بورتريهاته. وكان للوحاته نوعية حالمة، مقارنة بـ فان دايك الذي كان يضع البشر بقوّة على الأرض.
وقد أمضى فان دايك سنواته الأخيرة في لندن كرسّام للبلاط. وأقام هناك ورشة فنّية كانت تنتج لوحة كلّ أسبوع. ومثل روبنز، كان غالبا ما يترك العمل الأساسي لمساعديه ويكتفي فقط بإضافة اللمسات الأخيرة.
وجوده في لندن تزامن مع فترة حكم الملك تشارلز الأوّل الذي كان يمارس حكما فرديّا. فالبرلمان لم ينعقد من 1628 إلى 1640م. وتشارلز، البروتستانتي، كان يعتمد على الطبقة الأرستقراطية. وكان خصومه من التجّار ومُلاك الأراضي الذين كانوا يخشون عودة الكاثوليكية لأن ذلك كان يعني ضياع أراضيهم. وقد ركّز هؤلاء كراهيتهم على الملكة هنرييتا ماريّا التي كانت فرنسية وكاثوليكية. وكان فان دايك، بحكم وظيفته، مقرّبا من البلاط.
تصوير فان دايك للسلطة ربّما يغضب بعض الناس. ومع ذلك، فإن لوحاته تُعتبر سجلا رائعا لـ انجلترا التي كانت وقتها تتّجه إلى الحرب الأهلية. وقد وجد رعاته أنفسهم على كلا الجانبين في هذا الصراع.
كان ايرل سترافورد عضوا في مجلس العموم ونائبا في البرلمان. ثمّ عُيّن كبيرا لمستشاري الملك تشارلز. وقد حوكم من قبل البرلمان المنصّب حديثا في العام 1641 وأعدم بعد أن وقّع تشارلز نفسه على الحكم بقتله.
في اللوحة التي رسمها له فان دايك، يقف ايرل سترافورد بشعره القصير وبدلته السوداء اللامعة بينما يقف إلى جانبه كلب صيد ايرلندي. ملامح وجه الرجل كما يظهر في اللوحة تكتسي بتعابير هي مزيج من التوتّر والخوف.
بعد فترة وجيزة من وصوله إلى انجلترا في 1632، تلقّى فان دايك تكليفا من الملك بأن يرسم له لوحة بمعيّة الملكة.
وفي اللوحة قلّل فان دايك من أهمّية الجانب الاحتفالي ورسم الزوجين، الملك والملكة، بملابس زاهية فيما تشارلز ينظر بمحبّة نحو هنرييتا الجميلة.
هل زوّر فان دايك مظهر الحقيقة هنا؟ الزوجان الملكيان لم يكونا قد رأيا بعضهما لمدّة ثلاث سنوات بعد زواجهما المرتّب. ابنة أخت هنرييتا وصفتها آنذاك بأنها "امرأة صغيرة بذراعين نحيفتين طويلتين وكتفين ملتويين وأسنان بارزة من فمها مثل بنادق في حصن".
تشارلز كان ينظر إلى الفنّ كوسيلة للترويج لنفسه كملك لبريطانيا. لكن حتى هذه الصورة لها جانبها التخريبي. إذ لم يحدث من قبل أن ظهر ملك بهذا الشكل الإنساني والمتحرّر من جبروت السلطة.
وفي بعض لوحاته العائلية، حطّم فان دايك التقليد القديم الذي كان يقضي بأن يكون الرجل إلى اليمين والمرأة إلى اليسار.
كما كان يعامل الأطفال كأفراد لهم شخصيّاتهم الخاصّة، ما أضاف لمسة من الشقاوة والخفّة إلى لوحاته.
توفي فان دايك في السادس من ديسمبر 1641 عن اثنين وأربعين عاما. وخلال حياته القصيرة أنتج ما يقرب من ألف لوحة. وقد عاش كما يعيش الارستقراطيون وكان متعاطفا مع اليسوعيين والملكيين. غير أن هذا لا ينتقص من جاذبية فنّه.
ويبدو انه كان قادرا على المزج بين مختلف التيّارات في الفنّ الأوروبّي كي ينتج صورا جميلة وقويّة ومملوءة بالشعور بالألفة والفردانية والبعد عن الرسمية.
قبل وفاته بثمان سنوات، رسم فان دايك لنفسه بورتريها شخصيا يظهر فيه مرتديا قميصا من الحرير الأحمر اللامع وحول كتفه سلسلة ذهبية بينما ينظر إلى الوراء. يده اليمنى تشير إلى زهرة كبيرة ومتفتّحة من أزهار عبّاد الشمس، رمزا لولائه للملك، وخلفها زهرة أخرى ذوَت وذهبت نضارتها.
هذه اللوحة رسمها وهو في أوج شهرته وثرائه. والمعنى الكامن فيها ما يزال يثير إعجاب الناس إلى اليوم. كأن الرسّام يقول: أنا هنا مثل عبّاد الشمس. عشت هذه الحياة واكتشفت جوهرها. لقد جعلتْ منّي إنسانا ثريّا ومشهورا. ولكن، ما قيمة كلّ هذه الثروة والشهرة عندما يموت عبّاد الشمس"؟!

