:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Monday, July 04, 2011

جمال التفاصيل



هناك الكثير من التفاصيل والأشياء الصغيرة التي قد تفوتنا ملاحظتها في بعض الأحيان. وأحيانا، تستطيع أن تكتشف في لحظة واحدة ما لا تستطيع اكتشافه في يوم كامل. وأتفه الأمور، ظاهريا، قد تنطوي على جمال عظيم إذا ما أتيح لها عين مبصرة ومتيقّظة.
ضربات أجنحة طائر. قطعة من شوكولاتة جيّدة الصنع تذوب حقّا في فمك. مشوار بالسيّارة إلى مكان هادئ وبعيد عن الزحام والضجيج في ليلة شتوية، بعد أن تسكن الرياح وتصمت حتى الحيوانات والحشرات الصغيرة. عندما توقف محرّك السيارة وأنت جالس بداخلها، ستستمع وتستمع إلى أن تسمع الصمت نفسه وهدير اللاشيء.
رينوار كان شغوفا كثيرا بالأشياء التي قد تبدو تافهة في الظاهر. وكثير من لوحاته تتضمّن موضوعا مهيمناً. قد يكون شخصا ما، أو مجموعة من الناس، أو جمادا مرسوما بشكل بارز في وسط اللوحة.
هذه الأشياء المسيطرة هي فقط الطبقة السطحية في اللوحة. والهدف منها تشتيت انتباه الناظر.
قد تكون الشخصية المهيمنة آسرة. امرأة جميلة، على سبيل المثال. لكنّها في الوقت نفسه، وفي أحيان كثيرة، قد تكون بسيطة ومملّة.
اللعبة الحقيقية في لوحات رينوار تتضمّن مشهدا غير مرئي بما فيه الكفاية في الخلفية. في كثير من الأحيان، لكن ليس دائما، كان يرسم هذه الأشياء في الزاوية العليا إلى يمين اللوحة.
دعونا نرى بعض الأمثلة..


المرأة والرجل في هذه اللوحة يجلسان في مسرح. المرأة هي العنصر المهيمن. تبدو جميلة. إنها تنظر إلى المتلقّي. لكنّها في نفس الوقت تنظر إلى مكان الحدث، أي خشبة المسرح. نظراتها الجميلة وخصلة الشعر المنسدلة على عينها اليسرى يأسران الناظر.
هناك زهرة كبيرة ترتاح على صدرها وأخرى مثبّتة في شعرها. كما أنها ترتدي حول عنقها قلادة لؤلؤية من سبعة صفوف، وتضع في أذنيها قرطين ضخمين مرصّعين بالألماس.
هي، ظاهريا، تتابع كلّ شيء. لكنّها، في واقع الأمر، لا تفعل.
رفيقها الذي يجلس خلفها يبدو وكأنه اختار وضعية الجلوس هذه لكي لا تلاحظ ما يفعله. هو ربّما لا يتابع ما يحدث. انه ينظر إلى شيء ما بعيداً عن خشبة المسرح باستخدام منظار.
يُحتمل انه ينظر باتجاه السقف أو الشرفة. ترى ما الشيء المثير الذي يشدّ انتباهه ويصرفه بعيدا؟
فمه مفتوح قليلا، كما لو انه يحدّق في شيء وهو غير مصدّق ما يراه.
هل يكون هذا الرجل مخبرا سرّيا يبحث عن قاتل مشبوه على المسرح أو بين الجمهور؟
هناك احتمال انه يحدّق في امرأة أخرى في الشرفة.
لكن من يدري! كلّ هذه الورود والألماس واللؤلؤ والملابس الفاخرة قد تخفي وراءها امرأة بعيدة وباردة لا يستطيع الرجل هضمها ولا يتحمّل البقاء معها.