Credits
nationalgallery.org.uk
historytoday.com

Thursday, July 07, 2011

Wednesday, July 06, 2011

رحلة إلى التبت


كولين ثوبرون هو واحد من أكثر كتّاب السفر والرحلات موهبة واحتراماً في هذا العصر. وقبل سنوات، فاز بجائزة توماس كوك لكتب الرحلات عن مؤلّفه "ما وراء السور: رحلة عبر الصين".
كتابه الأخير "إلى جبل في التبت" يعتبر تحفة حقيقية. وكعادته في كتبه السابقة، يعرض المؤلّف أفكاره ومشاهداته بلغة رشيقة وشاعرية. ولكن بالإضافة إلى هذا، يضيف ثوبرون إلى كتابه الجديد مسحة إنسانية حزينة لأنه يرصد من خلال رحلته قصّة أفراد عائلته الذين قضوا جميعا.
تبدأ الرحلة في جناح بالمستشفى الذي شهد وفاة آخر فرد من أفراد أسرته. فقد توفّيت والدته مؤخّرا فقط. وقبل ذلك، رحلت شقيقته ذات الواحد والعشرين عاما. والكتاب بمعنى ما، هو محاولة لإحياء ذكراهما.
الوجهة النهائية لرحلة كولين ثوبرون هذه المرّة هي جبل يُدعى كايلاش يقع في مملكة التبت. هناك يقوم احد أقدس الجبال في العالم حسب اعتقاد ما يقرب من خُمس سكّان الكرة الأرضية.
لكن الجبل يقع في منطقة قاسية ووعرة يسكنها أناس فقراء ولم يسبق سوى للقليل من الغربيين أن بلغوا ذلك المكان المهيب.
و ثوبرون يصطحب معه في رحلته دليلا وطبّاخا وحارساً.
هذه الرحلة يمكن اعتبارها نوعا من الحجّ المقدّس يتأمّل الكاتب خلاله معنى فقدان والديه وأهله. لكنّه في نفس الوقت يكتب عن الأرواح الطيّبة وكرم الناس العاديين الذين التقاهم على طول الطريق، فضلا عن جمال المناظر الطبيعية في بلاد التبت.
الكتاب يتضمّن أيضا كلّ الأشياء التي تتوقّعها من كاتب مثل كولين ثوبرون. فهو مثلا يورد أوصافا رائعة لكلّ ما رآه وتعلّمه من دروس أثناء ترحاله. وهناك أيضا الملاحظات الجميلة عن حياة الناس الذين يعيشون في الأماكن النائية التي زارها.
كايلاش مكان يصعب بلوغه. والأكثر صعوبة أن تحصل على إذن لزيارته. والجبل يتمتّع بقدسية كبيرة عند الهندوس والبوذيين وأتباع ديانات التبت القديمة. كما انه المكان الذي تنبع منه الأنهار الأربعة العظيمة في الهند.
منظر الجبل جميل بشكل مذهل. ولكنه محاط بالأخطار. فهو مرتفع جدّا كما أن طقسه مثلج طوال أيّام السنة، يضاف إلى ذلك كثرة الانهيارات الجليدية على طول الطريق المؤدّي إليه.
وكايلاش مسجّى بقصص البشر المقدّسين والآلهة المتعدّدة. كما تتوزّع حول قمّته المعابد القديمة التي دُمّرت أثناء الثورة الثقافية قبل أن يعيد بناءها المؤمنون الفقراء.
ومثل طقوس الحجّ الأخرى، يجري الطواف حول قمّة الجبل. لكن الهواء هناك جافّ ومتجمّد. وثوبرون يجد أن هذه التجربة تفجّر رؤى وأفكارا غير متوقّعة. وقد رأى في المكان أشكالا لشياطين وبصمات على الحجارة تركها أشخاص مقدّسون.
من فوق أعلى قمم كايلاش، تبدو الهاوية في الأسفل سحيقة ومخيفة. والمنظر يذكّر المؤلف باليوم الذي توفّيت فيه شقيقته بينما كانت تتزلّج في أحد الجبال. "سألت والدتي بعض الغرباء أن يصلّوا من اجلنا. وعندئذ فقط أحسست بالخوف. أمّي لم تكن تحبّ أن تزعج أحدا".
أثناء رحلته يشرح ثوبرون للقارئ كيف أن الآلهة العديدة هناك تساعد الناس في هذه الأرض الصعبة المراس على التعامل في مواجهة عالم لا يمكن التكهّن به. وقد وجد بعض العزاء في حديث راهب ذكّره بحكمة بوذية قديمة تقول: "في النهاية، ينبغي على الإنسان أن يرحل ويترك خلفه كلّ من يحبّ".
ويستخدم المؤلّف الأفكار البوذية كأساس لكتابة تأمّلاته عن دورة الحياة وعن معنى المعاناة. كما انه يحاول استحضار ذكريات قديمة تأتي بصعوبة ومن ثم يحوّلها إلى أفكار هادئة وذات مغزى.
أثناء الرحلة، يصعد ثوبرون إلى ماناساروفار، وهي عبارة عن جنّة أرضية تقع على مساحة مائتي ميل مربّع من الماء وترتفع عن سطح البحر بأكثر من خمسة عشر ألف قدم. ماناساروفار ما تزال إحدى أقدس البحيرات في العالم. هنا طهّرت والدة غوتاما بوذا نفسها قبل أن تستقبله في رحمها.
يقول ثوبرون متحدّثا عن هذا المكان بأسلوب اقرب ما يكون إلى قصيدة منثورة: تقع البحيرة خلف اكبر حاجز جبلي على الأرض. وهي محاطة بهضاب من النقاء البارد. ومياهها تفيض في الوقت المناسب. هذا المكان ممنوع على الغرباء دخوله لأسباب غامضة. وله صدى يشبه ذاكرة شيء ضائع، حياة ما من زمن أكثر نقاءً. وربّما يخبّئ بداخله مفاتيح إلى عالم ما بعد الموت".
ثوبرون يشقّ طريقه إلى ماناساروفار صعودا مع مئات الحجّاج إلى هذه المنطقة المشحونة بالقداسة كي يجدوا السلام مع موتاهم ويتطّهروا من ذنوبهم في هذه الدنيا وفي الحياة الآخرة.
وفي أعلى الدير، يتداخل الرهبان مع بعضهم "مثل طيور السنونو التي تنتظم في أسراب صغيرة، بينما تعكس المصابيح خطوطا من الضوء على ضفّتي الجبل المتجمّد".
الرحلة إلى كايلاش قصيرة إلى حدّ ما. لكنها مليئة بالمخاطر. الجانب النيبالي من الحدود، وهو معقل سابق للمتمرّدين الماويّين، لا يمكن بلوغه إلا على متن طائرة صغيرة. ومن هناك تبدأ رحلة على الأقدام فوق قمم صخرية شديدة الانحدار لدرجة أن خطوة واحدة غير محسوبة قد تنتهي بالمسافر إلى السقوط في نهر متجمّد في الأسفل.
الجانب الصيني، وهو منطقة عسكرية مليئة بالجنود وكاميرات التجسّس، ما يزال يحمل بعضا من آثار جنون الثورة الثقافية، عندما دُمّرت الآلاف من الأديرة البوذية من قبل الحرس الأحمر.
السلطات الصينية قلقة. فالذكرى الخمسون لهروب الدالاي لاما إلى المنفى كانت قد مرّت للتو. وذكريات أحداث الشغب التبتية قبل دورة الألعاب الاولمبية في بيجين كانت ما تزال حيّة في الأذهان.
بعض الذين حاولوا الوصول إلى هذا الجبل ماتوا في الطريق. والبعض الآخر عادوا أدراجهم قبل أن يبلغوه. وعلى طول الطريق، تبدو مدرّجات "الدفن السماوي" وقد سوّيت بالصخور وتناثرت فيها قطع الملابس والعظام البشرية وريش النسور التي تلتقط الجثث وتنهشها نظيفةً.
يتضمّن الكتاب أيضا وصفا للأضرحة البوذية الغامضة والطقوس الدينية المختلفة مع إشارات متكرّرة عن مكانة ارض التبت في المخيّلة الغربية وفي التاريخ والأساطير. كما يتحدّث المؤلّف عن نباتات وحيوانات، بعضها يشير إلى طبيعة بكر وفاتنة والبعض الآخر يأتي على ذكرها كما لو أنها من كوكب بعيد.
ثم يتحدّث ثوبرون عن المستكشفين والمغامرين الذين سبقوه إلى كايلاش، ومنهم علماء نبات بريطانيون وجواسيس هنود ومبشرّون يسوعيّون، بالإضافة إلى ارستقراطي اسكتلندي تجوّل ذات يوم في مياه البحيرة المقدّسة على متن زورق مطّاطي. وهي جريمة كلّفت الحاكم المحلّي آنذاك رأسه.
"إلى جبل في التبت" كتاب أنيق ورائع. لكنه لا يوفّر خلاصاً. بل يصحّ أن يوصف بأنه مرثية لكلّ ما يجعل منّا بشرا. ولا يمكنك أن تطلب من كتاب أكثر من هذا. "مترجم".
موضوع ذو صلة: رحلة على طريق الحرير