المرأة الجميلة هنا هي الشكل المهيمن. وجنتاها مضيئتان على الرغم من ظلال المظلّة التي تقيها حرارة الشمس. لا يمكنك إلا أن تشفق على النساء اللاتي يُطلب منهنّ ارتداء ملابس ثقيلة وصارمة من العصر الفيكتوري حتى في ذروة حرارة الصيف اللاهبة.
ولكن ماذا عن الطفل؟
في مشهد رعوي مترع بأشعة الشمس الساطعة والحشائش الطويلة والأزهار البرّية، تمكّن الرضيع من العثور على بقعة ممنوعة في قلب الظلام.
لماذا نحن هكذا منجذبون دائما إلى المحرّمات؟
من الواضح أن المرأة لا تلاحظ الخطر الوشيك لأنها مشتّتة الذهن بفعل الحرارة والرطوبة ورائحة العرق ونشاز غناء الحشرات الصيفية.
إنها غير قادرة على ملاحظة التفاصيل الصغيرة التي تفتن رينوار والطفل الصغير.


هناك الكثير ممّا يجري هنا. معظم الأشخاص يبدون سعداء. ولكن لسبب ما، وبعد أن تتجوّل عيناك في جميع أرجاء المكان لتستوعب المشهد، ستستقرّان على المرأة الوحيدة التي تحتسي كأسا في منتصف خلفية اللوحة.
إنها الشخص الوحيد الذي لا ينظر إلى احد ولا احد ينظر باتجاهه. تبدو هذه المرأة مستغرقة في عالمها الخاصّ، بينما تشرب كأسا من احد أنواع الخمرة المقطرّة التي كانت متوفّرة في فرنسا القرن التاسع عشر.
المرأة في المقدّمة إلى اليسار، تستعدّ لتقبيل كلبها.
للوهلة الأولى، يبدو الرجل ذو الجاكيت والقبّعة باللون البنّي في وسط اللوحة وكأنه ينظر إلى الفتاة الحسناء المتكئة على السياج. لكنه لا يفعل. فلديه ما يكفي من الفتيات الجميلات. وبدلا من ذلك، هو يراقب السفن وهي تمرّ عبر البحيرة والشراب في يده. انه يتمنّى لو انه في مكان آخر غير هذه الخيمة ومع أناس غير هؤلاء الناس.
لكن هناك شيئا آخر أكثر مدعاة للاهتمام. لا، ليس المقصود الشابّ الذي يقف إلى يمين اللوحة، وهو بالمناسبة الوحيد في المشهد الذي لا يرتدي قبّعة، والذي يحاول لفت انتباه الفتاة المغرمة بالشخص الذي يجلس إلى يساره. الأمر المثير للانتباه هو المنظر التعيس الوحيد في اللوحة والذي وضعه رينوار في أقصى الزاوية اليمنى من الخلفية. المرأة في تلك البقعة تضع يديها على وجهها كما لو أنها تحسّ بالإعياء أو أنها تمسح دموعها. الرجل الذي يجلس أمامها يطوّق خصرها بيديه كي يواسيها أو ربّما ليُظهر لها اهتمامه. هذان هما الشخصان الوحيدان في اللوحة اللذان يجري بينهما اتصال جسدي. هي تبدو مذهولة. وهناك رجل آخر يجلس بجانبها ويحاول أن يعبّر لها عن تعاطفه.
وباستثناء هذين الشخصين، لا يبدي أيّ من الآخرين أيّ قدر من القلق لحالة المرأة.
.. والمرأة الوحيدة مستمرّة في الشراب. .

Credits
pierre-auguste-renoir.org
npr.org

2 comments:

حمدان said...

بالنسبة للرسمة الثالثة ، فأرجو مشاهدة فلم

Amelie

الفلم كله يتعلق بهذه الصورة

كل التحية

Prometheus said...

حمدان:
سمعت كثيرا عن هذا الفيلم من قبل. وأتمنى ان أشاهده قريبا.
شكرا جزيلا لك على التنويه والزيارة.