Monday, July 04, 2011

جمال التفاصيل



هناك الكثير من التفاصيل والأشياء الصغيرة التي قد تفوتنا ملاحظتها في بعض الأحيان. وأحيانا، تستطيع أن تكتشف في لحظة واحدة ما لا تستطيع اكتشافه في يوم كامل. وأتفه الأمور، ظاهريا، قد تنطوي على جمال عظيم إذا ما أتيح لها عين مبصرة ومتيقّظة.
ضربات أجنحة طائر. قطعة من شوكولاتة جيّدة الصنع تذوب حقّا في فمك. مشوار بالسيّارة إلى مكان هادئ وبعيد عن الزحام والضجيج في ليلة شتوية، بعد أن تسكن الرياح وتصمت حتى الحيوانات والحشرات الصغيرة. عندما توقف محرّك السيارة وأنت جالس بداخلها، ستستمع وتستمع إلى أن تسمع الصمت نفسه وهدير اللاشيء.
رينوار كان شغوفا كثيرا بالأشياء التي قد تبدو تافهة في الظاهر. وكثير من لوحاته تتضمّن موضوعا مهيمناً. قد يكون شخصا ما، أو مجموعة من الناس، أو جمادا مرسوما بشكل بارز في وسط اللوحة.
هذه الأشياء المسيطرة هي فقط الطبقة السطحية في اللوحة. والهدف منها تشتيت انتباه الناظر.
قد تكون الشخصية المهيمنة آسرة. امرأة جميلة، على سبيل المثال. لكنّها في الوقت نفسه، وفي أحيان كثيرة، قد تكون بسيطة ومملّة.
اللعبة الحقيقية في لوحات رينوار تتضمّن مشهدا غير مرئي بما فيه الكفاية في الخلفية. في كثير من الأحيان، لكن ليس دائما، كان يرسم هذه الأشياء في الزاوية العليا إلى يمين اللوحة.
دعونا نرى بعض الأمثلة..


المرأة والرجل في هذه اللوحة يجلسان في مسرح. المرأة هي العنصر المهيمن. تبدو جميلة. إنها تنظر إلى المتلقّي. لكنّها في نفس الوقت تنظر إلى مكان الحدث، أي خشبة المسرح. نظراتها الجميلة وخصلة الشعر المنسدلة على عينها اليسرى يأسران الناظر.
هناك زهرة كبيرة ترتاح على صدرها وأخرى مثبّتة في شعرها. كما أنها ترتدي حول عنقها قلادة لؤلؤية من سبعة صفوف، وتضع في أذنيها قرطين ضخمين مرصّعين بالألماس.
هي، ظاهريا، تتابع كلّ شيء. لكنّها، في واقع الأمر، لا تفعل.
رفيقها الذي يجلس خلفها يبدو وكأنه اختار وضعية الجلوس هذه لكي لا تلاحظ ما يفعله. هو ربّما لا يتابع ما يحدث. انه ينظر إلى شيء ما بعيداً عن خشبة المسرح باستخدام منظار.
يُحتمل انه ينظر باتجاه السقف أو الشرفة. ترى ما الشيء المثير الذي يشدّ انتباهه ويصرفه بعيدا؟
فمه مفتوح قليلا، كما لو انه يحدّق في شيء وهو غير مصدّق ما يراه.
هل يكون هذا الرجل مخبرا سرّيا يبحث عن قاتل مشبوه على المسرح أو بين الجمهور؟
هناك احتمال انه يحدّق في امرأة أخرى في الشرفة.
لكن من يدري! كلّ هذه الورود والألماس واللؤلؤ والملابس الفاخرة قد تخفي وراءها امرأة بعيدة وباردة لا يستطيع الرجل هضمها ولا يتحمّل البقاء معها.


المرأة الجميلة هنا هي الشكل المهيمن. وجنتاها مضيئتان على الرغم من ظلال المظلّة التي تقيها حرارة الشمس. لا يمكنك إلا أن تشفق على النساء اللاتي يُطلب منهنّ ارتداء ملابس ثقيلة وصارمة من العصر الفيكتوري حتى في ذروة حرارة الصيف اللاهبة.
ولكن ماذا عن الطفل؟
في مشهد رعوي مترع بأشعة الشمس الساطعة والحشائش الطويلة والأزهار البرّية، تمكّن الرضيع من العثور على بقعة ممنوعة في قلب الظلام.
لماذا نحن هكذا منجذبون دائما إلى المحرّمات؟
من الواضح أن المرأة لا تلاحظ الخطر الوشيك لأنها مشتّتة الذهن بفعل الحرارة والرطوبة ورائحة العرق ونشاز غناء الحشرات الصيفية.
إنها غير قادرة على ملاحظة التفاصيل الصغيرة التي تفتن رينوار والطفل الصغير.


هناك الكثير ممّا يجري هنا. معظم الأشخاص يبدون سعداء. ولكن لسبب ما، وبعد أن تتجوّل عيناك في جميع أرجاء المكان لتستوعب المشهد، ستستقرّان على المرأة الوحيدة التي تحتسي كأسا في منتصف خلفية اللوحة.
إنها الشخص الوحيد الذي لا ينظر إلى احد ولا احد ينظر باتجاهه. تبدو هذه المرأة مستغرقة في عالمها الخاصّ، بينما تشرب كأسا من احد أنواع الخمرة المقطرّة التي كانت متوفّرة في فرنسا القرن التاسع عشر.
المرأة في المقدّمة إلى اليسار، تستعدّ لتقبيل كلبها.
للوهلة الأولى، يبدو الرجل ذو الجاكيت والقبّعة باللون البنّي في وسط اللوحة وكأنه ينظر إلى الفتاة الحسناء المتكئة على السياج. لكنه لا يفعل. فلديه ما يكفي من الفتيات الجميلات. وبدلا من ذلك، هو يراقب السفن وهي تمرّ عبر البحيرة والشراب في يده. انه يتمنّى لو انه في مكان آخر غير هذه الخيمة ومع أناس غير هؤلاء الناس.
لكن هناك شيئا آخر أكثر مدعاة للاهتمام. لا، ليس المقصود الشابّ الذي يقف إلى يمين اللوحة، وهو بالمناسبة الوحيد في المشهد الذي لا يرتدي قبّعة، والذي يحاول لفت انتباه الفتاة المغرمة بالشخص الذي يجلس إلى يساره. الأمر المثير للانتباه هو المنظر التعيس الوحيد في اللوحة والذي وضعه رينوار في أقصى الزاوية اليمنى من الخلفية. المرأة في تلك البقعة تضع يديها على وجهها كما لو أنها تحسّ بالإعياء أو أنها تمسح دموعها. الرجل الذي يجلس أمامها يطوّق خصرها بيديه كي يواسيها أو ربّما ليُظهر لها اهتمامه. هذان هما الشخصان الوحيدان في اللوحة اللذان يجري بينهما اتصال جسدي. هي تبدو مذهولة. وهناك رجل آخر يجلس بجانبها ويحاول أن يعبّر لها عن تعاطفه.
وباستثناء هذين الشخصين، لا يبدي أيّ من الآخرين أيّ قدر من القلق لحالة المرأة.
.. والمرأة الوحيدة مستمرّة في الشراب. .

Credits
pierre-auguste-renoir.org
npr.org